فاروق ( ج 2 ) بين الفتنة والحنكة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    فاروق ( ج 2 ) بين الفتنة والحنكة

    فاروق ( ج 2 )
    بين الفتنة والحنكة

    ****

    لم أعد ذاك الذي يطيل الجلوس في المسجد ، ففي هذه الصبيحة امتنعت عن مواصلة الاذكار وتزحزحت قليلاً من مكاني بمجرّد أن رأيت فروق " تاجر الفتنة " كما سبق وصفه من قبل صديقنا ( مـ..) الذي يفوقنا سنًّا وتجربة في الحياة ، والذي ننتظره في المقهى بعد صلاة الصبح ويكرمه فروق بما جاد به الخاطر لكي يمحو عنه أثر الهُذاء الذي أصابه منذ فترة طويلة ؛ ويعتقد ( مـ...) أنّه يتعرّض في كل مرّة للمطاردة بسبب أقواله ومواقفه ؛ حتى صار لايثق في شراك نعليه – كما يقول دائمًا – لكنّ طيبته جعلته محبوبًا لدى " فروق " خاصّة ومايعجبه فيه كثيرًا طريقته في السخرية باستعمال أصابع اليدين للتعبير عن الامتعاض وتعويج الفك بتحريك الشفتين يمينًا وشمالاً لتحريف الألفاظ واستبدالها بكلمات بذيئة ومضحكة في آن واحد ، حتى أنّه لم يعد للجلوس في المقهى معنى لفاروق بدون هذا الشخص الساخر، فيلحّ علي باستمرار لندركه بعد صلاة الصبح ، ولنستثمر ما تبقى من وقت في السخرية والفكاهة .ونزولاً عند رغبته فقد قرّرت هذه الصبيحة المباركة مغادرة المسجد دون اكمال ماتبقّى لي من أذكار ، وتظاهرت بالحرج أمام بقية المصلين لتفادي سوء ظنّهم بي ، وتدحرجت قليلاً قبال " فروق " ليفهم قصدي ، فتبعني في الحال ، وحالي كحال من اشتهى اللبن ويخفي الإناء ، " شاتي اللبن و مدرق الطاس " كما يقول المثل الجزائري العريق .و لمّا خرجنا قمت أتحجّج أمامه لتبييض الوجهين : - " لاعليك فلدينا يوم طويل ، نغتنمه في الترفيه والترويح عن أنفسنا قليلاً ولايزال في العمر بقية ، ومادام أهم شيء في هذا اليوم هو قراءة سورة الكهف فباستطاعتنا تداركها قبل موعد الخُطبة " .ففهم قصدي وشايع الماكر كلامي بابتسامة صفراء .خرجنا نتماهى ، و في الطريق إلى مقهى " بوجعران " وليس سواه مكانًا يحلو فيه الجلوس و" التكراس " والتهريج ، وجدنا الطاولة شاغرة كما لوكانت محجوزة لنا ، وفي المكان الذي تعوّدنا نجلس فيه نتابع الأخبار التي تبثّها قناة النهار عبر التلفاز المقابل ، وليس غيرها قناة أخرى تبثّ لنا الأخبار ، وكآنّ صاحب المقهى " بوجعران " يتحفّظ من بقية القنوات ولا تناسبه ، تقدم لنا النادل المحترم :
    - " ماذا تشربون ؟ "
    بمئزر أحمر أنيق ، وبأدبه الرّاقي ، وقام من أمامنا يمسح الطاولة بيد ويده الأخرى وراء ظهره فأعجبت به وقلت لفاروق :
    - " لا يقوم بهذا إلاّ ابن عائلة إ "
    فأومأ إلي فاروق بحاجبيه كالذي يوافقني على الكلام .بادرت النادل قبل سؤاله لي وحتى أريحه من الوقوف وطول الانتظار :
    - " أعطني حليب صافي بدون بن يالعزيز "
    وعندنا يسمّى النادل " قهواجي " لكنّني أتحاشى ذلك وأخشى أن تكون الكلمة غير مناسبة وتجرح الشعور ، رغم أن مهنة النادل شريفة .والتفت النادل إلى فاروق وقال له بابتسامة تحمل الكثير من التبجيل :
    - قهوة ثقيلة مثل العادة يا سي فروق "
    عرفت من خلالها بأنّني لست مجرّد زبون مادمت برفقة شخص مثل فاروق الذي فاقت سمعته كل التوقّعات رغم كل شيء . وأردت أن أرد بعبارة مقتضبة لأثبت للنادل أنّني لست من روّاد المقاهي كما يظن ، لكنّني لم أجد الفرصة سانحة لذلك فاكتفيت بابتسامة مثلها ، و ماجئت إلاّ لرؤية " الخبير المحنّك " ~كما يحلو لفارق " تاجر الفتنة " تسميته ~ ، ليطلّ علينا ( م...) بقبّعته " البيري " السوداء كالهلال من بعيد ، كأنّه واحد من أفراد عصابة الفرقة الإيطالية الحمراء التي قامت باغتيال " الدومورو " في زمن قديم ، مترنّحًا كالمُثمِل ، يلوك سّجارته بشدقيه كمسواك .وتظاهر بتجاهله لنا حين رآنا ، و فهمنا القصد ، فاستدرنا كما لو لم نكن نعلم قدومه ، نكابد رغبة شديدة في الضحك الذي يأخذ الأنفاس ، وحتى لا يشك .استبطأنا قليلاً ثم عاد إلينا كالزّعيم ملوّحًا بيدٍ من وجاق المقهى ، يحمل بيده الأخرى فنجان شايٍّ ساخنٍ . نهضت إليه كالعادة أسلّم وأمدح حتى يطمئن ، وكنت أرغب في الجلوس إليه وسماع كلمة من ألفاظه التهكّميّة العجيبة التي تصدر من فيهه ، وكان الموضوع " المغرض " الذي اختلقته أنا وفاروق يدور حول المشاكل التي تعرفها المنظومة التربوية هذه الأيام ... وحدّث ولا حرج ، فبمجرّد أن وضع مؤخّرته على الكرسي تدخّل بقوّة كما لو كان يريد اقتلاع شجرة بيده وانتفض غاضبًا :
    - " طز في التربية والوزيرة وفي الجيل المدبدب "
    أدركت حينها أنّه بات لزامًا علي تهدئة الجو لتهذيب اللّقاء ، فقمت بتغيير الموضوع وقلت لصاحب الفتنة " فروق " :- " يبدو لي أنّك أصبحت تتجاهل خبيرنا المحنّك هذه الأيام ؟إ أولا يستحقّ خبيرنا المحنّك تكريمه على طريقة الملوك والأبطال ؟ا "
    - فكان لكلماتي المتملّقة والتي أنقذت فاروق من الزجر ، أثرا إجابيًّا على نفسية صاحبنا ( مـ..) فتفاءل واسترخى لنا .
    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 21-02-2017, 05:51.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    #2
    جميل هذا الحس الساخر الذي يكتنف النص، والمفارقة العطرة بين الجد واللعب.
    لغة سردية ممتعة، وتوظيف للأمثال بذكاء.
    مودتي

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
      جميل هذا الحس الساخر الذي يكتنف النص، والمفارقة العطرة بين الجد واللعب.
      لغة سردية ممتعة، وتوظيف للأمثال بذكاء.
      مودتي
      جزيل الشكر والامتنان على اللّباقة والذوق السليم
      أرجو أن أكون عند حسن ظنّكم بي و في مستوى تواضعكم لنا
      جميل الشكر والعرفان والتقدير أخي وأستاذي المحترم : عبدالرحيم التدلاوي
      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 20-02-2017, 05:53.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      يعمل...
      X