خلوة أديب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    خلوة أديب

    خلوة أديب : قصّة مستوحاة من قصة الأستاذ أحمد عكاش "تعديل طفيف"

    خمسة أشهر مضت على نشر عمله الأخير ، رواية اكتسحت المعارض والأسواق محقّقة أرقاما مهولة . تتنافس الصّحف و المجلات و القنوات على استضافته ، تستقبله استقبال الأبطال ، أينما حل تشنّف أذنيه جميل العبارات و آيات التعظيم ، تتزيّن المجالس مبدية محاسنها لاحتضانه . أحيانا يتعجب من هذا التهافت المبالغ فيه كونه يعلم أن روايته ما هي إلا امتداد لما تعوّد على طبعه ، يتساءل إن كان معيار الحظ هو ما فعل فعلته .
    أصابه عياء الأسفار ، أتعبه افتعال المجاملات ، يريد لحظة لنفسه ، وقفة استراحة ، فترة استرخاء يلملم فيها أشلاء نفسه ، يعيد بناء توازنها الذي استغرق من وقته أعواما . يخاف كلّ الخوف أن يجرفه تيّار الدعاية و يستغرق في سلوكيات تخالف قناعاته ، انزوى في هذا البيت الريفي المعزول متواريا عن الأنظار . هنا في هذا الكوخ البعيد عن ضوضاء الحياة ، القابع في حضن الطبيعة حيث المادّة الأوليّة لم تخضع للتحويل ، المكان تتعايش فيه الأزهار بألوانها المتباينة بدون غيرة ، بل تتناغم روائحها منسمة عبير الصباح و هي لا تزال منتشية بنسج عبق الليل . فضاء فتح صدره للسماء مستقبلا قبلات الشّمس الحارّة ، مزهوا بلمسات القمر ، باسما لدغدغة ومضات النجوم . يلفه الليل برداء سكونه فيستغرق في سباته الهادئ ، حينها تستيقظ عوالم الكاتب الصاخبة و تتزاحم شخوصها المتدافعة لتسكن الصفحات البيضاء ، كل منها يستقبل دوره بصدر ممتلئ حيوية .يقف سيّدنا كقائد فرقة موسيقية يوازن الأنغام فتستجيب الفرقة عازفة على الآلات خاضعة خضوعا مرغوبا لإيقاعات مخياله المبدع .
    تمدّد على سريره طامعا في قيلولة تهدّئ من روع كاد يبدّل فترة نقاهته صراعا من نوع آخر ، لثلاثة ليال كاملة لم يستطع أن يخط جملة مفيدة و قد خاصمه وحي القلم . يسافر إلى مجاهل نفسه فلا يجد غير أبواب موصدة و مسالك ضيقة كمتاهات حلزونية لا مخرج منها . يلتمس من القمر إرشادا ليجده مسترسلا في همس خافت كترنيمات هذيان عاشق خُدّرت فصاحته ، يلتفت إلى النجوم فتراءت له تائهة في بحار الحيرة تبكي ضياع القمر .
    بين صحو و غفوة سمع نقرات خفيفة على باب كوخه ، انتفض جالسا ، لا يميز إن كان الصوت حقيقيا أم مجرد وهم آت من عالم الأحلام ، رجع إلى استرخائه متيقّنا أن ذهنه صنع اللّقطة للتعبير عن وحشته و توقه إلى رفقة تبعده عن الوحدة وآلامها . تساءل إن كانت الوحدة تليق برجل في الخمسين ، كثيرا ما أجّل الجواب عن عزوفه غير المبرّر عن الحياة البسيطة ، لماذا الإصرار على التميّز عن الغير ، لماذا هذه المكابرة من نفسه على لعب هذا الدور الذي أنهكه ، أيعقل حقّا أنه يشكل علامة فارقة في عصره ، لماذا يعجز عن تقبل أن الإنسان مجرّد كائن من الكائنات يحافظ على نوعه تحت تأثير الغريزة ، ترى هل كلّ ما أحرزه إلى اليوم يغنيه عن تأنيب عدم صواب خياراته . أحس غصّة تهزّ راحته ، والوسوسة تخترق منطقه ، فقام من مرقده إلى الغرفة المجاورة ، مدّ يده إلى كظيمة قهوته حين سمع الطرق من جديد مصحوبا بكلام ناعم : " مولاي ، معذرة لإفساد قيلولتك فهلا فتحت الباب ؟" كان صوتا نسائيا أيقظ في نفسه مرحها ، طارت منه هواجسه و تبخرت أحزانه فصاح في سرور : " مرحبا ، فقط لحظة من فضلك " أجابته بأدب : " لا بأس خذ كامل وقتك مولاي "
    تخلّص من منامته و لبس بذلته مطمئنا على مظهره و ملامحه على المرآة و فتح الباب فلم يظهر لها أثر ، مرّر يده في شعره الذي فقد ألقه وقد اكتسحه البياض و يتهدد الصلع مغرسه ، تنفس بعمق عائدا أدراجه نحو مخدعه ، أحس رعشة و رهبة و حسرة تغمره : " أيعقل أن نهايتي ستكون هكذا ؟ أنا الأديب المفكر العالم . أنا الناجح المتميّز ، أنا من أنا .، يعرفني القاصي والداني .، لا ..هذا مرفوض كلية و جزءا ، هل بدأ عقلي يتشظى ؟ هل بدأت نفسي تخلق عالمها الجديد بعيدا عن المألوف ؟ آه يا نفسي المخبولة ، لا.. لن أتقبل تمرّدك و عصيانك ، سأجعلك تستسلمين لنزواتي ، لن أتسامح مع عقوقك وتطاولك ، سأجمع حقيبتي و أذهب إلى طبيبي هو من سيرشدني لكيفية ترويض جموحك ، سيساعدني على تكبيل طيشك و الحد من تهوّرك .
    ـ مولاي .. معذرة .. سمعت صوت الباب لكنّك لم تنتظر عودتي ، كنت أقطف لك زهورا ، نسيت أن أحضر لك هديّة .
    ارتسمت ملامح ابتسامة سخرية من ضعفه حتىّ كاد يصدق أنه قاب قوسين من المرح في رحاب الجنون ، تقدمت خطواته أدار المفتاح جر الباب محدثا قعقعة ، اشرأبّ عنقه مستطلعا فلم يجد غير الفراغ ، انتابته حمّى الغضب ، و تملّكه جنون الغيظ فصرخ حانقا : " ما هذه الألاعيب الصّبيانية ؟ "
    من خلف دوحة ظهرت فتاة في الثالثة عشر من عمرها ، ترتدي قميصا رثّا و سروالا قصيرا ملطّخا لا يتجاوز ركبتها ، يعلو الغبار قدميها الحافيتين ، دقّق النظر فرقّت نفسه لهذه الطّفلة الغارقة في البؤس ، تتقدم نحوه متحدّثة بصوت تمتزج فيه الطفولة بالأنوثة : " هل أغضبك مقلبي البسيط يا مولاي "
    قبل أن يردّ عليها وضعت حزمة الزّهور في يديه و خرّت إلى السجود ، منعها قبل أن تصل جبهتها عند قدميه ، ساعدها على الوقوف فوقفت مستجيبا : " لا تفعلي ذلك أبدا فنحن سواسية كأسنان المشط ، ما اسمك يا ابنتي ؟ "
    ـ عجبا ، ظننتك تعرفني جيدا ، ألم تتذكر بعد صورتي و ملامحي .
    ـ عفوا لم أستطع التذكّر ..
    ـ غريب فعلا ، كيف لمبدعي وصانعي أن ينساني بهذه السهولة ، أنا لا أزال أحقق لك أمجادك و لا أزال قيد الخدمة و الطاعة .
    يريد أن يتواصل معها لكنّه لم يفهم شيئا من ألغازها ، فربما تكون فقدت صوابها ، فرائحتها النّتنة و الفوضى العارمة التي تعمّ صورتها لتعبير عن خلل ما في توازنها .
    ـ أنا سوسن بطلة قصتك الأخيرة .
    نظر نحوها بريبة و تصلبت ملامحه و هو يحاول التّماسك عندما أضافت :
    ـ جئت أزور مقر ولادتي ، و أتبرك بهذا المقام الذي يسكنه الوحي ، كما أنني جئت أنقل إليك عتابا من بعض أشخاص الوحي ، فبعضهم ناقم عليك ، حيث أصابهم الملل من إعادة تكرار نفس الحياة البئيسة ، خذ مثلا ، أنا أعيش حياتي التي كتبتها عليّ بعدد قراء كتابك ، كم هو رتيب هذا الدور ، حقيقة لا نملك إلا طاعتك يا مولاي ، رغم ذلك فبعضنا لا يستحلي حياته .
    تمتم قائلا :
    ـ أصحيح أنك من عالم الوحي ؟
    ـ لا تأخذك ريبة في هذا ، أنا أيضا لست راضية عن نهاية يلف فيها الحبل رقبتي ، أتعجبك هذه الصورة التي أرغمتني على عيشها مرارا في طفولاتي المتعاقبة ؟ طفلة الشوارع !!! هذا لا يليق وفق ما خبرته في أذهان قرائك . هل تسمح لي بالدّخول إلى رحاب هذا البيت المقدس فأصلّي رغبة في نوم هنيء أو حياة أخرى غير التي أعيشها ؟
    ـ انتظري ، هذا بيتي ، لا تقتربي من أدواتي فأنت روح ملعونة ، بل فتاة مجنونة ، أبعدي أوساخك عنّي .
    ـ عجبا أنت من صنع هذه الصورة التي تكرهها . لقد خاب ظني فيك يا مولاي .
    ـ لا تبتعدي ... كيف خرجت من عالم الوحي ؟
    ـ هذا مجهود قام به فريقي .
    ـ فريقك !!!؟ أين هو ؟
    ـ هيا اخرجوا من مخابئكم أيها الكرام !
    بعضهم ينبت من خلف الأشجار الظليلة والأخرون يهبطون من على الأغصان يتقدمهم وكيل أعمال الكاتب .
    فصاحت الفتاة : شكرا سيدي ...أنت تشارك معنا في برنامج " خلوة أديب" .

    هديّة للقاصّة الأديبة عبير هلال .




  • عبير هلال
    أميرة الرومانسية
    • 23-06-2007
    • 6758

    #2
    مساء الخير

    النص جميل

    لكن النهاية لم ترق لي ، بامكانك أن تجتهد بها أكثر

    تحياتي لك

    sigpic

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      الأستاذ عبير هلال

      مساء الأنوار

      رأيك محترم و أحيي فيك الصّراحة ، فالمجاملة تقتل النّصوص ، ربما رفعت اللاّشيء إلى رتبة الشيء الحيّ ، فظن صاحبه أنه فعلا قويّ البيان ، فتغذّي نفسه غرورا لا يستطيع التخلّص منه . شكرا أن أوصيتني بسر النجاح و هو الاجتهاد والجدّ و الالتزام .
      تقديري الوافر .
      و لروحك ألف بسمة .

      تعليق

      • حسن لشهب
        أديب وكاتب
        • 10-08-2014
        • 654

        #4
        نحن هنا أمام نص جديد للأخ نور الدين
        لا يخرج هذا النص عن سياق المتن القصصي برمته والذي كما أومأنا لذلك آنفا مثل كثير من المتابعين ، يمتاز بسلاسته اللغوية وتماسك متوالياته السردية ، وهي من المقومات المركزية لكل عمل سردي ناجح. نحن هنا أمام مبدع يستمتع ببناء لغة يعشقها ما في ذلك شك ، ولكنن العنوان الذي اجترحه للنص يترك لدى المتلقي رغبة في إعطائه عنوانا آخر أفضل وأكثر إبداعية شأنه شأن النص السابق إلى العلا. فمن حق النص الجميل أن نرسم على جبينه عنوانا أجمل.
        ويبقى لك أخي نور الدين واسع النظر.
        شكرا.

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          أخي حسن لشهب

          مودّتي و تقديري .


          العنوان علم لوحده ، ربما كنت محقّا ، لا أذكر أنّني يوما بذلت جهدا كافيا في اختيار العنوان . إشارة ربما كانت محفزا على حسن الاختيار مستقبلا .

          تقبل امتناني

          تعليق

          يعمل...
          X