
بين يدي المقالة: كنت نشرت في "ملتقى المفكرين والسياسيين العرب"، شقيق هذا الملتقى العامر، في يناير 2012 مقالة عن الأدب الساخر وكيف أنظر إليه بهذا العنوان نفسه "عودة إلى الأدب السّاخر، ما هو عندي؟"، وكنت عزمت على تناول هذا النوع الطريف من الأدب بشيء من التوسع غير أنني ومن فرط ما أحب تناوله من المواضيع أنسى ما وعدت به من العودة إلى ما أكون بصدده فيبقى الموضوع مفتوحا ولاسيما إن لم يشارك فيه أحد ولعل هذا أحد عيوبي الكثيرة: أشرع في حديث ثم أنساه وأنتقل إلى غيره وهكذا...ولولا الاستثناء في آخر كل موضوع لظُنَّ بي أنني من الذين لا يوفون بما يعدون به وأعوذ بالله أن أكون منهم.
إن الأدب الساخر فن من الفنون الأدبية الصعبة رغم ما يتوهمه بعض الأدباء فيظنون أنهم لمجرد أنهم يستطيعون إضحاك الناس بالنكتة الظريفة والحكاية الطريفة والمزحة اللطيفة والكلمة الخفيفة يستطيعون الكتابة فيه، وهذا - في تقديري الشخصي طبعا وهو غير ملزم لأحد ألبتة - وهم كبير وادعاء خطير ولذا فهـاـأنا ذا أعيد نشر ما كتبته في ملتقى المفكرين والسياسيين العرب لعلي أستأنف الحديث فيه أو أجد من يشاركنيه فنتعرّف أكثر على الأدب الساخر وهو في نفسه أدب ساحر.
عودة إلى الأدب السّاخر، ما هو عندي؟
سبق لي أن تناولت موضوع "الأدب السّاخر" في مقالتي المثيرة للجدل، و قد أثارت جدلا فعلا هنا، و هي بعنوان "الأنواع الأدبية: تصنيف جديد" ثم أضفت شيئا عنه في بعض مشاركتي هناك، و الكل موجودهنا:"إن الأدب السّاخر، كما صنّفته، (أقصد في المشاركة الأصلية)، نوع من الأدب "المُغرض"، أي إن له غرضا يَرمي إليه و لا يأتي عرضا بلا مقصد حقيقي.
الأدب السّاخر الحقيقي الفني الهادف الهادئ الهادي أدب بَنّاء ما دام لا يذكر الأشخاص بأعينهم اللّهم إلا إذا كانوا من ذوي الهيئات و أصحاب الشأن ممن لسيرتهم خطورة أو تأثير في الناس و في حيواتهم [إن كنا نملك الشجاعة الكافية لنقدهم بالسخرية منهم طبعا فدون ذلك ليس خرط القتاد كما يقال في الأمثال العربية الفصيحة بل حَزُّ الرقاب فإن لم يكن فَجَرُّ العذاب].
الأدب الساخر يبني و لا يهدم، و هو أدب مؤلم و كاوٍ، نعم ! لكنه يكوي ليعالج و يؤلم ليداوي و لذا كانت أهميته و خطورته و صعوبته و لا يقدر عليه إلا من تحكم في الأدوات و أهمها اللغة و أساليبها و كان على اطلاع بمختلف العلوم الإنسانية حتى يتمكن من إيصال رسائله إلى "المجتمع" المنقود أو الشخص [المقصود]، المستهدف.
الأدب الساخر يبني و لا يهدم، و هو أدب مؤلم و كاوٍ، نعم ! لكنه يكوي ليعالج و يؤلم ليداوي و لذا كانت أهميته و خطورته و صعوبته و لا يقدر عليه إلا من تحكم في الأدوات و أهمها اللغة و أساليبها و كان على اطلاع بمختلف العلوم الإنسانية حتى يتمكن من إيصال رسائله إلى "المجتمع" المنقود أو الشخص [المقصود]، المستهدف.
و النقد، أو الأدب، الساخر الحقيقي يخلو من النبز و اللمز و الهمز، أو هكذا يجب أن يكون، إذ أنه يهدف [إلى] نقد ظاهرة ما معيبة و ليس الشخص أو المجتمع اللّذين توجد فيهما.
إننا نجد في أدب الأمم المتقدمة، و قد كان العرب منها في يوم ما، الأدب الساخر اللاذع الموجع لتُصحح أخطاءَها و تقوِّم اعوجاجها و تُصوِّب [سلوكها]، ألم يكن أدب الجاحظ من هذا القبيل؟ [ألم يكن هذا دأبه في كتبه التي خصصها للسخرية كالبخلاء و الحيوان و التربيع و التدوير؟] أليس في كتابات الهمذاني و الحريري و غيرهما من أصحاب "المقامات"، و هم فعلا من ذوي المقامات، من هؤلاء الساخرين الضاحكين؟ لكنه ضحك كالبكاء أو أشد منه"، انتهى بنصه من مشاركة لي سابقة و ما أضفته اليوم جعلته بين [...]، و قد أحببت أن أعود إلى الموضوع لتناوله من جهة أخرى، و هي جهة الكتابة الساخرة أو التحرير الساخر و الادعاء بأن الأدب الساخر أدب "حر" لا يتقيد بشيء.
يظن بعض الكتاب المهتمين بالساخر أنهم ما داموا يكتبون في هذا النوع الأدبي الخاص أنهم أحرار من كل القيود الكتابية أو الفنية أو حتى الأخلاقية، فنراهم لا يراعون لقواعد الإملاء العربي حرمة و لا يرقبون في كتابتهم "إلاًّ و لا ذمَّة" لا للأدب كأدب [بمفهومه الأخلاقي] و لا للفن كفن، أقصد بالفن، تقنيات الكتابة و فنيات التحرير و التعبير و التصوير، بل يتحلل بعضهم حتى من الأخلاق و لا يراعي حرمة للقارئ بحجة أنه "ساخر" و الساخر حر يكتب كيف شاء في أي موضوع شاء المهم عنده أنه "يُضْحِكُ" قراءه و لا يهم، بعد ذلك، كيف يضحكهم أو بماذا؟ و هكذا يتحول الكاتب الساخر من كاتب أديب إلى مهرج بليد و هو يحسب نفسه أديبا أو كاتبا.
الكتابة الساخرة فن راق لا يستطيعه إلا من ملك زمام اللغة و أمسك بعقال الأدب و خصال الأخلاق العالية و إلا صار كل من يستطيع مسك القلم، أو الرقن على "الكيبورد"[أو المرقن كما أسميته، ينظر موضوعي اقتراح تسمية: قل "المرقم" أو "المرقن" و لا تقل "الكيبورد"]، و يسود وجه الورق، أو سحنة الحاسوب، أن يدعي أنه كاتب ساخر، و هذا وهم كبير يجب تصحيحه.
صحيح أنه لا تكون الكتابة الساخرة ساخرة إلا بعد تحررها من بعض القيود التي يفرضها بعض النقاد على الكتابة حتى يقبلواها لكن هذا التحرر تحرر مشروط أو هو تحرر "مُقيَّد" على ما في هذا القول من تناقض، إذ كيف يكون التحرر مع وجود القيود؟ هذا ما سنتناوله بالبحث قريبا إن شاء الله تعالى.
البُلَيْدة، يوم الإثنين 09 يناير 2012 الموافق 14 صفر 1433.
-=-=-=-ثم أما بعد، هذا ما كتبته منذ خمس سنوات ولم أعد إليه إلى اليوم والأيام تمر بسرعة ونحن لا نشعر، فهل يا ترى نستأنف الحديث في هذا الموضوع عسانا نفيد ونستفيد؟ هذا ما أرجوه.
قراءة ممتعة وإلى اللقاء إن شاء الله تعالى.
قراءة ممتعة وإلى اللقاء إن شاء الله تعالى.
البُليْدة مساء يوم الإثنين 06 مارس 2017 الموافق 07 من جمادى الآخرة 1438.
تعليق