محسن شهيد البحر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد لاعبي
    أديب وكاتب
    • 14-11-2011
    • 45

    محسن شهيد البحر

    فهم محسن منذ زمن بعيد، أن نهايته ستكون مثل نهاية كل الصيادين، إما الغرق في البحر، وإما في بطن الحوت إلى أبد الآبدين. لكن محسن لم يفصح لوالدته عما يشغل باله. رغم كونها أكثر جرأة من نساء القرية، وأحسنهن صوتا، ذلك أنها تزغرد بعنف شديد، كلما أنجبت إحداهن مولودا ذكرا، وتقول: مبروك ياجارة! أنت أم الشهيد؛ وإن وضعتها أنثى، تزغرد بنفس الحرارة، ثم تبارك للأم قائلة: أنت جدة الشهيد. كلما رأى محسن والدته تعجن الخبز، يقترب منها، يداعبها، وفي عينيه لوعة لا يستطيع أن يخفيها ثم يقول لها: سأتزوج امرأة أقوى منك، تعجن الخبز بيد واحدة!. لم تكن الأم تلتفت إلى كلام محسن، ربما لأنها كانت واثقة من نفسها أكثر من المعتاد، أو لأنها كانت تدرك بإحساس الأم، أن البحر هو عدو للأم، يستطيع أن يثكلها متى يشاء.
    اما والد محسن فقد تعلم أثناء مقامته للإستعمار الإسباني أن يبقى دائما حذرا. صحيح أنه فقد عينه اليسرى بسبب رصاصة طائشة، لا يعرف لحد الساعة مصدرها، لكن البحر لم يقو على هزيمته، ولم يضعف أمام أية امرأة رغم قوة بدنه. كان الحزن يلازمه، ويضعف همته. لا يرى بارقة أمل إلا إذا جلس إلى محسن يتحدث معه عن أخبار الصيادين. أما عندما يغيب ابنه، حينئذ يحيط الفراغ به من كل جانب، فيغرق في صمت رهيب.
    لماذا تاخر محسن؟ لقد أخبر أمه بواسطة الهاتف بأنه سيحضر، وطلب منها أن تخطر الوالد بالانتظار، ليشربا الشاي معا. . نزل القلق بكثافة في أرجاء البيت، لعلهم قبضوا عليه مرة أخرى. لوح والد محسن بسبابة يده اليمنى عدة مرات، ثم قال محذرا: لا يقهر هؤلاء الطغاة إلا الموج العارم!. ثم نظر إلى أم محسن نظرة قاسية، وقال لها، وكأنه يخاطب نفسه: أين لي من صبر أيوب؟. ردت عليه بحدة: قلت لك مرارا: ثلاثة أشياء لا تثق فيهم المرأة أبدا: البحر، والخمرة، والثورة. ثلاثة أشياء تأكل أكباد الأمهات يا محمود!.
    لم تعد لمحمود رغبة في شرب الشاي، فقد أصبح مرا، حتى وإن لم يذق منه شربة واحدة. لكنه هز رأسه وهو يتنفس بعمق. تذكر أنه كان يفعل ذلك أيضا في جبال الريف؛ عندما تنضب الدخيرة.
    ثم قال وفي صوته وجع، لكن بكلمات وكأنها رصاصات تنطلق متتابعة: وأنا أضيف إلى الثلاثة التي ذكرت، الرابعة، والخامسة: الشقراء، ضخمة الذراعين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، خضراء الدمن، إذا ماجت، وراجت، تقطع حبال الشباك، وتمزق الأشرعة، وتقلب القوارب، لا ترضى بالقليل، ولا الكثير يرضيها. أراد محمود أن يتحدث عن الخامسة، لكن الكلام لم يسعفه، فسكت. لقد شعر بالخزي؛ شعر بالعار يتسرب إلى دماغه، على شكل موجات كهربائية متزاحمة. فغادر المكان. لأول مرة ترى أم محسن زوجها مرتبكا، خائفا. إنها تعرف تفاصيل الرؤيا التي حدثها بها بعد صلاة الفجر. لم يكن يصلي كثيرا، لكنه إذا رأى حلما يأتي وكأنه فلق الصبح. رأى أن البحر غضب غضبا شديدا، فابتلع القرية كلها، فخرج إليه محسن وكان رضيعا، حبا إلى أن ركب الموج، ثم أصبح يكبر ويكبر حتى وصل برأسه السحب الداكنة، نظر إلى أسفل قدميه، فصرخ صرخة قوية، انشق على إثرها قلبه، وفي لحظة كأنها وميض البرق، اجتمعت عليه الحيتان بأشكالها وألوانها، التفت زناعفها حول عنقه. اشتد الخناق، ثم اشتد، إلى أن سقط محسن مسحوقا بين جبلين.
    قال محمود وهو ينظر إلى مهجعه: تلك هي الخامسة التي لا يعرفها إلا الأب المكلوم، أن يؤخذ ابنك بغتة، ثم يختفي القاتل في الظلمات إلى يوم يبعثون..
يعمل...
X