قـــــــــــــــــــــــــتل
بقرار جمـــــــــهوري
قصص قصيره للكاتب: بسّــــــــــــــام فاضل
بسم الله الرحمن الرحيم
1
أستنشق هواء عميق ثم ترك للرصاصات أن ترسم لوحتها على صدر ضحيته .
******
أنُيطت به مهمة صيد الفرائس حملق في الأفق ثم دنى إلى الأرض يتفقد أيهم يستفتح بهِ شهيتهِ .
******
ذخر بندقيته وعينه تتأمل قرار جمهوري بأن تخترق كل رصاصة جمجمة واحدة ,عندما أنتهى من عمله كانت الورقة قد غرقت في بركة من الدم .
******
أبقى على جماعة ليقيم حفلة شواء على شرف فخامته .
******
أخفت الام صغارها في أحشاء بطانيات مغطاة بغبار يتطاير مع حزمة ضوء آتية من سقف متصدع ,فقط هو من يستطيع أن يَدُلنا في ظلام حالك على تلبد غيوم من الخنافس والاتربة وجدناها ولكن ثمة من سبقنا إلى هناك ,وجدنا الأتربة وبطانيات تنزف دماً .
*******
جحظت عيناها ناظرة إلى وجهه المستدير هي لا ترى بوضوح ملامحه كانت جائعة صاحت تطلب كسرة خبزٌ فباغتها نارٌ من فوهة مدفعه بطلقة غادرة .
*******
طارت الكُرة إلى الأعلى بركلة فتى السنوات الست تهيأ المهاجم لالتقاطها وحولة دفاعات الخصم فتناثرت اجسادهم قطعاً صغيرة.
2
ظهيرة اليوم والشمس تتعامد في كبد السماء رتل من الدروع توخز مؤخرتها رصاص كلاشنكوف كان هارباً من جحيمها عندما قرر الصبية أن يحتموا بها .
*******
لازالت الطفلة في الاعماق تتنفس هواءً نقيٌ .
*******
سيطرة الكتيبة على مقر قائد قوات العدو وقبل أن يطلق قذيفة الرحمة تسلم أمراً من الرئاسة بإجلاء قواته إلى حيث أبتدئ .
********
في ضيافة العدو طمأنينة وجاه ومزايا, شكرناه بطريقتنا فودعناه كما يحب ,فكنا أكثر كرماً منه إذا أغدق هو علينا فخلع الخلع ابتهاجا بالنصر الذي صنعه وجاملناه بآن قبلنا هداياه دون تأخير .
********
تأخرت العطايا عن قصر فخامته وتوقف الخدم عن تلبية حاجياته فجن جنونه كان الهاتف الوحيد الذي يعمل ,صوبه بدقة إلى الجبهة فقتل العشرات بمكالمة خاطئة .
*******
فيما خلت من أيام كانت الحمير تشقى أنفاسها عندما تصعد إلى راس تلة فخامته حاملة أوعية الماء ولوازم الحياة البسيطة.
قال لي سعدٌ :
إن حماره حط من عليٌّ فهرول إلى أن يسبق الضباع أسفل المنحدر قبل أن تلتهمه مع قوت عياله فتكرره مأساته مع حماره الثاني وفي كل مرة يتأمل إلى إنقاذ بضاعته ومازال حماره الثالث ينهق مع صوت كل صرخة تطلقها دبابة أعلى التلة والتي كانت قد سلكت طريق الحمير في سرعة فائقة ولكنها لم تتكسر .
*******
نظرة إلى ساعي البريد! افزعتني خفته وتبلدتُ في مكاني هل من خبر مقرف سوف يهجم به على سمعي فيرديني قتيلا .
رماني بكومة من نقود هرمة فئة المئة ريال كان عشر الراتب نفقة قبل الاحتضار .
ولىَ الادبار يردد سيأتيك جزء مثله حين تنبت وردة على أديم قبرك .
*********
- 3-
كصحراء موغلة في الظماء يتصعر خدها نهارا فينداح السراب منها ويشتد لظى حرها إلى ما لا يطاق ثم ما تبرح أن يكسو الندى حبات الرمال المذهبة على ضوء القمر المنير في تمامه .
يرسل شارته الى مدفعيته ليلا تمطر حمم ملتهبة ويصحوا نهارا باكتساح هائج يثلج صدور التهبت أكبادها لعناق أحبة مضت .
******
في العراء الدامي وضكيك قرحة المعدة النازفة يتنطع الاولاد على حشائش يبسة وعيناهم شاخصة الى ما يأتي من وراء قمة تحلق أعلاها السحب ,قال رئيس الايواء أن الفرج سينبثق من شح هذه السحاب الجامدة .
الكل من ذوي السمع المرهف يترقب أصوات ضجيج محركات مثقلة لطائرة شحن ستلقي حمولتها اليهم إلقاء, قبل أن تلتهمها نيران تحاول اصطيادها أو احتواء حمولتها .
تضج الأرض بهدير مرعب خواء فحيح ثم أشلاء تتناثر في جهات المكان ,فحم بشري وأرض محروقة يغطيها دخان وغبار .
*******
في انتظار وايت الماء المعتاد حضوره في هذه الساعة المباركة ,تَحلق جمع غفير من العطشى ثمة حنفية واحدة ,دار الحشد دورة ودورة برهة تحول الوايت إلى شبكة عنكبوتية .
*********
اربكتني قطعة الحديد هذه ووقَفتْ حاجزاً بيني وأحلامي ,أدرت صدري إلى معاوني كثف النظر إليها يبدو أن القاذف ضرير ,فقرر أن يرسل جسداً قذيفة .
كانت أصابه محققة .
4
********
الله اكبر ..الله اكبر, هتف وتخلى عن مترسه حين شاهد مظلة بيضاء في السماء كانت شديدة الخواء أعتقد أن رشاشه المتوسط حقق أصابته وتمكن من الطائرة مصدر النيران التي محت النتوءات من على الارض وأن هذا الذي يترجل إلى أسفل هو طائرها , يجهد نفسه في النظر من مسافة يرى كتلة من لهب تخيم فوق رؤوس رفاقه على بعد مئاتٍ قليلة من المترات .
لم يكن طائراً مظلي كان صاروخ معلق من مظلة .
*******
تلى ملتحي رث الثياب قرار على السبعة الخيانة العظمى والتخابر لصالح العدو ,تسبب السبعة في مقتل 22من الرفاق القادة .
هزتهم المفاجئة جمعت الدلائل والقرائن دون تحقيق يذكر وما أستطاع أحدهم أن يتذكر, هالهم انتزاع عذرية ولائهم لأول مرة منذ أن جُندوا ورقوا إلى حماة الشخصيات الكبار .
قبل أن يصحوا على أصوات بنادق تعمر رصاصها من خلفهم سمعوا تالي سطر في عريضة الاتهام بحقهم الإعدام رمياً بالرصاص صاح أكبرهم ويده على جيبه التلفون ..التلفون ,ثم أسكتته رصاصة مستعجلة من ورائه .
********
رجل أم أمراه ..أمرأه أم رجلٌ ..رجلان أم امرأتان ..امرأتان أم رجلان .
الليل نال منه وفتن شبته ,لأشهر يقضيها في حسك وريقات من قات معمراً يعتني اقتنائه لاستفزازه النوم وإبقائه يقضاً متنبهاً ,ينظر إلى عدسة منظاره فيرى تشتتا في الروية فلا يكاد يميز بين الجسم الحقيقي والمزيف ,هو يرى جسدان لجسد وبيتان لبيت وشجرتان لشجرة ولكن إلى أيهم يسدد رميته .
في حالته هذه ما أستطاع أن يميز الشخص الذي يراه شخصان ويتقن ايه المزيف وثمة مشكلة أخرى تورقه وقد توقع قائده في مسالة حقوقية هل فوهته تلتصق برجل أم امرأة .
أطلق رصاصته إلى ناحية الصدر من الجانب الايسر سقطت ضالته التي ضل يترصدها لنصف يوم ,ثم ينام على أثر الطلقة .
يهدهدهُ قائدهُ بكلتا يداه قائلا: كانت أصابتك متقنة أصابتان غير أن ضحيتك امرأتان عجوزان .
********
5
صارت هي قدوة وهي منوة أفتقدها افتقاد المتيم الهالك على ضفاف نار العراء في صيف قاحل الغبرة .
يترقب إلى إنذارها ترقب الحيران لانفراج شك وشك يأتي من فجاج القلق لصبح مبين .
أقف على ما تهيئه لي من ساعاتٍ متكدرة أو مضحكة في شبع أو جوع عطش أو ظماء مستيقظ او متيقظ بعد نوم أرسم طقسي على أثرها أو أحيي حياتي على وهج نورها .
*******
قفز من سيارته يعدو عدو الحياة للحياة كيف؟ وكيف راء دربه ؟والدخان يكسو الدروب وموجة من غبار أبيض تعانق سحابة سوداء متفحمة السواد ,كان لا ينظر إلى ورائه ولا يلتفت عن شماله وجنوبه فقط إلى أمامه عن ما سواه ,أيقن الجمهور أنه يعرف مقصده وحدد هدفه بعناية ودقة .
ليس الحمل ثقيل أو ما به على ظهره من كتلة مغطاة بطين كبيرة الحجم لكنه يسرع الخطى ركضاً هذه المرة حين أنقشع الضباب كان يتلفت يميناً ويساراً إلا أنه لا ينظر إلى ورائه تلقته سيارة كانت رابضة, يمسح عن وجهها بمنديل وينفض على علبة الاكسجين أنها أنها أمي .
********
زحفت تحت كثافة النيران ,منها ما يمر من أعلى رأسها ومنها ما يصطك في جدار ينتهي بسفح العارضة التي يتكئ عليها منزل زوجها العامل البسيط الذي تركها وغادر ملتحقاً بالمقاومة .
كان صفير الرصاص وأزيز الشظايا كاف لأن يرعد فرائصها ويدب الخوف في أنفاسها التي بالكاد تنتزعها من صدرها أنتزاعأ للإبقاء على رمقٍ من الحياة ,ولكن ثمة حياة وأنفاس هي أغلى من حياتها وأن أزهقت ,أولادها الذي أعطشهم الخوف والاتكاء أسفل الدار وسط عتمة خانقة هم أثمن من كل ما تملكه.
تجاهد للاستمرار في الزحف لإتمام رحلة إلى بركة للماء التقطت المقرف وقبل أن تصل بها إلى قعر البركة نفضت رجلها اليمنى إلى سقف الدار لم تشعر بألم فقط أحست بدوار وبعض من أسترجاع طفيف حاولت أن تسحب وعاء الماء الذي كان مازال في يدها يتدلى ممتلأ ثم صوت صفير من أعلى يفقدها الوعي هذه المرة ويدحرجها إلى أسفل باب الرواق الذي أتت منه .
أدركت أن أطرافها السفلية بترت بعد عدة أيام وما لبثت أن استعادت نشاطها بعودتها إلى أطفالها وقد تحرر دارها وباشرت الاهتمام بأطفالها كما كانت تتخبى من رصاصات الغدر زاحفة.. زاحفة .
******
6
ملئت الردهة بأكوام من البشر تتراص فوق بعضها كانت منها ما يترقب بشارة من غرف العمليات ,لإنقاذ جريح من أثر موجة الانفجارات التي تتأرجح بها جوانب الأرض المحيطة للمشفى الوحيد العامل بين كومة من الدمار الذي خلفته الحرب .
ومنها ينزف من طفيف الشظايا التي سكنت في الجسد ,يحاول الاستشفاء بفرصة لمداواة جروحه في مكان قد يُخلى .
لف المكان صمت رهيب الإعياء أرقه فأنتابه شعور بدوار وحالة من الغيبوبة قاومها فتغلبت عليه ,أفاق على ضوء من السماء بعد أن غادر السقف الذي كان يحمي راسه .
********
وقف الحاجز الشائك عائق بين الموت والحياة صراخ يصم الآذان أطفال تمرقوا بالوحل في شتاء صارخ وأمهات تيبسه أثدائهن ,عطشٌ وجوع ,جف اللبن وتخشبت الأجساد ,وشيوخ يبكون مصابين ,يرون صغارهم يموتون جوعاً وخوفاً وشبابهم انتزعوا من أيديهم بقوة السلاح .
استجمعوا كل قواهم لإحلال ثغر في السياج الشائك ,الأطفال يمرون أولا ثم أمهاتهم وبعدها العجائز نساء ورجال واحد واحد .
ينجحون بالرسو على تلة جرداء عرتها الطبيعة القاسية من الحياة وأدمت أديمها قذائف أنبتت ندب في كل خطوة وخطوه .
يتدحرجون من الأعلى تدحرجاً فيلتقطون رماد جذور الحشائش المحترقة وسحام البارود يعودون إلى اختراق المدينة يتفرقون في شوارعها يبحثون عن مأوى وقوت ينجيهم .
تظلم زوايا المكان ,تصطك الأسنان ,تصم الآذان ,وتغيب الروية من سحب تهبط من السماء التي أمطرت قذائف وصواريخ .
********
7
على الساحل حيث تشرين يرسل هواء يتموج بين الدافئ والبارد منذر بقدوم الشتاء وكانه آتٍ مع الرياح القادمة من الجهة المقابلة عبر هذا البحر الهائج .
أُممٌ ينظرون إلى الأعماق وما وراء الأمواج خُبروا لتوهم أن المركب الضخم قادم ,فيه ما يكفي ويزيد ليحشر ترياق لإنقاذ هالكهم ومداواة صغيرهم وسد رمق عاجزهم ,صبرهم يكاد تخترقهُ هدير الرياح الأتيةَ من فجاج الحسرةِ والموت .
أتى وبان من قمة الأفق الذي يُلحظ كنهايةْ هاويةٍ سحيقةٍ والمركب يسير عكس أرتفاعها رويداً يصعد حتى أكتمل ضهوره يقترب من دون شكٍ ينفث أبخرة من مدخنته الكبيرة ,دخانٌ أسود يتصاعد إلى السماء .
ما هذا ما هذا تحول الدخان الأسود إلى هالة من لهب أصفر يلتهم مساحة كافية ليضيع المركب بداخلها ,الآن يأتي صوت متأخر خفيف مع هزة للأرض وصيحات وأبتهالات وبحرٌ تتراقص على أمواجه كراتين الدواء وشوالات الارز والدقيق .
*********
لازالت حرارة الشمس تحس ,ضوئها يملى المكان ,بينها وبين المغيب فسحة كافية لجمع هذه الأجساد في مأدبة لاستلام مقابل خدمتهم في معسكرهم الذي يتأهب لإرسالهم الى جبهة مهمة .
صفارة الجمع تردد أصدائها في زوايا السور يتجهون إلى فناء البوابة الرئيسية ,صفوف مبعثرة تدل على إعياء شديد ,المنادي ينادي أول أسم من كشف أبيض بممممممممممممممم, لهب وأشلاء وضحايا وسيارات مشتعلة وأدخنة ,القي الراتب حتى أشعار آخر وحمل العسكر إلى الجبهة صيام .
**********
صوت الموت كان يقترب حفيف ثابت الخطى غير ان توقعه بهذه السرعة لم يكن في الحسبان ,اذن مؤذن على الثكلى أن يرحلن وينفذن بجلودهن .
إلى أين ؟ليست هناك جهة محددة وطريق سالك المهم أن يتم الرحيل فرارا .
قطار إلى أسفل على سلم مثلوم مؤصدة نهايته بأكوام من خرسانات وقطع من حديد, علق الساكنون هاهنا ومأمن طريق للنجاة سوى إلى الاعلى صعودا.
وقبل أن يأتي الدم كان التسابق بالتقاطر إلى الأسفل قفزا للخلاص خوفاً من العار .
********
8
كانت المنصة عالية ومع ذلك ارتفع الدم فبلغ قمتها .
******
دلُي الحبل ولف حول رقبته ,تدلت رجلاه فصعدت إلى السماء أرواح الضحايا .
********
منّي في ختام حياته عن رغبة أخيرة ,قال أعيروني ذخيرة لأقتل البقية .
********
طمرت بالطمي والحشائش ,رائحتها جلبت كلاب الحي الضالة تنبش عفونتها فأظهرتها نصف عارية ,عندما أتت الشرطة كانت تبحث عن النواصي ,الاجساد زفت إلى المشرحة .
*********
جلبتهم الجوع حفاة يتكئون على بعضهم يقف خلفهم قُصر يتضورون جوع تهيئوا لاستلام المعاش والذهاب إلى جبهة القتال حيث يشعرون بالشبع حباً للوطن والارتواء بالنسيم الذي يجسد الحرية .
حل الصمت بينما كانت الابتسامة لا تفارق الشفاه وحل صوت انفجار صم الآذان وأجساد ممزقة على الارض .
********
طفلة أخرت موكب الأجلاء لأداء طقوس صلاة الأمان .
*********
لم تنتهي الحرب كان قرار صائب ,ولد الارهاق والاعياء قناعة بالذهاب في رحلة استجمام الى خارج دائرة الحرب .
*********
صَمت هدير الطائرات وأصوات المدافع ,تراجع الجميع إلى ثكنات ملطخة بالدم وسحام البارود ,يفترشون حشائش السافانا الخضراء ,البرد عرى أديم السواعد وَشَقق الكفوف ,يسري النوم بتثاقل ليالي شتاء كانون يقرق العابد للحرب في أكفان ظلام الجفون .
يتردد صوت في الخارج آت من وهد حشائش وأشجار كثيفة يتردد علواً وانخفاضاً, ينعدم ثم يعود مبحوح من أعماق صدر طفل ,لا يمكن للأذن أن تخطئه كما لا يمكن للعين أن تتفاداه عندما هم ثلاثتهم لتتبع مصدر الصوت الآتي من قلب علبة كرتوت ,فتح ,رضيع في شهره الأول لف بغطاء شتوي ثري وبجانبه لوازمه .
*********
السماء صافية , من أعلى ترى زرقتها أكثر صفاء على البحر ,فيماء سطحه يعكس صورة الطائرة في أبها منظرٌ لمرأة شديدة النقاء .
الخط الأفقي للطائرة يبدا في التذبذب بحركة اهتزازية ترسم الكأبة على محيا البحارة الجويين ,يتصاعد الدم إلى مقدمة الوجه غثيان مع دوار يصاحبه ثم تقيئ لمن كان أول يومه في الطيران يتبعه صياح النسوة الآتي ,كن ينشدن إسعاد الأطفال والجند .
عجت الطائرة بمجاميع مختلفة تنوعت بتنوع فصول العام الميلادي المشرف على نهايته ,فرقة للرقص والموسيقى ,وثانية للتصوير والصحافة ,وثالثة أوركسترا الجيش الرسمية ,رابعة طهاة وعمال زينة .
وحدها سفيرة النوايا الحسنة تتكرمش إلى جانب القبطان تتوسل أليه إيقاف ذلك الاهتزاز اللعين الذي يجلب التقيؤ وترتعد المفاصل لأجله .
لحظات ..دقائق معدودة تحول الاهتزازات إلى حركة لولبية إلى الأسفل إلى أعماق الزرقة الباردة .
مات المحتفلون بالعام الجديد ,الصندوق الطافي على الامواج روى الحكاية كما هي .
*************
9
جاثية على ركبتيها تعد تساقط الطائرات على مدرج مزين بأضواء كأعمدة الشتاء الفاجر في مراياها كشجرة أعياد الميلاد المنقوشة جمالا كفسيفساء حناء هندية طرزت يدٌ, ذاك الضجيج ما يعيب هذا الجمال لحاملات الهلاك والدمار .
سياج من شبك قديم تتلبد في نوافذه الرباعية اعشاب اللبلاب الخضراء كنَّ من يفصلها عن السجادة السوداء المزركشة ,تراها حين تمسي أليه وحين ترقد إلى هناجر مقوسة من أعلاها ولا ترى صبحها وحين تناول غذاؤها .
تنسكب من ماقيها دررا من ياقوت دافئ مع كل فوج يأوي هنا ولّدت احمرارٌ على وجنتيها كشفق مؤخراتها الذي يتدرج من الأصفر الذهبي إلى الأحمر .
تنام على أطفاء صوتها الذي يرى وتصحو على هدير صوتها الذي لا يرى وتستمر الحياة دم في الجهة المقابلة ودموع في محاجر الأسى الملتهب .
***********
أنيرت الشجرة بأضواء الميلاد ,دقيقة واحدة تفصل عن العام الجديد ,انفجرت الاضواء مخلفة عشرات الضحايا .
********
عج المرقص بإيقاع الديسكو وتمايلت الحسناوات كأغصان بانٍ جرداء ترشح ندى وأذرع من حشائش تتراقص تطوقها وتعانقها أحيانا وتمسها أحيان يستأنس الجميع بدفئ القادم الجديد الذي يترقبونه مع قدوم بابا نويل العصري ملتحي محملا بالهدايا والضحكات .
أتى أخيرا معقوف أنهكته السنين والهدايا التي يخبئها تحت يافطة العام الجديد, أستحضر الأذهان الشاردة بانتقاء الجمال وإكمال ساعات السحر القادم من محبلة الماضي ,نظرات الأمل والتفاؤل والتطلع إلى ولادة الستارة التي تغطيه ورداً ونقاء.
انهمرت المفاجئة جحيماً وناراً تصطليه الصالة المطرزة بأجساد رقيقة وأفئدة خائبة كانت تنتظر الرجاء فارتوت دماً سال كماء .
************
ترك القاتل يهرب وصرفت للأجساد المتحللة مكافاة الوفاة .
*********
كانت البندقية اسرع من نطق الشهادة .
**********
10
ترك البندقية جانبا, أمعن التفكير في وسيلة لاجتياز سور بشري مسلح ,لمح شاحنة متوقفة انطلق كسهم يسحق الاحشاء القاتلة التي بلغت العشرين منها تفرق الجمع هربا الى افنية عازلة بينها وبين الموت تاركة البنادق والجعاب والمصابين تختلط رصاصها مع بارودها ودمائها .
رصاصة الرحمة اطلقت من سائح عابر من مسدس على الفدائي السائق .
*********
أصر على أن يتابع الأعداء في الجبال الشاهقة والكثبان الرملية العالية متقدما على نقطة المراقبة والدفاعات الآمنة لمقر القيادة التي يترأسها .
كانت المدفعية لا تجدي نفع في رمال رطبة تغوص فيها من دون أن تحقق ضررا تنثر الرمال نثرا متباعدا إلى الأعلى على مقربة من الساحل الهادر في أمواجه التي بدت غاضبة مع منتصف نهار يوم خلف متاعبه من كثافة الحشد والدروع التي أتعبته في تنظيم صفوفها لعدة أيام .
كان يقف أسفل التل الرملي يرنوا إلى أعلاه حتى يتسنى له معرفة الوقت المتبقي على إتمام خطته التالية وإعطاء الأوامر للجيش الذي يقوده باستئناف المرحلة التالية أو الاسترسال في التمعن لدراسة الخطة لاجتياز المرحلة النهائية .
كقائد يمكن أن يتم ذلك عبر أحد أفراد الاستطلاع بينما يتراجع هو إلى مقر القيادة للتحقق من جاهزية المواقع التي تم التقدم إليها لاستطاعة المحافظة عليها ولكن كقائد أيضا يستطيع أن يقرا النصر بدقة من على هذه التلة بحيث يضمن النجاح من دون أن تكون هناك خسائر قد تعرضه للانكسار في الايام القادمة التي يراها أكثر صعوبة .
صعد مع نفر من حراسة أحاطوه بعناية قبل أن يتمركز على المنحدر الرملي تمكن راصد من أن يظهره من مسافة بعيدة ,يسقط بطلقة في مؤخرة راسه ومعه أربعة من حراسته .
************
11
في الصباح الباكر عانقت والدتها وتركت الدار خلف ظهرها تحنجل في الشارع الوحيد بين حقول تتهيأ لمداواتها من صقيع الشتاء القارس ,تلهو بداب تهرول تغني أنشودة وطني أنت سكني .
يلتحم معها مدير مدرستها أمام مدرستها وعيناه يملئهُا بريق من دمعٍ ,سعادة بكذا برأه وتوق إلى العلم .
يضع رجله الأولى على السلم الأول للمدرسة ,يلمحها تعانق الساحة تصلح هندامها وشدة شعرها, ترنوا إلى مدرستها بسلام وبسمة تتضح منها نواجذها .
في نظرته الثانية التي بالكاد استطاع أن يتخللها من بين رماد أبيض ودخان أسود وطنين أذان يراها ممددة تتأبط حقيبتها بقوة وأحدى رجليها تعانق أخراها في حين أن شبشبها الأيمن نزع منها ومنديلها الأبيض الذي يغطي راسها على هيئته يتلون باللون الأحمر .
على بعد خطواتٍ منه سال الدم من راسها ومازال يتوثب أتساعا تتشربه الأرض غائراً في ترابها .
*********
ثمة ضوضاء وجلبة تحدثها نعال سميكة لا يخطئها سامع أو تحتاج لدليل على أنها بياد جنود ,تتبعها صيحات نساء وأطفال تخفت رويداً ,وضعوا في قبو دير مقرف يعج بنتانة سنوات من حرب مجهولة الهوية .
يصفق الباب بقوة وتتفوه أشداق بألفاظ فيها إذلال ,مهانة ,قذف ,تهديد ,وعيد .
دقائق تمر بصعوبة يخال أن صدره تصلب يعده كقطعة إسمنتية, يلمح شفق من باب يفتح لتوه يخرج منه ثلاثة في هندامهم الرسمي ,فقط واحد منهم يحمل بندقية والآخران يتزينان بمسدسين يتدلين من خصريهما ,إلى مدخل القبو ينحني أقصرهم ثم يعود جارا فتاة في الخامسة عشرة تصرخ بينما يتولى الثاني صفعها بقوة والآخر يركلها من مؤخرتها ,يفترشون بها الأرض دورياً إلى أن تكتم أنفاسها نهائيا ,تجر من رجلها من حارس كان يتمتع بالمشاهدة إلى إسطبل الحظيرة المرفقة بالدير .
**********
عمى عيناه الدخان الكثيف المتصاعد جانبي الطريق الرملي الذي فتحته جرافات عملاقة ,مر الرتل الأول فالثاني المكون من العربات الثقيلة المدرعة ثم تلتها المصفحات متوسطة الحجم والأطقم المنسحبة تاليها .
لأنه القائد تلكئ في الاستجابة لأمر الأركان العامة وكان يقشعر بدنه من حقيقة تنفيذ ذلك التلعثم الذي بالعافية ميز فحواه حسبه أول المناداة شيفرة ينبغي لجندي الهندسة فكها ولكن عندما كرر سمع طلب التأكيد بالتنفيذ .
يا للهول كيف ينفذ ذلك؟ فيما جثة قائده الفعلي يتركها خلفه على بعد أميال ,أحس أن عارا سيلحقه ووصمة عارٍ ستطاله .
كوّن الدخان المتصاعد غيمة علت السماء ,هي مخلفات لاحتراق عربات استهدفتها الطائرات في ساحة المعركة ومنها لادرع وأطقم قذفتها الألغام بمجرد أن ضلت عن الخط المفتوح لتوه أثناء الهجوم الذي لم يكتمل بناءه .
أراد أن يستلم جهاز المناداة من مقدمة السيارة ليعيد ترتيب قواته ,حتى هوت سيارته إلى ظهر كود ترابي ,شعر بدوار يهز راسه وصم يضرب أذانه ما عاد يسمع غير أزيز وطنين فقط تلفت إلى سائقه المقمي عليه وإلى سيارته التي تبقى منها نصفها الأمامي حيث يجلس وسائقه ومرافقاه ,أربعة من المتكئين في صندوق السيارة الخلفي طاروا في الهواء من شدة الانفجار الذي أدرك أنه لغم أرضي أنفجر عندما شرد السائق قليل خارج الخط الترابي الآمن فلم يمنحه فرصة للعودة .
*********
12
طوقته وحدات من الأمن المركزي قبل أن تتسلق الأسوار كان قد سمع ضوضاء الفرامل ,أشعل مصباح خافت تبادر للجنود أن استقبالاً حافلٍ بالرصاص في انتظارهم, خطوة للخلف ,أعلن الفتيل صوت الانفجار الضخم .
ذهب بالسقف إلى ارتفاع أقترب من مروحية ترصد البيت المحاصر بأشعتها ثنائية التوهج وكاد أن يحطمها ,النوافذ قذفت كلاً في ناحيتها إحداها خلفت جندي قتيل أتت بقضبانها الفولاذية مخترقة صدره .
هجم المتمرسين من كل الجهات بين الدم والدمار والنار والدخان وجدو جثتان ممددتان مشويتان وعشرات القرون معمرة بالرصاص وعدة كلاشنكوفات حرق نصفها الخشبي ونقود تبقى أطرافها وهويات متعددة وسيل ماء .
*********
نظر يميناً ,الطريق مؤصدة تلفت يسار أيضا الطريق مؤصد أستدار إلى الخلف دورية ترصده من بعيد وقناص اعلى برج مصفحة .
أخيراً قرر أن يفجر نفسه ليحرم سكان الشارع هواء نضيف .
*******
طاولة دائرية ضمت فرقاء من دول شتى شتتتهم القنابل والمدفعية ,الصمت يخيم على الطاولة تجمدت الدماء عليها وسال عرق من جبينهم إلى ان خضب دفاتر مذكرات قديمة لقادة الجيوش شعروا بحاجة للماء الراشح ليبردوا حرقة في جوف الصدر نظرت الأعين الى أواني الماء البلاستيكية.
بقي الأصدقاء بعيدا عندئذ فكروا جيدا بعقد هدنة وأنها الحرب .
********
استفزني الموت فوقع في حاضرتي اسيرا .
************
13
توافدوا لانتزاع قوت يومهم فاستقبلتهم الصواريخ الذكية تحت طبقات من الحديد والفولاذ ارادت تقبيلهم واحد واحد .
هي تمادت في قبلاتها إلى أن أدمت الأجساد وفتحت ثغورا للتهوية حيث كانت التهوية من فرط الخوف رديئة ,أدى غاز الأمونيا المتصاعد إلى تبول الصغار في زوايا المكان فتسبب في كحة حادة هي التي اكتشفت ذبذباتها مجسات الطائرات فأرسلت زوارها سريعا .
**********
أراد أن يجسد شخصية القائد كما رأى زملائه المنخرطين في الوحدات العسكرية ,حَصل على بندقية جديدة حاول أن يعرف مصدرها من خربشات على جسدها دون جدوى, تمكن من النجاح في أول مهامه إلى مركز المدينة حين تعامدت الشمس على عربته المموهة ,ترجل منها إلى زوايا تحنو عليها ديار قديمة ,تبعه رفيقاه وجدا ثلاثة يتسطحون على قطيفة باهتت بثيابهم المتهتكة وأعمارهم البكر النحيلة .
جر أولاهم إلى تحت أشعة الشمس بين حشائش تكسوها الغبار ثم تراجع خطوات لإحضار الأخران ,عاد إلى الفناء المظل ثم نصب سدادة بندقيته ليختبرها ,أجهز على الأول من راسه والثاني من صدره والثالث إلى البطن في عجالة ثم التفت الى زملائه غامزا كانت هذه أولى الرصاصات التي ذرفتها ماسورته .
**********
حلقت الطائرة فوق الديار ترمي أثقالها ,هوت مع حمولتها على الديار تدكها على قاطنيها بدأت الانفجارات وما من مصدر أخر غيرها .
في اليوم التالي أتت النجدة رفعت الأنقاض وحدها كانت طفلة التاسعة تحت الحطام تحمل ذيل القذيفة .
تــــــــــــــــــــــــمت
بــسّــــــــــــــــــــــــام فاضل
17-11-2016م ــــــــ 5-2-2017م
بقرار جمـــــــــهوري
قصص قصيره للكاتب: بسّــــــــــــــام فاضل
بسم الله الرحمن الرحيم
1
أستنشق هواء عميق ثم ترك للرصاصات أن ترسم لوحتها على صدر ضحيته .
******
أنُيطت به مهمة صيد الفرائس حملق في الأفق ثم دنى إلى الأرض يتفقد أيهم يستفتح بهِ شهيتهِ .
******
ذخر بندقيته وعينه تتأمل قرار جمهوري بأن تخترق كل رصاصة جمجمة واحدة ,عندما أنتهى من عمله كانت الورقة قد غرقت في بركة من الدم .
******
أبقى على جماعة ليقيم حفلة شواء على شرف فخامته .
******
أخفت الام صغارها في أحشاء بطانيات مغطاة بغبار يتطاير مع حزمة ضوء آتية من سقف متصدع ,فقط هو من يستطيع أن يَدُلنا في ظلام حالك على تلبد غيوم من الخنافس والاتربة وجدناها ولكن ثمة من سبقنا إلى هناك ,وجدنا الأتربة وبطانيات تنزف دماً .
*******
جحظت عيناها ناظرة إلى وجهه المستدير هي لا ترى بوضوح ملامحه كانت جائعة صاحت تطلب كسرة خبزٌ فباغتها نارٌ من فوهة مدفعه بطلقة غادرة .
*******
طارت الكُرة إلى الأعلى بركلة فتى السنوات الست تهيأ المهاجم لالتقاطها وحولة دفاعات الخصم فتناثرت اجسادهم قطعاً صغيرة.
2
ظهيرة اليوم والشمس تتعامد في كبد السماء رتل من الدروع توخز مؤخرتها رصاص كلاشنكوف كان هارباً من جحيمها عندما قرر الصبية أن يحتموا بها .
*******
لازالت الطفلة في الاعماق تتنفس هواءً نقيٌ .
*******
سيطرة الكتيبة على مقر قائد قوات العدو وقبل أن يطلق قذيفة الرحمة تسلم أمراً من الرئاسة بإجلاء قواته إلى حيث أبتدئ .
********
في ضيافة العدو طمأنينة وجاه ومزايا, شكرناه بطريقتنا فودعناه كما يحب ,فكنا أكثر كرماً منه إذا أغدق هو علينا فخلع الخلع ابتهاجا بالنصر الذي صنعه وجاملناه بآن قبلنا هداياه دون تأخير .
********
تأخرت العطايا عن قصر فخامته وتوقف الخدم عن تلبية حاجياته فجن جنونه كان الهاتف الوحيد الذي يعمل ,صوبه بدقة إلى الجبهة فقتل العشرات بمكالمة خاطئة .
*******
فيما خلت من أيام كانت الحمير تشقى أنفاسها عندما تصعد إلى راس تلة فخامته حاملة أوعية الماء ولوازم الحياة البسيطة.
قال لي سعدٌ :
إن حماره حط من عليٌّ فهرول إلى أن يسبق الضباع أسفل المنحدر قبل أن تلتهمه مع قوت عياله فتكرره مأساته مع حماره الثاني وفي كل مرة يتأمل إلى إنقاذ بضاعته ومازال حماره الثالث ينهق مع صوت كل صرخة تطلقها دبابة أعلى التلة والتي كانت قد سلكت طريق الحمير في سرعة فائقة ولكنها لم تتكسر .
*******
نظرة إلى ساعي البريد! افزعتني خفته وتبلدتُ في مكاني هل من خبر مقرف سوف يهجم به على سمعي فيرديني قتيلا .
رماني بكومة من نقود هرمة فئة المئة ريال كان عشر الراتب نفقة قبل الاحتضار .
ولىَ الادبار يردد سيأتيك جزء مثله حين تنبت وردة على أديم قبرك .
*********
- 3-
كصحراء موغلة في الظماء يتصعر خدها نهارا فينداح السراب منها ويشتد لظى حرها إلى ما لا يطاق ثم ما تبرح أن يكسو الندى حبات الرمال المذهبة على ضوء القمر المنير في تمامه .
يرسل شارته الى مدفعيته ليلا تمطر حمم ملتهبة ويصحوا نهارا باكتساح هائج يثلج صدور التهبت أكبادها لعناق أحبة مضت .
******
في العراء الدامي وضكيك قرحة المعدة النازفة يتنطع الاولاد على حشائش يبسة وعيناهم شاخصة الى ما يأتي من وراء قمة تحلق أعلاها السحب ,قال رئيس الايواء أن الفرج سينبثق من شح هذه السحاب الجامدة .
الكل من ذوي السمع المرهف يترقب أصوات ضجيج محركات مثقلة لطائرة شحن ستلقي حمولتها اليهم إلقاء, قبل أن تلتهمها نيران تحاول اصطيادها أو احتواء حمولتها .
تضج الأرض بهدير مرعب خواء فحيح ثم أشلاء تتناثر في جهات المكان ,فحم بشري وأرض محروقة يغطيها دخان وغبار .
*******
في انتظار وايت الماء المعتاد حضوره في هذه الساعة المباركة ,تَحلق جمع غفير من العطشى ثمة حنفية واحدة ,دار الحشد دورة ودورة برهة تحول الوايت إلى شبكة عنكبوتية .
*********
اربكتني قطعة الحديد هذه ووقَفتْ حاجزاً بيني وأحلامي ,أدرت صدري إلى معاوني كثف النظر إليها يبدو أن القاذف ضرير ,فقرر أن يرسل جسداً قذيفة .
كانت أصابه محققة .
4
********
الله اكبر ..الله اكبر, هتف وتخلى عن مترسه حين شاهد مظلة بيضاء في السماء كانت شديدة الخواء أعتقد أن رشاشه المتوسط حقق أصابته وتمكن من الطائرة مصدر النيران التي محت النتوءات من على الارض وأن هذا الذي يترجل إلى أسفل هو طائرها , يجهد نفسه في النظر من مسافة يرى كتلة من لهب تخيم فوق رؤوس رفاقه على بعد مئاتٍ قليلة من المترات .
لم يكن طائراً مظلي كان صاروخ معلق من مظلة .
*******
تلى ملتحي رث الثياب قرار على السبعة الخيانة العظمى والتخابر لصالح العدو ,تسبب السبعة في مقتل 22من الرفاق القادة .
هزتهم المفاجئة جمعت الدلائل والقرائن دون تحقيق يذكر وما أستطاع أحدهم أن يتذكر, هالهم انتزاع عذرية ولائهم لأول مرة منذ أن جُندوا ورقوا إلى حماة الشخصيات الكبار .
قبل أن يصحوا على أصوات بنادق تعمر رصاصها من خلفهم سمعوا تالي سطر في عريضة الاتهام بحقهم الإعدام رمياً بالرصاص صاح أكبرهم ويده على جيبه التلفون ..التلفون ,ثم أسكتته رصاصة مستعجلة من ورائه .
********
رجل أم أمراه ..أمرأه أم رجلٌ ..رجلان أم امرأتان ..امرأتان أم رجلان .
الليل نال منه وفتن شبته ,لأشهر يقضيها في حسك وريقات من قات معمراً يعتني اقتنائه لاستفزازه النوم وإبقائه يقضاً متنبهاً ,ينظر إلى عدسة منظاره فيرى تشتتا في الروية فلا يكاد يميز بين الجسم الحقيقي والمزيف ,هو يرى جسدان لجسد وبيتان لبيت وشجرتان لشجرة ولكن إلى أيهم يسدد رميته .
في حالته هذه ما أستطاع أن يميز الشخص الذي يراه شخصان ويتقن ايه المزيف وثمة مشكلة أخرى تورقه وقد توقع قائده في مسالة حقوقية هل فوهته تلتصق برجل أم امرأة .
أطلق رصاصته إلى ناحية الصدر من الجانب الايسر سقطت ضالته التي ضل يترصدها لنصف يوم ,ثم ينام على أثر الطلقة .
يهدهدهُ قائدهُ بكلتا يداه قائلا: كانت أصابتك متقنة أصابتان غير أن ضحيتك امرأتان عجوزان .
********
5
صارت هي قدوة وهي منوة أفتقدها افتقاد المتيم الهالك على ضفاف نار العراء في صيف قاحل الغبرة .
يترقب إلى إنذارها ترقب الحيران لانفراج شك وشك يأتي من فجاج القلق لصبح مبين .
أقف على ما تهيئه لي من ساعاتٍ متكدرة أو مضحكة في شبع أو جوع عطش أو ظماء مستيقظ او متيقظ بعد نوم أرسم طقسي على أثرها أو أحيي حياتي على وهج نورها .
*******
قفز من سيارته يعدو عدو الحياة للحياة كيف؟ وكيف راء دربه ؟والدخان يكسو الدروب وموجة من غبار أبيض تعانق سحابة سوداء متفحمة السواد ,كان لا ينظر إلى ورائه ولا يلتفت عن شماله وجنوبه فقط إلى أمامه عن ما سواه ,أيقن الجمهور أنه يعرف مقصده وحدد هدفه بعناية ودقة .
ليس الحمل ثقيل أو ما به على ظهره من كتلة مغطاة بطين كبيرة الحجم لكنه يسرع الخطى ركضاً هذه المرة حين أنقشع الضباب كان يتلفت يميناً ويساراً إلا أنه لا ينظر إلى ورائه تلقته سيارة كانت رابضة, يمسح عن وجهها بمنديل وينفض على علبة الاكسجين أنها أنها أمي .
********
زحفت تحت كثافة النيران ,منها ما يمر من أعلى رأسها ومنها ما يصطك في جدار ينتهي بسفح العارضة التي يتكئ عليها منزل زوجها العامل البسيط الذي تركها وغادر ملتحقاً بالمقاومة .
كان صفير الرصاص وأزيز الشظايا كاف لأن يرعد فرائصها ويدب الخوف في أنفاسها التي بالكاد تنتزعها من صدرها أنتزاعأ للإبقاء على رمقٍ من الحياة ,ولكن ثمة حياة وأنفاس هي أغلى من حياتها وأن أزهقت ,أولادها الذي أعطشهم الخوف والاتكاء أسفل الدار وسط عتمة خانقة هم أثمن من كل ما تملكه.
تجاهد للاستمرار في الزحف لإتمام رحلة إلى بركة للماء التقطت المقرف وقبل أن تصل بها إلى قعر البركة نفضت رجلها اليمنى إلى سقف الدار لم تشعر بألم فقط أحست بدوار وبعض من أسترجاع طفيف حاولت أن تسحب وعاء الماء الذي كان مازال في يدها يتدلى ممتلأ ثم صوت صفير من أعلى يفقدها الوعي هذه المرة ويدحرجها إلى أسفل باب الرواق الذي أتت منه .
أدركت أن أطرافها السفلية بترت بعد عدة أيام وما لبثت أن استعادت نشاطها بعودتها إلى أطفالها وقد تحرر دارها وباشرت الاهتمام بأطفالها كما كانت تتخبى من رصاصات الغدر زاحفة.. زاحفة .
******
6
ملئت الردهة بأكوام من البشر تتراص فوق بعضها كانت منها ما يترقب بشارة من غرف العمليات ,لإنقاذ جريح من أثر موجة الانفجارات التي تتأرجح بها جوانب الأرض المحيطة للمشفى الوحيد العامل بين كومة من الدمار الذي خلفته الحرب .
ومنها ينزف من طفيف الشظايا التي سكنت في الجسد ,يحاول الاستشفاء بفرصة لمداواة جروحه في مكان قد يُخلى .
لف المكان صمت رهيب الإعياء أرقه فأنتابه شعور بدوار وحالة من الغيبوبة قاومها فتغلبت عليه ,أفاق على ضوء من السماء بعد أن غادر السقف الذي كان يحمي راسه .
********
وقف الحاجز الشائك عائق بين الموت والحياة صراخ يصم الآذان أطفال تمرقوا بالوحل في شتاء صارخ وأمهات تيبسه أثدائهن ,عطشٌ وجوع ,جف اللبن وتخشبت الأجساد ,وشيوخ يبكون مصابين ,يرون صغارهم يموتون جوعاً وخوفاً وشبابهم انتزعوا من أيديهم بقوة السلاح .
استجمعوا كل قواهم لإحلال ثغر في السياج الشائك ,الأطفال يمرون أولا ثم أمهاتهم وبعدها العجائز نساء ورجال واحد واحد .
ينجحون بالرسو على تلة جرداء عرتها الطبيعة القاسية من الحياة وأدمت أديمها قذائف أنبتت ندب في كل خطوة وخطوه .
يتدحرجون من الأعلى تدحرجاً فيلتقطون رماد جذور الحشائش المحترقة وسحام البارود يعودون إلى اختراق المدينة يتفرقون في شوارعها يبحثون عن مأوى وقوت ينجيهم .
تظلم زوايا المكان ,تصطك الأسنان ,تصم الآذان ,وتغيب الروية من سحب تهبط من السماء التي أمطرت قذائف وصواريخ .
********
7
على الساحل حيث تشرين يرسل هواء يتموج بين الدافئ والبارد منذر بقدوم الشتاء وكانه آتٍ مع الرياح القادمة من الجهة المقابلة عبر هذا البحر الهائج .
أُممٌ ينظرون إلى الأعماق وما وراء الأمواج خُبروا لتوهم أن المركب الضخم قادم ,فيه ما يكفي ويزيد ليحشر ترياق لإنقاذ هالكهم ومداواة صغيرهم وسد رمق عاجزهم ,صبرهم يكاد تخترقهُ هدير الرياح الأتيةَ من فجاج الحسرةِ والموت .
أتى وبان من قمة الأفق الذي يُلحظ كنهايةْ هاويةٍ سحيقةٍ والمركب يسير عكس أرتفاعها رويداً يصعد حتى أكتمل ضهوره يقترب من دون شكٍ ينفث أبخرة من مدخنته الكبيرة ,دخانٌ أسود يتصاعد إلى السماء .
ما هذا ما هذا تحول الدخان الأسود إلى هالة من لهب أصفر يلتهم مساحة كافية ليضيع المركب بداخلها ,الآن يأتي صوت متأخر خفيف مع هزة للأرض وصيحات وأبتهالات وبحرٌ تتراقص على أمواجه كراتين الدواء وشوالات الارز والدقيق .
*********
لازالت حرارة الشمس تحس ,ضوئها يملى المكان ,بينها وبين المغيب فسحة كافية لجمع هذه الأجساد في مأدبة لاستلام مقابل خدمتهم في معسكرهم الذي يتأهب لإرسالهم الى جبهة مهمة .
صفارة الجمع تردد أصدائها في زوايا السور يتجهون إلى فناء البوابة الرئيسية ,صفوف مبعثرة تدل على إعياء شديد ,المنادي ينادي أول أسم من كشف أبيض بممممممممممممممم, لهب وأشلاء وضحايا وسيارات مشتعلة وأدخنة ,القي الراتب حتى أشعار آخر وحمل العسكر إلى الجبهة صيام .
**********
صوت الموت كان يقترب حفيف ثابت الخطى غير ان توقعه بهذه السرعة لم يكن في الحسبان ,اذن مؤذن على الثكلى أن يرحلن وينفذن بجلودهن .
إلى أين ؟ليست هناك جهة محددة وطريق سالك المهم أن يتم الرحيل فرارا .
قطار إلى أسفل على سلم مثلوم مؤصدة نهايته بأكوام من خرسانات وقطع من حديد, علق الساكنون هاهنا ومأمن طريق للنجاة سوى إلى الاعلى صعودا.
وقبل أن يأتي الدم كان التسابق بالتقاطر إلى الأسفل قفزا للخلاص خوفاً من العار .
********
8
كانت المنصة عالية ومع ذلك ارتفع الدم فبلغ قمتها .
******
دلُي الحبل ولف حول رقبته ,تدلت رجلاه فصعدت إلى السماء أرواح الضحايا .
********
منّي في ختام حياته عن رغبة أخيرة ,قال أعيروني ذخيرة لأقتل البقية .
********
طمرت بالطمي والحشائش ,رائحتها جلبت كلاب الحي الضالة تنبش عفونتها فأظهرتها نصف عارية ,عندما أتت الشرطة كانت تبحث عن النواصي ,الاجساد زفت إلى المشرحة .
*********
جلبتهم الجوع حفاة يتكئون على بعضهم يقف خلفهم قُصر يتضورون جوع تهيئوا لاستلام المعاش والذهاب إلى جبهة القتال حيث يشعرون بالشبع حباً للوطن والارتواء بالنسيم الذي يجسد الحرية .
حل الصمت بينما كانت الابتسامة لا تفارق الشفاه وحل صوت انفجار صم الآذان وأجساد ممزقة على الارض .
********
طفلة أخرت موكب الأجلاء لأداء طقوس صلاة الأمان .
*********
لم تنتهي الحرب كان قرار صائب ,ولد الارهاق والاعياء قناعة بالذهاب في رحلة استجمام الى خارج دائرة الحرب .
*********
صَمت هدير الطائرات وأصوات المدافع ,تراجع الجميع إلى ثكنات ملطخة بالدم وسحام البارود ,يفترشون حشائش السافانا الخضراء ,البرد عرى أديم السواعد وَشَقق الكفوف ,يسري النوم بتثاقل ليالي شتاء كانون يقرق العابد للحرب في أكفان ظلام الجفون .
يتردد صوت في الخارج آت من وهد حشائش وأشجار كثيفة يتردد علواً وانخفاضاً, ينعدم ثم يعود مبحوح من أعماق صدر طفل ,لا يمكن للأذن أن تخطئه كما لا يمكن للعين أن تتفاداه عندما هم ثلاثتهم لتتبع مصدر الصوت الآتي من قلب علبة كرتوت ,فتح ,رضيع في شهره الأول لف بغطاء شتوي ثري وبجانبه لوازمه .
*********
السماء صافية , من أعلى ترى زرقتها أكثر صفاء على البحر ,فيماء سطحه يعكس صورة الطائرة في أبها منظرٌ لمرأة شديدة النقاء .
الخط الأفقي للطائرة يبدا في التذبذب بحركة اهتزازية ترسم الكأبة على محيا البحارة الجويين ,يتصاعد الدم إلى مقدمة الوجه غثيان مع دوار يصاحبه ثم تقيئ لمن كان أول يومه في الطيران يتبعه صياح النسوة الآتي ,كن ينشدن إسعاد الأطفال والجند .
عجت الطائرة بمجاميع مختلفة تنوعت بتنوع فصول العام الميلادي المشرف على نهايته ,فرقة للرقص والموسيقى ,وثانية للتصوير والصحافة ,وثالثة أوركسترا الجيش الرسمية ,رابعة طهاة وعمال زينة .
وحدها سفيرة النوايا الحسنة تتكرمش إلى جانب القبطان تتوسل أليه إيقاف ذلك الاهتزاز اللعين الذي يجلب التقيؤ وترتعد المفاصل لأجله .
لحظات ..دقائق معدودة تحول الاهتزازات إلى حركة لولبية إلى الأسفل إلى أعماق الزرقة الباردة .
مات المحتفلون بالعام الجديد ,الصندوق الطافي على الامواج روى الحكاية كما هي .
*************
9
جاثية على ركبتيها تعد تساقط الطائرات على مدرج مزين بأضواء كأعمدة الشتاء الفاجر في مراياها كشجرة أعياد الميلاد المنقوشة جمالا كفسيفساء حناء هندية طرزت يدٌ, ذاك الضجيج ما يعيب هذا الجمال لحاملات الهلاك والدمار .
سياج من شبك قديم تتلبد في نوافذه الرباعية اعشاب اللبلاب الخضراء كنَّ من يفصلها عن السجادة السوداء المزركشة ,تراها حين تمسي أليه وحين ترقد إلى هناجر مقوسة من أعلاها ولا ترى صبحها وحين تناول غذاؤها .
تنسكب من ماقيها دررا من ياقوت دافئ مع كل فوج يأوي هنا ولّدت احمرارٌ على وجنتيها كشفق مؤخراتها الذي يتدرج من الأصفر الذهبي إلى الأحمر .
تنام على أطفاء صوتها الذي يرى وتصحو على هدير صوتها الذي لا يرى وتستمر الحياة دم في الجهة المقابلة ودموع في محاجر الأسى الملتهب .
***********
أنيرت الشجرة بأضواء الميلاد ,دقيقة واحدة تفصل عن العام الجديد ,انفجرت الاضواء مخلفة عشرات الضحايا .
********
عج المرقص بإيقاع الديسكو وتمايلت الحسناوات كأغصان بانٍ جرداء ترشح ندى وأذرع من حشائش تتراقص تطوقها وتعانقها أحيانا وتمسها أحيان يستأنس الجميع بدفئ القادم الجديد الذي يترقبونه مع قدوم بابا نويل العصري ملتحي محملا بالهدايا والضحكات .
أتى أخيرا معقوف أنهكته السنين والهدايا التي يخبئها تحت يافطة العام الجديد, أستحضر الأذهان الشاردة بانتقاء الجمال وإكمال ساعات السحر القادم من محبلة الماضي ,نظرات الأمل والتفاؤل والتطلع إلى ولادة الستارة التي تغطيه ورداً ونقاء.
انهمرت المفاجئة جحيماً وناراً تصطليه الصالة المطرزة بأجساد رقيقة وأفئدة خائبة كانت تنتظر الرجاء فارتوت دماً سال كماء .
************
ترك القاتل يهرب وصرفت للأجساد المتحللة مكافاة الوفاة .
*********
كانت البندقية اسرع من نطق الشهادة .
**********
10
ترك البندقية جانبا, أمعن التفكير في وسيلة لاجتياز سور بشري مسلح ,لمح شاحنة متوقفة انطلق كسهم يسحق الاحشاء القاتلة التي بلغت العشرين منها تفرق الجمع هربا الى افنية عازلة بينها وبين الموت تاركة البنادق والجعاب والمصابين تختلط رصاصها مع بارودها ودمائها .
رصاصة الرحمة اطلقت من سائح عابر من مسدس على الفدائي السائق .
*********
أصر على أن يتابع الأعداء في الجبال الشاهقة والكثبان الرملية العالية متقدما على نقطة المراقبة والدفاعات الآمنة لمقر القيادة التي يترأسها .
كانت المدفعية لا تجدي نفع في رمال رطبة تغوص فيها من دون أن تحقق ضررا تنثر الرمال نثرا متباعدا إلى الأعلى على مقربة من الساحل الهادر في أمواجه التي بدت غاضبة مع منتصف نهار يوم خلف متاعبه من كثافة الحشد والدروع التي أتعبته في تنظيم صفوفها لعدة أيام .
كان يقف أسفل التل الرملي يرنوا إلى أعلاه حتى يتسنى له معرفة الوقت المتبقي على إتمام خطته التالية وإعطاء الأوامر للجيش الذي يقوده باستئناف المرحلة التالية أو الاسترسال في التمعن لدراسة الخطة لاجتياز المرحلة النهائية .
كقائد يمكن أن يتم ذلك عبر أحد أفراد الاستطلاع بينما يتراجع هو إلى مقر القيادة للتحقق من جاهزية المواقع التي تم التقدم إليها لاستطاعة المحافظة عليها ولكن كقائد أيضا يستطيع أن يقرا النصر بدقة من على هذه التلة بحيث يضمن النجاح من دون أن تكون هناك خسائر قد تعرضه للانكسار في الايام القادمة التي يراها أكثر صعوبة .
صعد مع نفر من حراسة أحاطوه بعناية قبل أن يتمركز على المنحدر الرملي تمكن راصد من أن يظهره من مسافة بعيدة ,يسقط بطلقة في مؤخرة راسه ومعه أربعة من حراسته .
************
11
في الصباح الباكر عانقت والدتها وتركت الدار خلف ظهرها تحنجل في الشارع الوحيد بين حقول تتهيأ لمداواتها من صقيع الشتاء القارس ,تلهو بداب تهرول تغني أنشودة وطني أنت سكني .
يلتحم معها مدير مدرستها أمام مدرستها وعيناه يملئهُا بريق من دمعٍ ,سعادة بكذا برأه وتوق إلى العلم .
يضع رجله الأولى على السلم الأول للمدرسة ,يلمحها تعانق الساحة تصلح هندامها وشدة شعرها, ترنوا إلى مدرستها بسلام وبسمة تتضح منها نواجذها .
في نظرته الثانية التي بالكاد استطاع أن يتخللها من بين رماد أبيض ودخان أسود وطنين أذان يراها ممددة تتأبط حقيبتها بقوة وأحدى رجليها تعانق أخراها في حين أن شبشبها الأيمن نزع منها ومنديلها الأبيض الذي يغطي راسها على هيئته يتلون باللون الأحمر .
على بعد خطواتٍ منه سال الدم من راسها ومازال يتوثب أتساعا تتشربه الأرض غائراً في ترابها .
*********
ثمة ضوضاء وجلبة تحدثها نعال سميكة لا يخطئها سامع أو تحتاج لدليل على أنها بياد جنود ,تتبعها صيحات نساء وأطفال تخفت رويداً ,وضعوا في قبو دير مقرف يعج بنتانة سنوات من حرب مجهولة الهوية .
يصفق الباب بقوة وتتفوه أشداق بألفاظ فيها إذلال ,مهانة ,قذف ,تهديد ,وعيد .
دقائق تمر بصعوبة يخال أن صدره تصلب يعده كقطعة إسمنتية, يلمح شفق من باب يفتح لتوه يخرج منه ثلاثة في هندامهم الرسمي ,فقط واحد منهم يحمل بندقية والآخران يتزينان بمسدسين يتدلين من خصريهما ,إلى مدخل القبو ينحني أقصرهم ثم يعود جارا فتاة في الخامسة عشرة تصرخ بينما يتولى الثاني صفعها بقوة والآخر يركلها من مؤخرتها ,يفترشون بها الأرض دورياً إلى أن تكتم أنفاسها نهائيا ,تجر من رجلها من حارس كان يتمتع بالمشاهدة إلى إسطبل الحظيرة المرفقة بالدير .
**********
عمى عيناه الدخان الكثيف المتصاعد جانبي الطريق الرملي الذي فتحته جرافات عملاقة ,مر الرتل الأول فالثاني المكون من العربات الثقيلة المدرعة ثم تلتها المصفحات متوسطة الحجم والأطقم المنسحبة تاليها .
لأنه القائد تلكئ في الاستجابة لأمر الأركان العامة وكان يقشعر بدنه من حقيقة تنفيذ ذلك التلعثم الذي بالعافية ميز فحواه حسبه أول المناداة شيفرة ينبغي لجندي الهندسة فكها ولكن عندما كرر سمع طلب التأكيد بالتنفيذ .
يا للهول كيف ينفذ ذلك؟ فيما جثة قائده الفعلي يتركها خلفه على بعد أميال ,أحس أن عارا سيلحقه ووصمة عارٍ ستطاله .
كوّن الدخان المتصاعد غيمة علت السماء ,هي مخلفات لاحتراق عربات استهدفتها الطائرات في ساحة المعركة ومنها لادرع وأطقم قذفتها الألغام بمجرد أن ضلت عن الخط المفتوح لتوه أثناء الهجوم الذي لم يكتمل بناءه .
أراد أن يستلم جهاز المناداة من مقدمة السيارة ليعيد ترتيب قواته ,حتى هوت سيارته إلى ظهر كود ترابي ,شعر بدوار يهز راسه وصم يضرب أذانه ما عاد يسمع غير أزيز وطنين فقط تلفت إلى سائقه المقمي عليه وإلى سيارته التي تبقى منها نصفها الأمامي حيث يجلس وسائقه ومرافقاه ,أربعة من المتكئين في صندوق السيارة الخلفي طاروا في الهواء من شدة الانفجار الذي أدرك أنه لغم أرضي أنفجر عندما شرد السائق قليل خارج الخط الترابي الآمن فلم يمنحه فرصة للعودة .
*********
12
طوقته وحدات من الأمن المركزي قبل أن تتسلق الأسوار كان قد سمع ضوضاء الفرامل ,أشعل مصباح خافت تبادر للجنود أن استقبالاً حافلٍ بالرصاص في انتظارهم, خطوة للخلف ,أعلن الفتيل صوت الانفجار الضخم .
ذهب بالسقف إلى ارتفاع أقترب من مروحية ترصد البيت المحاصر بأشعتها ثنائية التوهج وكاد أن يحطمها ,النوافذ قذفت كلاً في ناحيتها إحداها خلفت جندي قتيل أتت بقضبانها الفولاذية مخترقة صدره .
هجم المتمرسين من كل الجهات بين الدم والدمار والنار والدخان وجدو جثتان ممددتان مشويتان وعشرات القرون معمرة بالرصاص وعدة كلاشنكوفات حرق نصفها الخشبي ونقود تبقى أطرافها وهويات متعددة وسيل ماء .
*********
نظر يميناً ,الطريق مؤصدة تلفت يسار أيضا الطريق مؤصد أستدار إلى الخلف دورية ترصده من بعيد وقناص اعلى برج مصفحة .
أخيراً قرر أن يفجر نفسه ليحرم سكان الشارع هواء نضيف .
*******
طاولة دائرية ضمت فرقاء من دول شتى شتتتهم القنابل والمدفعية ,الصمت يخيم على الطاولة تجمدت الدماء عليها وسال عرق من جبينهم إلى ان خضب دفاتر مذكرات قديمة لقادة الجيوش شعروا بحاجة للماء الراشح ليبردوا حرقة في جوف الصدر نظرت الأعين الى أواني الماء البلاستيكية.
بقي الأصدقاء بعيدا عندئذ فكروا جيدا بعقد هدنة وأنها الحرب .
********
استفزني الموت فوقع في حاضرتي اسيرا .
************
13
توافدوا لانتزاع قوت يومهم فاستقبلتهم الصواريخ الذكية تحت طبقات من الحديد والفولاذ ارادت تقبيلهم واحد واحد .
هي تمادت في قبلاتها إلى أن أدمت الأجساد وفتحت ثغورا للتهوية حيث كانت التهوية من فرط الخوف رديئة ,أدى غاز الأمونيا المتصاعد إلى تبول الصغار في زوايا المكان فتسبب في كحة حادة هي التي اكتشفت ذبذباتها مجسات الطائرات فأرسلت زوارها سريعا .
**********
أراد أن يجسد شخصية القائد كما رأى زملائه المنخرطين في الوحدات العسكرية ,حَصل على بندقية جديدة حاول أن يعرف مصدرها من خربشات على جسدها دون جدوى, تمكن من النجاح في أول مهامه إلى مركز المدينة حين تعامدت الشمس على عربته المموهة ,ترجل منها إلى زوايا تحنو عليها ديار قديمة ,تبعه رفيقاه وجدا ثلاثة يتسطحون على قطيفة باهتت بثيابهم المتهتكة وأعمارهم البكر النحيلة .
جر أولاهم إلى تحت أشعة الشمس بين حشائش تكسوها الغبار ثم تراجع خطوات لإحضار الأخران ,عاد إلى الفناء المظل ثم نصب سدادة بندقيته ليختبرها ,أجهز على الأول من راسه والثاني من صدره والثالث إلى البطن في عجالة ثم التفت الى زملائه غامزا كانت هذه أولى الرصاصات التي ذرفتها ماسورته .
**********
حلقت الطائرة فوق الديار ترمي أثقالها ,هوت مع حمولتها على الديار تدكها على قاطنيها بدأت الانفجارات وما من مصدر أخر غيرها .
في اليوم التالي أتت النجدة رفعت الأنقاض وحدها كانت طفلة التاسعة تحت الحطام تحمل ذيل القذيفة .
تــــــــــــــــــــــــمت
بــسّــــــــــــــــــــــــام فاضل
17-11-2016م ــــــــ 5-2-2017م