أريدها تعرفني لكنها لاتعرفني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    أريدها تعرفني لكنها لاتعرفني

    أريدها تعرفني لكنها لاتعرفني
    ***
    كنت في الاصطياف سعيدًا مبتهجًا قبل أن يختلي بي أحد الإخوة ، ولا يهم إن كان محبوبًا ، أو نجيبًا يحمل معه بعض الشهادات ، أو أنّني أكبُره سنًّا ، بقدر ما كنت أقرأ في عينيه البنيّتين ذاك الشعور الغريب بالكآبة والحرمان . كيف لا وقد خرج إلى هذه الدنيا ليجد نفسه بين أحضان أمّ كفيفة ، المؤمنة بنت الشرف ونسل الأصول العريقة ، تكابد الحياة الصعبة دون أن ترى النور ، لكنها صابرة على الابتلاء ، راضية بحالها كما قدّر الله ، لم تيأس ولم تتزعزع ، تجود بما توفّر لديها ولا تبخل ، وكنت قد عرفتها كذلك ، وأكلت من يدها أشهى ماتذوّقت في حياتي ، قبل أن تفارق الحياة – طيّب الله ثراها – ، ورحلت من الدنيا الشقيّة ولم تستوفِ منها كامل حقّها في رؤيتها
    لطفلها الرّضيع ، وهو لايدرك معنى الحياة التي تكابدها الأم الطيّبة ، ترعاه بحبها وحنانها حتى صار شابًّا مفجوعًا في أمّ كفيفة فقدت بصيص الأمل ، وكيف قامت برعايته حتى كبر ولم تتركه يومًا ، ولم تتخلّ عن واجباتها تجاه أسرة بحالها ، ولم تعيَ ولم تكل .
    لكن تجربته المريرة جعلت منه شخصًا نبيلاً يشارك الناس همومهم وأحزانهم .

    وعلى أعتاب ليلة مقمرة ، والبدر فيها كان قد إكتمل في العيون الحزينة ، ولم يبق سوانا على الشاطئ الحزين ، كأنّه يستأنس بنا لما يعانيه هو الآخر من إهمال وتغييب ، وحتّى يهوّن عليّ صديقي المنكوب ، راح يسرد عليّ قصّته مع شاب نشأ في أحضان أم مريضة بالأعصاب ، فاقدة للأهلية بسبب الجنون ، مغيّبة بسبب الإدمان على الأدوية المهدّئنة للأعصاب .

    كانت أصعب لحظة عاشها في حياته وهو يمارس مهنة الطب النفسي ،
    حين قام الشاب بإحضار أمّه المريضة الى العيادة ، المسكينة لم يسعها الجلوس في مكان واحد وراحت تلفّ حول الغرفة وتدور دون أن تتوقّف ولو لحظة ، وقد سبّب ذلك الاشمئزاز لدى بقية المرضى ، فطلب من ابنها لعلّه يقدر عليها :
    - " اطلب منها بلطف لعلّها تتوقّف فهي تعرفك "

    التفت الابن البار بوالدته إليه والحسرة بادية على محيّاه ليقول له :

    - " كيف أطلب من التي أريدها تعرفني لكنها لا تعرفني " .

    المسكين ولم يعد له منها سوى خيالها .
    نظر رفيقي إلى دموعي فإذا هي متلألئة تعكس بصيص القمر ، وقد كنت خلالها أتابع كلامه الشّجِن ، بحرقة عيون من جرّب ، أردّد في نفسي قول الشاعر :
    آ بإذن نزلت بي يا مشيب *** أيّ عيش وقد نزلت بي يطيب .
    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 23-02-2017, 05:27.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    #2
    ما هو سر العيون البنية الذي يجهله حتى أصحاب هذه العيون ؟ - IFARASHA
    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 23-02-2017, 05:31.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

    تعليق

    • أميمة محمد
      مشرف
      • 27-05-2015
      • 4960

      #3
      سرني سردك الأخاذ... كنت أحاول أن أجمع الخيوط التي تربط أطراف القصة ليسرني أن أرى الترابط المتين بين أحداث القصتين، ووجدت أن لكل شخص شجن ولكلٍ مشاعر تيتمت لفقدان حزين
      تطرز قصصك بإضافة تنتقيها.. أجد هذا جميلا.. كانت هنا الخاتمة ولو لم أجد ذلك الرابط بين المشيب والنهاية
      العنوان العبارة المقتبسة عن شفاه الشاب قلّبتها فكانت .. أريد أن تعرفني لكنها لن تعرفني
      استمتعت بقراءة القصتين اللتين تحكيان الحبل المتين الذي تجسده علاقة الأبناء بالوالدين وبالعكس في جميع أحوالها
      والتي كثيرا ما تثمر وفاء ونضالا مهما تقس الظروف
      شكرا لقلمك السخي الأديب مصباح فوزي رشيد

      تعليق

      • مصباح فوزي رشيد
        يكتب
        • 08-06-2015
        • 1272

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة أميمة محمد مشاهدة المشاركة
        سرني سردك الأخاذ... كنت أحاول أن أجمع الخيوط التي تربط أطراف القصة ليسرني أن أرى الترابط المتين بين أحداث القصتين، ووجدت أن لكل شخص شجن ولكلٍ مشاعر تيتمت لفقدان حزين
        تطرز قصصك بإضافة تنتقيها.. أجد هذا جميلا.. كانت هنا الخاتمة ولو لم أجد ذلك الرابط بين المشيب والنهاية
        العنوان العبارة المقتبسة عن شفاه الشاب قلّبتها فكانت .. أريد أن تعرفني لكنها لن تعرفني
        استمتعت بقراءة القصتين اللتين تحكيان الحبل المتين الذي تجسده علاقة الأبناء بالوالدين وبالعكس في جميع أحوالها
        والتي كثيرا ما تثمر وفاء ونضالا مهما تقس الظروف
        شكرا لقلمك السخي الأديب مصباح فوزي رشيد
        أشكر لك هذا التفاعل أستاذتنا القديرة ، أميمة محمد
        فائق الاحترام والتقدير .
        لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

        تعليق

        يعمل...
        X