البلدي والمستورد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    البلدي والمستورد

    البلدي والمستورد

    ينتابني شعور بالضيق كلما مررت من مدينة مادبا متجها إلى المطار أو إلى أي جهة أخرى قريبة منها .
    لماذا هذا الشعور ؟ مادبا من أجمل المدن في العالم . عبق المكان ينتشر في أزقتها وفيفساءها علم يسجلّه التاريخ المرئي مكتوبا ومصورا .

    ظن المدير العام والمسؤول عن نقلي من إربد إلى مادبا أنه يخدمني لآن مادبا الأقرب إلى مكان إقامتي في العاصمة عمان .
    لكنه لم يكن يدري أنني لا أملك سيارة خاصة . ومطلوب من حضرتي النهوض مبكرا مع صلاة الفجر حتى أتمكن من الوصول إلى مكان عملي في الموعد المحدد . ناهيك عن استخدامي أربعة واسطات للتنقل من مكان سكني في جبل الحسين إلى وسط البلد ، ثم من وسط البلد إلى حي الوحدات ، ثم من الوحدات إلى مادبا . وأخيرا من السوق في مادبا ألى مكان عملي في المستشفى هناك .
    الحقيقة لم يسعدني الحظ أبدا كي أصل في موعدي وأحرم مديري الماركيز دي ساد لذة القضم من راتبي
    كذلك لم يسعدني الظرف أيضا فأمنح المتبقي من دمي للكونت دراكيولا يبيعه في السوق السوداء لتُجّار بنوك الدم .
    وبناءا على ما تقدّم وما تأخر أكون قد حرمت مديري المباشر من التمتع بالمزايدة على وزني وعلى طولي وعرضي ،
    فليذهب تجار النخاسة المتدلّية كروشهم إلى الجحيم .

    تلوح في الأفق حركة تغيير وزاري ، وجائت تنبؤات أرصاد الزلازل بهذا الصدد صحيحة بدرجة عشرة على مقياس ريختر .
    وزيرنا الهمام ضمن المرشحين للرحيل . مبروك يلّي في بالي وسوف أكسر خلفه زير !
    عندما كثر تداول الإشاعات حول فساد سلوك الوزير القديم وبطانته ، قرّر الوزير الجديد أن يطرح فكرة جريئة يفتح خلالها بابا للشكاوي للمواطنين وللموظفين .
    ما أن بزغت شمس الصباح ، كنت واحدا من هؤلاء الواقفين بطابور المتظلمين . الحق أقوله لكم أنه لم يكن هناك طابورا ولا مشتكين . كنت جالسا لوحدي في ديوان الوزارة أنتظر الإذن للدخول .
    أين الناس ؟ أين الغلابة من الشعب المظلوم ؟ ذابوا ؟! أم أنهم اتفقوا مع الأغلبية الصامتة في عدم جدية الوزير بطرح الفكرة ؟ أو ربما من كثرة الوعود الزاحفة والرعود الزائفة أصيبت الجماهير بالتمسحة مرددين مقولة سعد باشا زغلول " مفيش فايدة يا صفية " !
    سوف تتنكر لي الشجاعة ويرفل في ثوبها الزاهي شخصا آخر غيري يؤدي ولاء الطاعة لأولي الأمر ولا يتردد بتقديم الرشوة أو قبولها . بتُّ أخشى أن أصير مبتور الصلة بالقِيَم النبيلة بالشرف بالبطولة إذا تمَلَّكني الخوف ولم أعبر عنق الزجاجة إلى الفضاء الرحب الذي ينتظرني .
    الحق أقوله لكم ، لولا هذا الوزير لما تجرّأت بالفكر أن أضع قدمي فوق الرصيف المقابل لمبنى الوزارة .
    ها هو ذا وزيرنا يتربع فوق كرسي الوزارة . خمَّنت أنه سوف يجرجرني قبل الخوض في مضمون شكوتي للإجابة عن السؤال الذي يطرحه كل مسؤول قاضيا كان أم رقيب سير : هل أنت بلدي أم مستورد ؟
    الحقيقة أنني في المرات السابقة لم أكن أفهم المعنى والقصد من السؤال إلى أن فطنت للموقف الذي وقفت فيه أمام الإداري المتخصص بفرز المرشحين للوظائف الحكومية .
    تذكرت الأسئلة التي ما انفّكَّ يسألني بها هذا المدير
    فبادرني بسيلٍ من الإستجوابات تصب جميعها في المنحدر المؤدي إلى القاع :
    ــ هل أنت ماسوني ؟
    ــ هل أنت إخواني ؟
    ــ هل أنت مسلم شرق أردني ؟
    ــ هل أنت مسلم فلسطيني ؟
    ــ هل أنت مسيحي شرق أردني ؟
    ــ هل أنت شركسي ، بهائي ، درزي ، شيعي ، كردي ؟
    ــ ربما أنت يهودي ؟
    طبعا إجاباتي كلّها كانت لا لا لا لا ....
    إذاَ أنت من الخرفان المستوردة ، فلسطيني ومسيحي !
    أنت يا حضرة المحترم في ذيل قائمة التصنيف ، وتأتيني هكذا عيني عينك دون خجل ولا وجل وتطلب وظيفة ؟
    لولا أخوية الواسطة التي دفع بها شقيقك الأكبر والتي لا فصال فيها كنت ألقيتك مثل نواة بلح نتنة بالشارع .
    على كل حال ، هناك موقع على الخريطة في مدينة معان لم يقبل به أحد . سوف أشحنك إليه على حمار قبرصي .
    لكن لا تتعجَّل النقل ، سوف يتم ذلك حسب الظرف الزمان مكاني .

    جلست فوق مقعدي في صالة ديوان الوزارة أنتظر السماح لي بالدخول إلى عرين الأسد ، وكأني قابع وراء قضبان السجن أترقب بصبر إطلالة السياف مسرور .

    ها هو ذا سكرتير الوزير يتقدم نحوي طالبا بكل أدب واحترام أن أرافقه إلى مكتب الوزير .
    عبثا حاولت أن أتجرّع هذه المراسم أو أن أؤجل تدفقها لسبب بسيط وهو أنني لم أصادف وتعثّرت بمثل هذا الكرم في الضيافة والإستقبال طيلة حياتي .
    لم يمهلني الوزير كي أرتب أفكاري ، فبادرني بالقول :
    ــ تفضل ، هات ما عندك .

    ــ الحقيقة ومنذ التحاقي بالعمل في وزارتكم العتيدة ، لم أترك موقعا في المملكة إلا وطبعت فوقه قدمي خادما أمينا لهذا الوطن . بدأت مشواري من عروس الجنوب في معان ثم العقبة وبعدها الكرك ثم المدورة ووادي موسى . وانطلقت شمالا إلى إربد ثم الرمثا والمفرق وأخيرا في سحاب ثم مادبا . لم أتذمر ولم أشكو رغم صعوبة التنقل بين مكان إقامتي والعمل .الوعود التي وعدوني
    بها كي أُنقل إلى عمان كانت شيكات من غير رصيد وذهبت في مهب الريح . ألم يحن الوقت يا معالي الوزير لهذا المقاتل أن يستريح ؟
    أمر بجلب ملفي من الأرشيف . قرأه بتأنٍ ثم قال وهو يبتسم :
    ــ صدقت في كل شيء . لكن هناك موقعا ربما غاب عن بال رؤسائك ولم ينقلوك إليه .
    تسائلت بصوت متهدج :
    ــ أين ؟
    ابتسم حتى كاد أن ينقلب على قفاه من شدة الضحك وقال :
    ــ الطفيلة . أنت لم تخدم في الطفيلة .


    نهاية الجزء الأول من البلدي والمستورد .


    الجزء الثاني من البلدي والمستورد .

    بناءا على أوامر الوزير تم نقلي إلى عيادة الموظفين في جبل عمان
    هذا الموقع من الأماكن التي عليها العين . كم من واسطة تحطمت أمواجها فوق هذه الصخرة ، ولم يفز بها سوى أصحاب الحظوة والمكانة المرموقة من أصدقاء ومحاسيب المسئول فلان وبطانته
    فيحصدون كل شيء من وجاهة ومرتبات عالية بلا عمل حقيقي وموقع ذات خمس نجوم .
    أما أن يخطو عتبتها خاروف مستورد مثل حالاتي فإن هذا من عجائب الدنيا السبع ولم يكن في الحسبان قط !
    أثبتت الدروس والعِبر أن الحق لا بد أن يسود ويطفو على السطح .
    ومضت الأيام تنجب لصاحبنا أحمر البطيخ وأقرعه .

    في يوم من الأيام حضر إلى العيادة ديك من ديوك المزابل الذين ينفشون ريشهم على الفاضي وعلى المليان .
    ظن أنني من الطيور السائبة التي ليس لها صاحب ولا ظهر ، لم يخطر بباله أن لحمي مرّ بمرار معاناتي مع سكاكين الذبح . يبدو أن حضرة الأغا يشعر بالمتعة وهو يحملق في سحنتي كالراعي عندما يحملق في قطيعه ، فتغمره النشوة . وعندما لم أنحني وأمسح الجوخ لفخامته ، هددني بالنقل قبل أن يطلع لي صباح .
    أعلى ما في خيلك اركبه . قلتها ، وهذه أول مرة في حياتي الوظيفية أقولها . فأنا محصن ضد الجدري والحصبة وشلل الأطفال .


    لقد فعلها هذا الديك . كتاب النقل كان على مكتب مديري صباح اليوم التالي .
    ــ لا مكان لك هنا في هذه العيادة . لملم أوراقك المبعثرة وانصرف في الحال . أنت لم تعد من المحاسيب وهذا كتاب نقلك خذه وأرني عرض أكتافك .


    قرأت كتاب النقل سرحت لحظة ، ابتسمت في سري وغمزت بعيني للمدير في خبث وكأنني أداعبه. كانت ثمة خطوة أخرى تعمل بلا هوادة لصالحي .

    الموقع الجديد ، هو عيادة جبل الحسين الملاصقة لبيتي .
    هذه هي المرة الأولى التي لن أستعن بها بالساعة العملاقة لتنبيهي كي أصحو ولا بالمواصلات أيضا حتى أصل إلى مكان شغلي مبكرا .
    عبرت بوابة العيادة التي لم أكن أحلم أن أطأها في يوم من الأيام . استجمعت قواي ودخلت غرفة المدير . فبدا مظهري أمامه كرجل تعلّم على كَبَر معنى الرجولة ،ودفع من أجلها ثمنا غاليا .


    سلّمته كتاب النقل بيد ، وباليد الأخرة كتاب استقالتي .
    لم أنبس بكلمة ، تبدّت سحنتي وكأني قد تخلّيت عن كل شيء .
    تضائل طموحي حتى انقلب إلى ذرة غبار هائمة في سماء الوطن .
    وقفت أمام الجزار . وكانت وقفة العيد الكبير . شاهدت الخرفان المرشحة للذبح ، لم أفَرّق بينها
    . كانت جميعها للنحر ، البلدي والمستورد

    تمت

    mqdefault.jpg
  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    #2
    نص ساخر.
    واقعنا المر، وما يزخر به من استبداد، لا يمكن معالجته إلا بالسخرية.
    دمت مورقا.
    مودتي

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
      نص ساخر.
      واقعنا المر، وما يزخر به من استبداد، لا يمكن معالجته إلا بالسخرية.
      دمت مورقا.
      مودتي
      نعم بالسخرية كما قلت لأخي زياد الشكري في ردي على تعليقه
      نعم بالسخرية فهي كالسهم الذي يطلقه كيوبيد فيصيب القلوب ،
      وهي رسالة يقبلها المتلقي بفرح رغم قسوتها .
      تحياتي لك أخي عبد الرحيم التدلاوي
      فوزي بيترو

      تعليق

      • فواز أبوخالد
        أديب وكاتب
        • 14-03-2010
        • 974

        #4
        قرأت النص ثم اعدت قراءته لا لفك طلاسمه
        كما في بعض كتابات بعض الأدباء وانما
        لجماله وللإستفادة من رووعة أسلوبك اديبنا
        الرائع فوزي سليم بيترو واظنني سوف اعيد
        قراءته أخرى .

        تحياااتي وتقديري لك .
        [align=center]

        ما إن رآني حتى هاجمني , ضربته بقدمي على فمه , عوى من شدة
        الألم , حرك ذيله وولى هاربا , بعد أن ترك نجاسته على باب سيده .
        http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67924

        ..............
        [/align]

        تعليق

        • فوزي سليم بيترو
          مستشار أدبي
          • 03-06-2009
          • 10949

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة فواز أبوخالد مشاهدة المشاركة
          قرأت النص ثم اعدت قراءته لا لفك طلاسمه
          كما في بعض كتابات بعض الأدباء وانما
          لجماله وللإستفادة من رووعة أسلوبك اديبنا
          الرائع فوزي سليم بيترو واظنني سوف اعيد
          قراءته أخرى .

          تحياااتي وتقديري لك .
          لقد أسعدني أن قصتي المتواضعة قد نالت الرضا .
          البلدي والمستورد موجود في جميع المواقع
          فلا تستغرب أن تجد في داخل بيتك بلدي ومستورد إذا كنت ممن
          يتزوجون أكثر من زوجة .
          في قراءة التاريخ هناك البلدي والمستورد ، فقرائته من وجهة نظرنا
          بخصوص علاقتنا وتجاربنا مع الغرب غير عن قرائته من وجهة نظرهم " الغرب " .
          أستغرب من أسعار لحوم الخرفان البلدية ، أغلى من المستورد .
          لماذا؟ مع أنها " البلدية " تأكل الأعشاب الجافة وأوراق الجرائد وفائض المزامل .
          بالمقابل فإن الخرفان المستوردة تأكل حشيش خمس نجوم ويدلّلوها بسيمفونيات باخ وشتراوس وبيهوفن .
          تحياتي لك أخي فواز
          فوزي بيترو

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            جميل نصك أستاذي الغالي
            طوح بأفكاري بعيدا فكنت على أبواب إميل حبيبي و المتشائل و محمود السعدني في كثير من طروحاته
            و لكن الاغلاق صدمني إلي حد ما و كأنك قررت أن تنهي دون أي استفادة من النقلة الأخيرة التي أتت ملبية عز الطلب
            هي كوميديا سوداء أفسح مما يتصور قارئ متعجل !

            شكرا لك أستاذي على تلك الرحلة الممتعة

            محبتي
            sigpic

            تعليق

            • فوزي سليم بيترو
              مستشار أدبي
              • 03-06-2009
              • 10949

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              جميل نصك أستاذي الغالي
              طوح بأفكاري بعيدا فكنت على أبواب إميل حبيبي و المتشائل و محمود السعدني في كثير من طروحاته
              و لكن الاغلاق صدمني إلي حد ما و كأنك قررت أن تنهي دون أي استفادة من النقلة الأخيرة التي أتت ملبية عز الطلب
              هي كوميديا سوداء أفسح مما يتصور قارئ متعجل !

              شكرا لك أستاذي على تلك الرحلة الممتعة

              محبتي

              بتسألني بحبك ليه .. سؤال غريب مجَوِبشِ عليه !
              رحمة الله عليك يا عبد المطلب .
              ويتسألني يا صاحبي لماذا جائت القفلة مليئة بالكوميديا السوداء ؟ وكأنها أتت في يوم فرح ، خطوبة أو عرس أو طهور !
              بالعكس جائت الفقلة في وقتها .
              نحن نعيش هذه الأيام البلدي والمستورد :
              في تيران وصنافير وربما في حلايب وشلاتين وفيما يجري في فلسطين وما يجري اليوم بين قطر وأشقائها ...
              هناك بلدي ومستورد ، وجميعهم مرشحون للذبح .. المصري والسعودي والقطري والأماراتي والفتحاوي والحمساوي
              والبحريني والسوداني .


              شكرا لك لتفاعلك واهتمامك أخي ربيع
              فوزي بيترو

              تعليق

              يعمل...
              X