علي أحمد باكثير - مسرحيات الفصل الواحد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    علي أحمد باكثير - مسرحيات الفصل الواحد

    1
    نشيد الإنشاد *
    نشيد الإنشاد الذي هو نشيد اليانور صهيون

    بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
    -1-
    إن حبك يا حبيبي لأشهى من الخمر، في جيوبك يا حبيبي ذهب يتوهج. وكلما ذكر اسمك رن رنينه، فلا عجب أن هامت العذارى بك حبا!

    إن الرئيس الذي خلف زوجي على البيت الأبيض قد جعلني رئيسة للجنة حقوق الإنسان. فلتبتهج يا حبيبي فمن أولى بحقوق الإنسان من صهيون الجالس على عرش قلبي؟
    طب يا حبيبي نفساً. سآخذ لك الحقوق بالحق وبالباطل.. سأسرق من كل إنسان حقه فأهبه لك. أنت على عرش قلبي فلك مني كل شيء!
    -2-
    إنني عجوز يا بنات أروشليم.. عجوز كإسرائيل، ولكني فتية النفس عاشقة!
    لا تسخرن مني إن رأيتن الغضون في وجهي، والشيب في شعري فإن أبناء أمي كانوا علي غضاباً، فزوجوني من رجل ضاو فأذوى شبابي قبل الأوان.
    ولكن قلبي ظل محفوظاً لحبيبي.. حبيبي ذي الأنف المعقوف الذي لا ألومكن فيه يا بنات أورشليم، وإن سطع لنار الغيرة في صدري لهيب!
    -3-
    حبيبتي الكبرى: ما أحلاك في قلبي وما أشبهك بخمرة فرعون طال عليها الأمد في قبره فتناهت لذة وشعشة.
    ارقصي جذلاً أيتها الحبيبة، فسأحلي جيدك الطويل بعقود من الذهب والفضة والجواهر تحسدك عليها عذارى نيويورك!
    ما أنت يا حبيبتي بين النساء إلا كالزهرة بين الأشواك.
    مثلك يا حبيبي بين الرجال كمثل شجرة التفاح بين أشجار الغابة، تحت ظلها الظليل أقيل، ومن ثمرها الحلو الشهيّ تذوق.
    أسندوني بالأقداح وأنعشوني بالتفاح فأنى مريضة حباً استحلفكن يا بنات نيويورك بخيل السباق إلا ما تركتن حبيبي في نومه اللذيذ يحلم بإعادة هيكل سليمان حتى يستيقظ من تلقاء نفسه إذا يشاء.
    -4-
    صحوت من نومي ليلاً فجعلت أبحث عمن تحبه روحي، ولكني ما وجدته.
    نهضت من فراشي فطفت بدروب المدينة وشوارعها باحثة عمن تحبه روحي ولكني ما وجدته.
    لقيني عسس المدينة فقلت لهم: هل رأيتم من تحبه روحي؟ فما جاوزتهم إلا قليلا حتى وجدت الذي تحبه روحي، فتعلقت به، وقدته إلى منزل أمي حيث أنمته في مخدعها.
    أناشدكن يا بنات نيويورك بخيول السباق ألا توقظن حبيبي حلمه اللذيذ حتى يستيقظ من تلقاء نفسه حين يشاء.
    انظرن يا بنات نيويورك إلى سريره من وراء البحار، إنه سرير سليمان يحمله ستون ألفاً من شجعان إسرائيل. من كل شاكي السلاح، متمرس بالحرب، يتأبط سيفه على الدوام خوفاً من غارات الليل العربية!
    جند من الهاجاناه اتخذوا ميادين الحرب الماضية مدارس تعلموا فيها فنون الحرب، وتدربوا على أعمال الهجوم والدفاع، وما اشتركوا في الهجوم والدفاع، وما اشتركوا في قتال جنود المحور، لأنهم كانوا يعدون أنفسهم لهذا الصراع الرهيب مع بني إٍسماعيل:
    قلت لزوجي الراحل: عليك بصهيون ساعده وأيده، وما كان زوجي يعلم أنني كنت مجنونة به حباً، هو ذاك يا بنات نيويورك نائم نوماً هنيئاً.
    ترى هل يحلم بي؟ أم بعرش سليمان يحلم؟ ولكن هل يصلح العرش بدون بلقيس؟
    أستحلفكن يا بنات نيويورك أن تدعن حبيبي في نومه الهنيء، ولا تزعجنه حتى يستيقظ من تلقاء نفسه إذا يشاء.
    فلئن أطعتنَّني بنات نيويورك، لأجعلكن وصيفاتي يوم أجلس أنا وحبيبي على العرش، حيث جلست بلقيس وسليمانها قديماً!
    -5-
    ما أجملك يا حبيبتي وإن تغضن وجهك.. وإن أبيض شعرك وإن تقوس ظهرك:
    هالة من المجد أضفاها عليك البيت الأبيض ينحني لها العشب الأمريكي من هيبة وإجلال.
    فأي شيء في الدنيا أحب إلى نفسي من افتراش هذا المجد الباذخ؟ إنني إذ أملكك يا حبيبتي الكبرى، أملك كل ذكر وأنثى من شعبك المجيد.
    إنني إذ أضع خاتمك في إصبعي وخاتمي في إصبعك، إنما أضع يدي على ناصية كل أمريكي وأمريكية.. من الرئيس الأبيض في البيت الأبيض إلى أدنى زنجي وأشده سواداً في ولايات الجنوب.
    ليت شعري متى تقول لي حبيبتي:
    "هلم يا صهيون فقد سلوت اليوم زوجي وقبلتك لي بعلاً؟"
    أنت يا حبيبتي كخمرة فرعون التي وضعت له في قبره ليشرب منها في الآخرة بزعمه، فطال عليها الأمد دون أن يشربها فرعون الصريع:
    آه يا حبيبتي أنا أحق بها من فرعون سأشربها من كأس يرف عليها شعرك الأشمط البديع.
    سيرقص شعبك يا حبيبتي بزواجنا سروراً، وسيباركه حتى أولئك القسس الذين تغلغل في قلوبهم بغضي وبغض آبائي من قرون.
    - 6 -
    شُكَّ في الشمس يا حبيبي لكن لا تشك في حبي.
    قل إن الأرض ليست تحت السماء ولكن لا تقل أنني لست تحت تأثير سحرك.
    لك أن تقول إن النجوم لا تلمع ليلاً في السماء، ولكن ليس لي أن أقول إن عقود الذهب والجواهر التي وعدتني بها لا تلمع في عيني وتتألق في قلبي.
    ولكن الناس يا حبيبي مازالوا يعدونني في فترة الحداد.
    إنهم يا حبيبي لا يعرفون أني قضيت عمري كله في حداد، وأن ربيع الأمل لم تتفتح لي أزاهيره إلا حين سمعتك ليلة الزوابع تناديني بصوتك المرتعش: اليانور! اليانور!
    في تلك اللحظة شعرت كأن السواد الذي كنت ألبسه ينشق عن جسدي في تلك اللحظة شعرت كأنما انقلبت عذراء يتفتح قلبها أول مرة لوسوسات غرانيق الحي.
    وأحسست في تلك اللحظة يا حبيبي كأن يداً قوية جذبتني من جليد شتاء قارس، فألقتني على عشب أخضر ناعم تشرق عليه شمس الربيع المنعشة:
    ولكن أمهلني قليلاً حتى تنقطع ألسنة الناس، ويقل تعلقهم برئيسهم الراحل فينسوه وينسوني معه.
    يومئذ يا حبيبي نستمع ونبتهج ويكون عرش سليمان من أدنى ما تستمتع به.
    -7-
    إن انتظاري يا حبيبتي قد طال وأوشك صبري أن ينفذ!
    دع الناس يقولوا ما يشاءون، فإن المحبين قلما يبالون.
    ألا ترين أعدائي كل يوم يكثرون على تقويض أحلامي يعزمون؟
    بمن أستعين إلا بك، ومن أستفسر إلا إياك؟
    إن حلمي يا حبيبتي لعظيم، وإن الطريق إلى تحقيقه لبعيد.
    ولكني أراه في عينيك قريباً فلا تبعديني من عينيك.
    وأراه في لماك دانيا، فلا تقصيني من لماك!
    وأراه كذلك في هالة المجد التي أضفاها عليك البيت الأبيض، فأفيضي على رأسي من سناها ليهابني الناس وليرهب القضاة مكاني فيحكموا لي.
    -8-
    طب نفساً ففي هيئة الأمم المتحدة قد حكموا لك دون أن تعلم من وراء الستار قلباً نابضاً بحبك كان يوسوس لقلوب القضاة أن يحكموا لمن يحب.
    كان قلبي قلقاً عليك ساعة الحكم. فلما صدع القضاة بتقسيم فلسطين تملكني الزهو والفرح. فلولا وقار الحداد على زوج راحل لرقصت بين القوم طرباً!
    -9-
    أي صوت هذا الذي ينادي من بعيد؟
    يا إلهي: ما أشبهه بصوت زوجي الراحل؟
    ولكنه قد مات. وقد دفنوه. وقد بليت أوصاله فهل يعود إلى الحياة من مات؟
    أم هذا سوء حظي يعيد لي البالي القديم. ليحرمني الغالي الجديد!
    ويلتا: هذا صوته! هو غاضب يدمدم! ماذا يريد مني؟
    ماذا يقول؟
    لقد سمعتِ يا هذه صوت الغالي الجديد. فاسمعني الآن صوت البالي القديم!
    كما يجف الماء من ظهر راحتك في قيظ نيويورك الشديد.
    جفت ذكراي من قلبك. وما تزال قلوب كثير من الناس بها رطبة.
    كما تتعرى الأشجار في الخريف من أوراقها لتنبت مكانها أوراق جديدة، يعرى فؤادك من عهودي ومواثيقي لتستبدلي بها عهوداً جديدة لصاحب جديد.
    ويل لك.. أفي هذه الشيخوخة العالية تتصابين؟
    ومع من؟ مع صهيون عدو المسيح! أبعدي أنا تقبلين صهيون بعلاً؟
    وبعد البيت الأبيض في حمى واشنجتون الأمين تريدين أن تسكني قصراً مبنياً على الرمال في فلسطين؟
    ما خطبكَ يا هذا؟ لقد كنتَ تعطف على صهيون حين كنت حياً. وما استوحيت أنا هذا العطف عليه إلا رعاية لعهدك.
    كلا.. ما كنت أعطف عليه إلا اضطراراً. إذ كان يحملني على تنفيذ رغباته بطرق منكرة. أيسرها التهديد أن يخذلوني في معارك الانتخاب كنت أنا وغيري من الزعماء عبيداً له ولطغمته المنوطة في نيويورك.
    استحوذ علينا هذا الشيطان اللعين فطفقنا نؤيد مطامعه في الأرض المقدسة ليدنسها بجرائمه. ويلوث مهد المسيح ومقدساته!
    وسوس لنا هذا الشيطان حتى رضينا أن تنتزع الأرض المقدسة من أيدي أهلها العرب، وهم سدنتها الأمناء منذ قرون. ليعيث فيها أعداء سيدنا المسيح فساداً.
    وتدافعين عنه يا هذه وتزعمين أنك تبرين به رعاية لعهدي! فأي عهد أبقيت لي بعد صهيون؟
    - 10 -
    أيها الصوت الباطل: أيها الصوت الذي لا حقيقة له أغرب عن سمعي؟ بأي حق تلومني في صهيون بعد ما خلا مكانك منك. وتقطَّعَ كل سبب يربطني بك. وصار صهيون هو سليمان؟
    لقد أخرجني موتك من البيت الأبيض. ولكن القدر هيأ لي السبيل إلى الجلوس على عرش سليمان مع حبيبي صهيون. فإياك إياك أن تقف في سبيلي!
    تحدثني عن صهيون وعداوته للمسيح فما شأني في ذلك؟
    بحسبي أنني أحب صهيون كما أحب المسيح. لعلهما بحبي يتحابان!
    أكان هذا صوت زوجي الراحل؟ كلا إنه ميت والموتى لا ينطقون!
    أيها القلب العاشق في ضلوعي افرح بحبيبك وابتهج؟
    لا تدع ذكرى الماضي تفسد عليك مسرات الحاضر وأماني المستقبل.
    حبيبك صهيون هو الحقيقة. وما سواه خيال في خيال.
    - 11 -
    أيها الدهر الغادر ألا تترك المحبين قليلاً ينعمون؟
    أصبحت اليوم قلقة على حبيبي لا أدري أي مصير ينتظره. واش وشى به إلى قومي فمالت عنه قلوبهم. وإن كانوا به من قبل لمغرمين هيا قَوْمي حنانيكم بمن تحبه روحي لا تدعوا العرش الذي يحلم به ينهار تحت ضربات أعدائه بني إسماعيل.
    بالتقسيم قضيتم. فلا ترجعوا عما قضيتم. وإلا ذهبت هيبة الهيئة التي إليها تنتمون. وبها تحكمون!
    أخشيتم يا بني أمي على زيت بلاد العرب. فجاملتم من أجله العرب؟ ويحكم.. أما تعرفون أنكم لو أيدتم حبيبي لوطئ أكناف بلاد العرب من أعالي النيل إلى أعالي الفرات.
    هيهات أن يقنع حبيبي بفلسطين فهو أعلى من ذلك همة وأبعد طموحاً. طالما حدثني وأنا أرجل شعره بأنه سيحارب بني إسماعيل بالقوة والحيلة معاً. ويكاثرهم بنسله حتى يبيدهم. فتؤول ديارهم كلها لبني إسرائيل.
    ما أنسى يا بني أمتي لا أنسى ليلة البشرى.. ليلة قضت الهيئة بالتقسيم فقد أقبل إلي حبيبي يرقص جذلاً. وجلسنا نتساقى كؤوس الشراب المعتق. فلما مالت به النشوة قال لي قولاً عظيماً.
    قال لي: أعدك يا حبيبتي لئن قامت دولتنا في فلسطين. لا تمضي عشرون عاماً حتى نتجول أنا وأنت على عربتنا الملوكية في شوارع القاهرة أو دمشق أو بغداد. فلا تقع عيوننا إلا على الحروف العبرية قد كتب بها ألواح الدكاكين. وألوان العناوين!
    - 12 -
    إنني قلقة على حبيبي. قلقت عليه نهاراً. وقلقت عليه ليلاً.
    آويت إلى فراشي لأنام، ولكنّ قلبي بات يقظان!
    هذا صوت حبيبي يقرع الباب ويقول: افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي! فقد ابتل رأسي بالطل وجبهتي بقطرات الليل.
    لقد خلعت حلتي فكيف ارتديها ثانية؟ ولقد غسلت قدمي فكيف أذيلهما في الأرض؟
    مد حبيبي من كوة الباب ذراعه إليّ فاضطربت أحشائي اضطراباً.. ونهضت من فراشي ففتحت الباب، ولكن حبيبي كان قد انسل ومضى. لقد خانني حفاظي حين سمعت صوته، فلما بحثت عنه لم أقدر أن أجده، فناديته فما أجابني مجيب!
    وألفاني عسس المدينة، فكشفوا القناع عن وجهي، فبهتوا إذ رأوا زوج رئيسهم الراحل.
    أستحلفكن يا بنات نيويورك، إذا لقيتن حبيبي أن تقلن له إنني مريضة حباً!
    حبيبي أبيض اللون ضارب للصفرة وشعره حالك السواد كلون الغراب. انفه معقوف كأنه طرف خنجر، وعيناه كعيني البومة، ما أروعهما إذ ترين حدقتيهما تضيقان وتتسعان!
    يتذلل أحياناً حتى كأنه لا يملك ثمن طعام يومه، ويتعالى أحياناً حتى كأنه يملك كل ما في خزائن الناس.
    حسبه أنه من الشعب المختار. له على الناس الحقوق، وليس عليه في غير بني جنسه من سبيل!
    يعشق الذهب والذهب يعشقه، وينجذب إليه حيثما حل من البلاد، وأينما أقام بين الشعوب.
    ميمون يورق الغنى في يده، يكاد إذا مس حجراً أن يحيله تبراً.
    - 13 -
    هل وجدتن حبيبي يا بنات نيويورك؟
    هل رأيتن له وجهاً، أو سمعتن له صوتاً، أو وقفتن له على أثر؟
    حذار أن تخبئن حبيبي في مخادعكن طمعاً في الذهب الذي يملك، فإنه لأشد حرصاً على ذهبه منه على حياته، ما لم تدعه الحاجة القصوى إلى الإنفاق!
    - ما رأينا لحبيبك أثراً أيتها العاشقة الهلوك، ولكنا سمعنا عنه خبراً.
    - ماذا سمعتن عن حبيبي، لا أسقط الله لكن سناً!
    - بل نخشى إن أخبرناك الخبر أن تقولي: "فض الله أفواهكن"!
    - يا ويل أمي، ألديكن عن حبيبي نبأ اليم؟
    - إن يكن صهيون هو الذي تحبين، فقد طار إلى فلسطين! أحزنه عدول قومنا عن تأييد قرار التقسيم، فطار إلى فلسطين!
    تباً لحبيبي صهيون! أهكذا يبرح البلاد دون أن يودعني بعناق أو بكلمة طيبة؟ أنسي ودي، أم خان عهدي؟
    لعل المصاب طغى عليه فأنساه كل شيء حتى حبيبته التي ترعاه إذا غفل الناس، وتسهر عليه إذا نام الوجود!.
    كلا.. إني لظالمته إذ ألومه! ما نسي صهيون لي وداً، ولا خان لي عهداً، بل كان لهما من الحافظين.
    لقد أراد المسكين أن يودعني حين طرق بابي وهنا ليلة أمس. ألم يمد لي من كوة الباب ذراعه؟
    ولكن انسل وشيكاً ومضى. لعله أشفق أن يراني بعد إذ تخلى عن تأييده قومي، خشية أن أذوب أمامه خجلاً من سوء صنيعهم معه، فمضى عني رحمة بي!
    أواه لحبيبي.. ما ألطف شعوره وأرق إحساسه!
    ليت شعري أي دمع كان يفيض من عيني حبيبي حين جاء لتوديعي ثم بدا له فانصرف وطار!
    -14-
    ترى هل يقدر حبيبي أن يبني عرش سليمان وقد تخلى عن تأييده قومي الملاعين؟
    أجل إنهم ملعونون جميعاً لا أستثني منهم أحداً.. حتى ذلك الذي حل محل زوجي الراحل وما كان له من صفة تؤهله للرياسة غير حبه لصهيون. فبأي حق يبقى في البيت الأبيض بعد خذلانه لصهيون؟
    وذاك الذي اسمه مارشال... ما فائدة مشروعه للعالم إذا انهار المشروع الأعظم... مشروع حبيبي في فلسطين؟
    والثالث الذي يدعى فورستال، ما قيمة دفاعه، وعن أي شيء يدافع، بعد إن ضاع الأمل الأكبر.. أمل حبيبي في فلسطين!
    ألا أيها الرئيس الذي خلف زوجي على البيت الأبيض! لقد جعلتني رئيسة للجنة حقوق الإنسان فها يدي أرد هذه الوظيفة إليك، وأرميها في وجهك، بعد أن تخليتم عن حبيبي لم يبق أي حق لأي إنسان؟
    حبيبي هو الإنسان.. صهيون هو الإنسان!
    حق له على سواه أن ينال كل ما اشتهاه!
    فإن حيل بين حبيبي وبين ما يشاء فعلى الدنيا العفاء.
    -15-
    أواه! كيف أرى حبيبي فأواسيه وأخفف أحزانه؟
    هل أطير إليه بفلسطين وقد أحالها بنو إسماعيل المتوحشون جحيماً تختلط النيران فيها بالدماء.
    وارحمتاه لحبيبي! كأني به الساعة حائراً بين الستين ألفاً من رجاله الذين أعدهم ليحملوا له عرش سليمان ويحرسونه وإذا بنو إسماعيل المتوحشون يتخطفون شجعان إسرائيل كما تتخطف الذئاب في بلادهم، الغنم.
    وارحمتاه لحبيبي إذ يرى أحلامه العظيمة تنهار أمام عينيه تحت ضربات بني إسماعيل المتوحشين!
    أيها المتمدنون في العالم! أنقذوا الإنسان من وحشية بني إسماعيل.. أنقذوا الإنسان أيها المتمدنون!
    وما الإنسان إلا حبيبي لو تعلمون.
    -16-
    ليت شعري أين أرى حبيبي؟
    إني عليه لقلقة، وإني إليه لمشتاقة أفي فلسطين ألقاه وفيها بنو إسماعيل المتوحشون؟
    أم هنا في نيويورك وفيها الرقباء والواشون؟
    لم لا ألقاه في لندن؟
    إنني ذاهبة ثم وشيكاً لرفع الستار عن النصب التذكاري لزوجي الراحل.. فلم لا أدعو حبيبي أن يوافيني هناك؟
    (تم النشيد)
  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    #2
    رسالة الرجل الأبيض*

    بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
    مسرح الرواية: مقر مجلس الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة بنيويورك.
    مسرحية في فصل واحد
    -1-
    في جانب من أروقة المجلس يظهر مندوب جنوب أفريقيا وهو يتحدث إلى مندوب استراليا. إذا بمندوبي الدول العربية يمرون أمامهما في طريقهم إلى المقصف.
    مندوب جنوب أفريقيا (بازدراء) من يكون هؤلاء؟
    مندوب أستراليا: هؤلاء مندوبو مصر، والمملكة العربية السعودية، والعراق ، وسوريا، ولبنان.
    م.ج أفريقيا: من يعش رجباً يشهد عجباً! متى كان لهؤلاء مندوبون في المؤتمرات والهيئات الدولية؟
    م. استراليا: لماذا تستغرب هذا؟ إنهم خير من كثير من الدول الأخرى أليسوا خيراً من اليونان مثلاً؟
    م.ج. أفريقيا: لا تنس أن اليونان منا على كل حال.. أما هؤلاء...
    م. استراليا: كلا لا تقل هذا يا صديقي.. إننا في عصر الحرية والنور، إنا في القرن العشرين.
    م.ج أفريقيا: الجنس الأبيض هو الذي جاء بالحرية والنور، فعليه أن يحافظ عليها باحتفاظه بسيادته المطلقة وإلا طغت عليه هذه العناصر الملونة فضاع النور وضاعت الحرية.
    م. استراليا: احذر أن تقول مثل هذا في المجلس، وإلا كان في ذلك ما يضعف حجتك.
    م.ج. أفريقيا: كلا لست غبياً، هذا كلام لا يبغي أن يقال إلا فيما بيننا نحن البيض.
    م. استراليا: إني أخشى أن تضعف حجتك إذا نمت لغتك عن مثل هذه العقلية.
    م.ج. أفريقيا: تخشى من ضعف حجتي أمام هؤلاء الملونين! لا، لاتخف فقد حضرت بنفسي، لأن مجرد وجودي في المجلس سيؤثر في المندوبين الذي يعرفون جميعاً مكانتي حق المعرفة، وسيلجم خصمي، ولو كان مندوب الولايات المتحدة أو مندوب روسيا السوفيتية، فما بالك بمندوب الهند!
    م. استراليا: إنها مندوبة لا مندوب.
    م.ج. أفريقيا: ذلك أضعف لحجة هؤلاء الهنود. إنهم لو علموا أنني سأقف بنفسي لمندوبهم لبعثوا غاندي نفسه، أو ذلك الذي يدعى عندهم جواهر لال نهرو وأؤكد لك يا صديقي أنهم لو بعثوا هذين الزعيمين ومعهما سائر زعماء الهند لنفختهم بكلمة واحدة فطاروا من المجلس كما يطير الذباب!
    م. استراليا: لا تستهن بهذه المندوبة فللنساء ألسنة حداد ولا بد أنهم اختاروها لما يعرفون فيها من البراعة والقدرة في عرض قضيتهم.
    م.ج. أفريقيا: قضية! أتسمى هذه قضية؟ ما إخالك إلا تسخر حين تدعوها كذلك. إن هؤلاء الهنود قد شمخت أنوفهم لما وعدوا بالاستقلال فأرادوا أن يلفتوا إليهم الأنظار بإثارة هذه الضجة المفتعلة. بيد أنه كان من سوء حظهم أن يكون خصمهم أحد أساطين السياسة العالمية الذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة أو أربعة.
    م. استراليا: إن كانت القضية قضية شكوى من التفريق بين العناصر فأخشى أن تخسروا الجولة. لأن ذلك من أسس النظام النازي، وقد تواضع الجميع على اعتبار كل ما سنه هتلر من النظم جريمة لا تغتفر.
    م. ج. أفريقيا: كلا، هذا غير صحيح على علاته، فما نقمنا على هتلر إلا عزمه على أن يستبعد الشعوب البيضاء لألمانيا، وأن يبيد اليهود ولو أنه أراد إبادة الهنود على بكرة أبيهم، وفرضنا أن ذلك لا يضر بمصالحنا الإمبراطورية، لما جرؤنا أن نوجه إليه كلمة لوم.
    م. استراليا: إن آراءك هذه لغريبة!
    م.ج. أفريقيا: ليس في هذه الآراء من غرابة، وإنما الغريب ما يخالفها. هؤلاء لا يستحقون الحرية في بلادهم، فأي مجنون هذا الذي يريد أو يعتقد أنهم يستحقون الحرية في بلاد غيرهم؟ حسبهم أن يسمح لهم بالعيش في بلادنا، فهذا كرم منا عظيم أما أن يعاملوا معاملة البيض، فهذا يناقض الطبيعة ويسيء إلى الأحرار البيض، ولا ينفع هؤلاء الملونين في شيء (يمر المندوبون العرب راجعين من المقصف في طريقهم إلى قاعة المجلس).
    م. استراليا: يعجبني من هؤلاء المندوبين العرب أنهم على رأي واحد في كل شأن من الشؤون التي تعرض في المجلس.
    م.ج. أفريقيا: أما أنا فيغيظني هذا منهم!
    م. استراليا: لماذا؟ لا أرى لبلادك أي مصلحة تتعارض مع مصالح هؤلاء.
    م.ج. أفريقيا: هذا صحيح، ولكن لا تنس أن أمر الصهيونية يهمني كما يهمني أمر بلادي.
    م. استراليا: أتعادي هؤلاء من أجل الصهيونيين؟
    م. ج. أفريقيا: لا أملك لنفسي غير هذا السبيل، إن للصهيونيين أفضالاً علي لا أستطيع أن أجحدها.
    م. استراليا: لا أعتقد أنهم يستحقون هذا العطف وقد أنكروا جميل بريطانيا عليهم.
    م.ج. أفريقيا: لعلك تعني هذا الإرهاب اليهودي الجاري اليوم في فلسطين.
    م. استراليا: وفي غير فلسطين أيضاً.. في روما.. بل في لندن نفسها إني والله ما رأيت أوقح من هؤلاء!
    م.ج. أفريقيا: بعض هذا السخط على هؤلاء المساكين! حسبهم ما لقوة من عنت النازية واضطهادها.
    م. استراليا: أفنحن مسؤولون عما أصابهم من عنت النازية حتى يصبوا جام غضبهم علينا، ويحملوا لنا كل هذا المقت وهذه الكراهية؟
    م. ج. أفريقيا: إنك مخطئ يا صديقي إن ظننت أن القوم يكرهون بريطانيا حقاً.
    م. استراليا: أفبعد هذا التقتيل والترويع تشك في كراهيتهم للبريطانيين؟
    م.ج. أفريقيا: إنهم يعتبرون أبناءنا وصنائعنا، فإذا ثاروا علينا فكما يثور صاحب الدالة على من له الدالة عليه. ولو شاءت بريطانيا لقضت على هذا الإرهاب الودي في أربع وعشرين ساعة.
    م. استراليا: فما يمنعها من ذلك؟
    م.ج. أفريقيا: أتريد أن تعرف ما يمنعها من ذلك؟ سأشرح لك هذه الدقيقة من دقائق السياسة البريطانية العليا. إننا في الواقع متفقون مع الصهيونيين على تهويد فلسطين في آخر الأمر، لأن ذلك هو الضمان الوحيد لاحتفاظنا بنفوذنا في الشرق الأوسط، وبدون ذلك سيكون نفوذنا في ذلك الجزء الحيوي للإمبراطورية عرضة للضياع كلما تقدمت الدول العربية نحو القوة والوحدة. واليهود يعرفون هذا منا، فهم يستعجلون الهدف ولا يستطيعون أن يروا الصعوبات التي تقوم في وجه بريطانيا أو يقدروا الضرورة التي تقضي على بريطانيا بمداراة العرب ومداهنتهم حتى تصل إلى تحقيق ذلك الهدف اليهودي على التدريج دون أن تثير على نفسها السخط العام في البلاد العربية.
    م. أستراليا: ولكن هذا مطلب صعب التحقيق، وما أحسب السياسة البريطانية إلا تورطت في تشجيع هذه الأحلام اليهودية في بلد يملكه أهله العرب وتحيط به الشعوب العربية من كل جانب، فلن تؤدي هذه السياسة إلا إلى استمرار الخصام في ذلك الجزء من العالم.
    م. ج. أفريقيا: (يبتسم) فليستمر الخصام، فهو حجة استمرار بقائنا هناك..
    م. استراليا: وميثاق الأطلنطي وهيئة الأمم المتحدة؟
    م.ج. أفريقيا: إنك مثالي أكثر من اللازم يا صديقي. ولو تدبرتَ الأمر جيداً لأدركت أن وجود هذا الميثاق وهذه الهيئة إنما يقضي بمضاعفة جهودنا في هذا السبيل، ويجعل استمرار الخصام في ذلك الجزء الحيوي للإمبراطورية أمراً ضرورياً إلينا اليوم أكثر من أي عهد آخر.
    م. استراليا: لم أفهم بعد لماذا لا تؤثر بريطانيا صداقة ثمانين مليوناً من العرب، فذلك أضمن لمصالحها هناك دون أن تعرض نفسها لهذه المتاعب التي لا نهاية لها.
    م. ج. أفريقيا: لقد فاتك أننا ليس لنا أن نطمئن إلى صداقة هؤلاء، فهم أعداؤنا التاريخيون، ويجب أن يبقوا كذلك. وأصارحك القول بأنه لا شيء آلم لنفسي وأثقل على قلبي وأقذى لعيني من وجود هذا الجنس، وخاصة في القارة الأفريقية.
    م. استراليا: فيم كل هذا التحامل على العرب؟
    م. ج. أفريقيا: لا أدري، بيد أن قلبي يحدثني بأنهم سيبنون سلطانهم على أنقاض سلطاننا في يوم من الأيام!
    -2-
    في قاعة المجلس -مندوبو الدول على مقاعدهم- الجلسة مشرفة على الانتهاء.
    مندوب الصين: إن ثبتت هذه التهم فإنها تهم خطيرة لا يكاد السامع لها يتصور أنها تصدر من حكومة متمدنة في القرن العشرين، ومشتركة في هيئة الأمم المتحدة التي ينص بشأنها على تحريم مثل هذا الظلم الفظيع..
    مندوبة الهند: هذه التهم ثابتة فعلاً. وقد قدمنا للمجلس صوراً من الوثائق والأوامر اليومية التي كان يصدرها رئيس حكومة جنوب أفريقيا بنفسه.
    رئيس المجلس: نعم هذه الوثائق موجودة في المجلس، وفي استطاعة كل من يرغب من حضرات السادة الإطلاع عليها، وما أحسب مندوب حكومة الاتحاد ينكرها.
    م. ج. أفريقيا: هذه القوانين أصدرتها حكومات سابقة ولم تصدرها الحكومة الحاضرة.
    مندوبة الهند: ولكن رئيس الحكومات السابقة إلى أصدرت هذه القوانين الجائرة هو نفس رئيس الحكومة الحاضرة وقد صار هذا الظلم دستوراً ثابتاً في الدولة لا يتغير باختلاف الحكومات.
    مندوب كولمبيا: المهم هو أن يؤكد لنا مندوب جنوب أفريقيا أن هذه السياسة الجائرة لا تسير عليها حكومته الحاضرة.
    مندوبة الهند: إن الوفد الهندي لا يشكو من سياسة اتبعت في الماضي ولا وجود لها اليوم، وإنما يشكو من سياسة موجودة في الحاضر تذهب جذورها في أعماق الماضي. وفي استطاعتنا أن نأتي بألف شاهد وشاهد على أن هذه السياسة الظالمة تمارس إلى اليوم في بلاد اتحاد جنوب أفريقيا.
    مندوب كولمبيا: أرى أنه ليس أمام مندوب اتحاد جنوب أفريقيا إلا أحد سبيلين: إما أن يعترف بهذه الحالة المؤلمة أو ينكرها!
    م. ج. أفريقيا: إنني اعتبر هذا تدخلاً من المجلس في الشؤون الداخلية لحكومة مستقلة ذات سيادة لها أن تسن من القوانين ما يكفل لها سلامتها ورفاهية أهلها طبقاً لمقتضى الظروف والأحوال، وإني بما لي من التجارب الطويلة أحذركم أيها السادة أن تفتحوا هذه الباب الخطير الذي سيؤدي بكم في النهاية إلى إثارة مشكلات لا حصر لها قد تكون الشرارات الأولى لايقاد نيران حرب ثالثة!
    مندوب سوريا: هذا منطق معكوس! فقد نص ميثاق هيئة الأمم المتحدة على تحريم الاضطهاد العنصري والتفريق بين الأجناس. وعلى ذلك فكل حكومة تحترم نفسها وتأبى أن تتدخل الهيئة في شؤونها الداخلية، عليها أن تحترم نصوص الميثاق. وتربأ بنفسها عن أن توصم بمثل ما نسمعه الآن.
    المندوب الروسي: إنني أؤيد ما قاله مندوب سوريا وأضيف إلى ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ليست بحاجة إلى نصائح مندوب جنوب أفريقيا، فلسنا من البلاهة والغفلة بحيث نتقبل نصائح متهم لم تعظه تجاربه الطويلة كما يزعم، ولم يستفد منها هو نفسه فأحرى أن لا يستفيد منها غيره إنه يحذرنا من الشرارات الأولى لإيقاد نار حرب بثالثة فعليه أن يعلم أن السياسة الجائرة التي تسير عليها حكومة بلاده في معاملة رعاياها من الهنود هي من تلك الشرارات وإني أقولها كلمة صريحة في هذا المجلس الموقر: إن مندوب جنوب أفريقيا إذا كان لا يعلم هذه الحقيقية فلا يستحق أن يمثل حكومته بيننا وإذا كانت دولته تجهل هذه الحقيقة فإنها لا تستحق نعمة الاستقلال التي تمتع بها بل أن تطالب بضم جنوب غرب أفريقيا إليها!
    م.ج. أفريقيا: هذه نغمة لا تستسيغها الدول الديمقراطية. وإن المندوب السوفياتي ليعلم أن لنا نحن الديمقراطيين نظماً تختلف عن نظم دولته وقد تواضعنا على أن يحترم كل منا نظام الآخر. وعلى هذا الأساس تعاونا في الحرب الأخيرة وهزمنا الطغيان النازي وأنقذنا الحضارة الإنسانية.
    المندوب الروسي: ما كنت أعلم قبل اليوم أن الديمقراطية تسوغ مثل هذا الاضطهاد العنصري الذي يمارس في بلاد اتحاد جنوب أفريقيا الديمقراطية!
    مندوب الولايات المتحدة: إنني باسم الديمقراطية أحتج على هذا الاتهام.
    المندوب الروسي: إنني لا أتهم، وإنما أستنتج مما قاله مندوب حكومة جنوب أفريقيا الديمقراطية!
    مندوب الولايات المتحدة: هذا استنتاج باطل فالديمقراطية لا تسوغ الاضطهاد العنصري.
    المندوب الروسي: فلأستنتج إذن من هاتين المقدمتين أن حكومة جنوب أفريقيا ليست ديمقراطية كما يزعم مندوبها.
    المندوب البريطاني: إنني أحتج على هذا أيضاً، فحكومة اتحاد جنوب أفريقيا ديمقراطية لحماً ودماً. وإذا أخذ عليها بعض تصرفاتها نحو رعاياها الهنود فهذا موضع الشكوى، والمجلس ينظر في هذه الشكوى الآن. ولا يصح بحال من الأحوال -مهما ثبتت هذه الشكوى- أن يخرجها ذلك من دائرة الدول الديمقراطية.
    مندوبة الهند: إن موضوع الشكوى ثابت بإقرار مندوب الدولة المشكو منها، ولا يستطيع أبداً أن ينكرها، ولا شك أن هذا التصرف منها يخالف المبادئ الديمقراطية.
    مندوب الولايات المتحدة: لا جدال في هذه الحقيقة. إن حكومة اتحاد جنوب أفريقيا قد أخلت بمبدأ من مبادئ الديمقراطية، والديمقراطية ليست مسئولة عن هذا الإخلال.
    م.ج. أفريقيا: كلنا يعتقد –بالطبع- أن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية، ومع ذلك فإن الزنوج من رعاياها يضطهدون في بلادها فهل لهيئة الأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة؟
    مندوب الولايات المتحدة: إنني أحتج على هذه المقارنة الباطلة، ففرق كبير بين حكومة تسن القوانين للاضطهاد العنصري والتفريق بين الأجناس، وحكومة سبقت حكومات العالم في سن قوانين الحرية والمساواة بين جميع رعاياها على اختلاف أجناسهم وهي جادة في اجتثاث جذور هذا الشعور العنصري الذي تخلف في بعض رعاياها البيض ضد رعاياها السود بمختلف الوسائل الحكيمة.
    م.ج. أفريقيا: ما دامت النتيجة واحدة -وهي حصول التمييز بين العناصر- فالمقارنة صحيحة.
    مندوب الولايات المتحدة: ولكن المسئولية مختلفة ففي حالة اضطهاد الهنود في جنوب أفريقيا تكون المسئولية على الحكومة التي سنت تلك القوانين الجائرة فهي مسئولة أمام هيئة الأمم المتحدة. أما في حالة اضطهاد الزنوج في بلادنا فالمسئولية على بعض رعايانا البيض الذين لا يزالون يحملون هذا الداء ويخالفون بذلك قوانين حكومتهم، وهم مسئولون أمام حكومتهم لا أمام هيئة الأمم المتحدة.
    م.ج. أفريقيا: يؤسفني أن يفهم مني مندوب الولايات المتحدة أنني ألوم حكومته على ما يحدث في بلادها من التفريق بين البيض والسود. والواقع أنني إنما أردت أن أبين للمجلس أن مهمة الرجل الأبيض شاقة جداً حين تجنح به مثله العليا إلى التسامي عن حقائق الحياة الواقعة! فهو وإن كان يؤمن بالمساواة إلا أن الحقيقة الواقعة تعترض سبيله إليها. وهذا الصراع_ بين واقع الحياة والمثل العليا التي يسعى لتحقيقها الرجل الأبيض- عام في كل بلد يوجد فيه الرجل الأبيض مع غيره من الشعوب الملونة.
    مندوب مصر: يعز علي -أيها السادة- أن تسمع في قاعة هذا المجلس الموقر تلك النغمة البغيضة، نغمة الرجل الأبيض والشعوب الملونة، وما أنشئ هذا المجلس إلا للقضاء على مثل هذه النعرات وإذا كان لشعب من الشعوب أن يفخر بماضيه المجيد في بناء القواعد الأولى للحضارة الإنسانية وما انبثق عنها من المثل العليا التي دانت ولا تزال تدين بها البشرية إلى يومنا هذا، فذلك الشعب هو غير الشعب الأبيض الذي يعنيه مندوب اتحاد جنوب أفريقيا على كل حال.
    مندوبة الهند: لو شاء مندوب مصر لقال إن أولئك الذين حملوا مشاعل الحضارة الأولى هم سكان وادي النيل دون أن ينازعه في ذلك أحد. ولو شاء مندوب الصين لقال إنهم أبناء الصين الحكماء، ولو شئت لقلت إنهم جيران السند والكنج. أما ما يشير إليه مندوب جنوب أفريقيا من الصراع لدى الرجل الأبيض بين واقع الحياة وبين مثله العليا، فالحق إن الصراع موجود، ولكنه صراع بين روح الاستعمار الذي يحتكره اليوم هذا الرجل الأبيض وبين روح السخط الذي ألهبه الظلم الأبيض في صدور الشعوب التي يسميها ملونة. فهو يداري هذا السخط بمثل عليا يدجل بها تدجيلاً ليخدر بها تلك الشعوب. وهذا هو ما يسميه مندوب جنوب أفريقيا بمهمة الرجل الأبيض وأكرم بها من مهمة! أجل إنها مهمة الرجل الأبيض في الهند، وفي إندونيسيا، وفي الهند الصينية، في وادي النيل، وفي فلسطين وفي ليبيا، وشمال أفريقيا، إنها والله لمهمة شاقة جداً كما وصفها مندوب جنوب أفريقيا.
    مندوب الصين: إنني أنذر هذا الجنس الذي لقب نفسه بالجنس الأبيض بأنه إذا لم يتعظ بهذه الحروب التي أثارها جشعه وبغيه وظلمه، فيكف عن سياسة الاستعمار في جميع صوره وبمختلف أسمائه من حماية وانتداب ووصاية، فستحل به نكبة لا قيام له بعدها، إما أن يأكل بعضه بعضاً ويلقى ذاك المصير على أيدي هذه الشعوب التي يدعوها ملونة. وقد كان يخشى مما يسميه (الخطر الأصفر) فليعلم أن هذا الخطر الأصفر ما يزال موجوداً إلى اليوم إن ما يفكر به هذا المندوب الأفريقي وزميله شرشل من محاولة توحيد أوربا -لا لحفظ السلام فيها، بل ليتسنى لها الاحتفاظ بسيطرتها وبغيها على شعوب الشرق- لن يعصمها من النكبة التي أشرت إليها إن عاجلاً أو آجلاً وقد استيقظت شعوب الشرق أجمع، ولم يبق فيها من ينخدع بهذه المثل والمبادئ التي يدجل بها سماسرة الاستعمار في الغرب!
    مندوب الولايات المتحدة: إن الكلمة التي فاه بها مندوب جنوب أفريقيا كانت غير موفقة وما أدرى كيف لم تمنعه حنكته السياسية من إلقائها في حرم هذا المجلس الذي أنشئ لإقرار السلام بين شعوب الأرض.
    مندوبة الهند: أما أنا فقد سرني أنه ألقاها في هذا المجلس فكشف بذلك القناع عن العقلية إلى يمثلها ويمثلها معه كثير من سماسرة الاستعمار في الغرب. وإن الوفد الهندي لا يشكو من كلمة يقولها ممثل جنوب أفريقيا في هذا المجلس، بل من تصرفات جائرة تمارسها حكومته ضد إخواننا الهنود في بلاده، مع أنهم أقدم فيها من غيرهم من العناصر الأجنبية التي استوطنت ذلك الجزء من أفريقيا، فكان من سوء حظهم أن حرموا من الحقوق، لا لشيء إلا لأنهم ليسوا من الجنس الأبيض الذي يتبجح به مندوب جنوب أفريقيا.
    م.ج. أفريقيا: أيها السادة إنني لا أريد أن أجشم نفسي عناء الرد على هذه المندوبة الهندية فيما قالت عنا ولكني مصر على القول بأن هذه المسألة ليست من اختصاص هذا المجلس، وأطالب بإحالتها على محكمة العدل الدولية.
    رئيس المجلس: تذكرون أيها السادة أن الآراء قد اختلفت في قول هذا الاقتراح أو رفضه، فإن شئتم أجرينا اقتراعاً عليه.
    م.ج. أفريقيا: فليجر الاقتراع.
    مندوبة الهند: أيها السادة، إن مندوب جنوب أفريقيا ما اقترح هذا إلا تخلصاً من قبضة الحق، ليجد في نقل القضية إلى محكمة العدل وفي تأجيلها متنفساً له. والحق لا يحتمل التأجيل والتسويف.
    م.ج. أفريقيا: إن المندوبة الهندية تدعى أن الحق معها، ومع ذلك تخشى الاقتراع.
    مندوبة الهند: إن كان لا بد من الاقتراع فليكن ترجيح الاقتراح بأغلبية ثلثي الأعضاء.
    م.ج. أفريقيا: كلا بل تكفى لترجيحه الأغلبية المطلقة. ها أنتم أيها السادة ترون المندوبة الهندية تخشى أن يفوز الاقتراح بالأغلبية المطلقة، وهذا دليل على أنها غير مطمئنة إلى عدالة قضيتها.
    مندوبة الهند: كلا، هذا غير صحيح. أما الواقع فهو أن صاحب الباطل لا يخشى على باطله كما يخشى صاحب الحق على حقه.
    رئيس المجلس: حيث أنه قد ثبت لدينا أن القضية من اختصاص المجلس فالاقتراح الذي يرمى إلى إحالتها إلى محكمة العدل الدولية غير طبيعي، ولذلك فمن العدل أن لا يكون ترجيح هذا الاقتراح إلا بأغلبية ثلثي الأعضاء.
    يجرى الاقتراع. وما كان أشد دهشة الجميع إذا انهزم الاقتراح بأغلبية كثيرة. وحينئذ رفعت الجلسة، وأخذ كثير من مندوبي الدول يهنئون مندوبة الهند بنجاحها الباهر.
    -3-
    في أحد أروقة المجلس: مندوبو الدول منتشرون هنا وهناك يحادث بعضهم بعضاً. وهذه مندوبة تتحدث إلى مندوب الصين في ركن من أركان الرواق.
    مندوب الصين: أكرر لك التهنئة يا سيدتي، فقد هزمت الرجل شر هزيمة.
    مندوبة الهند: شكر لك يا سيدي ولكنه لا يزال يختال هناك انظر إليه ألا تراه ثاني عنقه كأنما خرج منتصراً من معركة حاسمة!
    مندوب الصين: إنه يصطنع هذا الشموخ وعدم الاكتراث، ليستر ما مني به من الهزيمة، وما شعر به من تضاؤل قدره في عيون الجميع.
    مندوبة الهند: لا أكتمك أني ما شفيت نفسي بعد من هذا الاستعماري العنيد!
    مندوب الصين: ماذا في وسعك أن تصنعي به بعد أن ألحقت به هذه الهزيمة الماحقة؟
    مندوبة الهند: لقد دبرت له مكيدة ستجعله سخرية في عيون مندوبي دول العالم؟
    مندوب الصين: ليت شعري ماذا صنعت يا سيدتي؟
    مندوبة الهند: أتعرف المسيو (جندوالا) مندوب (كادو كيدا)؟
    مندوب الصين: ذلك الشخص العجيب الغريب الأطوار؟
    مندوبة الهند: نعم هو ذاك.
    مندوب الصين: يبدو لي أن به شيئاً من الجنون.
    مندوبة الهند: كلا ليس بمجنون وإنما بعقله شيء من الخفة.
    مندوب الصين: ولكن ما شأن هذا الشخص بالمكيدة التي أشرت إليها.
    مندوبة الهند: سترى الآن.... انظر يا سيدي.. ها هو ذاك قد أقبل من المقصف.
    مندوب الصين: يظهر لي أنه ثمل. ألا ترينه يترنح في مشيته؟ عجباً! إنه وقف ليصافح خصمك المهزوم.
    مندوبة الهند: أرقبهما جيداً، فستبدأ الرواية الهزلية الآن!
    -4-
    في ركن آخر من الرواق يتحدث مندوب جنوب أفريقيا إلى مندوب كادو كيدا وهما واقفان.
    مندوب كادو كيدا: هون عليك يا سيدي، لا تحزن ولا تبتئس، فلكل مشكلة حل ولكل ضيق فرج.
    م.ج. أفريقيا: لقد تظاهر الجميع ضدي، ولكن لا بأس يا سيدي، إنها ليست هزيمتي، وإنما هي هزيمة الرجل الأبيض!
    م. كادو كيدا: احذر أن تحقد علي، فإني وقفت على الحياد فلم أصوت لا معك ولا ضدك، إنني أحب الوقوف على الحياد دائماً.
    م.ج. أفريقيا: وما منعك أن تقترع في صالحي؟.
    م. كادو كيدا: قلت لك إنني أحب الحياد يا سيدي جندر.
    (يدور مندوب أفريقيا على عقبيه في حركة عسكرية)
    م. كادوا كيدا: أعوذ بالله! ما هذا؟ (يتقهقر والخوف باد في عينيه)
    م.ج. أفريقيا: ماذا حدث؟ مالي أراك تتقهقر عني وتنظر إلي هكذا؟ ماذا تظنني؟
    م. كادو كيدا: لا شيء.. لا شيء ابتعد عني! دعني امض لشأني!
    م. ج. أفريقيا: (يأخذ بتلابيبه) كلا.. لا أدعك تذهب، هذا سوء أدب منك أن تقطع الحديث معي على هذه الصورة.. لو كنت ملونا لعذرتك، ولكنك أبيض مع الأسف.
    م. كاو كيدا: (يصيح) أيها الناس خلصوني من هذا المجنون!
    م.ج. أفريقيا: مجنون! أأنا مجنون يا وقح؟
    م. كادو كيدا: لا ريب في ذلك أدعوك باسمك فتدور لي على عقبيك كأنما نحن في ميدان استعراض عسكري! يظهر لي أن الدولة التي بعثتك مندوباً عنها لا تفهم أن هذا مجلس أمن وسلام، لا مجال حرب وخصام!
    (يتجمع مندوبو الدول حولهما ليروا ما يحدث)
    المندوب البريطاني: ما بالكما تتشاجران؟
    م. أفريقيا: إن هذا كان يحادثني فقطع حديثه معي فجأة وبصورة وقحة فماذا يظنني هذا الأبله؟
    م. كادو كيدا: ماذا أصنع بالحديث معه إذا كان يدور على عقبيه كلما دعوته باسمه؟
    م. ج. أفريقيا: هذا كذب محض. فهو لم يدعني باسمي كما زعم، وإنما قال لي: (خلفا در) فدرت.
    م. كادو كيدا: عجباً.. أليس هذا اسمك؟
    م.ج. أفريقيا: من قال لك إن هذا هو اسمي؟
    م. كادو كيدا: هكذا سمعت هنا.
    م. ج. أفريقيا: ممن سمعت هذا؟
    م. كادو كيدا: لا أدري على التحديد ممن.. من كل من لقيته هنا.. فما اسمك إذن؟
    م.ج. أفريقيا: ويلك أتجهل اسمي؟ لا يوحد أحد في الدنيا يجهل اسمي.
    م. كادو كيدا: ما أعرف لك اسماً غير هذا خلفاً در.
    (يهم م. ج. أفريقيا أن يدور، ولكن المندوب البريطاني يمسك بكتفيه ويمنعه من الدوران)
    م. كادو كيدا: أرأيتم الآن بعيونكم أيها السادة كيف أراد أن يدور لما دعوته باسمه؟
    (يضحك المندوبون جميعاً)
    م.ج. أفريقيا: قد قلت لك إن هذا ليس باسمي
    م. كادو كيدا: فقل لي ما اسمك إذن؟
    م.ج. أفريقيا: لا أحد يجهلني يا غبي! أنا شيخ الإمبراطورية البريطانية! أنا مستشارها الأكبر لا يقضى لها أمر دوني! (يلتفت إلى المندوب البريطاني) أليس كذلك يا مستر ويركر؟
    المندوب البريطاني: ليس في ذلك شك.. إن ما قلته صحيح يا مسيو جندوالا.
    م. كادو كيدا: ليكن هذا صحيحاً، فهل يمنع هذا أن يكون اسمه خلفادر، أليست لكم أسماء غريبة مثل بلاك دوج وهادلستون وسمطس وتشرشل؟ فلماذا يستنكف هذا الشخص من حمل اسمه الحقيقي؟ إن اسمه على كل حال لأقل شناعة من هذه الأسماء التي ذكرتها!
    المندوب البريطاني: ولكن هذا ليس باسمه، فما الذي يجعلك تصر على أنه اسمه؟
    م. كادو كيدا: فلماذا يدور على عقبيه إذا دعي به؟
    المندوب البريطاني: كأنك يا مسيو جندوالا لا تعرف معنى هذا اللفظ.
    م. كادو كيدا: كلا لا أعرف معنى شرشل أو سمطس أو هادلتسون. أيجب علي أن أفهم معاني هذه الأسماء السمجة كلها؟
    المندوب البريطاني: لا لا يضرك أن تجهل معاني هذه الأسماء بالطبع، ولكن يجب عليك أن تفهم معنى خلفادر.
    م. كادو كيدا: عجباً. ماذا يهمني أنا إن أعرف معنى هذا اللفظ؟ حسبي أن أعرف أنه علم أو لقب لهذا الشخص.
    م.ج. أفريقيا: أسمعت كيف يسخر بي هذا المندوب الحقير!
    المندوب البريطاني: للمسيو _جندوالا) كلا ليس علماً ولا لقباً له. ولكن معنى هذا اللفظ أمر بالدوران إلى الخلف.
    م. كادو كيدا: ها. فهمت الآن السر في دورانه. ولكن لماذا يدور تبعاً لأمري؟ هل قال له أحد إنني مدربه العسكري أو قائد صفه؟
    م.ج. أفريقيا: أرأيت يا مستر ويركر إلى وقاحة هذا الرجل؟
    المندوب البريطاني: (يهدئه) لا تغضب... سأشرح للمسيو جندوالا المسألة. (للمسيو جندوالا) إن المندوب المحترم قد ربي تربية عسكرية صارمة، فهو لذلك لا يستطيع أن يسمع هذه الكلمة دون أن يدور خضوعاً للأمر بحكم العادة.. أفهمت الآن يا مسيو جندوالا؟
    م. كادو كيدا: هذا شيء عجيب!
    م.ج. أفريقيا: بالطبع أنا شيء عجيب أنني لست رجلاً عادياً.. إنني رجل عبقري اشرح له معنى العبقرية يا مستر ويركر.
    م. كادو كيدا: لست بحاجة إلى من يشرح معناها لي. الآن أدركت صحة ما يقال إن العبقرية والجنون ليس بينهما فارق كبير!
    المندوب البريطاني: كلا يا مسيو جندوالا.. هذه عبقرية عاقلة. عبقرية في السياسة وفي الفلسفة.. إنك الآن أمام فيلسوف كبير!
    م. كادو كيدا: إن يكن هذا فيلسوفاً فلا بد أنه من أولئك الفلاسفة ال... اوه... نسيت اسمهم الآن.. الفلاسفة الـ.. إن اسمهم على طرف لساني لقد قرأت عنهم كثيراً في المدرسة ولكن غاب عني اسمهم الآن.. ألا تذكره أنت يا مسيو ويركر؟
    المندوب البريطاني: لا أدري أي الفلاسفة تعني؟
    م. كادو كيدا: أولئك الذين ظهروا قبل سقراط.
    المندوب البريطاني: ظهر قبل سقراط فلاسفة كثيرون فأيهم تعني؟
    م. كادو كيدا: أولئك الذين يتجرون بالحكمة ويموهون الحقائق و..
    المندوب البريطاني: ها:: لعلك تعني السوفسطائيين.
    م. كادو كيدا: بورك فيك! لقد ذكرتني باسمهم.. أجل، هم السوفسطائيون.. السوفسطائيون.. السوفسطائيون.. لن أنساهم أبداً بعد ما رأيت بعيني واحداً منهم اليوم.
    م. ج. أفريقيا: (مغضباً) أتعين هذه السفيه على مستر ويركر؟
    المندوب البريطاني: معاذ الله أن أعينه عليك.
    م. ج. أفريقيا: ألم تذكر له اسم السوفسطائيين؟ أسوفسطائي أنا؟
    المندوب البريطاني: عفواً أنا لم أقل قط إنك سوفسطائي.
    م. كادو كيدا: أما أنا فلاشك عندي أن هذا منهم، يظهر لي أن مؤرخي الفلسفة كانوا مخطئين حين زعموا أن سقراط قد قضى عليهم جميعاً! إلى اللقاء يا مستر ويركر.. إنني أخشى العدوى! (ينصرف)
    م. ج. أفريقيا: كيف تركته يفلت من يدي؟ كان علينا أن نحطم له ضلوعه!
    المندوب البريطاني: (يتنحى به بعيداً عن المندوبين الذين يغالبون الضحك) كلا هذا لا يسوغ فعله هنا. ماذا يقول الناس عنك يا سيدي إن فعلت ذلك؟
    م. ج. أفريقيا: هل بقي لي ما أخاف عليه بعد هذه الهزيمة التي أوقعتموها بي الليلة؟ وأمام من؟ أمام تلك المندوبة الملونة!
    المندوب البريطاني: هون عليك سيعود إليك اعتبارك.
    م. ج. أفريقيا: كلا.. لا سبيل إلى ذلك لقد قضي الأمر.
    المندوب البريطاني: بل السبيل ممهد أمامنا.. سنزور إحدى البلاد الصديقة ونقيم لك فيها دعاية عريضة.
    م. ج. أفريقيا: ماذا أصنع في تلك البلاد؟
    المندوب البريطاني: ستخطب في برلمانها فيدوي اسمك في العالم!
    م. ج. أفريقيا: وسيعرف مندوب كادو كيدا ذلك الأبله حينئذ من أنا!
    (ستار)

    تعليق

    • السعيد ابراهيم الفقي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 24-03-2012
      • 8288

      #3
      الطابور الخامس*

      بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
      في قاعة محكمة الجنايات- تزدحم القاعة بجمهور كبير من النظارة- المتهم في قفص الاتهام وشهود الإثبات وشهود النفي في أماكنهم من الصفوف الأولى عقب افتتاح الجلسة بقليل وبعد أن فرغ كاتب الجلسة من تلاوة قرار الاتهام.
      (ستار)

      تعليق

      • السعيد ابراهيم الفقي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 24-03-2012
        • 8288

        #4
        الملك باروخ الأول

        *

        بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
        المنظر - حجرة النوم في القصر الأبيض
        الوقت – عند منتصف الليل
        "الرئيس وزوجته"
        الرئيس: ليلتك سعيدة يا عزيزتي، يجب أن آوي إلى فراشي الآن لأنهض مبكراً صباح الغد فقد وعدني المستر برنار باروخ بالزيارة في الصباح الباكر.
        الزوجة: كأنك لا تبكر بالنوم إلا من أجل المستر باروخ هذا؟
        الرئيس: نعم.. يجب أن تعلمي أن مشيئته لا ترد في هذه البلاد
        الزوجة: لكنك رئيس البلاد وعليه أن يحترم راحتك فليس الصباح الباكر بوقت زيارة.
        الرئيس: أنا حقاً رئيس البلاد ولكنه هو ملكها غير المتوج.
        الزوجة: هذا ذنبك أنت. كان عليك أن تقفه عند حده من أول الأمر وتفهمه أن البيت الأبيض له حرمته وتقاليده فلا يجوز لأحد أن يقتحمه بغير إذنك، وأنت الذي تحدد ميعاد الزيارة لمن يريد زيارتك.
        الرئيس: لا سبيل لذلك يا عزيزتي فقد كانوا يفعلون هذا مع سلفي.
        الزوجة: وما شأنك بسلفك؟ أو تريد أن تكون هزؤا مثله؟
        الرئيس: لا يا عزيزتي لن أفرط في كرامتي مثله.
        الزوجة: فكيف تدع هذا اليهودي يملي عليك إرادته ويختار هو موعد الزيارة كما يشتهيه؟
        الرئيس: هذا يعني بالنسبة إلى ما كان يصنع مع هاري ترومان فقد كان يطرقه أحياناً بالليل.
        الزوجة: بالليل؟
        الرئيس: نعم.. كان كثيراً ما يزعجه من فوق ليكلمه في شأن من شؤون دولة الدول.
        الزوجة: دولة الدول؟
        الرئيس: إسرائيل.. هكذا يزعم هؤلاء إنها ستكون في المستقبل.
        الزوجة: والولايات المتحدة ترضى بذلك؟
        الرئيس: ترضى أو لا ترضى ماذا يهمهم؟ هذه إرادتهم وإرادتهم نافذة على رغم الجميع.
        الزوجة: هذه أوهام وأحلام.
        الرئيس: هم يعدونها حقائق. لقد كان وطنهم القومي حلماً فتحقق ثم كانت الدولة اليهودية حلماً فتحققت أيضاً فماذا يمنع من تحقيق حلمهم الأكبر: أن تكون إسرائيل دولة على العالم كله فيها ملك الملوك نسل داود؟
        الزوجة: أجل لا يبعد أن يصلوا إلى تحقيق حلمهم هذا ما دام فرد منهم يستطيع أن يبدي رغبته في زيارة رئيس البلاد فلا يجرؤ رئيس البلاد حتى على أن يقترح الوقت المناسب للزيارة.
        الرئيس: الصباح الباكر على كل حال أهون من نصف الليل.
        الزوجة: غداً يطرقك ليلاً ويزعجك من نومك.
        الرئيس: إذن فسيكون لي معه شأن آخر.
        "تظهر الخادمة ميري على الباب"
        ميري: بالبهو يا سيدي المسز روزفلت!
        الزوجان: المسز روزفلت؟
        ميري: نعم
        الزوجة: هذه قد طلبتك الليلة مرتين في التليفون فأخبرتها إنك متوعك وإن الطبيب أوصاك بلزوم الراحة التامة.
        الرئيس: فهل حضرت لتعالجني في نصف الليل؟
        ميري: قالت لي إن لديها موعداً عندك.
        الرئيس: موعد أي موعد؟
        ميري: ماذا تأمر يا سيدي؟ أأصرفها.
        الرئيس: كلا.. لا قبل لي بذلك. غداً تثير الدنيا علي!
        ميري: أأدخلها هنا أم تخرج إليها؟
        الزوجة: بل دعها يا عزيزي تدخل هنا لتراك راقداً على فراشك لعلها تخجل من مسلكها هذا في إزعاجك، اضجع على فراشك وأرها أنك مريض حقاً "تدثره بالغطاء".
        الرئيس: أجل.. أدخليها يا ميري!
        "تخرج ميري". ماذا تريد هذه العجوز؟ لا ريب أنها قد خرفت
        الزوجة: لعلها حنت إلى البيت الأبيض لتستعيد ذكرياتها فيه! هل تأذن لي يا عزيزي أن انسحب فأنا أخشى أن...
        الرئيس: أجل أجل آوي أنت إلى حجرتك خيراً لك.
        "تخرج الزوجة"
        اليانور: "يسمع صوتها مقبلة" هذه حجرة النوم.. أيريد أن يستقبلني في حجرة النوم؟
        الرئيس: ادخلي يا مسز روزفلت.
        اليانور: "تدخل" أجل لا بأس أن أدخل.. هذه كانت حجرة نومي على كل حال فكأني أنا في بيتي.. أليس كذلك يا سيدي الرئيس؟
        الرئيس: صدقت صدقت. تفضلي يا مسز روزفلت.
        اليانور: "تجلس" شكراً.. شكراً.. أوه من كان يظن منذ عشر سنين أنني سأدخل هذه الحجرة بالليل زائرة! "تتأمل الحجرة" عجباً هي كما تركتها لم يتغير فيها شيء. حتى جلوسك هكذا على الفراش يذكرني بجلوس زوجي عليه!
        الرئيس: أحقاً يا مسز روزفلت؟
        اليانور: نعم نعم ولولا شدة شعوري بالحقيقة المرة لحسبتك الآن فرانكلين نفسه! أين السيدة الأولى؟ أين زوجتك؟
        الرئيس: ترى ما الذي جاء بك الآن بعد منتصف الليل مسز روزفلت؟ أرجو أن يكون خيراً.
        اليانور: المستر برنار باروخ هو الذي اقترح هذا الميعاد.
        الرئيس: المستر باروخ؟
        اليانور: نعم.. ظننت أنني سأجده قد وصل هنا قبلي. ألم يخطرك بأنه سيزورك؟
        الرئيس: أخطرني بأنه سيزورني صباح الغد؟
        اليانور: صحيح. لكن بدا له فرأى أن يزورك الليلة.. الساعة.. لا بد انه الساعة في طريقه إلينا.
        الرئيس: كان عليه أن يخطرني بتغيير الموعد.
        اليانور: اعذره على كل حال.. مشاغله كثيرة كما تعرف.
        الرئيس: ألم يجد وقتاً آخر أنسب للزيارة من نصف الليل؟
        اليانور: هذا وقت يضمن وجودك فيه مائة في المائة. إنه حريص على وقته كما تعلم لا يضيع منه دقيقة واحدة.
        الرئيس: لكني متوعك المزاج وقد أمرني الطبيب بالراحة التامة.
        اليانور: ستبقى في فراشك هكذا على أتم راحة، إني واثقة إنه سيعذرك ويعفيك من واجب الاحتفاء بمقدمه. إنه رجل لا يهتم كثيراً بالمجاملات.
        "تظهر ميري الخاصة على الباب"
        ميري: سيدي.. سيدي الرئيس.. هذا المستر برنار باروخ يطلب مقابلتك.
        اليانور: ابق في مكانك.. سأنوب عنك في استقباله وأعتذر لك إليه.
        "تنهض فتخرج منطلقة"
        "تظهر الزوجة من باب حجرتها"
        الزوجة: يا للصفاقة والوقاحة! ما هذا؟ هذا شيء لا يطاق.
        الرئيس: ماذا أصنع يا عزيزتي؟
        الزوجة: لو كنت مكانك لطردتها وطردت صاحبها اليهودي الصفيق!
        باروخ: مساء الخير يا سيدي الرئيس.
        الرئيس: مرحبا بك يا مستر باروخ.. تفضل.. لا تؤاخذني...
        اليانور: ابق مستريحاً كما أنت يا سيدي. قد تفضل المستر باروخ فقبل عذرك.
        باروخ: ترى سيدي الرئيس مريض حقاً أم يتمارض ليتملص من خدمة شعب الله المختار؟
        الرئيس: أؤكد لك يا مستر باروخ أنني حقاً متعب مرهق.
        باروخ: الذنب على كل حال ذنب وزير خارجيتك. لو لم يناقشني فيما اقترحته عليه لما أزعجناك الآن.
        الرئيس: بخصوص العون الاقتصادي؟
        باروخ: نعم يجب أن يصدر الساعة بيان يعلن في العالم بأن الحكومة الأمريكية قد قررت استئناف تقديم عونها الاقتصادي لإسرائيل.
        الرئيس: لكن ذلك مستحيل يا مستر باروخ.
        باروخ: ماذا تقول. مستحيل؟
        الرئيس: أعني الآن على الأقل.
        باروخ: عليك أن تعلم يا سيدي الرئيس أن كلمة مستحيل إن كانت موجودة في القاموس الأمريكي فإنها لا وجود لها في قاموس الشعب المختار!
        الرئيس: يجب أن تقبل ظروفنا الدقيقة يا مستر باروخ.
        باروخ: الظروف الدقيقة هذه أيضاً لا معنى لها عند الشعب المختار.
        الرئيس: هل نسيت يا مستر باروخ أننا كنا قد اتفقنا معكم على أن نعلن قطع العون الاقتصادي عن إسرائيل لنستميل لذلك قلوب العرب إلينا قليلاً ونزيل من نفوسهم تلك المرارة التي يشعرون فيها نحو أمريكا لاعتقادهم أنها تحابي إسرائيل دائماً دونهم؟
        باروخ: كلا ما نسيت ذلك ولكنا اتفقنا أيضاً على أن نؤكد لإسرائيل في الوقت نفسه بأن هذا القطع لن يدوم إلا ريثما يحدث أثره المطلوب في العرب وفي غيرهم من دول هيئة الأمم.
        الرئيس: أجل فلننتظر قليلاً حتى يحدث هذا الأثر المطلوب.
        باروخ: إن الأثر المطلوب قد حدث فعلاً فوجب إعلان استئناف العون في الحال.
        اليانور: الواقع يا سيدي الرئيس إن استمالة قلوب العرب لم تكن تعنينا في قليل أو كثير. بل كان غرضنا الأول من ذلك أن نستدر عطف اليهود في هذه البلاد أيضاً ليضاعفوا تبرعاتهم لصندوق الجباية الإسرائيلي حتى يسدوا العجز الذي سينتج من قطع العون الاقتصادي عن إسرائيل.
        الرئيس: صدقت يا مسز روزفلت فلننتظر إذن حتى يجمع صندوق الجباية
        باروخ:
        الرئيس: يجب على حكومة إسرائيل أن تقنعهم بحقيقة الأمر.
        باروخ: لم يعد في وسع الحكومة إقناعهم بذلك.
        اليانور: أجل قد وصلتني رسائل خاصة من إسرائيل بأن حكومة بنجوريون لن تستطيع الصمود طويلاً أمام سخط الشعب الإسرائيلي وتذمره من هذا القرار الجائر فلا بد من إعلان استئناف العون حالاً.
        الرئيس: يجب على إسرائيل إذن أن تتعهد لهيئة الأمم بأنها ستقف أعمالها في تحويل مجرى نهر الأردن.
        باروخ: لماذا؟
        الرئيس: لنحفظ اعتبارنا أمام دول العالم. لا يصح أن ترتبط حكومة الولايات المتحدة بقرارها هذا الذي أعلنته للعالم ثم تلغيه بمثل هذه السرعة مع بقاء السبب الذي دعاها إلى اتخاذ ذلك القرار.
        باروخ: حسنا.. سآمر مندوب إٍسرائيل بأن يعلن غداً في هيئة الأمم أن حكومته قد قبلت وقف أعمالها في تحويل مجرى الأردن ريثما تفصل الهيئة في هذه المسألة. ماذا تريد بعد؟
        الرئيس: لا شيء.
        باروخ: يكفيك هذا؟
        الرئيس: نعم.
        باروخ "يناوله بياناً مكتوباً": وقع إذن على هذا البيان!
        الرئيس "يتصفح البيان": فيم هذا العجلة؟ سآمر أنا بإعداد بياني غداً في المكتب.
        باروخ: البيان الذي سيعده مكتبك لن يكون خيراً من هذا الذي أعددته بنفسي لك.
        الرئيس: لكن..
        باروخ: لا داعي إلى إضاعة الوقت في الجدال.. تذكر يا سيدي الرئيس أني الآن متعب وينبغي أن أنصرف لأخذ قسطي من الراحة.
        الرئيس: لكن مندوب إسرائيل لم يعلن التعهد المطلوب من حكومته بعد.
        باروخ: قد قلت لك إنني سآمره بذلك أفتشك بصدق كلمتي؟
        الرئيس: ربما يمتنع المندوب عن ذلك.
        باروخ: يمتنع؟!
        اليانور: يمتنع؟ هل يقدر أحد في الدنيا أن يعصي أمر المستر برنار باروخ؟
        باروخ: أجل.. أفهميه يا مسز روزفلت. إنه جديد في المهنة.
        اليانور: المستر باروخ لو شاء أن يحول مجرى نهر المسيسبي لفعل!
        الرئيس "ضاحكاً": نهر المسيسبي.
        اليانور: نعم ونهر الدانوب أيضاً ونهر النيل ونهر الجانج وسائر أنها الدنيا كلها. هذا يا سيدي الرئيس ملك الملوك!
        الرئيس: ملك الملوك؟!
        اليانور: أجل.. ملك الملوك!
        باروخ: صه.. يا مسز روزفلت، لم يئن أوان ذلك بعد.
        باروخ: صه.. يا مسز روزفلت، ألا ينبغي أن تكشفي هذا السر؟
        اليانور: دعه يعلم كل شيء. الاتحاد السوفييتي أيضاً يخضع في الحقيقة لسلطان المستر باروخ فالعالم كله يخضع له!
        الرئيس "في سخرية خفيفة": يا ريتك يا مسز روزفلت شرحت لي ذلك من قبل إذن لأطعت أمره دون تردد.
        اليانور: فأطع الآن أمره فقد أمرك
        الرئيس: التوقيع على هذا البيان؟
        اليانور: نعم.
        الرئيس: خذي.. هأنذا وقعته فهل لكما أن تبرحاني لأنام؟
        باروخ: أنا أحوج إلى النوم منك "ينهض" لقد ضاع وقتي الثمين في مناقشات فارغة. هيا بنا يا مسز روزفلت!
        اليانور: هيا بنا
        باروخ: لا تعجل. عندي بعد كلمة صغيرة يجب أن أقولها لك تبياناً للحقيقة الواقعة.
        الرئيس: ماذا تريد أن تقول بعد؟
        باروخ: لعلك تظن الآن أني رضخت لإشارتك إذ وعدتك بأن مندوب إٍسرائيل سيعلن موافقة حكوته على وقف أعمالها في تحويل مجرى الأردن.. هه؟
        الرئيس: ماذا تقول؟ أتريد أن تخل بوعدك؟
        باروخ: كلا ليس مثلي من يخل بوعده.
        الرئيس: إذن فماذا تقصد؟
        باروخ: ليكن معلوماً عندك أن أعمال التحويل قد انتهت منذ اليوم.. هلم بنا يا اليانور!!
        اليانور: هلم بنا يا برنار! "يخرجان"




        تعليق

        • السعيد ابراهيم الفقي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 24-03-2012
          • 8288

          #5
          جلسة مع الشيطان *

          بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
          -1-
          مكتب وزير الخارجية يداوننج ستريت رقم 1.
          (يظهر المستر بيفن واقفاً إلى جانب مكتبه وفي يده صورة)
          بيفن: التمس العفو يا شقي! إن أمامك فرصة للنجاة من الشنق.. لا تحرجني بتشددك هذا وعنادك. أمصر أنت على الرفض؟ إذن فلأمزقنك شر ممزق!
          (يمزق الصورة بغيظ شديد)
          (يدخل كريتش جونز وزير المستعمرات)
          جونز: ماذا تصنع يا مستر بيفن؟ من ذا كنت تخاطب؟
          بيفن (يمسح جبينه) لا شيء... لا أحد (يضع قصاصات الصورة على طرف المكتب)
          جونز: أراك متعباً يا عزيزي.. هل تشكو شيئاً؟
          بيفن: لا.. لا شيء
          جونز: ما هذه؟ هل لي أن أراها؟
          بيفن: افعل إن شئت.
          جونز: (يتناول المزق وينظر فيها) صورة دوف جرونر!
          بيفن: أجل.. صورة الشقي العين.
          جونز: ما أجرأك! ألا تخشى أن يراك أحد تصنع هذا، فتزداد الأمور تعقداً عليك؟
          بيفن: ماذا تريد أن تصنع بهذه الصورة الممزقة؟
          جونز: سأخفيها حتى لا يراها أحد.
          بيفن: يا للأيام! لقد عشنا حتى رأينا يهودياً قذراً يتحدى الإمبراطورية البريطانية فنخشى غضب أمريكا من أجله تفضل يا مستر جونز (يجلس).
          جونز: (يجلس على كرسي أمامه) وماذا ينفع تمزيق صورته يا مستر بيفن؟ إن علينا أن نحل مشكلته.
          بيفن: كيف؟
          جونز: لم لا نصدر الحكم عليه بالسجن بدلاً من الإعدام؟
          بيفن: ولكن الحكم قد صدر عليه بالإعدام، وقد عين موعد تنفيذه، ولا سبيل للتراجع عن ذلك من قبلنا نحن وإلا ضاعت هيبة الإمبراطورية.
          جونز: أعتقد أن الحكومة الفلسطينية قد شرعت في إصدار هذا الحكم.
          بيفن: أنت المسؤول عن ذلك إذا خولت المندوب السامي هذه السلطة.
          جونز: ما كنت أظن بأنه سيسيء استعمالها إلى هذا الحد.
          بيفن: لا سبيل لك على الرجل، فإنه ما أساء استعمالها، إذ كان في تقديره أن الشقي سيقدم التماس العفو من مجلس الملك.
          جونز: لقد تبين الآن أنه أخطأ في التقدير.
          بيفن: لا لوم عليه في هذا، وإنما اللوم على الشقي وعلى الذين يشجعونه على المضي في عناده بالجانب الآخر من الأطلنطي.
          جونز: علينا اليوم أن نحل المشكلة بطريقة عملية، أما تحديد المسئولية فلندع ذلك إلى وقت آخر.
          بيفن: ما الطريقة العملية التي تقترحها؟
          جونز: نؤجل الحكم إلى أجل غير مسمى.
          بيفن: افعل ما تشاء، فقد ضقت ذرعاً بهذه المشكلة. على أن تتحمل أنت المسئولية.
          جونز: (يناوله رسالة مختومة) هذه رسالة.
          بيفن: من المستر ترومان طبعاً.
          جونز: نعم من الرئيس ترومان.
          بيفن: (يأخذها فيضعها على المكتب) ما أكثر رسائله!
          جونز: ألا تقرؤها؟
          بيفن: أعرف ماذا فيها، فلا داعي لقراءتها. لقد جاءتني منه خمس عشرة رسالة منذ قبض على دوف جرونر. أما لهذا الرئيس من عمل آخر غير الاهتمام بهذا المجرم؟
          جونز: هو معذور بعض العذر، فإنكم لم تجيبوه إلى طلبه حتى الآن فيما يتعلق بإدخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين بعد ما ارتبط هو بتلك التصريحات.
          بيفن: هل ترك حملة التصريحات ليبدأ حملة الرسائل الخاصة؟
          جونز: ما منعه من موالاة التصريحات العلنية إلا رغبته في مجاملة العرب حتى لا تتأثر مصالح أمريكا البترولية.
          بيفن: أيبغي هو إرضاء العرب وإرضاء اليهود على حسابنا؟
          جونز: لماذا لا نرضيه ونرضي اليهود معاً على حساب العرب؟
          بيفن: ما يمنعني أن أفعل ذلك على حساب العرب إلا خوفي أن ينقلب ذلك على حسابنا في نهاية الأمر.
          جونز: إنك تبالغ في أهمية هؤلاء العرب. صدقني أنه لا خطر منهم على الإطلاق.
          بيفن: لا أستطيع أن أقتنع برأيك هذا، بل أرى أن البركان العربي سينفجر وشيكاً، وسيكون انفجاره في هذه المرة عاماً مدمراً لا يبقى ولا يذر.
          جونز: إن ترددنا الطويل هو الذي سيسبب هذا الانفجار، فعلينا أن نفاجئهم بخطة حاسمة، ونضعهم أمام الأمر الواقع بتنفيذ سياسة التقسيم وإنشاء الدولة اليهودية في قسم كبير يرضي أماني الصهيونيين، وأنا كفيل لك بأن الإرهاب اليهودي سيكون سلاحاً في أيدينا ضد كل ثورة يقوم بها العرب.
          بيفن: إن كان تردننا الطويل هو المسؤول، فلم لا نحسم الأمر على طريق أخرى أقرب إلى روح العدل ومراعاة المبادئ الديمقراطية؟
          جونز: ماذا تعني.
          بيفن: أن نضع اليهود أمام الأمر الواقع.
          جونز: كأنك تريد تنفيذ المشروع العربي؟
          بيفن: لو سميت الأشياء بأسمائها الحقيقية لما أطلق اسم المشروع العربي على مثل هذا المشروع فقد كان الصهيونيون قبل عشرين سنة لا يطمعون في نصف هذا أو ثلثه. فما أجدره أن يطلق عليه اسم المشروع الصهيوني لولا تسامح العرب وجشع اليهود وتردد البريطانيين الذي تشكون منه الساعة.
          جونز: وماذا تصنع بالإرهاب اليهودي؟
          بيفن: سنقضي عليه في أسبوع واحد.
          جونز: لا تظن القضاء عليه سيتم بمثل هذا اليسر. فالإرهاب اليهودي لا تقوم به جماعة شتيرن وأرجون زفاي ليومى وحدهما، بل يشترك فيه الشعب اليهودي بأسره فانظر كم يكلفنا ذلك من الأرواح والأموال؟
          بيفن: لن نخسر كثيراً إذا استعنا في ذلك بأيدي العرب أصحاب البلاد. إذن لرأيت هؤلاء الذين يملئون الدنيا علينا صياحاً وجلبة يركعون على أقدامنا ويتخذون منها مبكى لهم ثانياً!
          جونز: وأمريكا.. أنسيت أمريكا؟
          بيفن: ما شأن أمريكا بهذا إلا كشأن أية دولة أخرى أجنبية.
          جونز: تذكر أن هذا هو عين ما يقوله العرب.
          بيفن: وما ينبغي أن تقوله بريطانيا لولا أن أمرها قد خرج من يدها!
          جونز: ولكنكم أنتم الذين سعيتم لإشراك أمريكا في القضية.
          بيفن: أجل، كانت هذه زلة منا. لقد أردنا أن نورطها، فإذا هي التي ورطتنا. أردنا أن نفيد منها فإذا هي التي أفادت منا.
          جونز: أراك تتكلم اليوم كما لو كنت فارس الخوري أو جمال الحسيني!
          بيفن: مما يفجعني أسفاً أن يقف هذان موقفاً أحرص على مصلحة بريطانيا ومستقبلها منا نحن البريطانيين.
          جونز: لن يرضى أحد عن ميلك هذا لانصاف العرب وظلم الصهيونيين.
          بيفن: اطمئن يا صديقي على أحبابك الصهيونيين، فليس في وسعي أن أنصف العرب ولو أردت ذلك. أما الصهيونيون فلن يقع عليهم أي ظلم حتى ولو طردوا جميعاً من فلسطين التي أدخلناهم إليها بقوة الحراب!
          جونز: هذا كلام يقلب سياسة بريطانيا رأساً على عقب.
          بيفن: لن يخرج كلامي هذا على كل حال إلى حيز الفعل. أما سياستنا الفعلية فلن تقلب سياسة بريطانيا رأساً على عقب، بل قد تهدم بريطانيا ذاتها من القواعد!
          جونز: ما هذا التشاؤم مستر بيفن؟
          بيفن: كل من يعرفني يعرف أن التشاؤم ليس من خلقي ولكن كيف لي بالتفاؤل إذا كنت لا ألقى أحداً من الساسة البريطانيين تذكر له قضية فلسطين إلا كانت مصلحة الصهيونية أقرب إلى قلبه من مصلحة دولته؟ لقد كان معقولاً أن نؤيد الصهيونية لنسخرها في تأييد مصالحنا وتوطيد نفوذنا في الشرق الأوسط. أما أن نسخر بريطانيا في خدمة الصهيونية حتى نؤثر مصلحة هذه على مصلحة دولتنا، فهذا قلب للوضع. إن الضغط الصهيوني أصبح لا يطاق!
          جونز: إنك تبالغ في تجسيم هذا الضغط.
          بيفن: كلا، فهأنذا أتنفس الضغط الصهيوني كالهواء يحيط بي من كل جانب. إنني أشعر به من المستر تشرشل وحزبه، ومن حزب الأحرار، بل من حزبنا نحن.. بل منك يا وزير المستعمرات ومن سائر زملائك الوزراء أنتم جميعاً صهيونيون، وتركتموني أحاول وحدي أن أبقى بريطانيا دون أن أغضب السادة اليهود!
          جونز: هذه إهانة منك لو سمعها غيري لاحتج عليك!
          بيفن: ما أحسب أحداً منهم تبلغ به الوقاحة أن ينكر عليَّ قول الحق إلا أن يكون المستر كروسمان وجماعته!
          جونز: إذا طرحت الخصومة الشخصية جانباً فلن نستطيع أن تقول إن هؤلاء كانوا مجردين من الغيرة القومية حين هاجموا سياستك في التقرب الشديد إلى أميركا ضد الاتحاد السوفياتي أفتجعل أن ذلك أيضاً من أثر الضغط الصهيوني؟
          بيفن: نعم.. ما حمل كروسمان على هذا إلا الدافع الصهيوني.
          جونز: لقد شططت كثيراً يا مستر بيفن، فلو صح منطقك لكان كروسمان أجدر بالميل إلى أمريكا نصيرة الصهيونيين منه إلى الاتحاد السوفياتي.
          بيفن: كلا. إنه قد ضمن ولاء أمريكا للصهيونيين، فلن يتغير موقفها منهم مهما كان موقفه وموقف جماعته منها، ولكنه أراد بهذه المظاهرة أن ينال تأييد الاتحاد السوفياتي للقضية الصهيونية التي تهمه قبل أي شيء آخر.
          جونز: هل تعتقد حقاً أنني صهيوني أكثر مني بريطانياً؟
          بيفن: لست بدعاً في ذلك على كل حال.
          جونز: إني أحتج على هذا الاتهام.
          بيفن: لا تحتج على شيء يسترك أن يعرفه عنك أصحابك الصهيونيون حين تكون بينهم قل لي أين قضيت ليلتك البارحة؟
          جونز: لاحق لك في الاعتراض على خصوصياتي.
          بيفن: هذا صحيح، ولكني أعرف أين قضيتها.
          جونز: أؤكد لك أني ما قضيتها مع بن جوريون ولا مع موسى شرنوك.
          بيفن: أجل لا بد أنهما تركاك وحدك مع البولنديات الفاتنات!
          جونز: هل تريدني أن أكون متزمتاً مثلك؟
          بيفن: لا تكن مثلي، ولكن لا تحتج علي.
          جونز (يبتسم): لا تنس بعد أنني وزير المستعمرات!!
          بيفن: أغلب ظني أن بولندا ليست من مستعمراتنا.
          جونز: آه! لو رأيتهن ما عز عليك أن تكون بلادنا من مستعمراتها.
          بيفن: أخوف ما أخافه أن تكون بلادنا مستعمرة لا لبولندا بل للهاربين منها!!
          جونز: الهاربون أشقاء الهاربات! (ينظر في ساعته) لقد آن لنا أن نذهب إلى المجمع.
          بيفن: أي مجمع؟
          جونز: كأول أمس.
          بيفن: ألا تعفونني اليوم من حضوره، فأني متعب وأريد أن استريح قليلاً قبل أن أحضر جلسة الليلة لمؤتمر فلسطين..
          جونز: يجب أن تشهد المجمع قبل أن تحضر جلسة المؤتمر. احتمل المشقة قليلاً لئلا تثير على نفسك سخط الأعضاء.
          بيفن: دع كروسمان وجماعته يسخطوا على ما شاءوا.
          جونز: سيحضر المستر تشرشل أيضاً.
          بيفن: دعه يحضر لست مشتاقاً لرؤية وجهه.
          جونز: كلا لا أدعك حتى تحضر فإني أخشى أن يتهموك بالتحيز ضد اليهود فتزيد المصاعب في وجهك.. أتوسل إليك إلا ما حضرت من أجلي أنا!
          بيفن (يتنهد): ليكن ما تريد.
          جونز: شكراً لك يا صديقي العزيز.
          بيفن: على أن تتحمل أنت المسؤولية؟
          -2-
          قبو كبير مضاء بالشموع تتوسطه منضدة جلس حولها أعضاء الوفد البريطاني لمؤتمر فلسطين، ومعهم عدد من الساسة البريطانيين يرى بينهم المستر تشرشل المستر كروسمان الذي يتصدر الحلقة.
          كروسمان: أيها السادة. سأبدأ الذكر الآن، وعليكم جميعاً أن ترددوه معي بخشوع ونظام. قولوا معي (بلهجة الذكر) أنا صهيوني. أنا صهيوني.
          الجميع (يرددون معه): أنا صهيوني. أنا صهيوني.
          (يتحمسون في الذكر وهم يتمايلون يمنة ويسرة)
          كروسمان: (يوقف الذكر فجأة ويلتفت إلى المستر بيفن) يؤسفني يا مستر بيفن أن يأتي النشوز من قبلك لقد لحظت أنك لا تقول الذكر على وجهه الصحيح.
          بيفن: بلى.. إني أقول كما تقولون.
          كروسمان: (يخفي امتعاضه ويستأنف الذكر) أنا صهيوني. أنا صهيوني.
          الجميع: (يتابعونه) أنا صهيوني. أنا صهيوني
          كروسمان: (يشير لمن عدا بيفن فينقطعون عن الذكر فجأة)..
          بيفن: أنا بري...
          كروسمان: ماذا تقول أنت من دون الآخرين؟
          بيفن (مسرعاً): يوني!
          كروسمان: ولكنك قلت: أنا بري هذا لا يستقيم مع يوني وإنما يستقيم مع طاني.
          بيفن: إنك مغرم بإحراجي يا مستر كروسمان، فقد سمعت مني يوني فكيف تتهمني بأني قلت شيئاً آخر وخالفت نص الذكر؟
          تشرشل: لن يكون للذكر تأثيره المطلوب إذا وقع فيه النشوز والاختلال، فعلى المستر بيفن إذا كان لا يرتاح لهذه الحلقة أن تكون لديه الشجاعة الكافية لرفض الحضور!
          بيفن: لو شئت لامتنعت عن الحضور دون أن أبالي بأحد.
          تشرشل: فما دفعك إلى الحضور؟ أليس خوفك أن يثور أعضاء حزبك عليك؟
          كروسمان: بالله عليكما لا تتراشقا بالكلام هنا. بل عليكما أن تحترما قداسة هذا المجمع.
          تشرشل: إنه لا يؤمن بقداسة هذا المجمع، وإنما حضر خوفاً منك.
          بيفن: لا تخف يا مستر تشرشل، فلن أنافسك في الحضور عند القوم؟
          كروسمان: كفى جدالاً! لا أسمح بمثل هذا هنا.
          جونز: هيا يا مستر كروسمان استأنف الذكر.
          كروسمان: قولوا بخشوع ونظام: أنا صهيوني.. أنا صهيوني،!
          الجميع: أنا صهيوني. أنا صهيوني.
          (يحمي وطيس الذكر، ويخفق الجمع برءوسهم يمنة ويسرة. ولكن كروسمان يشير أيضاً فيتوقفون فجأة)
          بيفن: (وحده) طاني!
          كروسمان (محتداً): هيه يا مستر بيفن. ما معنى طاني هذا؟ هل يستقيم هذا المقطع مع الذكر؟ لقد عفونا عنك في المرة الأولى إذ كنت تقول: أنا بر.. يوني فإذا أنت الآن تقول أنا صهـ طاني! ما هذا التلاعب بالذكر؟ أتتهمني بعد بأني أقصد إحراج مركزك؟
          بيفن: نعم. وإذا فلماذا دعوتني وأنا وزير خارجية دولة اسمها المعروف لدى الدول كلها بريطانيا العظمى لأشهد حلقة يردد فيها الذكر الصهيوني؟
          كروسمان: ما أحسبك تجهل أن هذه الدولة التي تسمى بريطانيا العظمى صهيونية في صميمها. ولولاها لما كان للصهيونية وجود.
          تشرشل: لعل وزير خارجيتكم يجهل هذه الحقيقة!
          بيفن: لا أجهل هذه الحقيقة، ولكني لا أرى فيها ما يدعونا إلى ممارسة هذه الحماقة التي تسمونها الذكر فماذا يقول الناس عنا إذا علموا بأمرها؟
          كروسمان: هذه حلقة ذكر خاصة بنا، فما لنا وللناس؟ إنها ليست للإذاعة، فلن يسمعها أحد غيرنا.
          بيفن: فما بال آلة التسجيل هذه؟
          تشرشل: ألم أقل لكم إن وزير خارجيتكم تنقصه الشجاعة الأدبية؟
          كروسمان: هذا التسجيل سيرسل لأصدقائنا اليهود، ولن يسمعه غيرهم، ثلاث نسخ من التسجيل لا غير، سترسل إحداها إلى الوكالة الفلسطينية والثانية للمجلس الصهيوني العام بأمريكا، والثالثة سنحتفظ بها عندنا عربوناً لإخلاصنا وولائنا.
          بيفن: وما فائدة هذا كله؟
          كروسمان: ألا تعرف ما فائدة هذا لدولتنا وحكومتنا؟
          تشرشل: إن وزير خارجيتكم يجهل أبسط القواعد السياسية لدولته.
          كروسمان: إننا سنكسب قلوب اليهود في العالم حين تسمع هذا آذانهم.
          بيفن: ليس اليهود من البلاهة بحيث يخدعهم مثل هذا الذكر الرخيص.
          كروسمان: أنا أعرف بهم منك، فهم لا يجهلون ما للإيحاء الذاتي من قوة تأثير.
          تشرشل: لا تكلفوا وزير خارجيتكم شططاً، فهو يجهل علم النفس الحديث كما يجهل اللغة الفرنسية!
          بيفن: قل هذا للشعب الذي أسقطك ورمى في وجهك البيض والطماطم!
          تشرشل: يظهر لي أنني إن مكثت هنا فسيحدث ما لا تحمد عقباه (ينهض لينصرف)
          كروسمان: ألا تبقى يا مستر تشرشل حتى يتم الذكر؟
          تشرشل: لا حاجة إلى حضور هذه الحلقة السرية، فقد جهرت بهذا الذكر منذ ثلاثين سنة، وإنما يحتاج إلى المواظبة على حضورها مثل وزير خارجيتكم هذا لقرب عهده بالحكم، وجهله بالقواعد الأساسية لسياسية بلاده.
          بيفن: كذبت يا عجوز السوء!
          تشرشل: لن أرد عليك بأكثر مما فضحت به نفسك أمام هؤلاء السادة بجهلك وخطئك. إن وزيراً بريطانيا يقول أنا صهطاني أو أنا بربيوني لجدير بأن يتعلم في حلقات الذكر أولاً قبل أن يلي وزارة الخارجية!
          (يخرج المستر تشرشل)
          كروسمان: يؤسفني أيها السادة أن يقع اللغط في مثل هذا الجمع الموقر، وأرجو أن تعتبروا ما كان كأن لم يكن، هيا بنا الآن نستأنف الذكر. أنا صهيوني.. أنا صهيوني..
          -3-
          في مجلس العموم البريطاني
          رئيس المجلس: ليتفضل جناب وزير الوقود فليلق بيانه.
          كروسمان: وزير الوقود! مالنا ولوزير الوقود الآن؟
          الرئيس: هكذا جدول المجلس.
          كروسمان: لسنا مقيدين بالجدول علينا أن نبدأ بأهم المسائل، عجباً لكم.. تقدمون أمثال هذه التوافه على المسائل الهامة!
          الرئيس: أي شيء أهم من هذه الكارثة التي تجتاح البلاد؟
          كروسمان: لا تعطوا المسالة فوق حقها من الاهتمام.. إن هي إلا بلاد باردة اشتد فيها البرد ونقص الوقود والكهرباء عليها فماذا في هذا؟ لقد عانى الشعب البريطاني في أيام الحرب ما هو أشد من هذا وأنكى، إذ كانت الغارات الألمانية تدمر المدن وتقطع السبل، فلم تتضعضع لهذا الشعب الأبي عزيمة ولم تلن له قناة فدعوا هذه المشكلة الهينة تمضي بسلام، وخذوا فيما هو أهم وأدعى للنظر.
          الرئيس: ما هو الشيء الأهم؟
          كروسمان: قضية اليهود المعلقة.. اليهود الذين لم يتسلم حزبنا كراسي الحكم إلا بفضل تأييدهم، وعلى أساس الوعود التي قطعناها لهم بمناصرة قضيتهم.
          بيفن: إن الحكومة لم تخل بوعودها لهم، وقد عقدت المؤتمرات، وأباحت استمرار الهجرة خلافاً لتعهدات الكتاب الأبيض وقدمت مشروع التقسيم، وكل هذا كان في صالح اليهود.
          كروسمان: كل هذا لا يكفي، فما قصاري المؤتمر الذي تعقدونه هنا إلا أن تعطوا العرب فرصة لإبداء آرائهم وتنوير الشعب البريطاني بقضيتهم. أما الهجرة التي أبحتم استمرارها فهجرة محدودة لا تسمن أو تغني من جوع. ولا فضل للحكومة فيها إذا كان ذلك نتيجة توصيات لجنة التحقيق المشتركة.
          بيفن: كيف تنكر فضل الحكومة في ذلك وقد اختارت معظم أعضاء اللجنة من المتحمسين للصهيونية؟ وحسبها أنا اختارتك عضواً فيها يا مستر كروسمان!
          كروسمان: فهل نفذتم توصيات اللجنة؟
          بيفن: أنت لا تجهل الصعوبات التي قامت في سبيل تنفيذ ذلك.
          كروسمان: إننا لا نعترف بتلك الصعوبات المزعومة، ولا نَعُدُّ تخبط الحكومة وترددها إلا عجزاً منها وضعفاً ونقضاً للعهود المقطوعة لليهود.
          بيفن: ماذا في وسع الحكومة أن تصنع غير ما صنعت؟
          كروسمان: توفي بعهودها لليهود دفعة واحدة، فلم يعد في وسعهم أن يصبروا أكثر مما صبروا وماذا ننتظر؟ هذه الولايات المتحدة تؤيدنا في موقفنا وقد نلنا منها خيراً كثيراً بفضل اليهود، وهذا الرئيس ترومان قد بح صوته في المطالبة بإدخال مئة ألف يهودي إلى فلسطين، ولم نخجل نحن أن نأخذ المساعدة الأمريكية باليمين ونمنعه ما يطلبه منا بالشمال! وها هو الرئيس ترومان يعرض اليوم أيضاً مساعدته لنا لتخفيف أزمة الوقود، فليت شعري أنخجل أم لا نخجل أن نقبلها منه دون أن نجيب طلبه؟
          بيفن: لعل مما يسر المستر كروسمان أن يعلم أن الحكومة قد قررت رفض هذه المساعدة.
          كروسمان: كيف ترفضون مساعدة قيمة كهذه، بينما تضجون بالشكوى من نقص الوقود؟ أليس هذا دليلاً على أنكم تبالغون كثيراً في أهمية هذه الأزمة؟
          أحد النواب: أنا أحتج على هذا الاستخفاف بأزمة الوقود القومية. وإذا لم يجد المستر كروسمان فيها ما يهمه شخصياً لأن القضية الصهيونية قد استغرقت كل تفكيره، فليت شعري أي فرق بينه وبين موسى شرتوك أو بن جوريون؟ إننا هنا في مجلس العموم البريطاني، لا في مؤتمر بال الصهيوني!
          كروسمان: إن كان مجلس العموم البريطاني لا يهتم بقضية فلسطين فلتنفض بريطانيا يدها من فلسطين، ولتترك أصحابها اليهود وشأنهم!
          النائب: هذا ما ينبغي أن يقوله زعيم صهيوني لا نائب بريطاني. إني أطالب بسماع بيان وزير الوقود، وأعتقد أنني أعبر عن آراء زملائي النواب الذين تهمهم مصلحة بلادهم قبل أي شيء آخر!
          وزير الوقود: قد أعددت بياني، وما عليكم إلا أن تعطوني فرصة لإلقائه.
          كروسمان: كلا، لا نريد سماع بيانك الآن.
          وزير الوقود: إذن فقد كفيت المؤونة.
          النائب: بل تتهرب من إلقائه.
          وزير الوقود: عجباً.. أتحملونني تبعة عدم إصغائكم إلى بياني؟
          النائب: إذن فألق بيانك.
          أصوات: نعم.. نريد سماع البيان!
          وزير الوقود (يخرج ورقته ليلقي بيانه) أيها السادة.. إن هذا البرد الشديد لم تعهد مثله البلاد منذ أكثر من مائتي سنة.
          كروسمان (مقاطعاً) ولكن مثل هذا البرد موجود دائماً في سبيريا وما سمعنا أن الدولة الروسية اهتزت من أجله أو أقامت له ضجة كهذه الضجة المفتعلة أو أنساها ذلك شؤونها الهامة الأخرى فما بالنا ننسى كل مشاكلنا الحيوية من أجل عاصفة ثلجية لا تلبث أن تنقشع؟
          النائب: لا شأن لنا بفلسطين الآن!
          كروسمان؟ فارفعوا أيديكم عنها ودعوها لليهود!
          النائب: مشكلة الوقود أهم! استمر في بيانك يا وزير الوقود!
          وزير الوقود: كيف ألقي بياني وأنتم لا تصغون إلي؟
          كروسمان: اطوي بيانك الآن فلن تجد له سميعاً!
          أصوات نريد سماع البيان...
          مشكلة الوقود أهم من اليهود ومن أنصار اليهود!
          كروسمان: سنشبع من الوقود في جهنم غداً إن تركنا هؤلاء اليهود البائسين في هذه الحالة المتناهية من اليأس والقنوط!
          أحد النواب: إذا كنا مؤمنين بالسيد المسيح حقاً فقد أخبرنا أن هؤلاء البائسين هم الذين سيشبعون من الوقود غداً.
          كروسمان: ولكن اليهود يعتقدون عكس هذا ويجب أن يحترم كل منا عقيدة الآخر.
          النائب: وأنت يا مستر كروسمان ماذا تعتقد؟
          كروسمان:........؟
          نائب آخر: أنا أعرف رأي المستر كروسمان في هذا. إنه سيحتفظ بعقيدته مكنونة في صدره حتى يرى النتيجة غداً، فإن رأى صحة أقوال اليهود ذهب معهم، وإن رأى صحة أقوال المسيحيين مال إليهم!
          (يضج المجلس بالضحك)
          الرئيس: النظام، النظام!
          كروسمان: لا تحسبوا مثل هذه السخرية تصرفني عن المطالبة بإعلان قرار الحكومة بصدد قضية فلسطين الآن دون تأخير!
          بيفن: بعد أن يسمع المجلس بيان وزير الوقود.
          كروسمان: كلا بل قبل بيان وزير الوقود.. قبل كل شيء آخر.
          تشرشل: إن أؤيد المستر كروسمان في طلبه لا تنسوا أيها السادة أن بريطانيا قد جعلت من تقاليدها المجيدة أن تؤثر باهتمامها المسائل الخارجية على المسائل الداخلية. ولم يكن هذا التقليد عبثاً فهو يرجع في صميمه إلى ما امتازت به هذه الأمة الإنجليزية من إيثار مصالح الشعوب العامة جهدها وتفضيلها على مصلحتها الخاصة. فإذا كان لدى الحكومة قرار بصدد مشكلة فلسطين تستطيع أن تعلنه في ثقة فلتعلنه الآن للمجلس. أما إن كانت لا تزال تتخبط في رأيها كما هو شأنها في كل أمر تعالجه فلا بأس أن نصغي إلى بيان وزير الوقود.
          أتلي: أيها السادة. تلبية لرغبة المستر تشرشل وبعد استئذان رئيس المجلس أستطيع أن أعلن للمجلس أن الحكومة قد قررت إحالة المسألة الفلسطينية بحذافيرها إلى هيئة الأمم المتحدة، فإقرارها بالعجز عن التوفيق بين الفريقين المتنازعين بعد ما بذلت كل ما في وسعها للوصول إلى حل عادل وأجتزئ بهذا الآن حتى يتم إعداد البيان التفصيلي الخاص بهذا القرار:
          كروسمان: لا أرى في هذا القرار إلا محاولة من الحكومة للتنصل من العهود التي قطعتها لليهود.
          بيفن: إن صح هذا فهو يشمل الخلل من العهود المقطوعة للعرب أيضاً.
          تشرشل: هل تنوي الحكومة أن تقدم توصية خاصة بصدد هذه المسألة إلى هيئة الأمم المتحدة؟
          بيفن: ستقدم الحكومة تقريراً مفصلاً لتطورات القضية دون أن توصي بأي اقتراح خاص.
          تشرشل: ألا ترى الحكومة أن في هذا القرار المجرد عن التوصية الخاصة ما قد يؤدي إلى إضعاف قضية اليهود وأمانيهم في فلسطين؟
          بيفن: هل أفهم من هذا أن المستر تشرشل يرى أن اليهود لا حق لهم في أمانيهم القومية في فلسطين؟
          تشرشل: لا، لا أعني هذا وإنما أخشى أن تسيء معظم دول الهيئة فهم قضية اليهود.
          بيفن: قد قلنا أن الحكومة ستقدم تقريراً وافياً بتطورات القضية من بدايتها حتى الوقت الحاضر.
          تشرشل: ولكن العرب قد بدءوا ينشرون دعايتهم في نطاق واسع.
          بيفن: ما أحسبهم يبلغون في هذا المضمار ما بلغه الصهيونيون!
          تشرشل: لا أطمئن إلى هذا القرار المجرد عن التوصية.
          بيفن: لعل المستر تشرشل ما زال يذكر أنه قد قدم هذا الاقتراح من قبل ففيم اعتراضه الآن عليه؟
          تشرشل: لقد أشرت باقتراح كهذا لحمل حكومة الولايات المتحدة على اتخاذ قرار بتأييدنا ومساعدتنا اقتصادياً وعسكرياً على فرض الحل الذي نراه لهذه المشكلة وكان على الحكومة أن تخطو هذه الخطوة من قبل حينما كان تحمس الولايات المتحدة للقضية اليهودية على أشده.
          بيفن: هل يرى المستر تشرشل أن نذهب في تأييد مطامع الصهيونية إلى أبعد مما ذهبنا إليه حتى اليوم بالرغم مما سببه هذا التأييد من الحرج لمركزنا في الشرق الأوسط؟
          تشرشل: يجب أن نؤيد القضية الصهيونية إلى أقصى حد يمكننا، فقد قامت سياسة هذه البلاد على تبني الحركة الصهيونية، فلا ينبغي لنا –وقد بلغت الحركة الصهيونية هذا النجاح الكبير أن نخذلها فنفسد بذلك جميل صنعنا إلى الشعب اليهودي، ونخسر المزايا التي أمَّلْناها من وراء تأييدهم.
          بيفن: فهل نذهب في تأييد اليهود إلى حد إيثار مصلحتهم على مصلحة بريطانيا.
          تشرشل: علينا أن نعمل كل ما في وسعنا للتوفيق بين المصلحتين.
          بيفن: ألا يرى المستر تشرشل في صبرنا إلى اليوم على هذا الإرهاب اليهودي الذي استفز حتى عامة الشعب في هذه البلاد دليلاً كافياً على التزام الحكومة هذه الخطة التي أشار إليها؟
          تشرشل: لا أريد أن أؤيد هذا الإرهاب، ولكني أرى أنه لا يخلو من الفائدة. فقد أشعر أولئك الذين يتحفزون للثورة من الفريق الآخر أنها ليست بالأمر الهين.
          بيفن: حتى في جلد الضباط البريطانيين واختطاف القضاة؟
          كروسمان: هذا غير صحيح، فإنهم لم يختطفوا إلا قاضياً واحداً فقط!
          بيفن: معذرة يا مستر كروسمان فلست هنا محامياً عن الإرهابيين اليهود حتى أهتم بإحصاء ضحاياهم من خصومهم البريطانيين!
          كروسمان: ماذا تعني يا مستر بيفن؟
          بيفن: أعني أنك أجدر بمعرفة عدد ضحايا موكليك!
          كروسمان: كان عليك أن تحفظ هذا الإحصاء لتؤيد به قضية موكليك العرب!
          بيفن: إن العرب لا يستحقون مني هذا العناء، وبودي لو كنت محامياً لليهود الذين يجزلون العطاء!
          كروسمان: تذكر أنك مدين لهم في منصبك هذا.
          بيفن: لا تضطرني إلى أن أقول اكثر مما قلت. واذكر على الأقل أننا الآن في مجلس العموم ولسنا في حلقة الذكر!
          (ستار)

          تعليق

          • السعيد ابراهيم الفقي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 24-03-2012
            • 8288

            #6
            راشيل في المخاض

            بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
            - 1 -
            في مقهى (كنج جورج) بتل أبيب. تقبل فتاة يهودية رشيقة فيقوم لها جندي بريطاني كان جالساً مع نفر من أصحابه، فينتبذ بها ركناً منعزلاً.
            ستيفن: زيارة غير متوقعة يا هنريتا!
            هنريتا: هل ضايقتك بمجيئي؟
            ستيفن: لا يا حبيبتي. ولكني تمنيت لو علمت من قبل لأستعد لك بما يجب.
            هنريتا: لا تخف فلن أرزأ جيبك بأي طلب هنا.
            ستيفن: بل لا بد أن تطلبي شيئاً
            هنريتا: كلا.. هلم معي فاتبعني!
            ستيفن: إلى أين؟
            هنريتا: إلى حانة جابو تنسكي الكبرى.. ستقام هناك الليلة حفلة رقص جامعة.
            ستيفن (يتضاحك): ويلك أهذا تدبير منك للتخلص من حياتي.
            هنريتا: لعلك تخشى الإرهابيين على حياتك.
            ستيفن: طبعاً.. إنني ما شبعت منك بعد حتى أغامر بحياتي.
            هنريتا: كلا لا خوف عليك من الإرهابيين الليلة... لن تمتد إليك يد بأي سوء. هذه ليلة مقدسة عندنا، ولقومك فيها الفضل الأكبر أما تذكر تلك الليلة التي احتفلنا فيها بانتصارنا في ليك سكسيس؟
            ستيفن: تلك الليلة التي رقصنا فيها إلى الساعة الثانية ثم ارتمينا معاً على قارعة الطريق؟
            هنريتا: نعم، فما أيقظنا من نومتنا إلا الصبيان يتفرجون علينا ويتضاحكون فهيا بنا يا ستيفن.. هيا بنا.
            ستيفن: لكن...
            هنريتا: لكن ماذا؟
            ستيفن: ليس معي الليلة نقود يا عزيزتي هنريتا.
            هنريتا: لا بأس إني سأصحبك وأمتعك الليلة بدون مقابل.
            ستيفن: وثمن الشراب والعشاء.
            هنريتا: لا تهتم بهذا أيضاً.
            ستيفن: كلا، لا أريد فتاة مثلك تدفع عني.
            هنريتا: لن أدفع عنك شيئاً من عندي كل شيء الليلة على حساب الوكالة اليهودية.
            ستيفن: عجباً.. بأي شيء تحتفلون الليلة؟
            هنريتا: بانتقال عمتنا راشيل الكبرى غداً إلى بيت لحم.
            ستيفن: إلى بيت لحم؟ ماذا تصنع هناك؟
            هنريتا: ستقيم في الموضع الذي ولد فيه مسيحكم.
            ستيفن: (يبدو على وجهه شيء من الاستياء): لكن هذا موضع مقدس عند المسيحيين، فكيف تقيم فيه عمتكم؟
            هنريتا: أنتم تعتقدون أنه مقدس، ولكنا نعتقد أن مدنس، وأن راشيل الكبرى هي التي ستقدسه حين تضع مولودها فيه.
            ستيفن: مولودها! هل هي حبلى؟
            هنريتا: في شهرها التاسع، وبذلك نحتفل الليلة.
            ستيفن: إني لم أعلم أنها تزوجت قط، فمن ذا تزوجها؟
            هنريتا: أوه.. لم يتزوجها أحد.
            ستيفن: فمن يكون أبو الجنين الذي في بطنها؟
            هنريتا (يتمعر وجهها): هذا سؤال سخيف يا ستيفن، وإلا فقل لي أنت من أبو سيدكم المسيح؟
            ستيفن (ينهرها غاضباً): ويلك لا تتعرضي للسيد المسيح أيتها اليهودية الجاحدة!
            هنريتا: فلا تتعرض أنت لمسيحنا.
            ستيفن: أي مسيح تعنين؟
            هنريتا: المسيح الحق الذي ستضعه راشيل الكبرى.
            ستيفن: وامسيحيتاه! ما كنت أعلم أن بريطانيا العظمى قد كفرت بدينها إلا اليوم (يغلبه الوجوم).
            هنريتا: ماذا تقول؟
            ستيفن (بصوت خافض): لا شيء.
            هنريتا (في دلال): أف لك يا ستيفن! أأغضبك مني أن جهرت لك بعقيدتي؟ ما شأن اختلاف العقيدة في الحب؟ ألم نتعاهد على أن يحترم كلانا عقيدة الآخر؟
            ستيفن: لا لوم عليكم، وإنما اللوم على الدولة التي ارتضت لنفسها أن تخون دينها في سبيلكم!
            هنريتا (في تلطف وغنج): دع عنك هذه الكآبة يا حبيبي، وهلم نشرب ونرقص ونبتهج!
            ستيفن (يلين لهجته): أنجد كثيراً من الخمر هناك؟
            هنريتا: ما شئت.. سنعب منها حتى نرتوي...
            ستيفن: ثم ننام...
            هنريتا: على قارعة الطريق.. هئ هئ هئ هئ.. حتى يوقظنا الأطفال!
            -2-
            في مقر المندوب السامي بمدينة القدس
            المندوب السامي: هذا نائب رئيس الهيئة العربية العليا قد جاء يا أماه.
            المندوب السامي: سمعا.
            جونا بولا: دعه يدخل هنا عندي.. سأكلمه بنفسي.
            (يدخل نائب الرئيس)
            جونا بولا: أهلاً (تصافحه وهي جالسة) اعذرني إذ لم أقم إكراماً لك، فأني كما ترى ثقيلة الحركة.
            النائب: ما يكون لنا أن نجهل عذرك ونحن نلقبك بالعظمى!
            جونا بولا: إن كثيراً من الناس يفهمون لهذا اللقب معنى آخر غير هذا.
            النائب: ولكنا معشر العرب لسنا من أولئك الناس!
            جونا بولا: حسناً.. تفضل اجلس. إني دعوتك يا سيدي لتساعدنا على حفظ النظام في البلاد.
            النائب: إن الذي يحكم البلاد مكلف بحفظ النظام فيها.
            جونا بولا: أنكم تزعمون إنها بلادكم، فعليكم أن تساعدونا في ذلك.
            النائب: هي بلادنا وبلاد آبائنا قبل أن تكون الجزيرة البريطانية بلاد آبائكم. فاخرجوا من بلادنا، ونحن نحفظ النظام فيها في خلال أسبوع واحد.
            جونا بولا: قد أعلنا قرار انسحابنا، وسننسحب فعلاً، وكل ما نريده منك أن تخلدوا إلى السكينة وتكفوا عن التعرض لليهود حتى يتم انسحابنا.
            النائب: إن العرب لن ينتظروا حتى تضع راشيل طفلها في قلب بلادهم.
            جونا بولا: ولكني قد تعهدت شخصياً بتوليدها، ولن ننسحب حتى تضع الطفل.
            النائب: ولِّدِيها في بلادك.. ولِّدِيها في قصر بكنجهام إن شئت أما بيت لحم فهو مكان مقدس عندنا ولن نسمح لهذه الداعرة اليهودية أن تلوثه.
            جونا بولا: هذا مكان مقدس عند المسيحيين، فما شأنكم أنتم المسلمين بذلك؟
            النائب: لا تحاولي التفرقة بين مسلمي العرب ومسيحييهم، فهم جميعاً يد واحدة في حماية هذه الأماكن المقدسة.
            جونا بولا: لا تنس أننا مسيحيون، وقد ارتضينا أن تضع راشيل طفلها في هذا المكان المقدس عندنا.
            النائب: كلا لستم مسيحيين إلا بالاسم، وإنما أنتم عبيد اليهود الذين اضطهدوا سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام.
            جونا بولا: إن لم تكفوا عن الاعتداء على اليهود فسنوجه قواتنا لمحاربتكم.
            النائب: قد نفذت هذا الوعيد بالفعل، فمنذ خمسة وعشرين عاماً وأنتم تحاربوننا من أجل الصهيونيين، فما منعنا ذلك من المضي في جهادنا المقدس.
            جونا بولا: هذا غير صحيح فقد التزمنا الحياد دائماً، وما زلنا نلتزمه إلى اليوم. وقصارى ما نقوم بعه هو منع حوادث الشغب والفوضى ما دمنا منتدبين على هذه البلاد.
            النائب: أيها الجبناء، لا تجمعوا بين الأجرام والنفاق. صارحوا العالم بحقيقة موقفكم.. صارحوه بأنكم تحمون مجرمي اليهود من بطشنا، فذلك أكرم لكم. ألا تخجلون من هذا الادعاء وصحف العالم تنشر كل يوم كيف تخف قواتكم لحماية الإرهابيين اليهود كلما هاجم العرب مستعمرة من مستعمراتهم؟
            جونا بولا: إنما نقوم في ذلك بما التزمنا من حفظ الأمن حتى يتم الانسحاب.
            النائب: ونحن قد آلينا ألا تدع راشيل تضع مولودها في بلادنا المقدسة ما دام فينا عرق ينبض.
            جونا بولا (في غضب): ستندمون على تحديكم هذا سلطتنا.
            النائب: سترين غداً أننا أكثر ندماً.
            -3-
            جونا بولا والمندوب السامي
            المندوب السامي: ماذا نصنع يا أماه؟ إن العرب ماضون في الحيلولة دون ولادة راشيل في بيت لحم. وقد امتلأت الجبال بالمتطوعين من جميع الأقطار العربية.
            جونا بولا: اضربوهم بالقنابل من الطائرات، واسحقوهم بالدبابات، ولا تأخذهم في ذلك رحمة ولا شفقة حتى تضع راشيل في بيت لحم.
            المندوب السامي: قد فعلنا كل هذا فما رهبوا ولا استكانوا، بل ازدادت هجماتهم على المستعمرات اليهودية عنفاً وشدة، وهم يركزون هجماتهم خاصة على بيت لحم.
            جونا بولا: دافعوا عن بيت لحم بكل ما أوتيتم من قوة. إياكم أن يصلوا إلى راشيل. يجب أن تمكنوني من توليدها وحدي، وإلا تدخلت في ذلك. إنها لا تحب راشيل كما أحبها، ولكنها تبتغي أن تجد لها سبباً لمشاركتي في هذا الشرف.
            المندوب السامي: لكن جنودنا لا يمكنهم الاستمرار على هذا الحال. لقد قتل منهم آلاف في الدفاع عن راشيل وعن مستعمرات أبنائها.
            جونا بولا: أمدوا الهاجانا بالسلاح، وادفعوهم إلى مقدمة الصفوف.
            المندوب السامي: لا خير في هؤلاء، إنهم سرعان ما يهربون حين يرون بأس العرب، ويتركون جنودنا يتلّقون الموت وحدهم. يجب أن تضعي حداً لهذا الحال يا أماه، فإننا في كرب شديد، ولا قبل لي بتحمل هذه المسؤولية الضخمة إلا إن أمرت بتعزيز قواتنا بقوات جديدة.
            جونا بولا: لكن الرأي العام في بلادنا يحول دون هذا .
            المندوب السامي: وأنا لا أستطيع البقاء في منصبي على هذا الوضع، فإما أن تعززوا القوات وإما أن أستقيل.
            جونا بولا: هون عليك يا بني، فسنجد من هذا المأزق مخرجا.
            المندوب السامي: لا مخرج بغير مضاعفة القوة.
            جونا بولا (تحك رأسها الاشمط بأصابعها المعروقة): دعني أفكر قليلاً يا بني.
            المندوب السامي: فكري ما شئت يا أماه، فلن تجدي مخرجاً سوى ما ذكرت.
            جونا بولا (تلمع عيناها الغائرتان لمعاناً غريباً): بل قد وجدته يا بني.. وجدت المخرج...
            المندوب السامي: ما هو؟
            جونا بولا (تتجرد من ثيابها فجأة): هذا هو المخرج!
            المندوب السامي (يغطي بصره بذراعيه): ما هذا يا أماه؟
            جونا بولا (تقهقه بقهقه غريبة): هذا وأنت ابني لم تطق أن تنظر إلي، فما بالك بالعرب لو رأوني هكذا؟
            المندوب السامي: ماذا؟ أتريدين أن تتجردي هكذا أمامهم؟
            جونا بولا: نعم، سأتجرد من ثيابي، وأدع ثلة من بنات راشيل يتجردن معي، ونقف هكذا حول مكان راشيل في بيت لحم إلى أن تضع طفلها، فإن العرب سيتحرجون من النظر إلى عوراتنا فيولون عنا فراراً.
            المندوب السامي: أواثقة أنت يا أماه من نجاح هذه الخطة؟
            جونا بولا: مبلغ علمي أن العرب لا يزالون على فطرتهم الصحراوية، ولم تهذبهم المدينة بعد إلى حد أن يفتحوا عيونهم على مثل هذا المنظر دون أن يتراجعوا.
            المندوب السامي: ولكن..
            جونا بولا: دعني من "لكن" هذه.. ليس أمامنا غير هذا السبيل على كل حال. فإن راشيل ستضع غداً أو بعد غد على الأكثر.
            -4-
            على مقربة من بيت لحم.. جماعة من المجاهدين العرب يقودهم فوزي القاوقجي يتشاورون في تدبير الهجوم على بيت لحم، بعد أن قضوا على القوات البريطانية وقوات الهاجاناه التي كانت تحرس حدود المنطقة، وينتظرون رجوع العيون الذين بثوهم للاستطلاع.
            أحد المجاهدين: ها هم أولاء عيوننا قد أقبلوا.
            القاوقجي (للعيون): ما ذا وراءكم؟
            العيون: لم نجد في طريقنا أحداً.
            القاوقجي: هل وصلتم إلى المكان المقدس؟
            العيون: نعم وقفنا على مرأى منه فوجدنا نساء عاريات يحطن بالمكان من كل جانب.
            القاوقجي: أمر عجيب.
            أحد المجاهدين: ما هذا؟ هذا شيء لا يصدق.
            العيون: هذا ما رأيناه هناك بأعيننا.
            القاوقجي: قد فهمت.. هذا تدبير جونا بولا لحراسة راشيل بعورات النساء حين أخفقت في حراستها بقوات الرجال. ولكنا سنحبط تدبيرها بأي حال.
            فقيه الجماعة: ماذا تريد أن تفعل يا فوزي؟ أتريد أن تهجم بنا على النساء العاريات؟ هذا منكر عظيم.
            أحد المجاهدين: معاذ الله.. معاذ الله!
            آخر: لم لا؟ علينا ألا يصدنا ذلك عن هدفنا الأكبر.
            الفقيه: هذا حرام.. هذا لا يجوز.
            مجاهد ثالث: إننا في ساحة جهاد ولسنا في حلقة فتياً.
            القاوقجي: تذكروا أيها المجاهدون إنني أنا قائدكم، فكفوا عن الجدال، فأنى ما استشرت أحداً منكم فيما يجب أن نفعل. وثقوا جميعاً بأنني سأحبط تدبيرهم هذا، وسنصل إلى هدفنا دون أن نخل بآداب ديننا وتقاليدنا العربية.
            أصوات: سمعنا وأطعنا، فافعل ما بدا لك.
            الفقيه: إن كان هذا ما تنوي القيام به فامض بنا.
            القاوقجي: هيا انطلقوا معي.. خففوا خطاكم جهدكم حتى إذا رأيتم المنظر الكريه فأغمضوا عيونكم.
            -5-
            فوزي القاوقجي ورفاقه المجاهدون واقفون على غلوة سهم من المكان المقدس في بيت لحم، وقد أشاحوا بوجوههم عن منظر النساء العاريات من بعيد.
            جونا بولا (تصيح): ويلكم أيها العرب المتوحشون! إلا تستحيون أن يقتحموا على النساء وهن عاريات؟
            القاوقجي: ابتعدن عن طريقنا وإلا فلا تلمن إلا أنفسكن!
            جونا بولا: كلا.. لن نبتعد.. سنبقى مرابطات هنا، فإن كان فيكم بقية من المروءة والحياء فابتعدوا عنا.
            القاوقجي: لن ندع خدعتك تجوز علينا أيتها العجوز الشوهاء. ورب عيسى ومحمد، لئن لم تتنحين عن طريقنا إلى حيث راشيل لنقتحمن عليكن!
            جونا بولا: أتحلفون برب عيسى ومحمد وأنتم لا ترعون الحرمات؟
            القاوقجي: أية حرمة بقيت لكن يا كاشفات السوءات؟
            جونا بولا: ابتعدوا عنا أيها المتوحشون، يا رجالاً لا يعرفون الشرف!
            القاوقجي: اطمئني أيتها العجوز اللخناء، فلن نرى عورتك ولا عورات بناتك ولكن حذار أن تصيب رماحنا بطونكن العارية!
            جونا بولا: أف لكم يا عديمي الشرف!
            القاوقجي: أيها المجاهدون.. سيراً إلى الأمام.. هنا الطريق.. اتبعوا صوتي!
            يتقدم وخلفه المجاهدون وهم مغمضو العيون يتبعون صوته وهو يترنم:
            هيا بنا إلى الهدف ولا نخل بالشرف!
            جونا بولا: يا للنذالة! ابتعدوا عنا!
            النساء (يتصايحن): ابتعدوا عنا يا متوحشون!
            القاوقجي: تنحين عن طريقنا وإلا أصبناكم برماحنا دون أن نرى.
            جونا بولا (تصيح صيحة منكرة): آه! لكزتني برمحك أيها العرب القذر!
            القاوقجي: أنت التي تعرضت للهوان أيتها العجوز اللخناء! تنحي عن طريقنا!
            (يتفرقن خوفاً، ويتركن راشيل وحدها وهي منبطحة على الأرض تزحر لتلد)
            راشيل (تصيح) جونا بولا! جونا بولا! أغيثيني، أنجديني! إنهم سيقتلونني!
            جونا بولا (من بعيد): اهربي من مكانك! إنهم مغمضو العيون.. انهضي واهربي منهم!
            راشيل: لا أستطيع الهرب.. لا أقدر على الحركة.. إنني في الطلق الأخير.. آه.. آه.. الغوث، الغوث! النجدة، النجدة!.
            جونا بولا: ازحفي على بطنك.. اهربي بأي سبيل!
            راشيل: عليك اللعنة أيتها العجوز الغادرة.. لو كانت الدبة الحمراء هنا لأنقذتني.. أنت التي منعتها من المجيء... أين عمة أسامة؟ أنقذيني يا عمة أسامة.. أغثني يا ترومان! يا تشرشل! يا سمطس!
            القاوقجي: يا داعرة الأبد، لن ينجيك منا أحد!
            راشيل: ابتعد عني أيها العربي القذر!
            القاوقجي: إن الذين استنجدت بهم هم القذرون.
            راشيل: يا ليتهم هنا.. إذن لما جرؤت على اقتحام مثواي.
            القاوقجي: أجل، يا ليتهم هنا ليلقوا عليك نظرة الوداع!
            راشيل: أين أنتم يا أبنائي الهاجاناه، أغيثوني!
            القاوقجي: سلى عنهم أفواه الكلاب، وبطون الغربان!
            راشيل: أيها البدو المتوحشون.. إنني في الطلق الأخير.. إنني عارية.. ألا تستحون؟ ألا تخجلون؟
            القاوقجي: استري عورتك، وإلا فتحت عيني!.
            راشيل: كلا، لا أفعل.. اذهبوا أنتم عني إن كنتم ذوي شرف.
            القاوقجي: من أين تعرفين الشرف يا داعرة استري عورتك وإلا...
            راشيل: كلا.. لا أفعل.. لا أفعل أنا الأم الموعودة، لا تقدرون على قتلي حتى ألد الطفل الموعود.
            القاوقجي: لنقتلنك والطفل الموعود معاً.. لنخمدن أنفاسه في بطنك.
            جونا بولا (من بعيد) تشجعي يا سيدتي راشيل... ازحري قليلاً، وضعي طفلك!
            راشيل (تزحر بشدة): أأ.. أأ.. أأ..
            جونا بولا: ها هو ذا قد ظهر رأس الطفل.. أزحري قليلاً أيضاً ليخرج كله!
            القاوقجي: والله لأفتحن عيني، وليكن ما يكون!
            بعض المجاهدين: هل نفتح عيوننا نحن أيضاً؟
            القاوقجي: كلا.. ابقوا كما أنتم.. لا يباح المحظور إلا على قدر الضرورة.
            جونا بولا: ازحري يا راشيل!
            القاوقجي (يفتح عينيه): لا فائدة من الزحير الآن (يطعن بطنها برمحه فيخترق الطفل في أحشائها) الله أكبر!
            المجاهدون (بصوت واحد) الله أكبر!
            راشيل (بصوت كالحشرجة): آه.. قتلني العربي المتوحش، وقتل المسيح الموعود! يا ذل صهيون إلى الأبد!
            القاوقجي (يلقي عليها عباءته فيسترها) : أيها المجاهدون افتحوا عيونكم، فأني قد سترتها بعباءتي.
            المجاهدون (يفتحون عيونهم): الله أكبر.
            القاوقجي (يرفع الجثة على رمحه): هيا بنا يا رفاق.. لقد حمينا هذه البقعة المقدسة من الدنس.. هيا بنا يا رفاق!
            المجاهدون: إلى أين؟
            القاوقجي: إلى البحر نقذف هذا الرجس فيه!
            مجاهد مسيحي (يهتف بأعلى صوته): المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة!
            (ستار)



            تعليق

            • السعيد ابراهيم الفقي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 24-03-2012
              • 8288

              #7
              سنجمع هنا التراث الذهبي للعلامة المرحوم علي أحمد باكثير - من مسرحيات
              التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ابراهيم الفقي; الساعة 23-03-2017, 14:48.

              تعليق

              • السعيد ابراهيم الفقي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 24-03-2012
                • 8288

                #8
                في السويداء رجال

                بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
                -1-
                في منزل الشيخ عامر بالسويداء عاصمة جبل الدروز.
                جابر: لا تؤاخذني يا عامر إن زرتك في هذه الساعة من الليل.
                عامر: لا بأس. إني كما تعلم أحب السمر.
                جابر: ما جئتك للسمر.
                عامر: خير إن شاء الله.
                جابر: لا ريب أنه قد بلغك نبأ هذه الأسلحة التي قيل إنها توزع على كثير من جماعتنا هنا في الجبل.
                عامر: أجل. بلغني ذلك.
                جابر: يقال إنها مهربة من حدود إسرائيل.
                عامر: هكذا يشاع.
                جابر: أليست عندك معلومات خاصة بهذا الصدد؟
                عامر: معلومات خاصة؟ لا.
                جابر: لا تحاول أن تخفي عني يا عامر. قد بلغني أنك مطلع على الأمر وأن لك يداً في توزيع تلك الأسلحة.
                عامر: كذب الذي حدثك.
                جابر: كلا إنه ثقة لا يكذب.
                عامر: هيه كأنك جئت لتأخذ نصيبك من تلك الأسلحة.
                جابر: لا بل لأعرف الحقيقة. لا تخف.. لن أبلغ عنك ولا عن أحد غيرك. خذها مني كلمة شرف.
                عامر: فيم إذن بحثك وسؤالك؟
                جابر: أخشى أن تكون هناك مكيدة مدبرة في الخفاء ضد جماعتنا الدروز.
                عامر: أما من هذه الناحية فاطمئن.
                جابر: إذن فأنت حقاً على علم بذلك؟.
                عامر: نعم وقد هممت أن أتصل بك في هذا الشأن لولا ما أعلم من تعصبك للشيشكلي وحكم الشيشكلي.
                جابر: وما دخل الشيشكلي في هذا الأمر؟
                عامر: هذه الأسلحة لحمايتنا من بطشه.
                جابر: مضحك! ولماذا يبطش الشيشكلي بنا؟
                عامر: يريد أن يفرق أمرنا اليوم خشية أن ننقلب غداً عليه.
                جابر: وماذا يدعونا إلى الانقلاب عليه؟
                عامر: هذا رأيه هو وهذه خطته. إنه لا يطيق أن يرى جماعتنا متكتلة.
                جابر: هذه دعاية آثمة ضده. ويجب علينا أن نقاوم انتشارها بين الدروز فلن ينالهم فيها غير الضرر.
                عامر: إذا تبين فيما بعد ألا أساس لذلك في الحقيقة فلا ضرر علينا من أخذ هذه الأسلحة التي تهرب من بلاد أعدائنا اليهود. إن إخواننا الذين في إسرائيل قوم منكوبون قد ذاقوا مرارة الذل والاضطهاد من الدولة التي تحكمهم. فأصبحوا شديدي الإحساس بما يتهدد كيان الجماعة في المستقبل. وقد صار أملهم الوحيد منوطاً بنا نحن دروز الجبل لتخليصهم من العار الذي هم فيه.
                جابر: ولذلك يهربون إلينا الأسلحة من إسرائيل؟
                عامر: نعم.
                جابر: أي منطق هذا؟ هل يعقل عندك أن إسرائيل تسمح بتهريب الأسلحة منها إلى بلادنا لو لم يكن لها في ذلك غرض خبيث؟
                عامر: لا بأس أن يكون لها غرضها في ذلك ما دام في وسعنا أن نحقق غرضنا فقط دون غرضها هي.
                جابر: هذا تلاعب بالنار سيفضي بنا إلى كارثة.
                عامر: أي كارثة؟
                جابر: لو علمت الحكومة بأمر هذه الأسلحة...
                عامر: اطمئن فإننا محتاطون.. ألا إن شئت أنت أن تبلغ عنا لتقضي على قومك.
                جابر: حاشاي يا عامر أن أخل بوعدي لك. وحاشاي أن الحق الضرر بقومي.
                عامر: فثق إذن أننا لن نثور على الشيشكلي إلا إذا بدأنا هو بالعدوان.
                -2-
                (في منزل الشيخ جابر)
                عامر: أرأيت يا جابر مصداق ما توقعناه؟ ها هو ذا الشيشكلي قد قبض على زعماء الأحزاب السابقة.
                جابر: ولكنه لم يتعرض لنا نحن الدروز.
                عامر: إنما قبض على هؤلاء تمهيداً للحملة التي سيوجهها إلينا.
                جابر: إنه اتهمهم بتدبير انقلاب ضد النظام الحاضر لحساب دولة أجنبية.
                عامر: نفس التهمة التي سيرمينا بها غداً. ألم يزعم أنه وجد عندهم أسلحة حديثة؟
                جابر: الخطر الآن من وجود هذه الأسلحة عندنا، فستكون دليلاً ضدنا.
                عامر: الرأي عندي أن نعالجه بإعلان الثورة ونستعد للمقاومة. هلم معي لتقنع جماعتنا بذلك.
                جابر: كلا لست أنا من رأيك. إن من الخيانة للوطن أن نثور على حكومته الشرعية.
                عامر: ومن الخيانة لجماعتنا أن ندعوهم للاستسلام لمن يريد القضاء على كيانهم.
                جابر: لم يقع من ذلك شيء.
                عامر: أننتظر حتى يقع؟
                جابر: قد تبين الآن أن الحملة ليست موجهة إلى الدروز وحدهم بل هي عامة لتأمين سلامة الدولة.
                عامر: تلك هي الحيلة التي اتبعها ليصرف الأذهان عن حقيقة هدفه وهو القضاء علينا. وهأنتذا قد جازت حيلته عليك.
                جابر: لا تحاول يا عامر أن تستدرجني إلى رأيك. فمهما تفعل فلن أوافقك عليه أبداً.
                عامر: ستندم غداً يا جابر.
                جابر: بل ستندم أنت على تهورك.
                عامر: إن كنت تخشى أن تشترك في الثورة هنا فسنسند إليك مهمة أخرى لتقوم بها.
                جابر: ما هي؟
                عامر: ارحل إلى لبنان.
                جابر: ماذا أصنع هناك؟
                عامر: لتجمع كلمة إخواننا الدروز هناك.
                جابر: أجمع كلمتهم على ماذا؟
                عامر: على تأييد ثورتنا إذا وقعت.
                جابر: أنا نفسي لا أؤيد هذه الثورة فكيف أدعو غيري إلى تأييدها".
                عامر: حتى في حالة وقوع العدوان علينا؟
                جابر: ذلك شيء آخر.
                عامر: فانتظر هناك حتى يقع العدوان من الشيشكلي وتحصل المقاومة منا فقم حينئذٍ بمهمتك.
                جابر: كلا يا عامر. إن مهمتي هنا في الجبل لأراقب سير الحوادث فأقوم بما يمليه الواجب علي لمصلحة وطني أولاً ومصلحة قومي ثانياَ.
                عامر: هذا الذي أشرت عليك به هو واجبك نحو قومك ووطنك.
                جابر: إن كنت ترى ذلك واجباً فلم لا تقوم به؟
                عامر: كنت أؤثر البقاء هنا لأشترك بنفسي في المقاومة والدفاع.
                جابر: بل تريد أن تقصيني عن الجبل ليخلو لك الجو فتسوق قومك بتهورك سوقاً إلى الكارثة!
                عامر: وتريد أنت تقصيني لتسوقهم بخنوعك إلى الاستسلام.
                جابر: أنا ما دعوتك لمغادرة الجبل ابق هنا أنت.
                عامر: أجل سأبقى هنا وسأبعث برجل آخر.
                جابر: كما يحلو لك.
                عامر: سأسجل عليك غداً أنك نكلت عن القيام بواجبك.
                جابر: افعل ما بدا لك.
                -3-
                "في مكتب وزير الخارجية البريطانية بلندن"
                شنويل: سمعت الأنباء السارة يا مستر إيدن؟
                ايدن: لقد نجحت الخطة!
                شنويل: نجاحاً ساحقاً!
                روبرتسون: لا ينبغي أن نسبق الحوادث يا مستر شنويل. علينا أن ننتظر حتى نرى إلام تنتهي الأمور.
                شنويل: ستنتهي لا محالة بسقوط الشيشكلي. هذا أمر مقطوع به.
                روبرتسون: ليس في الأنباء التي وصلتنا ما يدل على ذلك.
                شنويل: ماذا تريد بعد؟ قبض على عشرات من زعماء الأحزاب السابقة وأعلن الإحكام العرفية في معظم المدن والألوية. وفرض نظام منع التجول في عاصمة جبل الدروز بعد ما وقعت فيها مصادمات خطيرة.
                روبرتسون: هذا ما يشككني في النتيجة التي نريدها، وهي سقوط الشيشكلي.
                شنويل: الأرض كلها تتزلزل تحت قدميهّ!
                روبرتسون: لكنه بقي واقفاً على قدميه لا يتزعزع ولم يرتبك.
                شنويل: لقد فر سلطان الأطرش زعيم الدروز ولحق بلبنان.
                روبرتسون: هذا يخدم مركز الشيشكلي أكثر مما لو اضطر إلى القبض عليه.
                شنويل: وهذه الصحف اللبنانية أخذت تهاجمه وتندد بعمله.
                روبرتسون: بعض الصحف اللبنانية لا كلها. ثم لا تنس أن الصحافة المصرية كلها تناصره وتؤيد موقفه.
                شنويل: وقد تقدم نائبان من نواب الدروز في إسرائيل لإثارة المسألة في البرلمان الإسرائيلي.
                روبرتسون: وما قيمة هذا البرلمان الإسرائيلي؟
                شنويل: كيف تجرؤ على أن تحتقر البرلمان الإسرائيلي أمامي؟ إنه أرقى وأكمل من البرلمان الإنجليزي!
                روبرتسون: (يقهقه) ضاحكاً...
                شنويل: مم تضحك يا جنرال روبرتسون؟
                روبرتسون: من كلامك!
                شنويل: إنى أحتج يا مستر ايدن على هذه الإهانة‍. كيف تسمح له أن يسخر مني قدامك؟
                ايدن: اعتذر إليه يا جنرال روبرتسون.
                روبرتسون: كلا لن أعتذر إليه. مم أعتذر؟ هو الذي أهان البرلمان الإنجليزي.
                شنويل: أنت أهنت البرلمان الإسرائيلي أولاً.
                ايدن: أجل لا حق لك يا جنرال روبرتسون.
                روبرتسون: كلا ما قصدت القدح في البرلمان الإسرائيلي وكل ما قلته هو أن البرلمان الإسرائيلي لا يستطيع أن يضر الشيشكلي في شيء.
                شنويل (محتداً): وهل يستطيع البرلمان الإنجليزي أن يضره في شيء.
                روبرتسون: ولا البرلمان الإنجليزي أيضاً يقدر على ذلك.
                ايدن: ها هو ذا قد أرضاك الآن يا مستر شنويل.
                شنويل: أتدري يا مستر ايدن لم يحاول الجنرال روبرتسون التقليل من قيمة الثورة القائمة الآن في سوريا؟
                روبرتسون: (ضاحكاً)- لماذا يا مستر شنويل؟
                شنويل: لأني أنا الذي رسمت الخطة ويرجع فضلها كله إلي.
                روبرتسون: ما أسوأ ظنك يا مستر شنويل. أيعقل عندك أنني لا أتمنى سقوط الشيشكلي لئلا ينسب فضل ذلك إليك؟ حقا إن هذا لمضحك ثم أين هذا الفضل الذي تخشى أن أنتزعه منك؟ فضل الخيبة والإخفاق؟
                شنويل: سترى!‍ سوف ترى.
                -4-
                (في اجتماع كبير بعاصمة الدروز)
                جابر (يخطب): يا معشر الدروز يا أبناء الجبل الأشم. هلموا إلى خير.
                أحدهم (معترضاً): أي خير بعدما قبض على رجالنا وفتشت بيوتنا ووصمنا بتهمة الخيانة للعروبة والوطن؟
                جابر: هذه إجراءات اتخذت لسلامة الوطن الذي هو وطننا جميعاً. لئن قبض على بعض رجالنا فقد قبض أيضاً على رجال آخرين من غير الدروز. ولئن فتشت بيوتنا فقد فتشت بيوت غيرنا كذلك. ولئن أعلنت الأحكام العرفية في جبلنا هذا فقد أعلنت أيضاً في الألوية الأخرى. فلسنا وحدنا المقصودين بهذه الإجراءات. ولاشك أن اكتشاف الأسلحة الحديثة في بيوت بعضنا يشفع للحكومة فيما أقدمت عليه لحفظ كيان الدولة.
                المعترض: ولكنا لا نرضى أبداً أن نوصم بالخيانة وينسى كل ما قدمناه من الجهاد الطويل في سبيل حرية سوريا ومجد العروبة أجمع!
                جابر: كلا إن أحداً لم ينكر علينا ذلك الجهاد ولن يستطيع. لقد أصبحت مواقفنا تلك أغاني في ديوان الكفاح القومي يترنم بها كل عربي من جنوب الجزيرة العربية إلى الدار البيضاء في مراكش.
                المعترض: ويكون جزاؤنا على ذلك هذا الجزاء المهين؟
                جابر: هذه ليست إلا تدابير استثنائية أما الجزاء فسيحل على من تثبت خيانته سواء كان منا أو من غيرنا وعلينا أن نعين الحكومة على ذلك.
                أصوات: أجل.. أجل.. يجب أن يعاقب الخونة. الموت للخونة!
                جابر: يا أبناء الجبل الأشم علينا أن نشرح الحقائق للحكومة فإني واثق أن الرئيس الشيشكلي سيسره أن يعرف هذه الحقائق وسيقوم بواجبه من رد اعتبارنا ورفع الأحكام العرفية عن لوائنا. إننا سوريون قبل أن نكون دروزاً وعرب قبل أن نكون سوريين. وهاأنتم سمعتم صوت محمد نجيب بطل العروبة في مصر كيف يدعونا إلى الاتحاد ويحذرنا من مكايد الاستعمار.
                أصوات: لبيك يا محمد نجيب. يعيش محمد نجيب. يسقط الاستعمار.
                جابر: إن عيباً على الجبل وأبناء الجبل أن يكونوا- ولو بحسن نية- شوكة في جنب العروبة المكافحة ضد الصهيونية والاستعمار!
                أصوات: كلا لن نكون شوكة في جنب العروبة! نحن جنود العروبة! نحن فداء العروبة!
                جابر: مرحى مرحى يا أبناء السويداء! الآن أستطيع أن أطمئن على أن العروبة ستظل تضرب بجهادكم الأمثال وأن أبناءها من كل جيل وفي كل مكان سيظلون إلى الأبد يرددون ذلك المثل السائر في دنيا العروبة كلها: في السويداء رجال! أجل.. في السويداء رجال!!
                (ستار)




                تعليق

                • السعيد ابراهيم الفقي
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 24-03-2012
                  • 8288

                  #9
                  ثماني عشرة جلدة *

                  بقلم الأديب الكبير: علي أحمد باكثير
                  - 1 -
                  في منزل الجنرال باركر (القائد العام) في القدس- يتحدث الجنرال باركر إلى زائره الميجر برت
                  باركر(ينفث دخان سيجارة) هه ياصديقي، إنني الآن كما ترى: أسمع وكأني لا أسمع، وأرى وكأنني لا أرى هذه هي الأوامر.
                  برت: لقد أحسنت صنعاً بمجاراتك للأحوال يا جنرال باركر، فأنت بهذا تخدم الإمبراطورية من جهة، وتسدى بعض الخير إلى هذا الشعب البائس المضطهد من جهة أخرى0
                  باركر: (يقهقه ساخراًُ): لا تقل هذا يا برت. فالحق أنني إنما آثرت السلامة وراحة البال. أما خدمة الإمبراطورية فلها في رأيي- لو كان لي رأى يسمع- أسلوب آخر.
                  برت: ما من أحد يشك في إخلاصك للإمبراطوريةٍ، بيد أنك أغلب الظن قد تسرعت واندفعت بوحي العاطفة حين أمرت الجنود البريطانين على أثر نسف الفندق الملك داود بمقاطعة مقاهي اليهود ومنتدياتهم. ولعلك لو ترويت قليلاً لما أقدمت على إصدار ذلك الأمر.
                  باركر: كلا فما أصدرته إلا بعد أن أنعمت النظر ودرست النفسية اليهودية جيداً فما وجدت لها علاجاُ أنفع من هذا العلاج.
                  ولكن المسؤولين رأوا-لأسباب يعلمونها وحدهم-أن يعفوا المريض من مرارة الدواء، ويريحوا الطبيب من عناء العلاج.
                  برت: تلك في الوااقع عملية جراحية مؤلمة وبعض الأطباء مغرمون بالعمليات الجراحية ولو لم تدع إليها ضرورة قاضية.
                  باركر: ما أحسبني كنت من أولئك الأطباء يا ميجر برت.
                  برت: ألا ترانا ننكر على العرب أن يعمدوا إلى مقاطعة البضائع الصهيونية كسلاح ضد خصومهم؟ فكيف نجيز لأنفسنا أن نشهر مثل هذا السلاح على أصدقائنا وصنائعنا ؟
                  باركر: بالله أعفني يا صديقي من الاسترسال في هذا الحديث، فكفاني ما لقيت في لندن من اللوم والتعنيف على ذلك التصرف الذي اعتبروه مني جريمة لا تغفر، حتى كادوا يفصلونني من الخدمة. وما عدت إلى منصبي هذا إلا بعد أن أُخِذَتْ عليَّ العهودُ أن لا أعود إلى مثل هذا التصرف في المستقبل. فاطمئن إذن يا صديقي على أصدقائنا وصنعائنا هؤلاء، فلن يصيبهم منا أذى مهما قاموا بأعمال الإرهاب ومهما هددوا ضباطنا بالجلد‍‍. ‍‍‍‍
                  برت: بالجلد
                  باركر: نعم بالجلد على ظهورهم. ألم تقرأ النشرة التي أذاعتها جمعيتهم الارهابية مساء أمس؟
                  برت: لا ما قرأتها. ماذا قالوا فيها؟
                  باركر( يسحب صحيفة من مكتبه ويناولها لجليسه): خذها فاقرأها.
                  برت ( يقرأها ملياً ثم يردها الباركر):أعتقد أن هذا مجرد تهديد، ولن يجرؤوا على تنفيذه.
                  باركر ( يهز كتفيه): لا أدري احرص على نفسك على كل حال...
                  برت: ماذا تعني؟
                  باركر: وصية صغيرة أقدمها إليك إن شئت عملت بها، وإن شئت تركتها فهي غيررسمية‍‍‍‍
                  برت ( ينظر في ساعته): آن لي أن أنصرف الآن من عندك فهل تأذن لي؟
                  باركر: إلى أين؟
                  برت (ينهض): إلى ناثانيا
                  باركر(ينهض متثاقلاً ليودعه): فلتصبحك السلامة... شكراً لزيارتك لا تنسَ وصيتي الصغيرة... غير الرسمية .
                  برت: شكراً يا صديقي العزيز.
                  -2-
                  في فندق متروبول بناحية ناثانيا- يظهر الميجر برت جالساً في غرفته يطالع كتاباُ- يفتح الباب اقتحاماً، ويدخل عشرة من الارهابيين اليهود وبأيديهم المسدسات.
                  أحدهم: احذر أن تقاوم
                  برت: ماذا تريدون مني
                  أحدهم: اتبعنا ولا تنبس ببنت شفة
                  برت: لعلكم تبتغون غيري..أتعرفون من أنا
                  أحدهم: بريطاني حسبنا أن نعرف هذا عنك. هيا لا تضع وقتنا، وإلا أضعنا حياتك.
                  -3-
                  فناء فسيح في المستعمرة اليهودية (ريشون لي زيون) غاص بالمتفرجين- يظهر الميجر برت واقفاً، وقد جرد النصف الأعلى من جسمه من ملابسه وهو ينتفض من البرد، وأمامه جماعة من الارهابيين بأيديهم السياط وحوله آخرون بأيديهم المسدسات بينهم رجل ملثم.
                  برت: إنكم ستندمون على عملكم هذا.
                  الملثم (يصر بأسنانه): ربما نندم على عملنا هذا حين تندمون أنتم على جلد ابراهام كيمشون ثماني عشرة جلدة وحبسه ثمانية عشر عاماً.
                  برت: ماذا أنتم صانعون بي؟
                  الملثم: ستجد الجواب عند ظهرك هذا بعد قليل.. ثماني عشرة جلدة.. لا أقل ولا أكثر.. أما الحبس فليس في وسعنا مع الأسف أن نربي كلباً عندنا ثمانية عشرة عاماً.
                  برت: ولكني ما أسأت إليكم قط، بل إني لمعروف عند أصحابي بالميل إليكم والعطف على أمانيكم. لقد كنت أدافع عنكم حتى يوم أمس فقط حين كنت عند القائد العام في القدس.
                  الملثم (يضحك ساخراً): هنيئاُ لكم يا بريطانيون ما أنعم الله به عليكم من بلادة الحس وغباوة الذهن. لتكن يا هذا أشد حباً لليهود من المستر تشرشل نفسه فلن يمنعنا ذلك من جلد ظهرك، إننا نريد أن نجلد ظهر بريطانيا العظمى
                  برت: هذه إهانة لا أستطيع أن أتحملها، وأيسر منها عندى القتل.
                  الملثم: ولكن دولتك العظمى تستطيع أن تحتمل ذلك بما عهد الناس فيها من الصبر والاحتمال، ولا يهمنا أن تحتملها أنت أو لا تحتملها، أما القتل فهذا شرف لم نبخل به على كثير من بني جنسك (يلتفت إلى الجلاد): اجلد يا ليفي (يجلد ليفي ظهربرت بالسوط..) اجلده ثانية (يجلده)
                  الملثمم: ما طعم هذا يا صديق اليهود؟ أيتهما أحلى الأولى أم الثانية؟
                  (يتعالى ضحك المتفرجين)
                  برت: سترون عاقبة هذا.
                  الملثم: قد رأينا أثر السوطين في ظهرك، ومن المؤكد أننا سنرى آثار السياط الباقية كذلك، وإنه ليؤسفني أنك لا تستطيع أن تراها بعينك فقد شاء الله-لحكمة يعلمها هو- أن يخلق البريطاني بعينيين في وجهه كسائر البشر ولم يجعلها في قفاه، لكن لا تبتئس فستراها عينا زوجتك إن كانت لك زوجة .. اجلد يا ليفي.
                  برت: (يتلوى من ألم جلده) آه.
                  الملثم: هذا صوت الامبراطورية العجوز تتأوه ما أحلى جرسه في سمعي اجلد يا ليفي داركاَ.. دع الآهات تتوالى حتى يتألف منها لحن موسيقى جميل.
                  أحد المتفرجين (يهتف): يحيا الموسيقار ليفي. (يضحك الجميع)
                  (ليفي يجلد وبرت يتأوه والملثم يعد بأصابعه)
                  الملثم: كفي يا ليفي. هذه ثماني عشرة جلدة.. (للميجر): يعز علينا أن تقطع تآوهك وآنينك وتحرمنا من سماع موسيقاك العذبة!.
                  برت: ستسمعون وشيكاً موسيقى من طراز آخر!.
                  الملثم: أجل.. إن صوتك هذا الذي يخالطه البكاء لطراز آخر من الموسيقى!
                  برت: انتهيتم الآن من مهمتكم؟ فماذا تريدون أن تصنعوا بي بعد؟
                  المثلم: دعنا نستمتع قليلاً برؤية هذا الأثر الفني الذي رسمه ليفي في ظهرك.. (يتأمل ظهر الميجر): هذه خطوط هندسية بديعة... لله درك يا ليفي.. إنك أيضاً لرسام بارع!
                  المتفرجون: (يهتفون) يحيا ليفي الرسام!
                  - 4 -

                  أمام دار المندوب السامي بمدينة القدس يظهر الميجر برت عاري الظهر، وهو يحاول اقتحام الدار في هيئة مريبة.
                  الحارس (من بعيد): قف مكانك وإلا أطلقت النار عليك.
                  برت (بأعلى صوته): أطلق! فلأن يقتلني حارس بريطاني خير من أن يجلدني اليهود.
                  الحارس: من تكون؟
                  برت: أطلق! لن تعاقبك حكومتك على قتلي، فلست من الإرهابيين اليهود وإنما أنا بريطاني مثلك!
                  الحارس: (يدنو منه): ماذا تريد يا سيدي؟
                  برت: ابتعد عن طريقي.. إنني أعرف ما أريد.
                  الحارس: ولكن الأوامر يا سيدي..
                  برت: (يصيح في وجهه): يا عبيد اليهود! هل بقيت لكم أوامر مطاعة في هذا البلد؟!
                  الحارس: هل تريد مقابلة صاحب الفخامة؟
                  برت: فلأي شيء جئت إذن يا بليد؟
                  الحارس: حسناً.. سأستأذن لك عليه.. ما اسمك يا سيدي؟
                  برت: لا داعي للاستئذان.. إن سيدك هو الذي دعاني لمقابلته.
                  الحارس: (فاغراً فاه من الدهشة) أنت...؟
                  برت: نعم.. أنا الضابط المجلود!
                  - 5 -
                  في مكتب المندوب السامي – فخامته جالس على مكتبه.
                  (يدخل برت هائجاً خلف الحاجب)
                  المندوب السامي: أهذا أنت يا ميجر برت؟
                  برت: نعم يا صاحب الفخامة.. أنا الضابط المجلود الذي شاء كرمك أن تدعوه لتتفرج عليه!
                  المندوب: (بعد ستكة قصيرة): أو تدخل علي هكذا اقتحاماً بدون إذن؟
                  برت: ألست أنت الذي دعوتني لمقابلتك؟
                  المندوب: وبغير الملابس الرسمية؟
                  برت: لقد شاء أحبابك اليهود أن أجيئك على هذه الصورة ليثلج صدرك وتقر عينك!
                  المندوب: وبدون أن تؤدي لي التحية الرسمية؟
                  برت: (يصيح بغضب): أما تستطيعون أن تنسوا تقاليدكم الرسمية لحظة من الزمن؟ أبهذه العنجهية تقابلون ضابطاً شريفاً أذله اليهود وجلدوه ثماني عشر جلدة؟ انظر إلى آثار السياط في ظهري واحمد الله على أنها ليست هذه المرة في ظهرك! أتريدني أن أجيئك بشرائطي ونجومي وأوسمتي ونياشيني لأقدم لك فروض الشكر على ما نالني من أيدي اليهود بفضل حزمك وعزمك وصرامتك في الضرب على أيديهم العابثة الآثمة؟!
                  المندوب: عجباً لك. إنك تخاطبني كما لو كنت أنا الذي أمرت اليهود بضربك وجلدك!
                  برت: وهب في وسعك أن تأمرهم بشيء، أنت هنا المأمور لا الآمر!
                  المندوب: هل تعرف ماذا تقول؟
                  برت: نعم وإني لأقول الحق. إنك هنا لتنفذ توصيات تلك الحفنة من الصهيونيين في بريطانيا وأذنابهم ويهمك أن يدوم رضاهم عنك حتى يبقوك في هذا المنصب العظيم. منصب الحاكم بأمرهم في هذا البلد العربي الذي تواطأتم على تهويده بمختلف الوسائل الناعمة والقاسية، واحتملتم في سبيل ذلك حتى أن يهان ضباطكم ويجلدوا على رؤوس الأشهاد.
                  المندوب: يظهر لي أنك لست في حالتك العادية، وأنك بحاجة إلى الراحة.
                  برت: كلا بل أنا في أحسن حالاتي الآن. لقد انقشعت عن عيني تلك الغشاوة التي كانت تحجب عنها الحقائق البشعة، فعرفت اليوم حقيقة الوظيفة التي تقوم بها عن البريطانيين في هذا البلد العربي المقدس. وظيفة القيادة المهينة للبغاء العلني. لقد أدركت اليوم أي ظلم فاجر نوقعه بهؤلاء العرب الذين احتللنا بلادهم باسم الانتداب عليهم لإعدادهم للحكم الذاتي يوماً من الأيام، فإذا بنا نرميهم بهذه القطعان من الوحوش البشرية لنحلها محلهم...
                  المندوب: دعنا من هذا الآن فما لهذا دعوتك. وقل لي: كيف اختطفوك؟
                  برت: قد قدمت تقريري في الإدارة العسكرية، ولا بد أنه قد وصلك. وثقيل على قلبي أن أعيد رواية الحادث بحذافيره على مسامع فخامتك.
                  المندوب: إذن فسأستفهمك عن بعض النقاط فقط. كم كان عددهم؟
                  برت: ثمانية عشر ملعوناً!
                  المندوب: لكن الذي ورد في تقريرك أنهم عشرة فقط.
                  برت: بل ثمانية عشر ملعوناً (يدير له ظهره) عدهم في ظهري إن شئت.
                  المندوب: أنا لا أسألك عن عدد الأسواط، بل عن عدد الأشخاص الذين اختطفوك من الفندق.
                  برت: قلت لك إنهم ثمانية عشر ملعوناً.
                  المندوب: ألا تعرف المحل الذي قادوك إليه؟
                  برت: أنى لي أن أعرف وأنا معصوب العينين في السيارة؟
                  المندوب: كم ميلاً تقدر بعده عنا ثانياً؟
                  برت: ثمانية عشر ميلاً.
                  المندوب: لكن الوارد في التقرير أحد عشر ميلاً.
                  برت: ثمانية عشر ميلاً على التحقيق.
                  المندوب: هذا عجيب.. وكم مكثت عندهم؟
                  برت: ثماني عشر ساعة.
                  المندوب (مستغرباً) ثماني عشرة ساعة!
                  برت: نعم ثمانية عشر ساعة وثماني عشر دقيقة وثماني عشرة ثانية إن شئت التحديد.
                  المندوب: لم يمر على اختطافك أكثر من عشر ساعات فكيف يصح أن تمكث عندهم ثماني عشرة ساعة؟
                  برت: قلت لك ثماني عشرة ساعة وثماني عشرة دقيقة وثماني عشرة ثانية أفتشك في قولي؟ (يدير له ظهره) ها هو ذا ظهري فأحص العدد بنفسك! لقد جلدوني ثماني عشرة جلدة.. نعم ثماني عشرة جلدة.. ويل لليهود مني! وشرف مليكي لأقتلن منهم ثمانية عشر ملعوناً!
                  المندوب: كلا يا برت. هذا عمل غير مشروع! ولا سيما من ضابط مثلك فحذار أن يدفعك الطيش إلى ارتكابه!
                  برت: (محتداً): غير مشروع؟! وهل جلد ظهري ثماني عشرة جلدة مشروع عندكم؟
                  المندوب: لا تنس أن علينا أن نحتمل كل ما يصيبنا في سبيل الإمبراطورية.
                  برت: (منفعلاً) لو وقع هذا الحادث لفخامتك فلفخامتك أن تعفو عن أحبابك هؤلاء في سبيل الإمبراطورية – أما أنا- أنا الذي أحرزت لكم النصر في معركة آرتهيم فإني إنجليزي قبل أن أكون بريطانياً، وما انخرطت في سلك الجندية إلا لإيماني بأني أخدم بلادي وأمتي ومليكي. وما كنت أعلم أنني انخدعت، وأني في الحقيقة إنما أخدم أشخاصاً استعبدهم مال اليهود ونفوذ اليهود لتحقيق مطامعهم الاستعمارية واغتصاب بلاد الناس وامتصاص دمائهم على أكتافنا أنا وأمثالي من المخدوعين!
                  المندوب: هذه أقوال خطيرة، وأخشى تبعتها عليك!
                  برت: إنني ما عدت اليوم أخشى شيئاً، سيعرف الشعب الإنجليزي قريباً مصداق هذه الأقوال، فإني لم أيأس بعد منه، أما أنتم يا ساسة بريطانيا، فأنتم عبيد اليهود من قبل أن يصدر بلفور وعده السافل الدنيء، وقد زاد خضوعكم لسادتكم هؤلاء بعد أن استعبدكم القرض الأمريكي، ماذا يضيركم أنتم أن يجلد مثلي ثماني عشرة جلدة أو ثمانية عشر ألف جلدة، ما دام سادتكم اليهود في بريطانيا وأمريكا راضين عنكم؟ لقد تحقق لي الآن أن اليهود لو جلدوا منا ثمانية عشرة مندوباً سامياً كل واحد منهم ثماني عشرة جلدة لما تغير قلب بريطانيا على سادتها اليهود بل ربما اعتذرت إليهم عما أصاب سياطهم الثمانية عشرة من التقطع والتلف من جراء إلهابها على ظهور الثمانية عشر مندوباً سامياً، ولن تكتفي بالاعتذار حتى تعوض لليهود ثمن هذه السياط من خزينة الحكومة الفلسطينية التي تملؤها الأموال المأخوذة غصباً من جيوب العرب دافعي الضرائب وأصحاب البلاد!
                  ألا ليت شعري إذا كانت ظهور البريطانيين الذين جلبوا اليهود إلى هذه البلاد تستحق سياط اليهود، فماذا تستحق هذه الظهور أن تلقاه من أيدي العرب؟ قسماً بشرف مليكي وبلادي لو أن العرب ضربونا بمقامع الحديد وأدخلوا في حلوقنا سنابك الخيل وسملوا عيوننا بالحديد المحمى وصبوا على رؤوسنا رجيع اليهود لوجب أن تحتمل ذلك منهم قبل أن تحتمل سياط اليهود على ظهورنا.
                  (يتهالك برت في موقفه ويكاد يقع على الأرض، فيسنده المندوب السامي، ويجلسه على الكرسي الذي أمامه ويواسيه).
                  المندوب: استرح قليلاً فإنك منهوك الأعصاب.
                  برت: أشكرك يا صاحب الفخامة.
                  المندوب: طب بالاً، وثق أننا سنعاقب الجناة بما يستحقون.
                  برت: هل في وسعك أن تصنع ذلك قبل الرجوع إلى المقامات العليا في لندن؟ لعلك تنوي السفر قريباً إلى هناك..
                  المندوب: لا شأن لك بسفري أو بقائي، وحسبك أن تعلم أننا سنعوضك عما أصابك من الضرر
                  برت: بم تعوضني؟
                  المندوب: خذ هذا المبلغ تعويضاً لك (يناوله أوراقاً مالية).
                  برت: (يعد الأوراق المالية) ثلاثمائة وستون جنيهاً، لقد عرفت أن سعر الجلدة الواحدة في ظهر الضابط البريطاني عشرون جنيهاً! أين مراسلو الصحف العالمية ليأخذوا صورة ظهري وعليه آثار ثماني عشرة جلدة تساوي كل واحدة منها عشرين جنيهاً استرلينيّاً!
                  المندوب: إن كنت تستقل هذا المبلغ فإني مستعد لزيادته.
                  برت: كلا.. هذا مبلغ طيب.. لكأنني بزملائي الذين لم يتح لهم هذا الشرف يحسدونني الآن ويتمنى كل واحد منهم لو أنه كان الضابط المجلود: شكراً لك يا صاحب الفخامة على عطفك وكرمك! هل تأذن لي الآن بالانصراف؟
                  المندوب: على أن تكون عاقلاً حكيماً يا برت. (للحاجب) دعهم يوصلوا الميجر برت بالسيارة إلى منزله.
                  برت: شكراً لك يا سيدي، إن سيارتي تنتظرني بالباب.
                  - 6 -
                  في الطريق العام من الحي العربي بمدينة القدس.
                  برت: (يسير الهوينا ويصيح بأعلى صوته مردداً) ثلاثمائة وستون جنيهاً عن ثماني عشرة جلدة.. كل جلدة بعشرين جنيهاً!
                  (يتجمع المارة حوله ويسيرون خلفه حتى يصل إلى ميدان فسيح، فيرتقي مصطبة عالية ويخطب في الجمع) أين أنتم يا أصحاب البلاد؟ يا أبناء فلسطين! يا عرب فلسطين؟ هلموا إليّ واسمعوا ما أقول! أين أنتم يا عرب فلسطين، يا دافعي الضرائب التي يأكل منها البريطانيون واليهود؟ يا دافعي الضرائب التي ترصف بها شوارع تل أبيب، وينفق منها على المستعمرات اليهودية؟ يا دافعي الضرائب التي ينفق منها على تهريب المهاجرين غير الشرعيين وعلى السفن التي تنقلهم من مياه فلسطين إلى قبرص ثم من قبرص إلى فلسطين يا دافعي الضرائب التي يصرف منها لتعويض ما يدمره ويتلفه الإرهابيون اليهود من المباني الحكومية والخطوط الحديدية وتعويض عائلات البريطانيين الذين يلقون حتفهم على أيدي الإرهابيين.
                  (تتكاثر جموع المارّة الذين وقفوا يستمعون إليه).
                  هلموا أيها العرب يا أصحاب البلاد يا أبناء فلسطين! هلموا استمعوا إلى هذا الضابط البريطاني برتبة ميجر الذي جلده اليهود ثماني عشرة جلدة، فأعطاه فخامة المندوب السامي ثلاثمائة وستين جنيهاً تعويضاً له! أنا ذلك الضابط المجلود وهذه آثار السياط على ظهري!
                  هلموا أيها العرب، يا من تدفعون الضرائب من عرق جبينكم المتصبب وكد أيديكم المتخشبة، لينفقها البريطانيون في توطيد الوطن القومي لأعدائكم، وتأسيس الدولة اليهودية في بلادكم فلسطين! هلموا أيها الفلاحون العرب هلموا إلي! لا تخافوا مني إنني لن أمسكم بأذى أقسم لكم بهذه الأرض المقدسة التي حافظتم على طهرها وقدسيتها طوال العصور حتى دنسها البريطانيون ولونها سادتهم الصهيونيون إني لصديق لكم ولو أنني لا أستحق صداقتكم لأني أنتمي إلى الدولة التي احتلت بلادكم لتنتزعها من أيديكم، وتقدمها قرباناً لمجرمي اليهود!
                  أيها الأصدقاء العرب: إن كان لي أن أنصحكم، فاصبروا وصابروا وامضوا في جهادكم، وثقوا أن الشعب البريطاني سيستيقظ ضميره وشيكاً، ويثور على ساسته الذين باعوا أنفسهم وكرامة بلادهم وشرف أمتهم للشيطان: شيطان الصهيونية المجرمة الآثمة!
                  هلموا أيها العرب من مسلمين ومسيحيين! هلموا يا أهل فلسطين! إني أنا الضابط البريطاني المجلود ثماني عشرة جلدة، أبشركم إذا ثابرتم على الجهاد بأن فلسطين ستبقى لكم إلى الأبد على رغم أنوف الصهيونيين وعبيدهم البريطانيين والأمريكيين!
                  هلموا أيها العرب من مسلمين ومسيحيين. انظروا.. أترون هذه الأوراق المالية التي في يدي؟ إنها الثلاث مئة والستون جنيهاً التي أخذتها ثمناً لثماني عشرة جلدة ألهبها في ظهري اليهود، وقد أعطانيها فخامة مندوبنا السامي من خزينة هذه البلاد التي يملؤها ما تدفعونه من الضرائب والرسوم، فليست هذه الثلاث مئة والستون جنيهاً إلا من مالكم أنتم، وها أنذا أعيدها إليكم، خذوها مني اقتسموها بينكم، إنني لا أستحقها.. إنني لا أستحقها! هي منكم.. هي لكم!
                  (يرمي الأوراق المالية على الجموع المحتشدة ويترنح قليلاً ثم يهوي إلى الأرض مغشياً عليه فتحمله الجموع على الأعناق وتسير به في موكب عظيم نحو المستشفى وهي تردد الهتاف والتهليل).
                  (ستار)

                  تعليق

                  • السعيد ابراهيم الفقي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 24-03-2012
                    • 8288

                    #10
                    كتاب جديد عن باكثير:
                    اليهود في مسرح باكثير

                    الأديب الكبير الأستاذ: علي أحمد باكثير

                    د. عبد الحكيم الزبيدي
                    zubaidi@bakatheer.com
                    تأليف: د. عبد الحكيم الزبيدي
                    الكتاب يتناول اليهود وقضية فلسطين في مسرحيات الكاتب علي أحمد باكثير، ويرى المؤلف أن باكثير كان أول من تناول هذه القضية في المسرح في الأدب العربي، وأنه تناول هذه القضية في كثير من مسرحياته بطرق مباشرة وغير مباشرة.
                    فمن المسرحيات التي تعرضت لليهود والقضية الفلسطينية بشكل مباشر: شيلوك الجديد، وشعب الله المختار، وإله إسرائيل، والتوراة الضائعة. أما المسرحيات التي تعرضت لليهود وقضية فلسطينبطريقة غير مباشرة فهي: مأساة أوديب، وإمبراطورية في المزاد، وحرب البسوس، بالإضافة إلى المسرحيات السياسية القصيرة المجموعة في كتاب (مسرح السياسة).
                    وقد خصص المؤلف الفصل الثالث لتناول الخصائص التي تميز بها باكثير بين معاصريه من الأدباء والكتاب. ورأى أن باكثير كان يستخدم المسرح كأداة لتبصير الأمة بالأخطار المحيطة بها، وإثارة الرأي العام حتى يعمل على حل المشكلات التي يعاني منها.
                    كما كان باكثير ملتزماً بالقيم والأخلاق الإسلامية في كل ما كتب من أدب، كما تميز بعمق الدراسة للمواضيع التي يتناولها والإحاطه بأدق تفاصيلها مما أعطى لأدبه قيمة كبيرة.
                    كما تحدث المؤلف عن روح التفاؤل والثقة بالنصر وغلبة الحق التي تشيع في كل أعمال باكثير. وكذلك تحدث عن ميزة أخرى تفرد بها باكثير بين أدباء عصره، وهي نفاذ البصيرة والنظرة الثاقبة للأحداث، التي أعانته على التنبوء بأحداث المستقبل وهي ما تزال جنيناً في رحم الغيب. وقد جاءت معظم هذه الأحداث كما توقعها باكثير. كذلك تميز أسلوب باكثير بإستخدام الفكاهة الجادة في تناول الموضوعات السياسية، ليكون بذلك رائداً لهذا المجال في الأدب المسرحي.
                    وأخيراً فقد التزم باكثير بالإنصاف في كل أعماله المسرحية التي تناولت اليهود. فهو لم يقتصر على تصوير الشخصيات اليهودية التي تمثل الجانب الشرير وحده بل عرض للكثير من الشخصيات اليهودية الإيجابية التي ترفض الحركة الصهيونية التي تقوم على مبدأ التمييز العنصري وترفض المقومات التي قامت عليها دولة إسرائيل. كما أنه كان من دعاة السلام العالمي ولم يدع إلى استخدام المقاومة المسلحة إلا لرد العدوان.

                    تعليق

                    يعمل...
                    X