حول مفهوم البورتريه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    حول مفهوم البورتريه

    حول مفهوم البورتريه

    تعريف:
    "البورتريه بالمعنى العام هو تصوير أو تمثيل لشخصية ما"
    لكن هذا التعريف يستدعي بالضرورة بعض التدقيق والتوضيح.

    *في الفنون التشكيلية:

    لا تستخدم كلمة بورتريه في النحت مثلا، بالرغم من وجودها، وتستخدم عوضا عنها كلمات مثل: التمثال، أو الرأس، أو النصفية (le buste).
    بينما تستخدم كلمة بورتريه في مجال الرسم و الصباغة، وهو عمل من بعدين
    (طول وعرض)
    وانطلاقا من ذلك يصبح البورتريه تأويلا، وبالتالي اختيارا لتقديم شخص يمتلك مظهرا معينا أيا كانت درجة الواقعية في العمل، وذلك لأن البورتريه يمكن أن يعرض شخصا بملامح خشنة بشكل لطيف يجعله مليئا بالأحاسيس، وهنا يتم التركيز على الشخصية في بعدها الوجداني من خلال وضعه، وهيئته، وتعابير وجهه ... إلخ.

    *في مجال الأدب:

    يصبح البورتريه وصفا، بمعنى انه يعرض بشكل متسلسل ما تقدمه اللوحة التشكيلية ويستقبله البصر دفعة واحدة.
    فالبورتريه النثري عبارة عن نص يقدم جملة من المعلومات عن الشخصية واقعية كانت أم متخيلة، وهو قادر على تقديم المظاهر اللامرئية من الشخصية (الخصائص التفسير مثلا).
    وعادة ما يكون البورتريه الأدبي لحظة استراحة في عملية السرد تسمح للكاتب بتقديم إحدى الشخصيات، وتقديم صورة عنه في لحظة محددة.
    إن البورتريه الأدبي يتشكل إذن من مجموع الجمل التي قيلت عن الشخصية أو تلك التي صدرت عنه بين ثنايا العملية السردية، وهو ما يجعلنا نعتبر البورتريه كفضاء للنص، أو كنص حافل بجملة من المعلومات تسمح للقارئ بتكوين فكرة متكاملة عن الشخصية.
    وعلى الرغم من أن النموذج قد يكون شخصية واقعية أو متخيلة، فهذا لا يغير شيئا
    من طبيعة الأدوات والأساليب التي يعتمدها الفن من أجل التعريف بالشخصية وتقديمها.
    فبورتريه الشخصية الواقعية يتطلب أن تمتلك الفنان قوة الملاحظة، بل قد يتعدى ذلك ليكون خبيرا نفسيا من أجل الغوص في أعماق الشخصية. في حين أن بورتريه الشخصية المتخيلة يستدعي امتلاك قدرة تخييلية دقيقة ومتكاملة، مع العلم أن البورتريهات المتخيلة تستند في المعتاد إلى ملاحظة نماذج واقعية.

    *مجالات أخرى:

    يظهر البورتريه كذلك في الخطاب التاريخي، أو في النصوص ذات الغايات الأخلاقية والدينية ويتعلق الأمر هنا بوصف شخصيات بارزة، ذات قيمة تاريخية أو أخلاقية، ويمكن أن يشمل العباقرة وكبار المفكرين، مما يضفي عليه وظيفة ديداكتيكية بالإضافة إلى الوظيفية التربوية والدينية.
    كما يحضر البورتريه على مستوى الخطاب الشفوي والبلاغي في المدح والتقريض، والتأبين والرثاء ...
    ولاشك أن البورتريه له وظيفته القانونية لدى المباحث والشرطة في إطار بحثها عن مجرم فار من العدالة، مثلما يستند إليه القانونيون (ممثل الحق العام، المحام والقاضي، ...) في سياق التحقيق والمرافعات سواء لإثبات التهمـة، أو لدفعها عـن المتهم أمام العدالة ...

    *ملاحظات:

    يبدو البورتريه حاضرا على مستوى أنواع عدة من النصوص (فنية وأدبية وتاريخية، قانونية ودينية، ...) دون أن يكون منتميا لأي منها ودون أن يكون نوعا مستقلا تمام الاستقلال عن أي منها، ومن هنا تطرح مشكلة تصنيفه.
    وهذا لا ينفي قدمه في التاريخ، حيث نجده في الخطابات التاريخية مع بلوتارك (Plutarque) وتيوفراست (Théophoraste) ... في اليونان،
    -وفي القرون الوسطى سار البورتريه على خطى النموذج اليوناني (مع سيسرون Cicéron، وهوراس Horace) والذي يحضر فيه عنصر الوصف كعامل أساسي في فن القول، حيث تؤول عملية بناء البطل إلى وصف، ويخضع الجانب الاستيتيقي إلى المقومات الفلسفية السائدة آنذاك، فإذا كان الفن خاضعا لمبدأ المحاكاة، وبحكم أن المعتقد الديني
    (المسيحي) يعتبر أن الله خلق الإنسان فبدأ بالرأس، ثم الجذع، ثم الأرجل، فإن الوصف كان يخضع بدوره لنفس النظام. وكذلك الأمر بالنسبة لبورتريهات الأمراء والملوك في الكتابات التاريخية.
    -أما أهم ما يميز العصر الحديث فهو كتابات سانت بوف (في ق 19) (Ste Beuve) الذي جعل من البورتريه نوعا أدبيا، وسار على خطاه كتاب من أمثال تيوفيل كوتييه Théophile Gautier. وموليير في مجال المسرح (le Misanthrope).
    -في الفترة المعاصرة سار البورتريه مع كوليـت Colette، وفرانسـوا مورياك F. Mauriac ومارسيل بروست M. Proust على خطى التقليد القروسطوي القائم على إمكانية الإحاطة بالشخصية من خلال الكتابة، لكن الجديد هو أن البورتريهات لا تتموقع في أماكن محددة، ولكن ملامح الشخصيات تبرز من خلال عناصر عدة كالوصف والحوار، واللباس، والأفعال والأذواق، ... إلخ، وقد نجد شخصيات عدة تحمل نفس الاسم، وتمارس نفس الأفعال كما في كتابات آلان روب كرييه (A. Robbe Grillet).

    *وظائف البورتريه:

    وهي وظائف مختلفة بحسب أهداف الكاتب أو الروائي، بل إن نفس البورتريه يمكن أن يحقق وظائف عدة:
    أ.الوظيفة المرجعية: والغاية هي أن نمكن القارئ من تكوين فكرة محددة عن الشخصية،
    ب.الوظيفية السردية: والغاية منها إبراز قيمة الشخصية في لحظة معينة من تاريخه، أو في سياق بنية سردية معينة.
    ج.الوظيفة الرمزية: و تبين البعد الاجتماعي، أو الأخلاقي، أو السياسي، أو العلمي ... لشخصية معينة.
    د.الوظيفة الإستيتيقية: وغايتها إبراز جوانب القبح والجمال في الشخصية بحسب معايير العصر.
    هـ.الوظيفة الوثائقية: وتستهدف تسجيل حضور الشخصية ضمن سياق معين (علمي، سياسي، تاريخي، فني، ...) فضلا عن إيضاح شروط حياة الأشخاص بحسب يسرها أو قساوتها كما في الحروب، والمجاعات مثلا…..

    وفي النهاية يمكن القول أن وجود البورتريه كنوع أدبي رهين باللغة ومشروط بها، فالوصف يستلزم استخدام اللغة بفنية عالية، والوقوف على الجزئيات بكل دقة ومهارة.
    لنقل باختصار أن البورتريه لا يوجد في غياب غاية معينة هي ترجمة نوايا الكاتب وأهدافه.


    حسن لشهب
يعمل...
X