بسم الله الرّحمن الرّحيم
أنتَ أديب [عربي] والسيّاسةُ لَيْستْ من شأنك
2- أنت أديب والسياسة ليست من شأنك، فاكتب عن الحب والعشق والغرام والهيام وتحدّث عن المرأة وصفها بما يليق وبما لا يليق، وتغزّل بها صادقا أو كاذبا في الحلال أو في الحرام فلا تبالي، تحدث عن القدود والخدود والنهود فالكل مباح حتى السِّفاح إذ لا حدود في الأدب ولا قيود ولا سدود؛ وصف الطبيعة وروائعَها واللياليَّ وأسرارَها، تحدث عن القمر وسحره فهو بريد العشاق لبث الأشواق؛ اكتب في الأدب الخيالي، فالخيال حصانك الذي لا يكبو حتى وإن جمح بك فلا تبتئس فالكل مغفور لك ومتجاوز عنه، وادخل العوالم العجيبة مثل "أليس" ولا تكبل خيالك ودعه يكتب بكل حرية لكن بعيدا عن السياسة وأهلها ومواضيعها.
3- أنت أديب والسياسة ليست من شأنك فتحدّث عن الشِّعر وعروضه وبحوره وتفعيلاته وعلله وزحافاته وفواصله وفنياته وموضوعاته ولا تهتم بمشاعر الناس وهمومهم وما يعانونه من ضيق وضيم وجوع، فالتجويع سياسة ناجعة، ألا يقال "جوع الكلب يتبعك" ؟ بلى، فالتجويع وإلهاء الناس ببطونهم إيّالة فعَّالة، والتضييق عليهم وإتعابهم بيومياتهم البائسة حكمة مجدية وطريقة مغرية فلا يجدون وقتا للتفكير في السياسة فما هم فيه من بؤس يغنيهم عن الاشتغال بما لا يعود عليهم بفائدة وإن بعد مدة من الزمان وأنت جدير بهذه المهمة فالكلمات ميدانك وتزوير الواقع فنك فأثبت لأسيادك جدارتك كما تشاء بالشعر إن شئت أو بالنثر وأنت حر في مدح أسيادك كما تحب.
4- أنت أديب والسياسة ليست من شأنك فتحدث عن المعذبين في الأرض و عن مآسي البؤساء من الأقوام الآخرين، إذ ليس في أرضنا معذبون ولا بؤساء، وصوِّر معاناتَهم وآلامَهم، وإياك أن تتحدث عن الفساد فساد الحاكم وحاشيته في البلاد، وإياك والكتابة عن سوء التسيير وتبديد أموال الأمة وتبذيرها ولا تناقش استغلال النفوذ لأخذ كل ما تطوله يد الحاكم وأيادي ذويه وحاشيته، و لا تكتب عن سوء توزيع الثروة وسرقتها، ولا عن ازدياد الأثرياء ثراءً والفقراء فقرا، وإياك والتطرق إلى نزيف ثروات الأمة فيما لا جدوى منه ولا تستفيد الأمة منه إلا قليلا، وكيف استنفد وذووه وحاشيته كنوز الأمة في الحال وكيف رهنوا مستقبل الأجيال.
5- أنت أديب والسياسة ليست من شأنك فإياك والتفكير في الراعي وكيف صار راعيا، من أين جاء وكيف صار حاكما ومن أتى به وأركبه ظهر الأمة؟ و إياك والحديث عن ذويه وحاشيته ومعارفه، وإياك والإشارة، مجرد الإشارة أو التلميح بأبسط عبارة، إلى استبداده وطغيانه وظلمه، هو وعائلته وكل مَنْ يمتُّ إليه بصِلة، فالكلام في هذا كله حرام لا يجوز، كُلْ واشربْ وتمتع واهتم بشئونك وشئون ذويك ولا شأن لك بالسياسة، فشئون الحاكم وعائلته من شئون سياسة الدولة العليا فما لك ووجع الرأس؟ والأمة في خدمة الحاكم – دامتْ ظِلالُه وامتدَّتْ أذيالُه و"جلَّ جُلاله" – ولا ينعكس حتما فلا فضل للأمة على حاكمها والعكس هو الصحيح طبعاً.
6- أنت أديب والسياسة ليست من شأنك فلا تتحدث عن عمالة الحاكم لأسياده هناك خارج الوطن ولا عن ولائه لهم على حساب ولائه لأمته وقيمها وقضاياها المصيرية، ولا تتحدث عن تجاهل الحاكم لمعاناة الأمة، أمته التي ينتمي إليها، ولا تتحدث عن ذلته وصغاره ومسكنته ومهانته أمام الأعداء ولا عن استكباره واستبداده وجبروته على أمته ولا عن احتقاره لها واستعلائه عليها واستخفافه بها، ولا تكتب عن نفاقه لها وكذبه عليها حتى لا تثور عليه إن ثارت يوما، ودورك المنوط بك والواجب عليك أداؤه على أحسن وجه أن تقلِب الحقائق وتزور الواقع وترسمه على أحسن صورة و أنصعها، دورك أن تغش فترسم الحق باطلا والباطل حقا.
7- أنت أديب والسياسة ليست من شأنك فلا تكتب عن فساد الحاكم ولا كيفَ ساد ولكن اكتب عن انجازاته الوهمية وبطولاته الخيالية وعن تاريخه المجيد وأصله التليد، فهو وحيد عصره وفريد دهره وهو عبقري الزمان فلا تلد مثله النسوان ولا كان من يشك في هذا لا كان، واكتب عن عدله وإنصافه وعن نزاهته ووفائه وعن تواضعه ورحمته وعن عطفه ورقة قلبه وعن تضحياته واخترع له هذا كله ونمق المقالات البليغة في شكره ونظم القصائد العصماء في مدحه ولك التقدير منه والتقريب والجزاء الجزيل وإلّا لا كنتَ أنت ولا كان من يعترض، وادعُ له بالبقاء وهذا دأب الأدباء، وأنت أديب فإنَّ السياسة ليست من شأنك.
البُليْدة، يومي الجمعة والسبت 24/25 من شهر ربيع الأول 1438، الموافقَيْن 23/24 ديسمبر 2016.
تعليق