آفاق حلم
خط المعلم عنوان الدرس بحروف كبيرة، كنت ارقبه وكأني لا أراه، امتزجت في تلك اللحظة بداخلي غيبوبة معتمة مع واقع لا المسه وأنا اسمع صرير الطباشير يعزف بلحن غير الذي أعهده كل صباح.
نظرت إلى قلمي متهيئاً للانطلاق معه في هذا اليوم الدراسي الجديد بل الغريب والأكثر غرابه هنا أنه كان يتحرك؟ قد لا يصدق البعض أن في القلم طاقة غير السكون بين يدي الفقير والغني والصغير والكبير والاهم بين يدي الكاتب، سكون تتولد منه أمنيات العشاق ليكون جواز سفر مفتوح، وتتولد منه عواصف الشعر وهواجس النفس.
كان يتحرك أعلى وأسفل الورقة ثم ينحني يميناً وشمالاً، شدني تمرسه في حلاوة نقش الحروف (أنت تحلم) خطها في تلك الفضاءات البيضاء، خطها وسكن، وكم كان عميقاً سكونه وشديداً ذلك الصمت الذي أباح لنفسه أن يكون ثالثاً حين لم يبقى أحد، اختفى الجميع؟ وكأني فعلاً في حلم؟ مسكت بالقلم بقوة خشيت أن أفقده فأفقد معه تلك الأطياف الساكنة وخرجت إلى باحة المدرسة، هي نفسها الصفوف لم تتغير وذاك الدرج الذي ارتقيه إلى صف الفنون في مكانه صوتٌ واحد كان يأتيني من هناك، وشيئاً ما أسمعه يسقط على الأرض، ارتقيته ومن تحت قدمي كانت الدرجات تتمايل وتعلو وتنخفض .. لولا أن القلم كتب أني في حلم لفكرت في الهرب من هذا الجنون وذلك الصوت القريب من نفسي.
- ماذا تفعل هنا؟
انه صوتي؟ أنه أنا من يتحدث؟ لكني لم انطق بكلمة!
- أنا هنا فوق .. انظر
رفعت رأسي، كنت جالساً في أعلى الدرج احمل بين يدي عملات نقدية ارميها على الدرجات الواحدة بعد الأخرى، المكان مظلم جزئياً شعرت بالخوف ربما هو ما اشعر به وأنا جالس هناك، أردت أن أتحدث أن اسأل جزئي الغامض عما يجري لكن الأمر كان أقوى مني، وتلك الأطياف الساكنة في أعماقها تدور حولي.
- سيفتقدك المعلم عد إلى الصف
ورمي بين يدي عملة نقدية واحدة، مددت يدي لالتقطها، بحثت عنها لم أجد سوى قلمي، وقدما المعلم ويدان تمسكان بكتفي ..
- أتبحث عن شيء؟
- لا أستاذ إنما أنا في حلم؟
- حلم؟!
- نعم كنت هنا وعدت .. لا ادري كيف؟
- بل كنت نائماً في الصف منذ دخولي، لم تخرج ولم تعد ؟؟
تنفست الصعداء وشعرت براحة كبيرة .. أوقفتها للحظات حروف خُطت في دفتري (أنت تحلم)
..