أريدها تعرفني لكنها لاتعرفني
***
كنت في الاصطياف سعيدًا مبتهجًا قبل أن يختلي بي أحد الإخوة ، ولا يهم إن كان محبوبًا ، أو نجيبًا يحمل معه بعض الشهادات ، أو أنّني أكبُره سنًّا ، بقدر ما كنت أقرأ في عينيه البنيّتين ذاك الشعور الغريب بالكآبة والحرمان . كيف لا وقد خرج إلى هذه الدنيا ليجد نفسه بين أحضان أمّ كفيفة ، المؤمنة بنت الشرف ونسل الأصول العريقة ، تكابد الحياة الصعبة دون أن ترى النور ، لكنها صابرة على الابتلاء ، راضية بحالها كما قدّر الله ، لم تيأس ولم تتزعزع ، تجود بما توفّر لديها ولا تبخل ، وكنت قد عرفتها كذلك ، وأكلت من يدها أشهى ماتذوّقت في حياتي ، قبل أن تفارق الحياة – طيّب الله ثراها – ، ورحلت من الدنيا الشقيّة ولم تستوفِ منها كامل حقّها في رؤيتها لطفلها الرّضيع ، وهو لايدرك معنى الحياة التي تكابدها الأم الطيّبة ، ترعاه بحبها وحنانها حتى صار شابًّا مفجوعًا في أمّ كفيفة فقدت بصيص الأمل ، وكيف قامت برعايته حتى كبر ولم تتركه يومًا ، ولم تتخلّ عن واجباتها تجاه أسرة بحالها ، ولم تعيَ ولم تكل .
لكن تجربته المريرة جعلت منه شخصًا نبيلاً يشارك الناس همومهم وأحزانهم .
وعلى أعتاب ليلة مقمرة ، والبدر فيها كان قد إكتمل في العيون الحزينة ، ولم يبق سوانا على الشاطئ الحزين ، كأنّه يستأنس بنا لما يعانيه هو الآخر من إهمال وتغييب ، وحتّى يهوّن عليّ صديقي المنكوب ، راح يسرد عليّ قصّته مع شاب نشأ في أحضان أم مريضة بالأعصاب ، فاقدة للأهلية بسبب الجنون ، مغيّبة بسبب الإدمان على الأدوية المهدّئنة للأعصاب .
كانت أصعب لحظة عاشها في حياته وهو يمارس مهنة الطب النفسي ،حين قام الشاب بإحضار أمّه المريضة الى العيادة ، المسكينة لم يسعها الجلوس في مكان واحد وراحت تلفّ حول الغرفة وتدور دون أن تتوقّف ولو لحظة ، وقد سبّب ذلك الاشمئزاز لدى بقية المرضى ، فطلب من ابنها لعلّه يقدر عليها :
- " اطلب منها بلطف لعلّها تتوقّف فهي تعرفك "
التفت الابن البار بوالدته إليه والحسرة بادية على محيّاه ليقول له :
- " كيف أطلب من التي أريدها تعرفني لكنها لا تعرفني " .
المسكين ولم يعد له منها سوى خيالها .
نظر رفيقي إلى دموعي فإذا هي متلألئة تعكس بصيص القمر ، وقد كنت خلالها أتابع كلامه الشّجِن ، بحرقة عيون من جرّب ، أردّد في نفسي قول الشاعر :
آ بإذن نزلت بي يا مشيب *** أيّ عيش وقد نزلت بي يطيب .
***
كنت في الاصطياف سعيدًا مبتهجًا قبل أن يختلي بي أحد الإخوة ، ولا يهم إن كان محبوبًا ، أو نجيبًا يحمل معه بعض الشهادات ، أو أنّني أكبُره سنًّا ، بقدر ما كنت أقرأ في عينيه البنيّتين ذاك الشعور الغريب بالكآبة والحرمان . كيف لا وقد خرج إلى هذه الدنيا ليجد نفسه بين أحضان أمّ كفيفة ، المؤمنة بنت الشرف ونسل الأصول العريقة ، تكابد الحياة الصعبة دون أن ترى النور ، لكنها صابرة على الابتلاء ، راضية بحالها كما قدّر الله ، لم تيأس ولم تتزعزع ، تجود بما توفّر لديها ولا تبخل ، وكنت قد عرفتها كذلك ، وأكلت من يدها أشهى ماتذوّقت في حياتي ، قبل أن تفارق الحياة – طيّب الله ثراها – ، ورحلت من الدنيا الشقيّة ولم تستوفِ منها كامل حقّها في رؤيتها لطفلها الرّضيع ، وهو لايدرك معنى الحياة التي تكابدها الأم الطيّبة ، ترعاه بحبها وحنانها حتى صار شابًّا مفجوعًا في أمّ كفيفة فقدت بصيص الأمل ، وكيف قامت برعايته حتى كبر ولم تتركه يومًا ، ولم تتخلّ عن واجباتها تجاه أسرة بحالها ، ولم تعيَ ولم تكل .
لكن تجربته المريرة جعلت منه شخصًا نبيلاً يشارك الناس همومهم وأحزانهم .
وعلى أعتاب ليلة مقمرة ، والبدر فيها كان قد إكتمل في العيون الحزينة ، ولم يبق سوانا على الشاطئ الحزين ، كأنّه يستأنس بنا لما يعانيه هو الآخر من إهمال وتغييب ، وحتّى يهوّن عليّ صديقي المنكوب ، راح يسرد عليّ قصّته مع شاب نشأ في أحضان أم مريضة بالأعصاب ، فاقدة للأهلية بسبب الجنون ، مغيّبة بسبب الإدمان على الأدوية المهدّئنة للأعصاب .
كانت أصعب لحظة عاشها في حياته وهو يمارس مهنة الطب النفسي ،حين قام الشاب بإحضار أمّه المريضة الى العيادة ، المسكينة لم يسعها الجلوس في مكان واحد وراحت تلفّ حول الغرفة وتدور دون أن تتوقّف ولو لحظة ، وقد سبّب ذلك الاشمئزاز لدى بقية المرضى ، فطلب من ابنها لعلّه يقدر عليها :
- " اطلب منها بلطف لعلّها تتوقّف فهي تعرفك "
التفت الابن البار بوالدته إليه والحسرة بادية على محيّاه ليقول له :
- " كيف أطلب من التي أريدها تعرفني لكنها لا تعرفني " .
المسكين ولم يعد له منها سوى خيالها .
نظر رفيقي إلى دموعي فإذا هي متلألئة تعكس بصيص القمر ، وقد كنت خلالها أتابع كلامه الشّجِن ، بحرقة عيون من جرّب ، أردّد في نفسي قول الشاعر :
آ بإذن نزلت بي يا مشيب *** أيّ عيش وقد نزلت بي يطيب .
تعليق