الشمس كما لم تكن أبدا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • توفيق بن حنيش
    أديب وكاتب
    • 14-06-2011
    • 490

    الشمس كما لم تكن أبدا

    الشمس كما لم تكن أبدا
    واستجاب الله دعاءهم وأشرقت الشمسُ كما لم تشرق يوما في تاريخ البشرية. أشرقت الشمس كبيرة عظيمة ساطعة متوهّجة. ولدت في قلب السماء فلم يكن ثمّ صبح ولا مساء.لم تغادر الشمس كبد السماء .وبدت لنا عينا كبيرة تحرسنا وتنير دروبنا. وفي ذلك اليوم الفريد استطاع الناس رؤية ما خفي عنهم وعن أجدادهم وأجداد أجدادهم. رأوا أسرارا طالما كتمتها الحياة وبخلت بها الدّنيا. لقد رأوا أعاجيب لا علاقة لها بكل ما كان يرويه لهم السحرة والمنجمون والقصّاص والمذكرون ومن عاشر المتطبّبين والرقاة .نعم رأوا أشياء لم يخبر بمثلها كتاب في ما ألف الناس واستقبلوا من السماء طيلة القرون الخوالي.

    كانت تلك الساعة اليوم موعدا مشهودا للطبيب الذي أسرع بقطرة من دم على صفيحة من حديد وأقبل على الناس في الشارع يريهم سبب العلل ومنبت الآلام وعلة الأسقام. أقبل عليهم وهو يقول :" هذه فرصتكم لتعلموا ما لم تحط به الأوائل ولم يذكره أبيقراط في مخطوطاته, انظروا إلى تلك الكائنات الدّقيقة التي تسبح في الدّم إنها كائنات تتسلح بالموت لتقهركم ورغم أنها أصغر من أن ترى في الأيام العادية إلاّ أنها تبدو أقوى منكم مجتمعين. تعالوا نبحث في طريقة محاربتها لئلاّ تتخذ من أبداننا أوكارا لها فتنخرها وانظروا معي في وضح الشمس الساطعة إلى أجزاء الدّم". ثمّ أخرج لهم من جيبه شيئا يشبه القرطاس ودعا جاريته وقال لهم :"الآن أريكم ما تحمل هذه الجارية التي أملكها فنظروا إلى بعضهم مستهزئين وقالوا له في صوت واحد :"هات أرنا ما أنت فاعل". فقرب الورقَ من بطن الجارية وأشار إليهم أن انظروا إلى رأس الجنين وإلى قلبه وبطنه وأعضائه.ثمّ قال لهم إنه ذكر. فاغمي على ذوي العلل بينما انهال البقية على الطبيب ركلا ورفسا وجعلوا الورق بينهم فمزقوه وداسوا بقيته بالنعال وهم شامتون يتشفون . وتحدثوا فيما بينهم وعزوا ذلك إلى السّحر واتفقوا على رفع الأمر إلى القاضي الشرعي في غد يكون فيه صباح وظهيرة وغروب.

    واتفق أن مرّ السقاء بقوم ينظرون إلى أعاجيب الشمس لا تصيبهم في أعينهم فوجد ذلك غريبا . وهمّ بإفراغ الماء فوقع بصره على ما لم يره أبدا .رأى ذرّات متلألئة تشع تحت بصره ورأى الماء كلّه يتحوّل إلى جواهر صغيرة جدّا فصاح في المارة تعالوا وانظروا شرابكم وقد تحوّل إلى جواهر دقيقة تتعانق فيها أنثيان وذكر. ولم يكن يعلم أن ذلك هو ما سيسميهه العلماء بعد آلف سنة أو أكثر بذرات الأكسيجين والهيدروجين.

    ومرّ بالقوم رجل يشتغل بالنّجوم. فرأى في ما يرى الحالم أنه يطير في السماء بلا أجنحة فقال لم لا أحاول أن أتى بالسماء إليّ عوضا عن أن أذهب أنا إليها ؟وصاح في الناس "اتبعوني إلى السبخة والبحيرة الراكدة. فكان له ذلك, وحيتما أدركوها قال لهم :"انظروا إلى السماء في الأرض ."فتضاحكوا وقال قائلهم "قد جنّ صاحب النّجوم "ومازال يقنعهم بذلك ويستحثهم على النّطر إلى ذلك قبل ذهاب الشمس حتّى أطاعوه وحدقوا مليا في صفحة الماء فرأوا الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ وجعل صاحب النّجوم يحدّثهم ويهتزّ بعنف من شدة الفرح .وجعل يقيس لهم المسافات بين الأجرام ويخبرهم عن حركتها ويبين لهم مصائرها حتى اعتراهم النّوم فلما أفاقوا وجدوا الشمس في مكانها ووجدوا المنجم في مكانه والزبد يغطي فمه ولحيته وهو ما ينفكّ يخطب في الرّقود. ردوا ذلك للسحر وطاردوا صاحبهم ولعنوا الشيطان وتفرقوا قبيل كسوف الشمس بقليل .

    واجتمع عند الظّهيرة محاربون متمرسون وجعلوا ينظرون في الآفاق البعيدة فرأوا أعداءهم من الغزاة يتجهون ناحية مدينتنا وهم على مسيرة شهر من أسوارهم المنيعة. ولما تحققوا من الأمر دعوا شيوخ المدينة وحكماءها وعقدوا مجلسا مستعجلا لم يتجاوز الدّقيقة أبرموا فيه أمر تخزين المؤن ودعم الحصون وحفر الخنادق ليردوا كيد المعتدين.

    وفي عزّ تلك الظّهيرة التي بلغت فيها الشمس كمالا لم تكن قد بلغته قبل, جاء الجيولوجيّ المجنون ذلك الذي أفنى عمره في إثبات وجود مساكن الجنّ تحت الأرض وكان يزعم أن فيها جنيات فاتنات لم يطمثهن إنس ولا جان .جاء ذلك الجيولوجيّ بمرآة كبيرة وعكس بها أشعة الشمس وجعل يصف ما يراه من معادن ومياه جوفية وفسفاط وجعل يصف الصخور ويبين عمرها بحسب درجة دكانة اللون فاجتمع حوله خلق كثير وشغبوا عليه وتعلقواا بتلابيب ثوبه مطالبينه بالبحث عن الذهب والفضة لكنه سارع بالانفلات منهم .غير أنهم لاحقوه وأخرجوه من كلّ ملجإ كان دخله وذلك بفضل قوة الشمس حيث كان يرى هو ومرآته يدخلان المحلات ويتجولان فيها وهذا سهل عملية القبض عليه وحبس وجعل القوم يعبثون بآلته حتى كسروها ونشبت بينهم المعارك الطاحنة والشمس من فوقهم ترقبهم ولا تتحرّك ووفي الأخير تفرقوا دون العثور على الذهب والفضة .

    في ذلك اليوم الساعة الذي أشرقت فيه الشمس شابة قوية يافعة وولدت فيه كاملة لا نقص يعتريها ولا وهن الغروب يهجم عليها بغتة, نطق سكّير لا يستفيق من سكره بكلام قال بعضهم هو من السماء وقال آخرون بل هو من باطن الأرض وهو من وحي الجان أو الشيطان. وكان كلامه أسود وكريها كما البترول تماما. ولكنه ورغم ذلك كله لقي القبول الحسن ولهج به كلّ من منى النّفس بالثروة. خرج السكير في تلك السّاعة وهو يحمل كسرة من مرآة الجيولوجيّ وجعل يسابق بها الوقت وهو ينظر إلى الشمس تارة وإلى الناس تارة أخرى وهو يقول :أصداء الموت في غابر الزمان تتحوّل إلى نار وحياة ...هلموا إليّ أبين لكم سرّ الوحي من غابر الزمان وأشرح لكم كيف تحوّلون حياتكم كلها إلى قطران وأنتم سعداء. ستصيحون معي متضرعين إلى الله أن يجعل حياتكم قطران وأرضكم قطران وستكونون أسعد الناس باكتشاف القطران ...ها انظروا هنا تحت بيوتكم قطران كثير إنه أسود ورائحه كريهة ولكنّه يحوّل خيامكم إلى قصور ويقلبكم من رعاة إلى تجار متقاعدين. سيطول عليكم اليوم كما طال عليكم يومكم هذا وستعرفون أنها حياة لا تعاد ولا تعود إذا أدبرت.

    ترك القوم الطبيب والسقاء .وتعلقوا بالسكّير واتبعوه وهو يسير بهم في الأزقة والساحات مقهقها رافعا يديه إلى السماء و كان يدعو وهم يؤمنون دون أن يكونوا فاهمين لما يقول.

    في جزء من الثانية انتهى الحلم وتحولت الشمس فجأة عن مكانها .وكما ولدت شابه قوية يافعة ماتت قوية يافعة وبحلم الشباب, الذي ولدت به وأظلم الكون فجأة ودون سابق إنذار وانتهت تلك الساعة التي لم يعرف التاريخ مثلها وخاض القوم في الظلام وجعل المحتالون والمارقون والفجار يبحثون عن كسر المرآة واستعملوا بقية ما فيها من شمس ذلك اليوم ليتطلعوا على عورات الناس. وجعلوا يضحكون ويتهامسون ويتمتعون وهم في غفلة من الأمر وهم لا يفهمون أنّ الظلام مقيم لا يفارقهم وأن الشمس قد ذهبت لتشرق في الناحية الأخرى من الأرض .ذهبت الشمس وظلّ ناس كثيرون ينتظرون طلوع فجر جديد تولد فيه شمس وتشبّ وتكبر وتهرم وتموت ليتسنى لهم إخبار المفتى والقاضي الشرعي بما رأوا إذ لعلهم يصلون في الأمر إلى قول فصل .

    توفيق بن حنيش 15جانفي 2017
  • توفيق بن حنيش
    أديب وكاتب
    • 14-06-2011
    • 490

    #2
    أستجدي رأيا نقديا وأتسوّل ترجمة إلى الأنقليزية .دمت أصدقائي الطيبين .
    التعديل الأخير تم بواسطة توفيق بن حنيش; الساعة 24-02-2017, 14:27.

    تعليق

    • سعد الأوراسي
      عضو الملتقى
      • 17-08-2014
      • 1753

      #3
      الله
      وكأنك لاتخاف أن يتهمك النقاد بالسّحر، أو تُضرب بحروفك على رأسك فتفقد حبر عينيك ..
      وربما يُقَطع سياقكَ ، ويفصلُ عنوانه ..
      قصة رائعة ، مستوحاة مما كان وما يقع
      عالم حرفك متفردا ، محكم النسيج ، بخيال صاف وخصب ، أخباره سبقا يكتشف تأمليا ، رزينة وواعية ، ثابتة تتغير عند كل مشهد وتَوقع لتندمج في عبرة من نور ..
      تستحق القراءة ، والعودة للغتها الثرية ، التي تدفع القاريء لمطاردة تفاصيل دهاليزها ، المستفسرة تارة
      والسّاخرة طورا ..
      وقد تكون ، كما لم تكن أبدا ..
      وقد تشرق ، كما لم تشرق من قبل ..
      تحيتي وتقديري

      تعليق

      • توفيق بن حنيش
        أديب وكاتب
        • 14-06-2011
        • 490

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة سعد الأوراسي مشاهدة المشاركة
        الله
        وكأنك لاتخاف أن يتهمك النقاد بالسّحر، أو تُضرب بحروفك على رأسك فتفقد حبر عينيك ..
        وربما يُقَطع سياقكَ ، ويفصلُ عنوانه ..
        قصة رائعة ، مستوحاة مما كان وما يقع
        عالم حرفك متفردا ، محكم النسيج ، بخيال صاف وخصب ، أخباره سبقا يكتشف تأمليا ، رزينة وواعية ، ثابتة تتغير عند كل مشهد وتَوقع لتندمج في عبرة من نور ..
        تستحق القراءة ، والعودة للغتها الثرية ، التي تدفع القاريء لمطاردة تفاصيل دهاليزها ، المستفسرة تارة
        والسّاخرة طورا ..
        وقد تكون ، كما لم تكن أبدا ..
        وقد تشرق ، كما لم تشرق من قبل ..
        تحيتي وتقديري

        شكرا على ذوقك السليم ونبل موقفك ...
        سرني كثيرا رأيك

        تعليق

        • منيره الفهري
          مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
          • 21-12-2010
          • 9870

          #5
          نص فريد من نوعه
          خيال خصب و ثراء في اللغة
          تحياتي أخي الفاضل توفيق حنيش

          تعليق

          • توفيق بن حنيش
            أديب وكاتب
            • 14-06-2011
            • 490

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
            نص فريد من نوعه
            خيال خصب و ثراء في اللغة
            تحياتي أخي الفاضل توفيق حنيش

            شرف لي إطلالتك الكريمة ..

            تعليق

            • فايزشناني
              عضو الملتقى
              • 29-09-2010
              • 4795

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
              نص فريد من نوعه
              خيال خصب و ثراء في اللغة
              تحياتي أخي الفاضل توفيق حنيش

              أختي الغالية منيرة
              أتمنى أن تسهمي في ترجمة هذا النص الجميل إلى الانكليزية
              أو الطلب من أحد الأصدقاء فعل ذلك .. خاصة أن الأستاذ توفيق طلب ذلك
              تحيتي
              هيهات منا الهزيمة
              قررنا ألا نخاف
              تعيش وتسلم يا وطني​

              تعليق

              • منيره الفهري
                مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                • 21-12-2010
                • 9870

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة فايزشناني مشاهدة المشاركة

                أختي الغالية منيرة
                أتمنى أن تسهمي في ترجمة هذا النص الجميل إلى الانكليزية
                أو الطلب من أحد الأصدقاء فعل ذلك .. خاصة أن الأستاذ توفيق طلب ذلك
                تحيتي
                أهلا أستاذي العزيز فايز شناني
                ان شاء الله نكون عند حسن الظن فريق الترجمة
                سنترجم النص الجميل بإذن الله
                تحياتي لك و لأخي العزيز توفيق حنيش

                تعليق

                • توفيق بن حنيش
                  أديب وكاتب
                  • 14-06-2011
                  • 490

                  #9
                  مرّة أخرى أجدني أكبر موقف الأخت منيرة الفهري والأخ فايز شناني .وأقول لهما إني معتذر منكما ومن القراء فالطلب بدا لي غريبا نعم ولكني غامرت بإعلانه ذلك أنّ النصوص تفرض نفسها على المترجم ولا يسعى بها الكاتب بين يديه لتترجم .المعذرة .

                  تعليق

                  • عمار عموري
                    أديب ومترجم
                    • 17-05-2017
                    • 1300

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة توفيق بن حنيش مشاهدة المشاركة
                    الشمس كما لم تكن أبدا
                    واستجاب الله دعاءهم وأشرقت الشمسُ كما لم تشرق يوما في تاريخ البشرية. أشرقت الشمس كبيرة عظيمة ساطعة متوهّجة. ولدت في قلب السماء فلم يكن ثمّ صبح ولا مساء.لم تغادر الشمس كبد السماء .وبدت لنا عينا كبيرة تحرسنا وتنير دروبنا. وفي ذلك اليوم الفريد استطاع الناس رؤية ما خفي عنهم وعن أجدادهم وأجداد أجدادهم. رأوا أسرارا طالما كتمتها الحياة وبخلت بها الدّنيا. لقد رأوا أعاجيب لا علاقة لها بكل ما كان يرويه لهم السحرة والمنجمون والقصّاص والمذكرون ومن عاشر المتطبّبين والرقاة .نعم رأوا أشياء لم يخبر بمثلها كتاب في ما ألف الناس واستقبلوا من السماء طيلة القرون الخوالي.

                    كانت تلك الساعة اليوم موعدا مشهودا للطبيب الذي أسرع بقطرة من دم على صفيحة من حديد وأقبل على الناس في الشارع يريهم سبب العلل ومنبت الآلام وعلة الأسقام. أقبل عليهم وهو يقول :" هذه فرصتكم لتعلموا ما لم تحط به الأوائل ولم يذكره أبيقراط في مخطوطاته, انظروا إلى تلك الكائنات الدّقيقة التي تسبح في الدّم إنها كائنات تتسلح بالموت لتقهركم ورغم أنها أصغر من أن ترى في الأيام العادية إلاّ أنها تبدو أقوى منكم مجتمعين. تعالوا نبحث في طريقة محاربتها لئلاّ تتخذ من أبداننا أوكارا لها فتنخرها وانظروا معي في وضح الشمس الساطعة إلى أجزاء الدّم". ثمّ أخرج لهم من جيبه شيئا يشبه القرطاس ودعا جاريته وقال لهم :"الآن أريكم ما تحمل هذه الجارية التي أملكها فنظروا إلى بعضهم مستهزئين وقالوا له في صوت واحد :"هات أرنا ما أنت فاعل". فقرب الورقَ من بطن الجارية وأشار إليهم أن انظروا إلى رأس الجنين وإلى قلبه وبطنه وأعضائه.ثمّ قال لهم إنه ذكر. فاغمي على ذوي العلل بينما انهال البقية على الطبيب ركلا ورفسا وجعلوا الورق بينهم فمزقوه وداسوا بقيته بالنعال وهم شامتون يتشفون . وتحدثوا فيما بينهم وعزوا ذلك إلى السّحر واتفقوا على رفع الأمر إلى القاضي الشرعي في غد يكون فيه صباح وظهيرة وغروب.

                    واتفق أن مرّ السقاء بقوم ينظرون إلى أعاجيب الشمس لا تصيبهم في أعينهم فوجد ذلك غريبا . وهمّ بإفراغ الماء فوقع بصره على ما لم يره أبدا .رأى ذرّات متلألئة تشع تحت بصره ورأى الماء كلّه يتحوّل إلى جواهر صغيرة جدّا فصاح في المارة تعالوا وانظروا شرابكم وقد تحوّل إلى جواهر دقيقة تتعانق فيها أنثيان وذكر. ولم يكن يعلم أن ذلك هو ما سيسميهه العلماء بعد آلف سنة أو أكثر بذرات الأكسيجين والهيدروجين.

                    ومرّ بالقوم رجل يشتغل بالنّجوم. فرأى في ما يرى الحالم أنه يطير في السماء بلا أجنحة فقال لم لا أحاول أن أتى بالسماء إليّ عوضا عن أن أذهب أنا إليها ؟وصاح في الناس "اتبعوني إلى السبخة والبحيرة الراكدة. فكان له ذلك, وحيتما أدركوها قال لهم :"انظروا إلى السماء في الأرض ."فتضاحكوا وقال قائلهم "قد جنّ صاحب النّجوم "ومازال يقنعهم بذلك ويستحثهم على النّطر إلى ذلك قبل ذهاب الشمس حتّى أطاعوه وحدقوا مليا في صفحة الماء فرأوا الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ وجعل صاحب النّجوم يحدّثهم ويهتزّ بعنف من شدة الفرح .وجعل يقيس لهم المسافات بين الأجرام ويخبرهم عن حركتها ويبين لهم مصائرها حتى اعتراهم النّوم فلما أفاقوا وجدوا الشمس في مكانها ووجدوا المنجم في مكانه والزبد يغطي فمه ولحيته وهو ما ينفكّ يخطب في الرّقود. ردوا ذلك للسحر وطاردوا صاحبهم ولعنوا الشيطان وتفرقوا قبيل كسوف الشمس بقليل .

                    واجتمع عند الظّهيرة محاربون متمرسون وجعلوا ينظرون في الآفاق البعيدة فرأوا أعداءهم من الغزاة يتجهون ناحية مدينتنا وهم على مسيرة شهر من أسوارهم المنيعة. ولما تحققوا من الأمر دعوا شيوخ المدينة وحكماءها وعقدوا مجلسا مستعجلا لم يتجاوز الدّقيقة أبرموا فيه أمر تخزين المؤن ودعم الحصون وحفر الخنادق ليردوا كيد المعتدين.

                    وفي عزّ تلك الظّهيرة التي بلغت فيها الشمس كمالا لم تكن قد بلغته قبل, جاء الجيولوجيّ المجنون ذلك الذي أفنى عمره في إثبات وجود مساكن الجنّ تحت الأرض وكان يزعم أن فيها جنيات فاتنات لم يطمثهن إنس ولا جان .جاء ذلك الجيولوجيّ بمرآة كبيرة وعكس بها أشعة الشمس وجعل يصف ما يراه من معادن ومياه جوفية وفسفاط وجعل يصف الصخور ويبين عمرها بحسب درجة دكانة اللون فاجتمع حوله خلق كثير وشغبوا عليه وتعلقواا بتلابيب ثوبه مطالبينه بالبحث عن الذهب والفضة لكنه سارع بالانفلات منهم .غير أنهم لاحقوه وأخرجوه من كلّ ملجإ كان دخله وذلك بفضل قوة الشمس حيث كان يرى هو ومرآته يدخلان المحلات ويتجولان فيها وهذا سهل عملية القبض عليه وحبس وجعل القوم يعبثون بآلته حتى كسروها ونشبت بينهم المعارك الطاحنة والشمس من فوقهم ترقبهم ولا تتحرّك ووفي الأخير تفرقوا دون العثور على الذهب والفضة .

                    في ذلك اليوم الساعة الذي أشرقت فيه الشمس شابة قوية يافعة وولدت فيه كاملة لا نقص يعتريها ولا وهن الغروب يهجم عليها بغتة, نطق سكّير لا يستفيق من سكره بكلام قال بعضهم هو من السماء وقال آخرون بل هو من باطن الأرض وهو من وحي الجان أو الشيطان. وكان كلامه أسود وكريها كما البترول تماما. ولكنه ورغم ذلك كله لقي القبول الحسن ولهج به كلّ من منى النّفس بالثروة. خرج السكير في تلك السّاعة وهو يحمل كسرة من مرآة الجيولوجيّ وجعل يسابق بها الوقت وهو ينظر إلى الشمس تارة وإلى الناس تارة أخرى وهو يقول :أصداء الموت في غابر الزمان تتحوّل إلى نار وحياة ...هلموا إليّ أبين لكم سرّ الوحي من غابر الزمان وأشرح لكم كيف تحوّلون حياتكم كلها إلى قطران وأنتم سعداء. ستصيحون معي متضرعين إلى الله أن يجعل حياتكم قطران وأرضكم قطران وستكونون أسعد الناس باكتشاف القطران ...ها انظروا هنا تحت بيوتكم قطران كثير إنه أسود ورائحه كريهة ولكنّه يحوّل خيامكم إلى قصور ويقلبكم من رعاة إلى تجار متقاعدين. سيطول عليكم اليوم كما طال عليكم يومكم هذا وستعرفون أنها حياة لا تعاد ولا تعود إذا أدبرت.

                    ترك القوم الطبيب والسقاء .وتعلقوا بالسكّير واتبعوه وهو يسير بهم في الأزقة والساحات مقهقها رافعا يديه إلى السماء و كان يدعو وهم يؤمنون دون أن يكونوا فاهمين لما يقول.

                    في جزء من الثانية انتهى الحلم وتحولت الشمس فجأة عن مكانها .وكما ولدت شابه قوية يافعة ماتت قوية يافعة وبحلم الشباب, الذي ولدت به وأظلم الكون فجأة ودون سابق إنذار وانتهت تلك الساعة التي لم يعرف التاريخ مثلها وخاض القوم في الظلام وجعل المحتالون والمارقون والفجار يبحثون عن كسر المرآة واستعملوا بقية ما فيها من شمس ذلك اليوم ليتطلعوا على عورات الناس. وجعلوا يضحكون ويتهامسون ويتمتعون وهم في غفلة من الأمر وهم لا يفهمون أنّ الظلام مقيم لا يفارقهم وأن الشمس قد ذهبت لتشرق في الناحية الأخرى من الأرض .ذهبت الشمس وظلّ ناس كثيرون ينتظرون طلوع فجر جديد تولد فيه شمس وتشبّ وتكبر وتهرم وتموت ليتسنى لهم إخبار المفتى والقاضي الشرعي بما رأوا إذ لعلهم يصلون في الأمر إلى قول فصل .

                    توفيق بن حنيش 15جانفي 2017
                    فكرة نادرة حقا
                    يا حبذا لو أعيدت صياغة موضوعها بأسلوب سهل
                    حتما سيتمتع بها القارئ المتمعن ويستحسنها المترجم المتمكن
                    كما يأمل الأستاذ المحترم توفيق بن حنيش.

                    تعليق

                    • عمار عموري
                      أديب ومترجم
                      • 17-05-2017
                      • 1300

                      #11
                      ملاحظات حول الأسلوب واللغة في قصة :
                      الشمس كما لم تكن أبدا
                      للقاص : توفيق بن حنيش.

                      ماذا يحدث لو رأى الناس أسرار الحياة الخفية في وضح الشمس وبالعين المجردة ؟
                      للإجابة عن هذا السؤال عاد بنا الكاتب إلى ألف سنة أو يزيد ليحكي لنا عما حدث في ''مدينتنا'' عندما اسيقظ السكان ذات يوم على الشمس وهي في كبد السماء، وأشعتها من القوة بحيث إنها أظهرت الأشياء على حقيقتها وليس كما كان يوهمهم بها السحرة والمشعبذون أو يصفها لهم الكتاب والحكاؤون...

                      بفعل أشعة الشمس، مكّن الطبيب الناس من رؤية مخلوقات دقيقة تعج بالحركة في قطرة من دم، موضوعة على صفيحة معدنية، وجعلهم يستشفون، عبر قطعة ورق، جنينا ينبض بالحياة في بطن أمه ويتعرفون على جنسه الذكوري قبل أن يولد...بفعل أشعة الشمس، وبالصدفة وحدها رأى الناس كيف تتحول شربة ماء السقاء إلى جواهر متلالئة بين أيديهم...بفعل أشعة الشمس وتدبير المنجم، رأى الناس النجوم في عز الظهر ! ليس معلقة في السماء ولكن سابحة في صفحة ماء بحيرة ! بفعل أشعة الشمس المنعكسة على مرآته الموجهة إلى الأرض، مكن الجيولوجي المجنون أصلا، الناس من رؤية ما في باطنها من صخور معدنية ومياه جوفية. بفعل أشعة الشمس المتبقية في قطعة من مرآة الجيولوجي المكسرة، تمكن السكير الذي لا يصحو من سكره، من اكتشاف شيء أهم بكثير من كل ما سبق اكتشافه، وراح يسير في الأزقة وهو يهذي بما لا يدري ولا يفهمه الناس : لكنه تفوه بكلمة غريبة جعلت الناس يحلمون بها من دون أن يعرفوا معناها ! إنها كلمة البترول وما أدراك ما البترول ! البترول الذي سيحول الخيام إلى قصور، ورعاة الإبل إلى رعاة أموال...

                      فماذا كان موقف الناس في كل مرة ؟ اتهموا الطبيب بالسحر فأشبعوه ضربا وحبسوه حتى ينظر القاضي الشرعي في أمره، واندهشوا من قدرة السقاء على تحويل الماء إلى جواهر بمجرد صبه من قربته ! ولاحقوا المنجّم حتى اختفى عن الوجود خوفا على حياته، ولم يكن حال الجيولوجي بأحسن من حال الطبيب، فقد ألحقوه به في السجن، لينظر القاضي الشرعي في صحة عقله من جنونه، وتعاركوا على مرآته حتى كسروها إلى قطع صغيرة فخاب سعيهم في العثور على مناجم الذهب والفضة. إن الناس لا يحبون الحقيقة بل الوهم، لذلك تعلقوا بهذيان السكير وبكلامه الغامض وتمنوا أن يتحقق على أرض الواقع.

                      لكن شمس الحقيقة والعلم تختفي فجأة كما سطعت فجأة، وتترك الناس في ظلمات جهلهم وخيالاتهم يعمهون، تذهب إلى ناحية أخرى، حيث تُمجد أحسن تمجيد عند أناس آخرين لا يشبهون هؤلاء الرعاع الذين استغلوا بقية أشعتها في قطع المرآة المتكسرة، للتلصص على عورات بعضهم البعض والتندر بها فيما بينهم !

                      1.- ملاحظات على الأسلوب :
                      على ضوء هذا العرض يتبين لنا أن الفكرة مبتكرة، ومغزاها موجود في الجواب عن السؤال الكبير الملازم لكلمة البترول منذ اكتشافه : هل البترول نعمة أو نقمة ؟
                      فكيف عالج الكاتب هذا الفكرة النادرة بأسلوبه ؟

                      استخدم أسلوب الحكي العربي القديم الذي يتطلب توظيف أساليب البيان ومحسنات البديع والإيقاع والسجع، وهذا ما لاحظنا نقصه في النص بل وحتى ضعفه كما يبدو في عبارة : ''وكان يزعم أن فيها جنيات فاتنات ''لم يطمثهن إنس ولا جان'' فالاقتباس هنا لا يتناسب مع السياق لأن الإنس لا يمكنه طمث جنية، إلا إذا تم تصحيح العبارة هكذا : ''وكان يزعم أن فيها حسناوات فاتنات لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان'' فيصبح الاقتباس صحيحا.

                      أسلوب الحكي هذا أظهر أيضا قصوره في وصف بعض التراكيب و المصطلحات العلمية، مثلا في عبارة : ''تتعانق فيها أنثيان وذكر'' والمقصود بها طبعا ذرة الهيدروجين وذرتي الأكسيجين.

                      هنالك أيضا غلو إلى حد المحال في عبارة ''على مسيرة شهر'' وهي مسافة يمكن تقديرها اليوم بين 600/300 كلم، ولا يتصور القارئ عينا بشرية يمكنها الرؤية على هذه المسافة، إلا إذا تم تصحيح العبارة بإدخال لفظة من مثل كاد أو أوشك أو قارب فنقول مثلا : ''وجعلوا ينظرون في الآفاق البعيدة وكادوا أن يروا أعداءهم من الغزاة يتجهون ناحية مدينتنا وهم على مسيرة شهر من أسوارهم المنيعة'' وهكذا تصبح العبارة أقرب إلى الصحة بالنسبة إلى العقل.

                      ثم إن هنالك حالة غريبة حقا يمكن للقارئ ملاحظتها، فعلى امتداد ثلاث صفحات، خلا النص من الفاصلة، علامة الترقيم الهامة، سوى في أربعة مواضع...والأدهى أنها جاءت على شكل فاصلة إفرنجية (,) وليس العربية (،).

                      كما قلت آنفا يحتاج أسلوب الحكي العربي القديم إلى تزيين المعنى وتزيين العبارة، ونحن نتمنى من الكاتب الأستاذ توفيق بن حنيش تحسين نصه أو تحديثه بأسلوب سهل وبسيط، لأنه من المؤسف حقا أن يبقى نص بهذه الفكرة النادرة في سجل الإهمال.


                      2.- ملاحظات على اللغة :
                      الشمس كما لم تكن أبدا = الشمس كما لم تكن قط
                      أبيقراط = أبقراط
                      في غد يكون فيه صباح وظهيرة وغروب = في غد يكون صباحٌ وظهر وغروب
                      في صوت واحد = بصوت واحد
                      فاغمي = فأغمي
                      همّ بـ = أقدم على
                      يشتغل بالنّجوم = يشتغل بالتنجيم
                      في ما يرى = فيما يرى
                      أتى = آتي
                      سيسميهه = سيسميه
                      إلى السبخة والبحيرة = إلى السبخة أو البحيرة
                      مازال = ما زال
                      ومازال يقنعهم بذلك ويستحثهم على النّطر إلى ذلك = وما زال يقنعهم بذلك ويستحثهم على النّطر إليه
                      وهو ما ينفكّ يخطب في الرّقود = وهو لا ينفك يخطب...
                      ردوا ذلك للسحر = ردوا ذلك إلى السحر
                      وتفرقوا قبيل كسوف الشمس بقليل : وتفرقوا قبيل كسوف الشمس.
                      لم تكن قد بلغته قبل = لم تكن بلغته من قبل
                      تعلقواا = تعلقوا
                      في ذلك اليوم الساعة الذي = في ذلك اليوم الذي...
                      لا نقص يعتريها...= لا يعتريها نقص ولا يوهنها الغروب بغتة
                      ها انظروا تحت بيوتكم قطران كثير = ها انظروا تحت بيوتكم قطرانا كثيرا...
                      إذ لعلهم يصلون...= لعلهم يصلون

                      هذا ما وسعني أن أقوله على قدر ما توفر لي من جهد ووقت وأرجو أن أكون عند حسن ظن القاص الأستاذ توفيق بن حنيش وأن تكون ملاحظاتي محفزا له على المزيد من العطاء.

                      مع تحيتي الخالصة.

                      تعليق

                      • عائده محمد نادر
                        عضو الملتقى
                        • 18-10-2008
                        • 12843

                        #12
                        الشمس كما لم تكن أبدا
                        صباح الورد للجميع
                        النص مرعب حقيقة بكل تلك الرؤى التي جاءت فيه وكأني أمام لوحة أحتار ماذا اسميها
                        كنت بين الجمع أنتقل بكل سلاسة منحنا إياها الكاتب بن حنيش والذي يمتلك قدرة مهولة في السرد وغرائبية الأحداث والتمكن من مسك النص دون افلاته بتهدل ولا إطناب اعتراه.أنا لست ناقده لكني أستطيع القول أن الأديب بن حنيش استطاع وبكل حرفية أن يكتب نصا من أروع النصوص التي قرأتها له لقدراته على الاستحواذ على القاريء ومنذ أول لحظة يقرأ فيها وحتى النهاية، وموت الشمس يافعة وقويه كما ولدت.
                        استخدم القاص العبارات المجازية في رؤاه وكان برأيي موفقا لأبعد حد فيها، وهذا مالمسته من خلال قراءتي للنص مرتين لأني بطيعي شغوفة بالقراءة ، واستطيع أن ألمس حلاوة روح النص أو ماظهر منه ومابطن أحيانا.
                        تحياتي والف شكر أتقدم بها لكل رؤية للنص، وأخص بالشكر الزميل عمار عموري على الجهد الذي يقوم به هنا في النقد خاصة أن النصوص المقدمة كثيرة فعلا.
                        تحياتي للجميع وباقة ورد
                        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                        تعليق

                        • عمار عموري
                          أديب ومترجم
                          • 17-05-2017
                          • 1300

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                          الشمس كما لم تكن أبدا
                          صباح الورد للجميع
                          النص مرعب حقيقة بكل تلك الرؤى التي جاءت فيه وكأني أمام لوحة أحتار ماذا اسميها
                          كنت بين الجمع أنتقل بكل سلاسة منحنا إياها الكاتب بن حنيش والذي يمتلك قدرة مهولة في السرد وغرائبية الأحداث والتمكن من مسك النص دون افلاته بتهدل ولا إطناب اعتراه.أنا لست ناقده لكني أستطيع القول أن الأديب بن حنيش استطاع وبكل حرفية أن يكتب نصا من أروع النصوص التي قرأتها له لقدراته على الاستحواذ على القاريء ومنذ أول لحظة يقرأ فيها وحتى النهاية، وموت الشمس يافعة وقويه كما ولدت.
                          استخدم القاص العبارات المجازية في رؤاه وكان برأيي موفقا لأبعد حد فيها، وهذا مالمسته من خلال قراءتي للنص مرتين لأني بطيعي شغوفة بالقراءة ، واستطيع أن ألمس حلاوة روح النص أو ماظهر منه ومابطن أحيانا.
                          تحياتي والف شكر أتقدم بها لكل رؤية للنص، وأخص بالشكر الزميل عمار عموري على الجهد الذي يقوم به هنا في النقد خاصة أن النصوص المقدمة كثيرة فعلا.
                          تحياتي للجميع وباقة ورد
                          شكرا للالتفاتة الكريمة وعلى قراءة هذا النص الجميل.
                          وأرجو أن تكون مشاركتك هذه فاتحة شهية لجميع الإخوة الأعضاء، لقراءة نصوص إخوانهم الأدباء هنا والذين يلتمسون منهم النقد والملاحظات...
                          نعم، ممارسة النقد أمر صعب، وأصعب منه تحمل المضايقات بكل أنواعها التي قد تأتي من كاتب النص، لأن هذا الكاتب اعتاد على سماع كلمات الإطراء والمداهنة، فأصبح موهوما بالعظمة، وأصبح لا يسمح لأحد أن يمس نصه المقدس، برأيه.
                          هذه الحالة جعلت النقاد يفرون بجلودهم من هنا، خوفا على نفوسهم من السب والشتم.
                          تحيتي لك مرة ثانية أ. عايده، وللأديب توفيق بن حنيش.

                          تعليق

                          • عائده محمد نادر
                            عضو الملتقى
                            • 18-10-2008
                            • 12843

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
                            شكرا للالتفاتة الكريمة وعلى قراءة هذا النص الجميل.
                            وأرجو أن تكون مشاركتك هذه فاتحة شهية لجميع الإخوة الأعضاء، لقراءة نصوص إخوانهم الأدباء هنا والذين يلتمسون منهم النقد والملاحظات...
                            نعم، ممارسة النقد أمر صعب، وأصعب منه تحمل المضايقات بكل أنواعها التي قد تأتي من كاتب النص، لأن هذا الكاتب اعتاد على سماع كلمات الإطراء والمداهنة، فأصبح موهوما بالعظمة، وأصبح لا يسمح لأحد أن يمس نصه المقدس، برأيه.
                            هذه الحالة جعلت النقاد يفرون بجلودهم من هنا، خوفا على نفوسهم من السب والشتم.
                            تحيتي لك مرة ثانية أ. عايده، وللأديب توفيق بن حنيش.
                            مساء الورد عليك
                            حقيقة موقف صعب ولكن
                            من لايقبل النقد الأجدر به أن لاينشر، لأن أي نص ينشر يصبح ملك القاريء، ليس بالمعنى الحرفي ولكن الرؤية ستكون له ولاسلطان لنا عليه .
                            الناقد أيضا والذي يمتلك الخبرة والقدره، ستكون له مطلق الحرية بالرؤية وحسب أسس النقد ووفق رؤية مدروسة تتناغم والنص .
                            مؤكد أي نص يدخل غرف النقد لابد وأن يكون نصا يستحق وهذا بحد ذاته مكسب للنص وكاتبه.
                            ربما على النقاد أن يأخذوا بعين الاعتبار أن الأدباء يكتبون أحيانا جملا وتعابير مجازية لانستطيع تصحيحها أو القول عنها ( مخطوئه ) لأنها وببساطة شديده تعبيرارت مجازيه.
                            أشد على يديك الكريمتين وأقول أنا بالخدمة بأي مشورة أو رأي تحب أن تستنأنس به أو تتصور أني سأكون مفيدة لأي نص ومتى شئت فبدون التعاون المثمر لن نرتقي مطلقا وبالمجاملات لن نحقق مانصبو إليه، واي مجاملة على حساب الأدب مرفوضة جملة وتفصيلا.
                            الف شكر لك على الجهد المضني الذي تقوم به وكان الله بالعون
                            تحياتي وباقة ورد ياسمينه
                            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                            تعليق

                            • كمال حمام
                              محظور
                              • 14-12-2011
                              • 885

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
                              ملاحظات حول الأسلوب واللغة في قصة :
                              الشمس كما لم تكن أبدا
                              للقاص : توفيق بن حنيش.

                              ماذا يحدث لو رأى الناس أسرار الحياة الخفية في وضح الشمس وبالعين المجردة ؟
                              للإجابة عن هذا السؤال عاد بنا الكاتب إلى ألف سنة أو يزيد ليحكي لنا عما حدث في ''مدينتنا'' عندما اسيقظ السكان ذات يوم على الشمس وهي في كبد السماء، وأشعتها من القوة بحيث إنها أظهرت الأشياء على حقيقتها وليس كما كان يوهمهم بها السحرة والمشعبذون أو يصفها لهم الكتاب والحكاؤون...

                              بفعل أشعة الشمس، مكّن الطبيب الناس من رؤية مخلوقات دقيقة تعج بالحركة في قطرة من دم، موضوعة على صفيحة معدنية، وجعلهم يستشفون، عبر قطعة ورق، جنينا ينبض بالحياة في بطن أمه ويتعرفون على جنسه الذكوري قبل أن يولد...بفعل أشعة الشمس، وبالصدفة وحدها رأى الناس كيف تتحول شربة ماء السقاء إلى جواهر متلالئة بين أيديهم...بفعل أشعة الشمس وتدبير المنجم، رأى الناس النجوم في عز الظهر ! ليس معلقة في السماء ولكن سابحة في صفحة ماء بحيرة ! بفعل أشعة الشمس المنعكسة على مرآته الموجهة إلى الأرض، مكن الجيولوجي المجنون أصلا، الناس من رؤية ما في باطنها من صخور معدنية ومياه جوفية. بفعل أشعة الشمس المتبقية في قطعة من مرآة الجيولوجي المكسرة، تمكن السكير الذي لا يصحو من سكره، من اكتشاف شيء أهم بكثير من كل ما سبق اكتشافه، وراح يسير في الأزقة وهو يهذي بما لا يدري ولا يفهمه الناس : لكنه تفوه بكلمة غريبة جعلت الناس يحلمون بها من دون أن يعرفوا معناها ! إنها كلمة البترول وما أدراك ما البترول ! البترول الذي سيحول الخيام إلى قصور، ورعاة الإبل إلى رعاة أموال...

                              فماذا كان موقف الناس في كل مرة ؟ اتهموا الطبيب بالسحر فأشبعوه ضربا وحبسوه حتى ينظر القاضي الشرعي في أمره، واندهشوا من قدرة السقاء على تحويل الماء إلى جواهر بمجرد صبه من قربته ! ولاحقوا المنجّم حتى اختفى عن الوجود خوفا على حياته، ولم يكن حال الجيولوجي بأحسن من حال الطبيب، فقد ألحقوه به في السجن، لينظر القاضي الشرعي في صحة عقله من جنونه، وتعاركوا على مرآته حتى كسروها إلى قطع صغيرة فخاب سعيهم في العثور على مناجم الذهب والفضة. إن الناس لا يحبون الحقيقة بل الوهم، لذلك تعلقوا بهذيان السكير وبكلامه الغامض وتمنوا أن يتحقق على أرض الواقع.

                              لكن شمس الحقيقة والعلم تختفي فجأة كما سطعت فجأة، وتترك الناس في ظلمات جهلهم وخيالاتهم يعمهون، تذهب إلى ناحية أخرى، حيث تُمجد أحسن تمجيد عند أناس آخرين لا يشبهون هؤلاء الرعاع الذين استغلوا بقية أشعتها في قطع المرآة المتكسرة، للتلصص على عورات بعضهم البعض والتندر بها فيما بينهم !

                              1.- ملاحظات على الأسلوب :
                              على ضوء هذا العرض يتبين لنا أن الفكرة مبتكرة، ومغزاها موجود في الجواب عن السؤال الكبير الملازم لكلمة البترول منذ اكتشافه : هل البترول نعمة أو نقمة ؟
                              فكيف عالج الكاتب هذا الفكرة النادرة بأسلوبه ؟

                              استخدم أسلوب الحكي العربي القديم الذي يتطلب توظيف أساليب البيان ومحسنات البديع والإيقاع والسجع، وهذا ما لاحظنا نقصه في النص بل وحتى ضعفه كما يبدو في عبارة : ''وكان يزعم أن فيها جنيات فاتنات ''لم يطمثهن إنس ولا جان'' فالاقتباس هنا لا يتناسب مع السياق لأن الإنس لا يمكنه طمث جنية، إلا إذا تم تصحيح العبارة هكذا : ''وكان يزعم أن فيها حسناوات فاتنات لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان'' فيصبح الاقتباس صحيحا.

                              أسلوب الحكي هذا أظهر أيضا قصوره في وصف بعض التراكيب و المصطلحات العلمية، مثلا في عبارة : ''تتعانق فيها أنثيان وذكر'' والمقصود بها طبعا ذرة الهيدروجين وذرتي الأكسيجين.

                              هنالك أيضا غلو إلى حد المحال في عبارة ''على مسيرة شهر'' وهي مسافة يمكن تقديرها اليوم بين 600/300 كلم، ولا يتصور القارئ عينا بشرية يمكنها الرؤية على هذه المسافة، إلا إذا تم تصحيح العبارة بإدخال لفظة من مثل كاد أو أوشك أو قارب فنقول مثلا : ''وجعلوا ينظرون في الآفاق البعيدة وكادوا أن يروا أعداءهم من الغزاة يتجهون ناحية مدينتنا وهم على مسيرة شهر من أسوارهم المنيعة'' وهكذا تصبح العبارة أقرب إلى الصحة بالنسبة إلى العقل.

                              ثم إن هنالك حالة غريبة حقا يمكن للقارئ ملاحظتها، فعلى امتداد ثلاث صفحات، خلا النص من الفاصلة، علامة الترقيم الهامة، سوى في أربعة مواضع...والأدهى أنها جاءت على شكل فاصلة إفرنجية (,) وليس العربية (،).

                              كما قلت آنفا يحتاج أسلوب الحكي العربي القديم إلى تزيين المعنى وتزيين العبارة، ونحن نتمنى من الكاتب الأستاذ توفيق بن حنيش تحسين نصه أو تحديثه بأسلوب سهل وبسيط، لأنه من المؤسف حقا أن يبقى نص بهذه الفكرة النادرة في سجل الإهمال.


                              2.- ملاحظات على اللغة :
                              الشمس كما لم تكن أبدا = الشمس كما لم تكن قط
                              أبيقراط = أبقراط
                              في غد يكون فيه صباح وظهيرة وغروب = في غد يكون صباحٌ وظهر وغروب
                              في صوت واحد = بصوت واحد
                              فاغمي = فأغمي
                              همّ بـ = أقدم على
                              يشتغل بالنّجوم = يشتغل بالتنجيم
                              في ما يرى = فيما يرى
                              أتى = آتي
                              سيسميهه = سيسميه
                              إلى السبخة والبحيرة = إلى السبخة أو البحيرة
                              مازال = ما زال
                              ومازال يقنعهم بذلك ويستحثهم على النّطر إلى ذلك = وما زال يقنعهم بذلك ويستحثهم على النّطر إليه
                              وهو ما ينفكّ يخطب في الرّقود = وهو لا ينفك يخطب...
                              ردوا ذلك للسحر = ردوا ذلك إلى السحر
                              وتفرقوا قبيل كسوف الشمس بقليل : وتفرقوا قبيل كسوف الشمس.
                              لم تكن قد بلغته قبل = لم تكن بلغته من قبل
                              تعلقواا = تعلقوا
                              في ذلك اليوم الساعة الذي = في ذلك اليوم الذي...
                              لا نقص يعتريها...= لا يعتريها نقص ولا يوهنها الغروب بغتة
                              ها انظروا تحت بيوتكم قطران كثير = ها انظروا تحت بيوتكم قطرانا كثيرا...
                              إذ لعلهم يصلون...= لعلهم يصلون

                              هذا ما وسعني أن أقوله على قدر ما توفر لي من جهد ووقت وأرجو أن أكون عند حسن ظن القاص الأستاذ توفيق بن حنيش وأن تكون ملاحظاتي محفزا له على المزيد من العطاء.

                              مع تحيتي الخالصة.
                              شكرا أخي الناقد و الأديب عمار عموري كنت رائعا في قراءة نص أخينا الأستاذ توفيق حنيش
                              و أضيف إلى ما كتبته أن النص يميل إلى الحكي الخرافي و الخيالي أكثر منه إلى القص الحداثي
                              ننصح كاتبنا العزيز توفيق حنيش أن ينكب على مطالعة القصص الحداثية حتى لا ينجرف قلمه
                              إلى هاوية الخراف
                              كما ننصحه بإعادة صياغة النص و إحداث بعض التغييرات حتى يصبح على الأقل مجانبا للقص الحداثي
                              مع تجنب الأخطاء
                              شكرا للأستاذ توفيق حنيش
                              شكرا للناقد المتمكن عمار عموري
                              مع أجمل تحياتي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X