شهادة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    شهادة

    شهادة
    ***
    لم يكن سعيد فنانا فقط، يتقن الرسم، والنحت، والعزف، بل كان، أيضا، حكاء ماهرا، يعرف كيف يشوق المستمعين، نتحلق حوله لسماع مغامراته العجيبة بكثير من الاندهاش وعدم التصديق. لقد كان طوق نجاتنا لما عينا بمنطقة بعيدة جدا عن مدينتنا، حتى إنها لا تظهر على خريطة الوطن؛ فقد سبقنا في الاشتغال فيها، ولذا، سلمناه مقاليد الحكم، نجلس خلفه كبيادق في هذه الحافلة ونتبع خطواته حتى لا نضيع؛ فقد اعترتنا مخاوف كثيرة بفعل خروجنا من مدينتنا لأول مرة، ونحن ما دبرنا حياتنا إلا وفق ترتيبات آبائنا. هؤلاء الذين قدموا لنا نصائح ثمينة يمكن المغادرة!
    ما إن توقفت الحافلة بهذه القرىة الأطلسية الضاربة في قلب التهميش، حتى نزل صديقي سعيد بسرعة، وغاب في المكان. ترك الدهشة معلقة في وجوهنا، أزلتها بقليل من التأويل: هو يعرف، تماما، أن سائق الحافلة، يوقف حافلته بهذا المكان، باتفاق ضمني مع صاحب المقهى والمطعم، يحمل المسافرين على ارتياد المكان بقصد استهلاك طعامه، خاصة وأن الساعة وقت غداء، كما يعرف، من خلال تجربته زمن التوقف وجغرافية المكان...ربما توجه لقضاء حاجته، ثم استدركت، المقهى بها مراحض...
    تناولنا طعامنا بعد جوع بفعل البرد القارس، وطول السغر، ولم نطلب لصديقنا شيئا، حين قدومه يمكنه فعل ذلك، فنحن لأول مرة سنذهب إلى منطقة عملنا، أما هو، فقد تعودها، وله منزل هناك، بخلافنا نحن، إذ سيتوجب علينا البحث عن منزل لإقامتنا التي لا نعرف مدتها..سيستضيفنا لفترة، لكنه من الواجب البحث عن سكن خاص حتى نترك له حرية الفعل والتصرف..
    ما إن فرغنا من الأكل حتى شاهدناه قادما بوجه شاحب، أصبنا بالحيرة عن السبب، واستعجلنا كلامه لتزول عنا مسحة الحيرة، طلب منا كأس ماء ليبل ريقه قبلا، سارعنا للاستجابة وكلنا آذان صاغية، ونفوس قد يبسها الفضول.
    علمنا أنه قد ذهب إلى وكر متعة، ولما دخل، أثارته فتاة رائعة الجمال على غير العادة، ففتيات المتعة متوسطات الجمال، أما هذه، ففاتنة،؛ قد تقف ظروف صعبة لقدومها إلى هذا الهامش، ربما هروبا من شخص ما، أو قصة ما..سارع إلى نقد المشرفة على الوكر، وحملها إلى عش من قش لقضاء حاجته الضاغطة، يقول: لن يتسنى لكم إشباع رغباتكم في مكان عملكم، فلا ظهور للنساء في قرية عملكم، يعتقد الزائر لها أنها قرية للرجال لا غير، وستشتد وطأة الشهوة، ولن تجدوا لها تصريفا..كان عليكم مسايرتي بدل تعففكم البليد..
    ثم توقف كحكواتي محترف، يعرف كيف يشوق، ومتى يتوقف، ثم تابع بعد أن رأى عيوننا مسمرة عليه، وأفواهنا كأنها مشرعة على طعام بعد طول جوع: تعرت ببطء شديد، وكانت تريد إثارتي، وما علمت أنني معد مسبق للركوب، ولما صارت عارية تماما، اضطجعت على ظهرها، فوق حصير من دوم، ورفعت رجليها كقائدة ماهرة، تدرك كيف تقود كتيبتها، هنا، وفي هذه اللحظة، تولد استغرابي، وكدت أتراجع إلى الوراء، فقد أبصرت بعيني اللتين سيأكلهما الدود، وشما بخط عربي منقوش على الفخذين الممتلئتين لحما وشهوة، كلمات لا تخرج إلا من أفواه المتقين الأبرار، كادت شهوتي تذوب، وعضوي ينكمش، ورمت، في ثانية، التراجع، والعودة من حيث أتيت خائبا، لكن إدراكي، أن الكبت داء لا يمكن الشفاء منه في قرية خالية من عطر النساء، قرية تستوطنها الخيبة، وتسكنها الكآبة، يوأكلها النسيان،اقتحمت العقبة، وكأني فارس يبغي أخذ الثأر ومحو العار، سللت سيفي من غمده وأشهرته في وجه المرأة المتحدية بكلماتها التي أرادتها طلاسم تبعد عنها الفرسان المغاور ضاحكة، لن أسمح لهذه اللعوب بهزيمتي، هكذا، وبكل عزم وإصراراستقدمت الشهوة، وحققت اللذة.
    لم يخطر ببالي سؤالها عن سبب كتابتها للمقدس في ذلك المكان على وجه الخصوص؛ فقد اعتبرت ذلك جرأة كبيرة، وتحديا لا يمكن غض البصر عنه؛ بيد أني علمت أن من يدخل إلى ذلك المكان؛ فقد رضي بالتحدي، واقتسام اللعنة.
    قررت، في الرحلة القادمة، اكتشاف الأمر بنفسي، فصديقي مصدر غير موثوق به.
    وكأنه قرأ أفكاري، فقال لي: سأحملك معي في الرحلة القادمة لترى رأي العين حقيقة مزاعمي، وتحكم بنفسك، بعد أن تصرف عنك تعففك القديم..
    قال لي ذلك ونحن نلحق بالحافلة التي تحركت من دوننا، ودخانها يزكم أنوفنا المتعبة.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    دام عطاؤك الغزير و دامت المهارة المدهشة في شد القارئ و توجيهه حيثما تشاء.
    أحالني النص على مقطع وظفته يوما في إحدى الاقاصيص اصف فيه ما يشبه مفارقة :المعاناة لأجل العذاب.
    شبهت الموقف حينها كيف رأى في الحلم أنه يقضم حبة عنب بلاستيكية.
    هنا تماهيا سلوى و متعة وجدتها و أنا أتابع السفرة و ما آلت إليه. لا أقصد تخلفهم عن الرحلة بسبب الثرثرة لأنها فقط ظاهر الأشياء بل تمعنا في هذا الإنسان المسكين الذي قد يدفع باهضا أحيانا كي يتسنى له أن يتعذب..
    ودي و تقديري سي عبد الرحيم
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • حسن لشهب
      أديب وكاتب
      • 10-08-2014
      • 654

      #3
      سي عبد الرحيم
      أندهش من روعة قلمك و أندهش كذلك كرم العطاء
      كل مرة تستضيفنا لوجبات إبداعية لذيذة
      فماذا عسانا نقول لك
      ألف شكر وشكر

      تعليق

      • عبدالرحيم التدلاوي
        أديب وكاتب
        • 18-09-2010
        • 8473

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
        دام عطاؤك الغزير و دامت المهارة المدهشة في شد القارئ و توجيهه حيثما تشاء.
        أحالني النص على مقطع وظفته يوما في إحدى الاقاصيص اصف فيه ما يشبه مفارقة :المعاناة لأجل العذاب.
        شبهت الموقف حينها كيف رأى في الحلم أنه يقضم حبة عنب بلاستيكية.
        هنا تماهيا سلوى و متعة وجدتها و أنا أتابع السفرة و ما آلت إليه. لا أقصد تخلفهم عن الرحلة بسبب الثرثرة لأنها فقط ظاهر الأشياء بل تمعنا في هذا الإنسان المسكين الذي قد يدفع باهضا أحيانا كي يتسنى له أن يتعذب..
        ودي و تقديري سي عبد الرحيم
        قاصناالراقي،سيديمحمد
        سعدت بتقبلك النص.
        شكرا لك على قراءتك القيمة، وتفاعلك المثمر.
        دمت مورقا.
        مودتي

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
          سي عبد الرحيم
          أندهش من روعة قلمك و أندهش كذلك كرم العطاء
          كل مرة تستضيفنا لوجبات إبداعية لذيذة
          فماذا عسانا نقول لك
          ألف شكر وشكر
          أخي البهي،سيدي حسن
          أشكرك على تعليقك المشجع.
          سعيد أن تنال نصوصي رضاك.
          بوركت.
          مودتي

          تعليق

          يعمل...
          X