حدثنا قائلا:
**
انطلقت في هذا الفضاء بمتعة سابحا، أخترق صمته الفاحش الجمال، وأجرح صفاء تأمله، إنني غير مصدق أني قد انطلقت بحرية لأستمتع بدفء الشمس، وأغتسل بالنور والضياء، إنني لحد الساعة مازلت متشككا، هل وقع الانطلاق حقا؟ تنتابني الشكوك، تريد أن تغتال متعتي اللحظية، ألتفت خلفي، لقد خرجت من كهف الكنانة حقا، خرجت من ظلمة ذلك الكهف الخانق، إنني أطير كعصفور ألف السباحة في جمال الكون مغردا، لا أمتلك صوتا سوى هسيس، بيد أني أشعر بحلاوة ما شعرت بها مطلقا. كنت أشعر بالاختناق، قبلا، في ذلك الحيز الضيق والمظلم من الكنانة، وازداد ضيقي لكثرة السهام وهي تقتسم معي ما لا يقتسم. اختناق فعلي كاد يطير صوابي ويقتل في رغبة الحياة. أما الآن، فأنا حر ولو لوقت يسير، لا يهم، أن تشعر بالحرية ولو لمدة وجيزة خير من البقاء معتقلا طوال حياتك، أنا ابن الشجر العاشق للحرية، والمحتضن لأعشاش الطيور وهي تشذو بالجمال، وتزرع في النفوس ألق الحياة، ما أروعني ! أنا الوحيد في هذا الفضاء الرحب، أحس أني قد منحت دون غيري ملكة التحرك والسباحة من دون قيد، أنا ابن الطبيعة قد عدت إليها وها هي تحضنني بشوق ومحبة. خيل لي وأنا أحلق، أن العصافير قد اصطفت على الجانبين لتحية موكبي بالتغريد. شعرت لحظتها بالزهو.
أنظر تحتي فأرى شجرة أرعشتني، سرى في بدني برد غريب هز أعطافي، كأن لي بها ذكرى، بل لي بها علاقة مؤكدة، إنها أمي التي ولدتني، وأنا أحد أغصانها التي اغتصبتها يد شرشة لا تحب الحياة، أعلم أن شره الإنسان للمال يدفع به إلى الانتحار، يقطع الأشجار، ويغتصب الغابات، غير مبال بالأخطار الناجمة عن فعله، إنه يصحر الحياة، يرتكب جناية في حقه والأجيال القادمة. أتذكر جيدا أن تلك الشجرة قد احتضنت قصة عشق جارف بين شاب من أسرة متوسطة الحال، وفتاة غنية سقطت في غرامه، فتواعدا على ألا يفترقا، وأن الكلمة الفصل لحبهما ستكون بيديهما، وأن الموت هو القادر على إنهاء حكايتهما وإلى الأبد، إذا قتل أحدهما أو مات فإن الثاني سيلحق به توا، ولن يترك فرصة الشماتة تزين محيا العذل.
أتذكر جيدا تلك الأيام التي "جمعتهما تحت ظلال وارفة من الشّغف، وسارت بهما ردحًا من الزّمن في فلاةِ اللهفة على هودج الجنون!"
نظرت إلى حضورهما العطر، وكنت صبيا لا أفقه في أمور الحب، لكنني كنت أنتشي بحضورهما، وأطرب لكلماتهما الرقيقة كالنسائم، وبوحهما العذب كخرير ماء نهر يعد بالخصب، تلك اللمسات البريئة والحنون كانت تبعث في جسمي قشعريرة، وكان حدسي يخبرني أنهما في خطر.يشدني الحنين إليك، وأفكر كيف سأعانقك؟!
اليد الخبيثة التي صهل فأسها في جذعك لم تفلح في قتلك، ها أنت تنمين بيناعة وقوة نشاط، وأنا المجتث منك أطلب ارتواء من صدرك، لكنني لا أستطيع، لقد حرفت عن مساري، وصرت غيري، وأعرف أني قد أصبحت سهما عاريا مني، آه، ثم آه، أدرك غايتي، وأعرف جيدا هدفي، إنني صرت آلة قتل. أنظر إلى جذعك فترشقني عبارة الوله المكتوبة بأظافر العشق، وذلك القلب المدمى، لم ينزف، فقد ظل صامدا، يكتم حبه ولا يطيق أن يرى انهراق دمه. وأنا في انطلاقي، رصدت وجها، أعرفه جيدا، لقد نحت بقوة في ذاكرتي، أعرف صاحبه... ها أنا أدرك، اللحظة، هدف انطلاقي، إنني أهوي شيئا فشيئا، أسير باتجاه القلب النابض لأسكته، أبدا لن أفعل، سأتمرد على هذا الدور المسرحي الباهت، لن أكون أداة سفك دم زكي، أنظر إلى عينيه فأرى فيها الألق والشوق، أريد أن أسقط أرضا على أن أمرغ التربة بدم الكراهية، سأترك للفتى متسع حياة. لكن، مهلا، أرى خلفي سهما من لبلاب يزيحني، ثم يخترق بدقة شغاف القلب، ولحظة سقوطي كمدا، قرع صوتي صراخ مفزع كسر جلال السماء. وأنا مشجى على الأرض سقطت على خدي دموع حمراء.
**
انطلقت في هذا الفضاء بمتعة سابحا، أخترق صمته الفاحش الجمال، وأجرح صفاء تأمله، إنني غير مصدق أني قد انطلقت بحرية لأستمتع بدفء الشمس، وأغتسل بالنور والضياء، إنني لحد الساعة مازلت متشككا، هل وقع الانطلاق حقا؟ تنتابني الشكوك، تريد أن تغتال متعتي اللحظية، ألتفت خلفي، لقد خرجت من كهف الكنانة حقا، خرجت من ظلمة ذلك الكهف الخانق، إنني أطير كعصفور ألف السباحة في جمال الكون مغردا، لا أمتلك صوتا سوى هسيس، بيد أني أشعر بحلاوة ما شعرت بها مطلقا. كنت أشعر بالاختناق، قبلا، في ذلك الحيز الضيق والمظلم من الكنانة، وازداد ضيقي لكثرة السهام وهي تقتسم معي ما لا يقتسم. اختناق فعلي كاد يطير صوابي ويقتل في رغبة الحياة. أما الآن، فأنا حر ولو لوقت يسير، لا يهم، أن تشعر بالحرية ولو لمدة وجيزة خير من البقاء معتقلا طوال حياتك، أنا ابن الشجر العاشق للحرية، والمحتضن لأعشاش الطيور وهي تشذو بالجمال، وتزرع في النفوس ألق الحياة، ما أروعني ! أنا الوحيد في هذا الفضاء الرحب، أحس أني قد منحت دون غيري ملكة التحرك والسباحة من دون قيد، أنا ابن الطبيعة قد عدت إليها وها هي تحضنني بشوق ومحبة. خيل لي وأنا أحلق، أن العصافير قد اصطفت على الجانبين لتحية موكبي بالتغريد. شعرت لحظتها بالزهو.
أنظر تحتي فأرى شجرة أرعشتني، سرى في بدني برد غريب هز أعطافي، كأن لي بها ذكرى، بل لي بها علاقة مؤكدة، إنها أمي التي ولدتني، وأنا أحد أغصانها التي اغتصبتها يد شرشة لا تحب الحياة، أعلم أن شره الإنسان للمال يدفع به إلى الانتحار، يقطع الأشجار، ويغتصب الغابات، غير مبال بالأخطار الناجمة عن فعله، إنه يصحر الحياة، يرتكب جناية في حقه والأجيال القادمة. أتذكر جيدا أن تلك الشجرة قد احتضنت قصة عشق جارف بين شاب من أسرة متوسطة الحال، وفتاة غنية سقطت في غرامه، فتواعدا على ألا يفترقا، وأن الكلمة الفصل لحبهما ستكون بيديهما، وأن الموت هو القادر على إنهاء حكايتهما وإلى الأبد، إذا قتل أحدهما أو مات فإن الثاني سيلحق به توا، ولن يترك فرصة الشماتة تزين محيا العذل.
أتذكر جيدا تلك الأيام التي "جمعتهما تحت ظلال وارفة من الشّغف، وسارت بهما ردحًا من الزّمن في فلاةِ اللهفة على هودج الجنون!"
نظرت إلى حضورهما العطر، وكنت صبيا لا أفقه في أمور الحب، لكنني كنت أنتشي بحضورهما، وأطرب لكلماتهما الرقيقة كالنسائم، وبوحهما العذب كخرير ماء نهر يعد بالخصب، تلك اللمسات البريئة والحنون كانت تبعث في جسمي قشعريرة، وكان حدسي يخبرني أنهما في خطر.يشدني الحنين إليك، وأفكر كيف سأعانقك؟!
اليد الخبيثة التي صهل فأسها في جذعك لم تفلح في قتلك، ها أنت تنمين بيناعة وقوة نشاط، وأنا المجتث منك أطلب ارتواء من صدرك، لكنني لا أستطيع، لقد حرفت عن مساري، وصرت غيري، وأعرف أني قد أصبحت سهما عاريا مني، آه، ثم آه، أدرك غايتي، وأعرف جيدا هدفي، إنني صرت آلة قتل. أنظر إلى جذعك فترشقني عبارة الوله المكتوبة بأظافر العشق، وذلك القلب المدمى، لم ينزف، فقد ظل صامدا، يكتم حبه ولا يطيق أن يرى انهراق دمه. وأنا في انطلاقي، رصدت وجها، أعرفه جيدا، لقد نحت بقوة في ذاكرتي، أعرف صاحبه... ها أنا أدرك، اللحظة، هدف انطلاقي، إنني أهوي شيئا فشيئا، أسير باتجاه القلب النابض لأسكته، أبدا لن أفعل، سأتمرد على هذا الدور المسرحي الباهت، لن أكون أداة سفك دم زكي، أنظر إلى عينيه فأرى فيها الألق والشوق، أريد أن أسقط أرضا على أن أمرغ التربة بدم الكراهية، سأترك للفتى متسع حياة. لكن، مهلا، أرى خلفي سهما من لبلاب يزيحني، ثم يخترق بدقة شغاف القلب، ولحظة سقوطي كمدا، قرع صوتي صراخ مفزع كسر جلال السماء. وأنا مشجى على الأرض سقطت على خدي دموع حمراء.
تعليق