قراءة في المجد الثاني لمحمد فطومي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    قراءة في المجد الثاني لمحمد فطومي

    قليلة النصوص التي تجد العنوان فيها متحركا عبر محطات النص ، بل في الغالب نجد العنوان جامدا يشير إلى قضية مركزية في النص أو مكملا للنصّ يملأ فراغا مقصودا تركه الكاتب ، و لكون محمد فطومي فتح نصه و جعله مشرّعا بتناوله قضايا مختلفة فالعنوان يتقمص القضايا التي يتناولها عبر محطاته .

    بدأ الكاتب نصه بكلمة "أولّ" في تقابل واضح مع آخر كلمة نطق بها العنوان ، لكأنّه يريد تحديد المجد الأول ليسترسل بعدها في محاولات التقليد للوصول إلى المجد الثاني . وبإقناعه لنا أن الطبيعة لا تمنح الروح المفعمة بالجرأة مرتين ، و كانت هذه أولى الأفكار التي صدح بها النصّ ، فالمجد لا يناله المقلّد بل المبدع ، و يبقى الاستكشاف مقرونا بصاحبه .

    الابتسامة قيمة ، رمز وجود بل ماهية حقيقة فيقال : الإنسان حيوان ضاحك ، هي مجد بكل تأكيد كقيمة و كشعور موجب ، والابتسامة في وجه الناس صدقة ، عند تحديد المجد الأول حان الوقت للبحث عن المجد الثاني في النص. لكون هذه الابتسامة مجرد إظهار لأسنان في صورة إشهارية ، و الحقيقة الإشهارية زائفة ، فهي محاولة زائفة مزورة للمجد الأول الذي فازت به البسمة ، المجد الثاني حقّقته الشركة بتوظيفها للروح الإيجابية في البسمة و براءة الطفولة للوصول إلى أرقام ربحية غير مسبوقة و كذا التغلب على منافساتها في السوق ، والمجد الثاني هنا غير المجد الأول ، فالانتقال من القيمة المعنوية إلى القيمة المادية عمل في أحيان كثيرة تغلّفه السلبية ، فالنظرية النفعية ، تحقق وجودا ماديّا و لاتهمها القيمة في ذاتها بل ما يترتب من القيمة كأثر مادي ملموس ، ما تحققه القيمة في ميزان السوق ، وهنا دخل النص صلب الحياة المعاصرة و أمجادها الزائفة ، فالربح كغاية يبرر كلّ الوسائل . ونلاحظ هنا كيف تم تحويل الإبتسامة إلى ماركة عالمية "طفل العالم " لكن عند تفريغها من قيمتها و إلباسها رداء أشقر في إشارة إلى عولمة ثقافة بعينها و جعلها تغزو العالم على حساب هويات محلية تنحصر و تتقوقع في فضاء يلعب فيه الإعلام الخطوة الأولى في تزييف القيمة و نشرها وفق أجندات معينة ، و بعدها تتوغل لتصنع الذوق العام و الثقافة الجديدة بل تنخرط في تنظيم المجتمع و مؤسساته في إشارة إلى القوانين التي تكيف مع المفاهيم المفبركة ، و كيف يصنع رأس المال رموزا جديدة كإرث حضاري إنساني .
    بعد تلك المقدمة انتقل النص من عالم الفكرة وعالم التقريرية إلى عالم البطل في سرد محكم بليغ وساخر .
    بعد إنجاح وصلته الإشهارية بدأ البطل في تحقيق مجده الأول ، وقد حولته الدعاية إلى رمز للنجاح ، وهكذا تحولت حياته من إنسان بسيط بريء إلى إنسان رمز و علامة فارقة وهنا تناول الكاتب مجموعة من القضايا ، أولها صناعة النجومية و كيف يتم فبركة الهالة و الكاريزما و كيف تحول التفاهة إلى بنيان عجيب ، وتناول بالنقد كيف تسخر وسائل كثيرة و مؤسسات في خدمة المشروع الهشّ " مشروع نجم إعلامي " " شخصيّة عامّة " وكيف تتم مركزة العالم حول الرمز الجديد واعتبار كل خطواته قدوة . و بأسلوب ساخر نقل الكاتب كيف يصدّق البطل الحكاية و ينخرط في عالم زائف ، بإلقائه محاضرات و مشاركته في المعارض و غيرها من الأفعال التي تنم عن مجاراة المجد الزائف .
    تناول الكاتب أيضا ثقافة الزبونية والعشائرية في خدمة المشاريع ، و رفع سوطه في وجه المثقف الذي ينخرط في لعبة الزيف هذه بأبحاث مشبوهة وكتب وتأويلات وغيرها وكل هذا لتحقيق المجد الزائف .

    و في إشارة إلى نكران الجميل لاحظنا كيف عرّج الكاتب على تغريم الشركة من طرف القاضي بعد أن أصبح السوق مرتبطا أكثر بالرّمز أكثر من ارتباطه بالمنتج ، وتحول الرّمز إلى أسلوب حياة تستفيد منه بقية وسائل الإنتاج وخاصة عالم الاتصال و التواصل . وهكذا سمح له بارتكاب مايريد و اقتراف كلّ أسباب المحافظة على المجد .

    المجد الثّاني لهذه الابتسامة بعد الوفاة ظهر في صورتين ، الصورة الأولى التوريث ، أي حق الأسرة في اكتساب مجد الأب و حقوق الملكية في ابتسامته ، والصورة الثانية عند انتقال الضوضاء إلى الحياة الأخرى ، وهنا إشارة خفية من الكاتب إلى أسطرة الرموز ، و جعل قدراتهم أبدية و تناول الكاتب هذا المقطع بكثير من السخرية وكانت الغرائبية هي الطريق إلى نقد أسطرة الرموز حتى بعد انهيار الأسس التفاعلية التي بنيت عليها أمجادهم .
  • عبير هلال
    أميرة الرومانسية
    • 23-06-2007
    • 6758

    #2
    يثبت الموضوع

    كل التقدير لكما

    أيها المبدعين

    وشتائل تقدير
    sigpic

    تعليق

    • أميمة محمد
      مشرف
      • 27-05-2015
      • 4960

      #3
      أهلا بك الكاتب والقاص نور الدين لعوطار
      إنه أسعدني أن أجد لك قراءة وهذه أول مرة تصادفني قراءة لك
      قراءة النصوص دليل التشبع بالقراءة والنص
      جميل ما قرأت
      لكنك لم تضع رابط النص أستاذ نورالدين
      تحية لكما

      تعليق

      • نورالدين لعوطار
        أديب وكاتب
        • 06-04-2016
        • 712

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
        يثبت الموضوع

        كل التقدير لكما

        أيها المبدعين

        وشتائل تقدير

        أهلا بالأستاذة عبير هلال

        شكرا با كريمة بنت الأكارم في بيت الأكارم

        تحية تليق.

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أميمة محمد مشاهدة المشاركة
          أهلا بك الكاتب والقاص نور الدين لعوطار
          إنه أسعدني أن أجد لك قراءة وهذه أول مرة تصادفني قراءة لك
          قراءة النصوص دليل التشبع بالقراءة والنص
          جميل ما قرأت
          لكنك لم تضع رابط النص أستاذ نورالدين
          تحية لكما

          الأستاذ الفاضلة أميمة محمد

          نعم الملاحظة هي، هذا رابط القصّة:
          المجدُ الثّاني أوّل ابتسامة عرفتها البشريّة كانت من نصيب صبيّ أشقر على علبة معجون أسنان. عقب ظهور المنتج توالت المحاولات من هنا وهناك لتقليد الابتسامة لكنّها لم تكن إلا نسخا مزوّرة تعوزها الحرارة والرّوح المُفعمة بالجرأة التي لا تمنحها الطّبيعة مرّتين. بفضل حوزها شرف إطلاق الابتسامة الأولى حقّقت الشّركة أرباحا طائلة



          و سأضع هناك أيضا رابط القراءة و شكرا كبيرة.

          تعليق

          • محمد فطومي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 05-06-2010
            • 2433

            #6
            تحية عطرة أستاذنا الأديب و الناقد نور الدين لعوطار.
            للنقد وجوه عدّة و زوايا كثيرة يمكن للباحث أن يعالج من خلالها النصوص يغلب عليها التنظير و إرغام النص على الانتماء إلى مدرسة دون أخرى عوض أن يحدث العكس. هذا ما يحصل غالبا. لكن هنا رأيت دون مجاملة قطعة فنّية أدبية بامتياز. إنّها قراءة القاص صاحب الأدوات و التجربة و "المكر" القصصي الذي لا نجده سوى عند أهل المراس.
            أشكرك جزيل الشكر. أحسنت في مواضع كثيرة. بل استطعت أن تصنع دهشة في بعضها أذكر مثلا فقرتك الأخيرة على وجه الخصوص.
            سلمت يداك لقد أضأت و أفدت و قرّبت.
            امتنناني على الوقت و الجهد الذي كرّسته للمقال. أنا معجب حقا بما قرأت. سأظل أعتز بذلك طويلا.
            محبّتي أخي العزيز. و كل أيامك عيد.
            مدوّنة

            فلكُ القصّة القصيرة

            تعليق

            يعمل...
            X