فاروق ( ج 2 )
بين الفتنة والحنكة
****
بين الفتنة والحنكة
****
لم أعد ذاك الذي يطيل الجلوس في المسجد ، ففي هذه الصبيحة امتنعت عن مواصلة الاذكار وتزحزحت قليلاً من مكاني بمجرّد أن رأيت فروق " تاجر الفتنة " كما سبق وصفه من قبل صديقنا ( مـ..) الذي يفوقنا سنًّا وتجربة في الحياة ، والذي ننتظره في المقهى بعد كل صلاة صبح ليكرمه فروق بما جاد به الخاطر ولكي يمحو عنه أثر الهُذاء الذي أصابه منذ فترة طويلة ؛ يعتقد ( مـ...) أنّه يتعرّض لمطاردة بسبب أقواله ومواقفه ، فصار لايثق حتى في شراك نعليه – كما يقول دائمًا – لكنّ طيبته ورحابة صدره جعلتاه محبوبًا لدى أغلب الناس وخاصّة " فروق " الذي يعجبه فيه كثيرًا طريقته في السخرية واستعمال أصابع اليدين للتعبير عن الامتعاض ، وتعويج الفك بتحريك الشفتين يمينًا وشمالاً لتحريف الألفاظ واستبدالها بكلمات بذيئة ومضحكة في آن واحد ، حتى أنّ الجلوس في المقهى لا يحلو بدون هذا الشخص ، فكان فروق يلحّ عليّ باستمرار لنتداركه بعد كل صلاة صبح ، ولنستثمر ما تبقى من وقت في السخرية والفكاهة.
نزولاً عند رغبته فقد قرّرت هذه الصبيحة المباركة مغادرة المسجد دون اكمال ماتبقّى لي من أذكار ، وتظاهرت بالحرج أمام بقية المصلين لتفادي سوء ظنّهم بي ، وتدحرجت قليلاً قبال " فروق " ليفهم قصدي ، فتبعني في الحال ، وحالي كحال من اشتهى اللبن لكنّه يتعمّد إخفاء الإناء ؟! " شاتي اللبن و مدرق الطاس " كما يقول المثل عندنا .
خرجنا الإثنان نتهادى فقلت لصديقي :
- " لاعليك فلدينا يوم طويل ، نغتنمه في الترفيه والترويح عن أنفسنا قليلاً ولايزال في العمر بقية ، ومادام أهم شيء في هذا اليوم هو قراءة سورة الكهف فباستطاعتنا تداركها قبل موعد الخُطبة " أتحجّج أمام بعض المصلّين . ففهم قصدي وشايع الماكر كلامي بابتسامة صفراء ،
في طريقنا إلى مقهى " بوجعران " وليس سواه مكانًا يحلو فيه الجلوس و" التكراس " والتهريج ، وجدنا الطاولة شاغرة كما لوكانت محجوزة لنا ، وفي المكان الذي تعوّدنا نجلس فيه نتابع الأخبار التي تبثّها قناة النهار عبر التلفاز المقابل ، وليس غيرها قناة أخرى تبثّ لنا الأخبار ، وكآنّ صاحب المقهى " بوجعران " يتحفّظ من بقية القنوات ولا تناسبه ، تقدم لنا النادل المحترم :
نزولاً عند رغبته فقد قرّرت هذه الصبيحة المباركة مغادرة المسجد دون اكمال ماتبقّى لي من أذكار ، وتظاهرت بالحرج أمام بقية المصلين لتفادي سوء ظنّهم بي ، وتدحرجت قليلاً قبال " فروق " ليفهم قصدي ، فتبعني في الحال ، وحالي كحال من اشتهى اللبن لكنّه يتعمّد إخفاء الإناء ؟! " شاتي اللبن و مدرق الطاس " كما يقول المثل عندنا .
خرجنا الإثنان نتهادى فقلت لصديقي :
- " لاعليك فلدينا يوم طويل ، نغتنمه في الترفيه والترويح عن أنفسنا قليلاً ولايزال في العمر بقية ، ومادام أهم شيء في هذا اليوم هو قراءة سورة الكهف فباستطاعتنا تداركها قبل موعد الخُطبة " أتحجّج أمام بعض المصلّين . ففهم قصدي وشايع الماكر كلامي بابتسامة صفراء ،
في طريقنا إلى مقهى " بوجعران " وليس سواه مكانًا يحلو فيه الجلوس و" التكراس " والتهريج ، وجدنا الطاولة شاغرة كما لوكانت محجوزة لنا ، وفي المكان الذي تعوّدنا نجلس فيه نتابع الأخبار التي تبثّها قناة النهار عبر التلفاز المقابل ، وليس غيرها قناة أخرى تبثّ لنا الأخبار ، وكآنّ صاحب المقهى " بوجعران " يتحفّظ من بقية القنوات ولا تناسبه ، تقدم لنا النادل المحترم :
- " ماذا تشربون ؟ "
بمئزر أحمر أنيق ، وبأدبه الرّاقي ، وقام من أمامنا يمسح الطاولة بيد ويده الأخرى وراء ظهره فأعجبت به وقلت لفاروق :
- " لا يقوم بهذا إلاّ ابن عائلة إ "
فأومأ إلي فاروق بحاجبيه كالذي يوافقني على الكلام .بادرت النادل قبل سؤاله لي وحتى أريحه من الوقوف وطول الانتظار :
- " أعطني حليب صافي بدون بن يالعزيز "
وعندنا يسمّى النادل " قهواجي " لكنّني أتحاشى ذلك وأخشى أن تكون الكلمة غير مناسبة وتجرح الشعور ، رغم أن مهنة النادل شريفة .والتفت النادل إلى فاروق وقال له بابتسامة تحمل الكثير من التبجيل :
- قهوة ثقيلة مثل العادة يا سي فروق "
عرفت من خلالها بأنّني لست مجرّد زبون مادمت برفقة شخص مثل فاروق الذي فاقت سمعته كل التوقّعات رغم كل شيء . وأردت أن أرد بعبارة مقتضبة لأثبت للنادل أنّني لست من روّاد المقاهي كما يظن ، لكنّني لم أجد الفرصة سانحة لذلك فاكتفيت بابتسامة مثلها ، و ماجئت إلاّ لرؤية " الخبير المحنّك " ~كما يحلو لفارق " تاجر الفتنة " تسميته ~ ، ليطلّ علينا ( م...) بقبّعته " البيري " السوداء كالهلال من بعيد ، كأنّه واحد من أفراد عصابة الفرقة الإيطالية الحمراء التي قامت باغتيال " الدومورو " في زمن قديم ، مترنّحًا كالمُثمِل ، يلوك سّجارته بشدقيه كمسواك .وتظاهر بتجاهله لنا حين رآنا ، و فهمنا القصد ، فاستدرنا كما لو لم نكن نعلم قدومه ، نكابد رغبة شديدة في الضحك الذي يأخذ الأنفاس ، وحتى لا يشك .استبطأنا قليلاً ثم عاد إلينا كالزّعيم ملوّحًا بيدٍ من وجاق المقهى ، يحمل بيده الأخرى فنجان شايٍّ ساخنٍ . نهضت إليه كالعادة أسلّم وأمدح حتى يطمئن ، وكنت أرغب في الجلوس إليه وسماع كلمة من ألفاظه التهكّميّة العجيبة التي تصدر من فيهه ، وكان الموضوع " المغرض " الذي اختلقته أنا وفاروق يدور حول المشاكل التي تعرفها المنظومة التربوية هذه الأيام ... وحدّث ولا حرج ، فبمجرّد أن وضع مؤخّرته على الكرسي تدخّل بقوّة كما لو كان يريد اقتلاع شجرة بيده وانتفض غاضبًا :
- " طز في التربية والوزيرة وفي الجيل المدبدب "
أدركت حينها أنّه بات لزامًا علي تهدئة الجو لتهذيب اللّقاء ، فقمت بتغيير الموضوع وقلت لصاحب الفتنة " فروق " :- " يبدو لي أنّك أصبحت تتجاهل خبيرنا المحنّك هذه الأيام ؟إ أولا يستحقّ خبيرنا المحنّك تكريمه على طريقة الملوك والأبطال ؟ا "
- فكان لكلماتي المتملّقة والتي أنقذت فاروق من الزجر ، أثرا إجابيًّا على نفسية صاحبنا ( مـ..) فتفاءل واسترخى لنا .
- فكان لكلماتي المتملّقة والتي أنقذت فاروق من الزجر ، أثرا إجابيًّا على نفسية صاحبنا ( مـ..) فتفاءل واسترخى لنا .