فنطازيا على ضفاف النيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حدريوي مصطفى
    أديب وكاتب
    • 09-11-2012
    • 100

    فنطازيا على ضفاف النيل

    إلى صديقي الكاتب ربيع ع.الرحمان

    تنويه: كتبتُ هذه القصة خلال سنة 2007 وفي حضرة أديبنا ربيع ع.الرحمان، إذ كان هو من وراء مسنجر (هوتمايل ) كدليل يرشدني ويهديني بين شوارع وازقة مصر واورقتها ،من اسواق ومزارات وانا هنا ببلدي على لوحة الرقن اكتب واتخيل الأحداث للتتوافق والأمكنة،
    وقد لاحظت ان أديبنا القاص: حسن لشهب تفتق ذهنه وخياله الخصب والواسع عن نص قصصي :( خفة الفكر اللامعقول بعد يوم متعب ) يتقاطع مع نصي هذا ، حيث يشتركان من الانطلاقة ذاتها وهي الانفلات من العالم الأرضي عن طريق التجرد من الذات (نيرفانا ) بعد يوم متعب وايضا لهما نفس النهاية وهي العودة إلى البيت حيث الأولاد ، لكن لا ختلافنا كانا مختلفين في المحتويين .وقد طلب مني الأستاذ حسن ـ بعدما علم بذلك ـ نشر النص ، ونزولا تحت طلبه أثبتها هنا في المنتدى...اتمنى أن تنال رضى وقبول الجميع، تحياتي.


    فنطازيا على ضفاف النيل

    أغلقتُ النوافذ وأسدلت الستائر فعامت الغرفة في سكون، والتحفت بظلال ...لطفت من قيظ الظهيرة . جررت رجلي المتعبة مشيا ـ بفرط الوقوف والتوقف، والجيئة والذهاب بين الصفوف ــ نحو سرير نومي، وارتميت عليه بكل ثقلي وهمومي .
    أحسست ببطني تؤلمني، ربما خواؤها لم يحتمل ثقلي، فاستويت على ظهري.
    جميل هذا الألم المنساب ..المنسل من بين ثنايا الجسد وهو يتلاشى رويدا، رويدا تاركا وراءه مساحات صغيرة من الراحة تأخذ استراحتها على جماع بدني بعد يوم مليء بالكد ، والجد.
    حاولت أن أرتخي، استرخي أكثر ريثما تُهيأ مائدةُ طعام الغذاء، فأغمضت عيني وركزت على ذاتي وألمي اليومي متناسيا كل ما حولي، لربما أغفو لحظة أو لربما أصل إلى النيرفانا التي طالما حلمت أن أصل سدرتها، تلك اللحظة حيث ينتفي الجسد ، وتشمخ الروح عارية من كل درن أرضي ، لكن ما ان حاولت حتى ناموسة ، أو ذبابة لمست أرنبتي فكسرت ما بنيت من تركيز؛ جلْت بناظري في الغرفة، فلمحتها تحوم حولي
    " إنها.. لا ناموسة ولا ذبابة ... ربما يعسوب ؛ لا...لا اليعسوب يكون أكبر". قدّرت، في قراري.
    تعالى أزيزها ودورانها ... وبكثرة ما تبعتها ، تعبت ،أصبت بالغثيان .
    كم كرهتها !
    " ألم تجد هذه الملعونة إلا هذا الوقت بالذات لتعبر عن ذاتها ؟."
    وقفت وكلي عزم على محقها، مسحها مع الحائط . فتتبعتها في الجهات الأربع، لكن ، لم أظفر بها.
    بلغ الجهد مني مبلغه... وربما هي أيضا ؛ فتضاءل تردد حومها... ثم أخذ يخف ، و يخف، وأخيرا ، حطت على الحائط، في مستوى نظري؛ فهجمت عليها ببقايا من جهد لي محاولا سحقها براحة يدي، وضربت بكل قواي مكان حطها حتى آلمتني ذراعي ...
    " أف ! ...لقد فلتت الشقية ... انزلقت كزئبق من تحت راحتي"
    رفعت يدي، وإذا ببقعة سوداء في حجم فلس ترتسم على الحائط ...دعكتها بلطف حتى لا يزول الطلاء ، لكنها كانت مندمجة معه كليا .. ضغطت بإبهامي ضغطا خفيفا فساخت في الحائط وكاني اضغط زرا ، حينما أحسستُ به وصل منتهاه ، انفتح باب أمامي بمساحة جدار غرفة نومي ؛ كما تنفتح الأبواب السرية في أفلام هيتشكوك أوقصص أغاتا كريستي ؛ كاشفا عن بطحاء مديدة الأطراف وطريق طويل مبلط رخاما .
    " ما هذا يا رب ؟ أأنا أعيش حلما أم هي الحقيقة ماثلة أمامي؟ "، تساءلت.
    .التفتت ورائي فلمحت سريري يحمل أثر بعثرتي الأخيرة له، لم يتغير. حاولت أن أخطو خطوة نحو هذا المجهول لكنْ، ترددت... خوفا أنْ أهوي في سقطة حرة تنهي حياتي ، أنا الساكن بالدور الرابع .
    عزم وفضول يدفعاني للتقدم، إرادة تهمس لي : جرب ، فقلت : "بسم الله " ، وخطوت خطوة ، ثم... خطوتين.. فوجدت ـ ويا للغرابة ـ أرضا صلبة تحتي ؛ إنه ـ إذا ـ عالم حقيقي ، لا خيالي ، التفت ورائي فلم ار بيتي.
    " يا ويلي !.. قد انمحى... كأنه ما كان ... "
    تبدّتْ أمامي بطحاء ، و ورائي بطحاء ... فقلت : ليكن الطريق الرخامي إذا سمتي
    ..
    كان الطريق الرخامي ، طويلا، تحفه أحواض ماء؛ وتستعمرها زهور اللوتس بأنواعها، مزهر بعضها وآخر في طور التبرعم ؛ وغير بعيد مني رأيت بحيرة تعكس سماء صافية لازوردية تدب على شواطئها تماسيح هائلة تروم دفء الشمس الحارة، وفي الآفاق تراءت لي حقول خضراء لم أتبين نوعية مزروعاتها، يتحرك داخلها خلق كثير من كل الفئات العمرية في كد، وجد ...
    فجأة، ومن وسط هذه الباروناما الغريبة وجدت على حين غرة عربة تجرها أربعة خيول مطهّمة قادمة من طريق فرعي مندفعة بجنون نحوي ، ركضت لأتقي تصادمها معي غير أن السائق أوقفها ببراعة ونحورَ خيولها تلامس رأسي ...ترجل السائق، يمشي الخيلاء؛ الرأس في السماء والقدمان ثابتتان على الأرض، ومسحني بنظرة متعالية ذكرتني بنظرة هيكتور لأخيل.
    كان معتدل القامة، كحيل العينين خُمريَ اللون؛ رأسه حليق تغطيه باروكة مجدولة بخيوط ذهبية وبيده اليمنى صولجان وبالأخرى كرباج، والمعصمان مزينان بأساور ذهبية على هيئة أفاعي ذات رؤوس تماسيح. لم يعرني اهتماما لكن ، ناولني صولجانه وانحنى، وبدأ يتفحص حذوات الأحصنة ، ثم قال لي بنبرة فيها سمو وكبرياء:
    ـ هل تعرف أيها الغريب، كيف يمكن أن نمتّن هذه الحد وات حتى نقلل من تآكلها السريع ؟
    لملمت نفسي الضائعة بحثا في ذاكرتي عن صورة لهذا الشاب ، وأجبت بتلقائية وثقة نفس زائدة ، ـ لا أعلم من اين أتتني ـ لعله يفهم انه في حضرة خبير:
    ـ أنتم تستعملون يا سيدي ذهبا خالصا من عيار اربعة وعشرين قيراطا؛ وانصح بان تجدوا سبيكة تكون بعيار اقل من ثمانية عشر ، افضّلُ ، أن تكون ثلاثية َ من نحاس وقصدير وذهب .
    رد علي وبسمة طفل تجلل محياه :
    ـ نعم هذا ما نصحني به كبير كهنتي ،لا شك أنك سيد في مهنتك ؟
    لم أردّ ، فالمشهد الذي جد أمامي أفحمني ، جعلني فاغرا فمي ،إذ رأيت جموعا من الناس منهم السجد ، الركع للشاب ، ومنهم من يتمسح بالعربة ، وآخرون يقبلون الظل الطويل الذي جادت به الشمس المائلة إلى المغيب .
    " إنني بحضرة ملك ، إذاَ . من هو يا ترى ؟ اللون الخمري ، الصولجان ، الباروكة ، من يكون ...؟.آه إنه العظيم : توت عنخ آمون... إنني بمصر إذا " ، استنتجت .
    حالا ، ركعت ، فنهرني ، وهو ما يزال يتفحص سنابك خيوله.
    ـ قم... قم ،لا عليك فأنت خارج الزمن...
    قمت ، ورفعت رأسي فإذا بالجمع و قد انفض...بل وكأنه ما كان...
    فلا بلاط رخامي ، ولا بحيرة ، ولا تماسيح ...
    التفت حيت كان توت خنع آمون يتفقد سنابك خيوله وقلق كموج يجرفني خوفا أن يضيع هو أيضا ، فوجدت قد حل مكانه رجل كهل، يعقد سيور حذائه اللامع ، يرتدي نظارتين حجبت شيئا من وجه له تضارع بشرته السكر الأسمر،
    تأملته ، تهجيت أساريره، فوجدت فيه شبها كبيرا مع سعد زغلول، فلو كان يعتمر طربوشا لقلت هو عينه
    "كم أحبك يا زغلول ...وكم افتقدناك يا سعد ! "
    حال ما أنهى ــ شبيه سعد ــ ربط سيوره حتى نهض وانتصب كنخلة؛ ما تصورت أنه بهذا الطول ؛ يعلوني ـ ربما ـ شبرا أو أكثر، بالكاد رأسي يلامس منكبه ثم قال لي بصوت واثق :
    ـ هل لديك قلم؟ لأكتب لك عنواني ، قد تتوه ولن تعرف طريق العودة .
    دوخة ساورتني، وحيرة ملكتني ، جعلتني أمسك برأسي... وألتف يمينا، ويسارا لعلني أجد عونا ، سببا يبدد ما بي من اضطراب وقلق أو يردني إلى حالي ، غير أن من قراري عنّ هامس يقول لي: " سر قدما ، لن تخسر شيئا ، قد خطوت سابقا وما سقطت ، تابع ما دامت الأرض الصلبة تحت رجليك "
    ربما شبيه سعد لا حظ ارتباكي فربت على كتفي بلطف وقال لي:
    ـ هون عليك، لا تكن رؤيتك سوداوية إلى هذا الحد،
    ما يقصد يا ترى ؟ إنه يكلمني كأنه يعرفني ، أوكأ نما يقرأ قراري...غريب أمره وجدت .
    تقدم نحوي فسحب من بين أصابعي قلما...
    " من أين أتتني هذه ما كان عندي قلم ، مطلقا ! هل صولجان توت أضحى قلما ؟ " تساءلت مستغربا .
    تفحص شبيه سعد القلم ، وقال :
    ـ قلمك هذا جميل ، وأنيق ما عهدت مثله
    ـ هو من ال....
    قاطعني بلطف وقال :
    ـ أعرف... إني أدرى بالأقلام ونوعيتها ، يمكن أن تقول أ ني...خبير بها. ..
    كتب على ورقة صغيرة أخرجها من جيب بذلته كلمات، ومدها لي ثم انصرف ...
    فتحت الورقة و قرأت : (rabia@starlight.mos ) .
    أصبحت وحيدا... لا توت ، ولا... سعد. وعالم آخر ترامي أمامي .
    زحام خانق، مارة وسيارات ،وحمير تجر عربات ، ودخان و سخام يظلل الكل؛ منظر ملأ قلبي سخطا على الأجواء والمكان، ....بنوراما مألوفة عندي تجسد الدار البيضاء مدينتي، ذكرتني بعبد المعطي الحجازي وبمدينة بلا قلب (1) ، والاثنين ذكراني بالسيدة (*) عندئذ لمحت شيخا سألته :
    ( ـ من أين الطريق إلى السيدة؟
    أيمن وأيسر يا بني
    قالها ولم ينظر إلي (2)
    نِعمَ الدليل ! يمنت ،يسرت ، وإذا بالسيدة أمامي. ولجت المزار تمسحت بالقبر ودعوت لأبي بالرحمة وأمي بالعافية وخرجت، عرجت على الحسين فصليت الظهر والعصر جمعا وقصرا
    . " لا غضاضة في ذلك ربما يا مفتي . إني في سفر. أليس كذلك ؟ "
    ثم همت في الأزقة والدروب استنشق رائحة عبقة عتيقة من أيام المعز، رحماك يا معز !
    إلى ان أحسست بجوع ذئبي ينهش جسدي ، يلوي بأمعائي، يطردني من جنة المعز، جنة الشعر ومأمل المتنبي، ويحرمني من التملي بالمجد العبيدي .
    " لآكلْ إذن..بما تجود به دار المعز. "
    قصدت بائع طعمية لاح أمامي ، وطلبت منه شندويش طعمية ؛ حالا أعطاني واحدا.
    من شدة الجوع التهمه التهاما ، كم هو لذيذ ! دقائق وكان في خبر كان .حمدت الله وشكرته، وأدخلت يدي في جيبي و أخرجت ورقة من فئة عشرين درهما دفعتها إلى الطُعْميّ ؛ قلبها هذا و قلبها ، ثم قال لي :
    ـ ما هذه يا سيدي ؟
    ـ عشرون درهما أي ..ستة جنيهات وشوية.، أجبت .
    ـ من فضلك الجنيه أو الدولار، رد بنبرة حادة.
    بعد لحظة صمت قاتلة حطت بيننا ، انفرجت بعدها أساريره وهو يحدق في معصمي..وقال:
    ـ إن لم يكن معك نقود غير هذه... تكفيني ...ساعتك ...رولكس
    ـ ولكن...؟
    ـ اعرف إنها مزورة، سأعطيك خمسين جنيها ، وسوندويش آخر ببلاش، وقبلة على الرأس زيادة ، إن كان هذا يرضيك .
    لم أحتج ولم أساوم ،أخذت السوندويش الثاني والخميس جنيها ، ثم شكرته وحمدت الله ، وتابعت سيري...
    عرفت أني بالعتبة (*)، فقلت لأعرجْ إذن على الموسكي (*) ، واشتر رقعة شطرنج ، فانا متيم بلعبه ، ويكون أحلى لعبه عندما تكون بيادقه من عرعار أو سنديان.
    الأمر لم يأخذ إلا دقائق ...خرجت من بزارات الموسكي وتحت إبطي واحدة . ثم توقفت لحظة استرددت خلالها وضعي الغريب، وشرعت اتموقع في الزمان والمكان فوجدتني كاني اسير في خط مستقيم استقامة ضوء ليزري لكن ،ما ان بدأت الأسئلة تشرع تتناسل والقلق يكبر حتى غمغمت في قراري محدثا ذاتي:
    " جميل ان ينسى الإنسان كينونته ويترك يد القدر تسوقه ، تختر له الطرق والأبواب، فاخنع واخضع لهذه اليد الخفية ولا تقاوم ."
    تململت محاولا الإسراع لكن التعب حوّل مشيي إلى دلف، فتمنيت مقهى ارتاح بها ، فهلت من العدم ـ توا ـ واحدة أمامي إنهن كثر...
    على كرسي وسط رحابها تهالكت، وعلى الطاولة أمامي وضعت رقعة الشطرنج بكل رفق محاولا أن لا تخدش ، اتفق أن كانت تجلس سيدة أربعينية جنبي تقاسمت معها الطاولة بكل اريحية ؛ فلم يكن مكان فارغ غير هذا .
    كانت جميلة ، لخصاء العينين، ذات أنف أفطس، وشفتين رقيقتين جادت عليهما بسخاء من أحمر الشفاه ،وشيء من ملمع
    .
    طلبت كأس شاي أخضر ، لحظات وكان ساخنا أمامي، رشفت منه رشفات ووضعته ، ثم سرّحت ناظري ذات اليمين وذات الشمال ، استجلي الأجواء من عمارة وخلائق، لم يكن الحال غريبا عما هو في بلدي، نفس المشاهد ، نفس الوجوه ، نفس السحنات . شدة العيش تسم الجميع تلوح في ابصارهم الزائغة ، وعلى رؤوسهم المثقلة بالغم و حمل هموم العيش والمعاش.
    آلمتني المشاهد واستغرقتني ، ولم أشعر وجارتي بالمقهى قد عمدت إلى رقعة الشطرنج ، ثم فتحتها ، وصففت البيادق ودفعت بكل رفق الرقعة لتصير تحت ناظري وقالت لي بنبرة رقيقة و ساحرة:
    ـ هيت لك ... لاعبني ، فإن غلبتك تصبح هذه الرقعة لي ... وسكتت.
    استويت متعجبا وسألتها :
    ـ وإن غلبتك يا سيدتي ، ما سيكون رهانك ؟
    ردت وهي تهز كتفها في غنج ودلال يؤازرهما بريق عينيها الحوراوين :
    ـ يكفيك أنك لاعبت امرأة ، ألا يكفيك هذا كرهان يا طماع ؟
    رددت باسما:
    ـ بلى يا سيدتي ، بل هو رهان لا يضاهيه نقد مهما غلا!
    النقلة الأولى تراجعت خيولي ، الثانية سقطت أبراجي ، الثالثة (ايشيك & مات) :الشاه مات .
    عندها قالت لي ولمحة تحدٍ تجلل محياها البريء :
    ـ سوف أعطيك فرصة ثانية ، ما أعطيتها لأحد قبلك...فهل أنت مستعد؟
    مفحما بوقع المفاجأة وحرقة الهزيمة و بوقع الجمال الفرعوني ردد ت بإيماءة إيجاب باردة .
    فأومأت لي كخادم... بان أصفف البيادق .
    شارد الفكر ، مسلوب الإرادة صففتها ويداي ترتعشان كأن موجة قر تلبستهما، وفي قراري تغيير خطتي في الهجوم والإستراتيجية عما كان في الأول.
    دفعت بالبيدق خطوتين، فالفيل في المرة الثانية ، ثم دفعت بالحصان . ،
    لكن هيهات... خسرت كل شيء ! سقط الفيل ، كبت الخيول، تهاوت الأبراج أُسرت الملكة و......الشاه مات ؛ حينئذ جمعت المصرية البيادق وطوت الرقعة ثم وضعتها تحت إبطها وانحنت وقبلتني قبلة حارة تحت ذقني ، وانصرفت ، فما كان مني إلا أن شيعتها بنظري حتى واراها الزحام.
    لحظات وناديت النادل ، ونقدته ثمن الشاي وزيادة ، ثم انصرفت أنا أيضا بلا وجهة محددة .
    رفعت رأسي إلى السماء فبدا لي كأن الشمس لم تغادر برجها ، أو كان الزمن توقف، لم أعط الأمر أكثر مم يستحقه فحالي لا يسمح لي بالتساؤل ، لذا طأطأت رأسي وأضحيت أعد خطواتي ...وأنا امشي على غير هدى، طريقة تعلمتها منذ صغري لأقتل الوقت وأنشغل عن آلامي وقلقي وانا في طرقي من المدرسة إلى الدار مساء. واحد ، اثنان ، ثلاثة...
    لم أدر كم من الوقت مشيت وما مقدار المسافات التي طويت...إحساسي يقول أكثر من كيلومترين ، فسندويشا الطعمية وكأس الشاي ، وتلك الاستراحة صحبة المصرية أفادوني كانوا وقودا جيدا...
    لاحت فجاة بناية كبيرة بباب كبير أمامي ، وجدتني أدخل إليها عن غير قصد مني ، وأخذت مكانا في طابور صغيرة أمام كشك ، وما لبت ان وصل دوري ، عندها أطل شاب و قال لي من غير أن اساله:
    ـ لم يبق إلا تذاكر الإسكندرية مباشر ، عربات الدرجة الأولى .
    كمسحور فاقد الإرادة لم أجب ، فقط دفعت له ما تبقى من الخمسين جنيها سلمني مقابها التذكرة وبضعة قروش .
    كان القطار واقفا متأهبا للمغادرة ...صعدت إليه واستكنت على أريكة مأتمنا أيا ها على جسدي المنهوك وأنا أتضرع في صمت ، أن تنتهي هذه المغامرة في أقرب وقت ، و على أحسن حال .
    ما هي إلا لحظات حتى تزحزح القطار، ثم انطلق، فأغمضت عيني وحاولت أن أنام زمن مساحة السفر..
    استيقظت بعد حين لم يكن بالقليل على نداءات الجابي وهو يقول: محطة أبي قير* الإسكندرية، محطة أبي قير الإسكندرية... فقمت وأنا أدعك عيني وفي نفس الوقت أتثاءب .
    رأيت امرأة تحد جني بطريقة غريبة مستفزة ، فسألتها:
    ـ هل من مشكلة يا سيدتي ؟
    ردت شامخة بأنفها وكأنها تريد أن تتحدث على شيء مقزز ، بصوت كله ثقة ،ولكن فيه دلال فرعوني أصيل:
    ـ شخيرك يا سيدي غطى هدير القطار ، كان عاليا جدا ، جدا ،لعلك لم تنم سنة.
    رددت باحترام ونبل وأن أحاول أن أغطي وجهي بألف ابتسامة:
    ـ عذرا سيدتي على هذا الإزعاج ، ربما شخيري لم يفطن بحضرتك ، فقد كان هو أيضا نائما ، معذرة مني نيابة عنه.
    ـ لطف منك هذا وجميل....أأنت شاعر ؟
    رددت بابتسامة أطول من النيل ، ولا كلمة !ثم نزلت.
    صادفت البحر أمامي ، كانت ممتدا في الأفق، ذكرني منظره بمدينة طنجة وسور المعاكيز (*) وذكرني با بنتيّ ، ففا فضت عيناي...تمنيت لو كنت جنبه ، لأغسل كل بدني من غبار هذا السفر الطويل ...
    خطوت خطوات قليلة، وكنت داخل سوق السمك ، ما أطيب السمك !وما ألذه ! حين يكون متوسطي ،ما كذب البحارة حين قالوا: إنه متميز عن سمك كل المحيطات.
    ولجت السوق لأستطلع المكان، لا سردين ولا شطون ...
    " ماذا اشاهد يا رب؟ الربيان؟ كم أكره هذا الجراد! رائحته مقززة تسبب لي حساسية...لا اتحملها "
    رددت بأعلى صوتي دون اعري اهتماما لمن حولي.
    بدأت رائحته تدغدغ أنفي ..تتسرب إلى خيشومي وصارت حُرْقة تنخره، و صرت أحكه، وأدْعَك عيني...
    لمحت صنبور ماء أمامي ،قصدته لغسل وجهي علني أتخلص من ألم هذه المتلازمة الفريدة التي أعيشها كلما رأيت وشممت الربيان فأفضت من الماء على رأسي ووجهي فتناثرت قطرات على ثيابي، ثم كانت عطسة قوية جدا، جدا... ترددت في المكان ،عندها وكأن صفحة ماء صافية كالزجاج امامي تتعكر ،وكل ما حولي ينهار في سكون رهيب وأجدني سالما معافى في غرفتي نومي وجها لوجه مع جداره ؛ انظر إلى النقطة السوداء التي صارت تتلاشي ، تتلاشى حتى زالت ؛ عندها دخلت زوجتي بشعرها المنكوش تفوح منها رائحة البطاطس المقلية وصاحت في وجهي :
    ـ أين كنت يا رجل ؟ بحثت عنك في كل مكان فلم أجدك حتى في الحمام .! آه... انظر إلى ثيابك كلها مبللة ، أبدا أنت كالطفل ، حتى عندما تريد غسل وجهك .تسبغ على جسمك كله من خيره .
    تقدمت أمامي ومسحت عنقي وقالت لي:
    ـ ما هذا ما هذا اللون الأحمر في عنقك.
    رددت بكل ثقة وعفوية:
    طباشير لا غير..وما قد يكون ؟
    مسحتني بنظرة ماكرة كلها حيرة ،وهي تدعك اللقى الغريبة اللزجة بين إبهامها وسبابتها وقالت :
    ـ أوَ أصبحوا يزودونكم بطباشير برائحة ولون أحمر الشفاه ، ربما غدا يأتونكم بنساء يساعدنكم مستقبلا في مسح السبوارت.
    رجعت إلى نفسي وبدأت أرتب أفكاري من أولها إلى اللحظة التي أعيشها ، من الزر إلى توت عنخ آمون إلى لاعبة الشطرنج وقبلتها الحارقة تحت ذقني.وأثرها ، إلى الماء ...فالعطسة المجلجلة ،لأستخلص ان كل هذا كان حقيقيا! .
    أحسست بغبطة قوية تذرع جسدي تدفئني فصحت وأنا اقفز:
    ـ اوريكا ، اوريكا ...
    انتبهت زوجتي إليّ في اندهاش وذهول... أخذت بيدها أدفعها للرقص وهي تمانع، إنها لا تحسن الرقص ولا تعبر عن فرحتها من خلاله ، قبلتها من غير أن أعير اهتماما لأبناني: الغارقين في دهشة بلا شواطئ .
    طبعا ما رأوني أبدا إلا هادئا رزينا ...
    عدت إلى هدوئي ورزانتي وقلت لهم بكل ثقة وعذوبة :
    إني : .. اكتشفت باب البعد الخامس ...
    (1) ديوان ع. المعطي الحجازي

    (2) من قصيدة للشاعر ذاته
    *أسماء اماكن في مصر

    الدار البيضاء في: السبت 17/11/2007
    الكاتب : حدريوي مصطفى العبدي
    التعديل الأخير تم بواسطة حدريوي مصطفى; الساعة 13-01-2017, 21:16.
    بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    #2
    دعني بعد التحية أشكرك على الاستجابة لنشر عملك ومشاركتي في الحوار حول قضايا إبداعية لا شك أنه مثر ومفيد .
    أنهيت للتو سفري معك عبر خط الانفلات ذاك وأنت تعلم مقدار متعة هذا السفر الإبداعي ... سفر يتيح لنا إمكانية التفاعل مع العالم ولنقل عوالم نتفاعل معها من زوايا روحية وفكرية يتداخل فيها الماضي والحاضر الواقعي والمتخيل والكائن والممكن.. ألم يكن الكلام هو سبيلنا إلى ذلك ...باللغة صار المتخيل واقعيا وممكنا وهنا يكمن سحر الإبداع يا صديقي لما يتاح ذلك عبر قلم يداعب الكلمات بحرفية وبعمق فكري مفيد وممتع . وما أجمل اتحاد هذين القطبين في الأدب المفيد والممتع ...مفيد بخلفيته التراثية والمعاصرة وممتع بجمال ورصانة معناه ومبناه.
    شكرا لك أخي مصطفى ...
    كن بألف خير وعافية.

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      استرجعت وانا مع بداية النص قصة أوديب، وفلم "نارينيا"، ثم حلقت مع خيالك أجوب الأزمنة والأمكنة، بفعل سحر سردك، وتمكنك من الحكي بلغة متينة.
      دمت مشرقا.
      مودتي

      تعليق

      • حدريوي مصطفى
        أديب وكاتب
        • 09-11-2012
        • 100

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
        دعني بعد التحية أشكرك على الاستجابة لنشر عملك ومشاركتي في الحوار حول قضايا إبداعية لا شك أنه مثر ومفيد .
        أنهيت للتو سفري معك عبر خط الانفلات ذاك وأنت تعلم مقدار متعة هذا السفر الإبداعي ... سفر يتيح لنا إمكانية التفاعل مع العالم ولنقل عوالم نتفاعل معها من زوايا روحية وفكرية يتداخل فيها الماضي والحاضر الواقعي والمتخيل والكائن والممكن.. ألم يكن الكلام هو سبيلنا إلى ذلك ...باللغة صار المتخيل واقعيا وممكنا وهنا يكمن سحر الإبداع يا صديقي لما يتاح ذلك عبر قلم يداعب الكلمات بحرفية وبعمق فكري مفيد وممتع . وما أجمل اتحاد هذين القطبين في الأدب المفيد والممتع ...مفيد بخلفيته التراثية والمعاصرة وممتع بجمال ورصانة معناه ومبناه.
        شكرا لك أخي مصطفى ...
        كن بألف خير وعافية.
        الأديب والكاتب حسن تحية وسلام
        أنا جد سعيد بأن حروفك لامست نصيصي وانداحت تحته يانعة، مكتنة الثمار و زكية الأرج...نبلا واستحسانا منك
        وسعيد جدا بثنائك وإعجابك ، اتمنى أن أكون ـ بحق ـ جديرا بهما.
        لك اخيرا أتمنى أن تكون بالف خير وكما يطيب لك أن تكون.
        صادق التحايا والود .
        وتقبل مني بفائق الاحترام والشكر
        التعديل الأخير تم بواسطة حدريوي مصطفى; الساعة 15-04-2017, 07:05.
        بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني

        تعليق

        • حدريوي مصطفى
          أديب وكاتب
          • 09-11-2012
          • 100

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
          استرجعت وانا مع بداية النص قصة أوديب، وفلم "نارينيا"، ثم حلقت مع خيالك أجوب الأزمنة والأمكنة، بفعل سحر سردك، وتمكنك من الحكي بلغة متينة.


          دمت مشرقا.
          مودتي
          الأديب ع. الرحيم التدلاوي.
          حتى وإن لم أرد في حينه لا يعني البتة أنك بعيد عن البال.
          لا انت يا عزيزي حاضر معي يلازمني طيفك حيثما حل طيف اهل القص والخيال المديد،
          سعيد أنا بان ضمخت حروفك نصيصي واسترق شيئا من إعجابك. اتمنى ان أكون بحق حقيقا باهتمامك وإعجابك.
          أتمى ان تكون بالف خير وأن ـكن ايامك يمنا وسعدا.
          تحياتي وفائق احتراماتي
          بت لا أخشى الموت منذ عرفت أن كل يوم بل كل لحظة يموت شيء مني

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            رائعة أستاذي ومنذ أول ظهور لها
            كم فجرت
            و كم أسالت في طريقها الكثير من الشعب المرجانية
            وألانت جبال الطريق من هنا إلي الدار البيضاء

            قبلاتي صديقي الطيب
            sigpic

            تعليق

            يعمل...
            X