حساء لعالم أخر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد العبيدي
    أديب وكاتب
    • 23-08-2008
    • 149

    حساء لعالم أخر

    حساء لعالم أخر



    نزعت جلدها ، وتسللت زاحفة على رؤوس أصابعها ، بدت في غاية الروعة ، وكأني أعرفها الآن . أخفت شيئا كانت تحمله بعناية ، وتظاهرت بوصولها المبكر الى السرير ، حاولت أن تتأكد من أني ما زلت نائماً ، قبلتني بحنان ، وألقت جسدها الطري قربي ، فتحت عيني فأخذني جمالها الخلاب ، وسكت لبرهة قبل أن أنطق بأول كلمة لي هذا الصباح :

    -- تبدين مختلفة هذه المرة عزيزتي .

    -- أنت تقول ذلك في كل مرة عزيزي .

    في البداية حاولت أن أجعل الأمر طبيعياً ، ألا ان نشاطها هذا الصباح وحيويتها الفائقة جعلني اشك في الأمر ، كانت تتحرك أمامي بخفة وكل حركة منها كانت تعيدني الى سنوات مضت .

    -- عزيزتي رأيتك تخفين شيئا البارحة .

    -- أتقصد عشبة الخلود ؟ أنا لم أخفها ، كنت فقط أحاول التخلص منها .

    لا أدري كيف تقبلت الأمر في البداية ، فقد كان تركيزي منصباً حول العيش معها الى ما لا نهاية ، وكنت أتساءل في نفسـي هل أبقى دائمـاً هكذا أسير الخوف و الحذر ؟

    دقائق مرت وأنا أستذكر حياتي معها ، لقد كانت تفعل كل شيء بلا حركة ، وتقول كل شيء بلا كلام ، ولكنها دائما هي من تتخذ القرارات الصعبة .

    المهم أنني الآن في حيرة من أمري فهي بالتأكيد تنتظر ردة فعلي بالرغم من أنشغالها بأعداد الفطور ، وحتى لا أفقد السيطرة تماماً بادرتها قائلاً :

    -- حبيبتي لقد كبرنا على هذا الكلام ، ما حاجتك لعشبة الخلود وأنت تستبدلين جلدك خمس مرات في العام الواحد .

    -- وهل قلت لك أني بحثت عنها ، أنا وجدتها فقط على حافة البحيرة .

    -- وهل هناك من يستطيع الحصول عليها من البشر ؟ وهل من المعقول ان أوبا نشتم باع السر ؟ ومن ذا الذي لا ينام سبعة أيام بلياليها ؟ .

    -- كلاكلا ياعزيزي ليس أوبا نشتم ، لكن .. ..، زوجته هي من أوصلت كلكامش هناك حيث الأعماق المحفوفة بالمخاطر.

    -- أوه .. أتعنين أنك أخذت العشبة من كلكامش .

    -- أجل

    -- ذلك الغبي ثلثه أله ولا زال يبحث عن الخلود ، وأنت يا ليليت لقد طفح الكيل ، ولم أعد أحتمل مثل تلك الأفعال ، في البدء أخرجتِ الرجل الحكيم من بستانه ، ثم حشوتِ عقل أنكيدوا بأوهام فارغة ، والأن تثأرين لعشتار ، ما شأنك أنت وكلكامش ، أنسيتِ لما نحن هنا ، هل غيرتك أجواء الأرض وأعتقدت بأنك الفاتنة فقط على هذا الكوكب ؟

    -- كلا لوسيفير يبدوا أنك أنت من تعتقد بأنك سيد العالم ، وغرك سماع الناس لكلامك الجميل ، هكذا أنتم معاشر الرجال ترددون نفس الكلام ، ولا تتحملون نتائج تصرفاتكم ، عندك العشبة خذها لمليكك الحكيم ، وتناولاها معاً فما عدت أحتمل هذه السخافات .

    -- ليليت ، من واجبي أن لا اتدخل في شؤون الإلهة ، ولكنك جريئة أكثر مما ينبغي ، فتعالي معي الى ملك أوروك ولنحسم هذا الأمر الى الأبد .

    وعلى بوابات المدينة أستقبلنا حراسها الكروبيين بحفاوة بالغة وأجلسانا في منصة كبار الضيوف في قاعة العرش

    -- ليليت ، يبدو أن الأمور تغيرت ، شوارع أوروك تبدو هادئة ،والكل منشغل للسفر ، ربما !! هكذا توحي وجوه المارة .

    -- العمل في الأسوار لم يتوقف منذ ألفي عام ، وأشجار الأرز زحفت الى وسط المدينة ، ولأول مرة لم اعد أميز بين شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر ، يا ترى ما الذي حصل عزيزي ؟

    في هذه اللحظات يبدوا أن الجموع أكتملت داخل القاعة ، وسرعان ما ظهر كلكامش وخلفه المئات من الحاشية الملكية وهم يحملون صناديق مقفلة ، أخذ مكانه وسط القاعة وبدأ يتلو قصيدة طويلة كتبت على صحائف جلدية .

    وأغمض الحضور عيونهم ، حين أخذها الكاهن الكبير ، ليختمها بخاتمه الفضي وليخفيها تحت ملابسه ذات الأكمام الطويلة ، ثم أنحنى الجميع للكاهن ، وبسرعة عجيبة بدأت الجموع تتفرق ، تداركت نفسي وأسرعت بين أمواج الحشود المتشابكة بأتجاه كلكامش .

    -- ليليت أين الجميع ؟ أين ذهب الرجل الحكيم ؟

    -- لوسيفير ... لوسيفير .. لنخرج بسرعة الى شوارع أوروك .

    لا أدري كيف اختفى الكل ، الطرق فارغة ، والأبواب مقفلة ، هل نحن عالقون داخل المدينة ، أين الجميع ؟ أين صديقي القديم الحارس خمبابا ؟ هكذا كنت أحدث نفسي ، قبل أن تطرق سمعي تلك الكلمات ،

    -- أتقصد خمبابا المهرج !!

    لقد كان الصوت متهكماً ، ويبدوا أني تعرفت على صاحبه بسرعة ، ولكن فرحتي بوجود شخص ثالث في المدينة ، وذكرياتي عن وحش الغابة العملاق ، جعلتني ألتقط الأنفاس قبل أن أجيب :

    -- أخيراً وجدت من أتكلم أليه ، أين ذهب الجميع يا سيدي الكاهن ؟ لقد جئت لكلكامش بعشبة الخلود ، ولكنه لم يكترث بي ولم يكلمني حتى .

    -- حسناً أنت الأن تلعب دور الرجل الطيب ، هه ، وفر عليك التعب ، وحاول أن تصنع من العشبة حساء لذيذاً ، لك ولزوجتك الفاتنة .

    -- هل ترى الوقت مناسباً للمزاح سيدي ؟

    -- ألا تفهم ، لقد رحل الجميع الى العالم الأخر ، وأنا وحدي من سينتظر . اذهب الأن وأعتني بنفسك جيداً .

    في طريق العودة تحدثت وليليت في الأمر، وكلانا لم يعرف بالضبط ما الذي حدث ، وفي مساء نفس اليوم وبعد تناول الحساء ، زحفت التجاعيد على وجه ليليت . وحين صحوت في الصباح الباكر ، وجدت قربي على السرير ثياب بأكمام طويلة وقصائد مكتوبة على جلد نزع للتو !!





    أحمد كاطع جدوع
  • اسماعيل عبيد
    عضو الملتقى
    • 13-08-2008
    • 99

    #2
    الاخ المبدع
    الاستاذ احمد كاطع جدوع
    السلام عليكم
    صدقني وبدون مجاملة
    اني الان اقف على نص رائع متماسك حديث
    صور متدفقة غنية بالمعاني والاحاسيس مفعمة بالمشاعر مبنية بطريقة يعب على غير المتمرس مثلك يااخي ان يجيدها
    نعم استدعاء لخلاصة ملحمة جلجامش المعروفة في الادب السومري وكذلك استدعاء رائع للادبيات المسيحية الشرقيه ومزج بصورة مذهلة للخلاص الى رؤيه جديدة مستندة على استقراء التاريخ
    انها تحفة فنية
    [CENTER][COLOR="DarkGreen"][SIZE="5"]محبتي
    إسماعيل الصياح[/SIZE][/COLOR][/CENTER]

    تعليق

    • أحمد العبيدي
      أديب وكاتب
      • 23-08-2008
      • 149

      #3
      أشكر مشاعرك أخي الكريم ، الملاحم العراقية القديمة غنية بالرموز ، من سومر بدأت معالم الأبداع ، عند خط اول حرف في تاريخ البشرية ، في سومر وبابل كان البحث متواصل في ثلاثية ( الكون ـ الأله ـ الأنسان )
      الامتناهي ـ الخالد ـ الفاني
      أشكرك مرة اخرى
      أحمد

      تعليق

      يعمل...
      X