من الأدب التركي المعاصر
الفرصة الأخيرة
قصص قصيرة
بقلم الأديب التركي: جنيد سعاوي
ترجمة أور خان محمد علي
* الفرصة الأخيرة *
منذ صغري وأنا أكره الأماكن الضيقة .... هذه الأماكن تجعلني أحس بالاختناق ... لذا كنت ولا أزال أهرب منها وابتعد عنها وأنا ارتجف من الضيق ومن الخوف . عندما كبرت علمت أن هذا مرض من الأمراض النفسية .... ولكنني لم استطع الشفاء منه ولا التخلص من براثنه . ولكن ها أنا ذا أدخل مكانا من هذه الأمكنة الضيقة دون إرادة مني ... أدخله مضطرا وعلى رغمي . كانوا قد لفوني ووضعوني في تابوت طويل وضيق ... كنت اسمع جيدا أصوات من حولي .... ومع أنني كنت مغمض العنين ، إلا أنني – بطريقة ما – كنت استطيع رؤيتهم ... كانوا يقولون : - يا للمسكين ! ... لقد مات في عز شبابه .... لقد كانت له آمال عريضة وأعمال لم يتمها ولم ينجزها . كانت هناك فعلا أعمال عديدة لي بقيت ناقصة تنتظر مني انجازها ... فمثلا لم استطع فتح محل جديد لإبني ، كما لم أنته من دفع الأقساط للسيارة وللتليفزيون الملون ، كما أصبح أملي في إنشاء شركة كبيرة في المستقبل أجمع فيها الأصدقاء أملا بعيدا . ومع أن الشتاء أصبح على الأبواب ، إلا أنني لم أكن اشتريت بعد الفحم والحطب لمدفأة البيت ، كما لم أصلح أماكن نصوح المياه في سقف البيت . وبينما كنت استعرض في ذهني الأعمال التي بقيت ناقصة تنتظر مني إنجازها فوجئت بصوت يرن في أذني .... صوت وجل منه روحي ، ونفذ إلى أعماق عقلي وتردد صداه هناك ..... كان كأنه صادر عن مكبر للصوت : - لقد فات ذلك وانقضى ! وبحسرة قلت في نفسي :" ليته لم يفت ولم ينقض " . لا أدري كيف وقع لي ذلك الحادث .... كيف وقع مع أنني أجيد قيادة السيارة. وبينما كنت أحاول أن استجمع في ذهني ما حدث أحسست ان أصدقائي يحيطون بي ويحاولون غلق غطاء التابوت الذي أتمدد فيه دون حراك .... ومع أنني حاولت أن اصرخ بكل قوتي وأن أنهض من مكاني لأمنعهم من ذلك إلا أنني فشلت وعجزت .... إذ لم أستطيع الحركة ولا التفوه بأي كلمة .
بعد قليل جثم علىّ ظلام كثيف ... حولت بصري إلى شقوق التابوت التي كان يتسلل عبرها ضوء قليل ..... وفي فزع لا يوصف قلت لنفسي : - يا الهي !... يا الهي !... ماذا ستكون حالي الآن ؟... ما العمل ؟ كنت عاجزا عن التفكير من شدة الفزع . في هذه الأثناء حُملت على الأكتاف .... وبدأوا يسيرون ببطء....كان التابوت يهتز قليلا .... وكان من الواضح من الأصوات التي كانت تصلني من الخارج أن المطر ينهمر... كان صوت قطرات الماء يختلط مع صوت صرير خشب التابوت . لاشك أنهم الآن في طريقهم إلى الجامع لأداء صلاة الجنازة ....عندما خطر بب إلى الجامع تذكرت انه مع كونه قريبا جدا من داري ، وعلى رغم ندائه المتكرر ودعوته للصلاة خمس مرات كل يوم فإنني لم أجد متسعا من الوقت للذهاب اليه .... ولكنني كنت عازما على البدء بالصلاة عند بلوغي سن الخمسين .... الكل يعرف هذا .... لقد قلت ذلك مرارا لأصدقائي.... نعم كنت سأبدأ بالصلاة ، وكنت سأترك كذلك عاداتي السيئة التي كان الكثيرون يشكون منها . أجل !.... أجل !.... لولا هذا الحادث لأصبحت في المستقبل شخصا جيدا .... لولا هذا الحادث . ومرة أخرى طرق سمعي ذلك الصوت الذي لا أعرف مصدره: - لقد فات ذلك وانقضى . بعد قليل حملت على الأكتاف مرة أخرى ...إذن فقد انتهت صلاة الجنازة .... وعندما مررت أمام مقهى محلتنا سمعت الضحكات المرحة لأصدقائي الذين كنت العب معهم الورق كل يوم ... لا شك أنهم لم يسمعوا بعد بخبر وفاتي . بعد أن بعدت الأصوات وخفتت شعرت من ميل التابوت أنهم يصعدون التل نحو المقبرة ... شعرت ان الكفن قد ابتل في عدة مواضع من تسلل قطرات الماء من شقوق التابوت ، إذ كان المطر المنهمر قد اشتد ... أصخت سمعي للأصوات في الخارج ... كان بعض أصدقائي يتحدثون فيما بينهم عن ركود السوق ، بينما كان البعض الآخر يمدح ويثني على فريق المنتخب الوطني في مباراته الأخيرة ... بينما همس أحد حاملي التابوت في أذن صاحبه : - انظر إلى اليوم الذي اختاره صاحبنا ليموت فيه !!... كانت تصرفاته معكوسة على الدوام في حياته ... لقد ابتللنا من الرأس حتى أخمص القدمين يا أخي . لاشك أن هناك خطأ ما ... لاشك ان ما أسمعه ليس صحيحا ... وإلا فهل من المعقول أن يتفوه أصدقائي الذين ضحيت كثيرا من أجلهم بمثل هذا الكلام ؟. بعد قليل وصلنا إلى المقبرة ... انزلوا التابوت ووضعوه على الأرض ... رفعوا الغطاء ... وامتدت الأيادي إلى جسدي الميت ورفعوه وأخرجوه من التابوت ... ثم بدأوا ينزلونه في حفرة تجمعت بعض المياه في قعرها . ومن مكاني الذي سجيت فيه حاولت أن أرى ما حولي ... يا الهي !... أليس هذا هو القبر ؟. لماذا لم يجل في خاطري حتى الآن أنني سأدخل فيه ؟.... لماذا لم أفكر في ذلك من قبل ؟. لا أحد يسمع صرخاتي التي أحاول إطلاقها ...لا أحد . أهال أصدقائي التراب علي ... كانوا كمن يتسابقون في هذا ... مرة أخرى بقيت وحدي في الظلام ... بقيت في ظلام دامس ...وبكل العجز الذي أحسست به ... ومن أعماق قلبي بدأت أدعو بحرارة : - يا رب !... يا رب أما من فرصة أخرى أمامي ؟! أعطني فرصة أخيرة ... سأمتثل لجميع أوامرك ... سأكون عبدا لك كما تريد ... سأكون كما تريد لكي تجعل قبري روضة من رياض الجنة ..يا رب ! - صك أذني ذلك الصوت مرة أخرى وبحدة أكثر : - لقد فات ذلك وانقضى . كنت اسمع صوت التراب وهو يرتطم بالألواح التي تغطي تابوتي ... كان كل ارتطام يدوي في أذني دوي الرعد ... كان كل كياني يرتجف فزعا وهلعا . وفي محاولة أخيرة ويائسة تململت من مكاني ... وفتحت عيني ... كنت في فراشي المريح في غرفتي ...كان ذلك كابوسا مريعا ... وكان صديقي الدكتور يحاول إيقاظي من الكابوس ويقول : -لقد فات ذلك وانقضى ... أنظر أنت بخير ... كان كابوسا ... انتهى وانقضى . وببطء استعدلت في فراشي ... كان كل جسمي غارقا في العرق ... شعرت بأنني فقدت أرطالا من جسمي فجأة ... كان المطر ينهمر في الخارج بشدة والبيت يهتز من صوت الرعد . وبين النظرات المصوبة إلي من حولي في دهشة وفضول حاولت أن أستجمع قواي ... همست في صوت خافت: - حمدا لك يا رب !... حمدا لك بعدد ذرات كياني ... لقد منحتني فرصة أخرى لكي أكون عبدا صالحا ... حمدا لك وشكرا لك يا رب !.
الإمتحان
عندما بدأ الشاب بالتهيئ للدخول إلى امتحان في أكبر شركات البناء في القطر كان يقول مزهواً لنفسه : ستتحقق جميع آمالي .. مهما تكلم العجائز عندنا عن القدر فإنه لن يكون له مكان في هذا الأمر. كان قد مضى على تخرجه من الجامعة خمس سنوات عمل خلالها في مكاتب هندسية مختلفة واكتسب خبرة جيدة. أما الآن فقد نشرت هذه الشركة التي حمل الأمل في العمل عندها منذ سنوات إعلاناً يطلب فيه مهندسين من ذوي الخبرة. نُشر الاعلان في الصحف بلغات أجنبية متعددة، وبعد تحديد التاريخ واليوم جاء في الإعلا ن : سيكون الإمتحان الأول كتابياً في الساعة العاشرة من هذا التاريخ. بعد أن قرأ الشاب هذا الإعلان أخذ اجازة لمدة أسبوعين من محل عمله وبدأ بالتهيؤ للإمتحان، كما أخبر عائلته بالأمر. فقال له والداه المسنّان بلسان واحد : ستصل إلى مرادك ان كان ذلك من نصيبك . .. عليك أن تدرس وتجدّ، فإن كان ذلك من قدرك فستحصل على وظيفة في هذه الشركة. ولكن الشاب لم يعجبه هذا الكلام بل قال بنبرة غاضبة : ان الإنسان يرسم قدره بنفسه، ولكن بشرط ألا يقصر في اتخاذ التدابير. ولكي يبرهن الشاب على كلامه هذا ويجد جواً أكثر هدوءً وسكوناً، وأكثر ملائمة للدراسة فقد انتقل إلى بيتهم الصيفي قبل اسبوع واحد من موعد الإمتحان. وعندما وضع خطته للدراسة قال : ستكون الجرائد والمجلات والراديو والتلفزيون حراماً علي حتى يوم الإمتحان، إذ لن أنشغل بأي شئ سوى الدراسة .. سيعرفون كيف يكون التهيؤ للإمتحان. ولأنه قرر الاعتكاف في البيت لمدة أسبوع كال فقد تصرف باحتياط فقد أخذ معه عدة ساعات ووضعها فوق المنضدة ولم ينس في هذه الأثناء الاتصال مع الشركة والتأكد من ساعة الامتحان فالتدبير أساس كل شئ، فقد تكون الجرائد قد أخطأت في كتابة ساعة الامتحان. بعد أن اتخذ المهندس الشاب كل الاحتياطات الواجبة تهيأ للامتحان تهيئاً جيداً والحق يقال. وفي صباح يوم الامتحان استيقظ مبكراً وذهب إلى الشركة قبل نصف ساعة من موعد الإمتحان، لأنه كان يعلم جيداً أن أي تأخر وان كان لبضع دقائق لن يكون عذراً مقبولاً في مثل هذه الشركات. عندما دخل إلى صالة الانتظار أجال طرفه حواليه ودهش لأنه على الرغم من اقتراب الساعة من الساعة العاشرة إلا أنه لم يلاحظ أي حركة هناك، وعندم ذهب إلى " الاستعلامات" وسأل عن السبب. قالت له المرأة الجالسة هناك وعلى عينيها نظارة بأسلوب متهكم : لقد دخلوا الامتحان قبل نصف ساعة . ثم مدت إليه الجريدة التي كانت تقرأها ... كان الخبر الموجود في القسم الأيمن منها يقول : " لقد بدأ تطبيق الساعة الصيفية اعتباراً من ليلة أمس إذا قُدم الوقت بعد منتصف الليل ساعة واحدة
المعونة
جاء صديق إلى جمعيتنا الخيرية وقال : - سمعت أنكم تجمعون المال لمساعدة الطلاب الفقراء لإكمال دراستهم . وأنا مستعد للتبرع بمصاريف طالب واحد . قبلنا عرضه بكل سرور ،ذلك لأننا على الرغم من كل جهدنا لم نكن نستطيع سوى معونة عدد قليل من الطلاب الذين كانوا يتقدمون إلينا لمعونتهم . قال الصديق : - لا أريد أن تصرحوا باسمي للطالب الذي سأقدم المعونة إليه ،كما أنني لا أريد معرفة من هو . لم يكن هذا الإنسان الحساس يريد أن يجعل الطالب الذي سيقدم اليه المعونة تحت عبء المنّه ، ولا يريد لنفسه التفاخر بعمل هذا المعروف ،لذا ساق إلينا هذا الشرط. وعندما أعطيت له الوعد بأننا سنراعي شرطه أخرج من جيبه ظرفا مملوءً بالنقود ووضعه فوق المنضدة . بعد أن شكرت صديقي وودعته دخل الغرفة بعد قليل شاب يتراوح عمره بين الثامنة عشر والعشرين .كان الحياء والتردد يفوح من كل تصرف من تصرفاته، وكانت وجنتاه الشاحبتان تتضرجان بالحمرة أحيانا في أثناء كلامه. أجلسته على كرسي بجانبي وحاولت تهدئته.كان الولد الوحيد لعائلة فقيرة .كان قد دخل الجامعة حديثا ،وكان – كما خمنت – مريضا في كليته ...شرح هذا في خجل وضيق كبيرين .
عندما مددت له بالظرف الموجود على المائدة والذي جاء من أجله كما أعتقد قلت له: - لا تقلق يا بني أبداً.... ستجد هنا في رأس كل شهر ما تحتاج إليه من مال. ذهل الطالب من هذه السرعة التي حصل على معونته الدراسية ولم يدر ماذا يقول. وعندما تناول الظرف من يدي وهو يغمغم بكلمات دعاء لي ووضعه في جيبه الداخلي حاول أن يخفي عني دموع الفرح التي ملأت عينيه . كنت أستبطئ مجيء اليوم الأول من كل شهر إذ كنت أشتاق أن أعيش تلك اللحظات من الفرح والسعادة عندما أسلم له الظرف الذي كان صديقي يرسله.وعندما كان لا يحضر بنفسه كنت أرسله له بواسطة طالب يدرس بالكلية نفسها. مرت شهور عديدة ،وصديقي مطمئن إلى أن المعونة التي يرسلها تصل في مكانها الصحيح.وفي يوم من الأيام التي كنت فيها في غاية الحزن التقيت به في الجامع فقال لي : - كنت أبحث عنك...لقد دخلت منذ أمس في ضائقة مالية لذا لن أستطع بعد إرسال ذلك الظرف . دهشت مما قال دهشة شديدة ...ما هذا التجلي يا رب !...لم أستطيع فهم هذا تماما . قلت له وأنا اربت على كتفه : - ليرض الله عنك يا صديقي ...لم تعد هناك حاجة لذلك المبلغ فصلاة الجنازة التي صليناها قبل قليل كان لذلك الطالب الذي ساعدته ماليا...لن تستطيع بعد الآن سوى ان تدعوا له بالرحمة .
ذكريات من بيت الدعاء كانت تحاول فقط ستر شعرها واعادة خمارها الذي انفتح لكونهم يسحبونها من شعرها ....
كلما القيت نظرة من شرفة بيتي الصيفي في قرية ( هركة )إلى تلال(قرة مورسل ) المخضرة بأشجار الفواكه تذكرت جدتي التي توفيت منذ سنوات ...جدتي هذه بوجهها الصبوح النوراني التي كنت قد ارتبطت معها منذ طفولتي بحب عميق ...كانت تعيش حياة عزلة في غرفة صغيرة في بيت خإلى منذ أن صعب عليها المشي على ساقيها اللذين كنت كثيراً مأ أدلكهما لها تخفيفا لآلامها ..وفي السنوات الأخيرة من حياتها (وكانت قد قاربت المائة عاماً ) أصبحت كالطفل سريعة التأثر، وانحنى ظهرها حتى قارب طولها طول صبية ، وكانت تقول وهي تشير إلى الشجرة الضخمة إلى كنا نلعب في ظلها : - أنها الشجرة الوحيدة الباقية منذ صغري يا بني! ... فقد مات جميع أقراني وقريناتي . كنت كثيرا ما أزورها لعلمي أنها تنتظر زيارتي بفارغ الصبر, أدور من خلفها بهدوء دون أن تحس بي وآخذ قبلة مفاجئة من وجهها المتغضن. وما ان تدرك أنني قد حضرت حتى تصرخ وتلف ذراعيها حول عنقي، ولا تدعني حتى تبلل سترتي أو قميصي بدموعها. فإن كانت صحتها على ما يرام قمت – بعد بضعة أسئلة حول الصحة والخاطر – باحضار عربة اليد من الحديقة واضع عليها بضع وسائد ثم أحملها كريشة خفيفة واضعها فوق وبين هذه الوسائد وأخرج بها إلى بستان البيت الذي كان بمساحة (8-10) دوائم حيث أتجول معها بين الاشجار أو بين نباتات الفراولة ( الشليك ) إن كان الوقت موسمها . وبين صرير عربة اليد – التي كنا ننقل بها التراب والحجر- كنا نتسامر معاً . قالت لي ذات يوم : - ليرض الله عنك يا بني ! ... انت تسري عني ... وأنا ادعو الله ان يجعلك صاحب ( بيجو) . و(بيجو) الذي كانت تذكره جدتي وتدعو لم تكن سوى سيارة ( بيجو) التي عرفت من خالتي أنني أعجب بها . ولأنني كنت مساعد أستاذ في الجامعة آنذاك فلم يخطر على بإلى شراء هذه السيارة أبدا . ولكن بعد أشهر من هذا الدعاء حدث ما حدث وأصبحت مالكاً لمثل هذه السيارة . وقصة هذا الشراء قصة طويلة ولا أرى حاجة لسرد تفاصيلها ولكني لا استطيع ان انسى ما قاله لي رجل الاعمال الذي باع السيارة لي إذ قال : ( الحقيقة انني لا ادري حتى الآن لماذا بعتك هذه السيارة بمثل هذا الرخص). بعد وفاة جدتي بعت تلك السيارة واشتريت بثمنها عرصة ، ثم بعت تلك العرصة واشتريت بثمنها بيتا جميلا ، وعندما أسأل : ( كيف استطعت ان تملك مثل هذا البيت الجميل ؟) أقول دائما : - بفضل دعاء واحد لا غير . كانت جدتي تستطيع ان تذكر التفاصيل الدقيقة لمئات من ذكرياتها الحلوة أو المرة ، وفي احد الأيام التي كنا نتنزه فيها معا في البستان قالت وهي تعدل خمارها الذي انزاح قليلا عن رأسها بفعل الرياح : - كانت في محلتنا شيخة عمرها 82 عاماً تعلم القرآن *... كانت تلك الأعوام هي الأعوام التي حُرم فيها الأذان والقرآن ولكنها قالت : لا اظن انهم سيتعرضون لي وانا في السنوات الأخيرة من عمري. لذا استمرت في تعليم القرآن لصبيان الجيران ولم تجد في ذلك بأساً . وبينما كنت استمع اليها بلهفة لاحظت انها بدأت تبكي .. مسحت دموعها وقالت : -في أحد الأيام هجموا على بيتها وأخرجوها منه . وبدأوا يسحبون هذه العجوزة من شعر رأسها. .. كنا نتطلع إلى هذا المنظر من وراء النافذة وقد تجمدنا من الذهول . وعندما سألتها : ماذا جرى لها ؟ قالت : - بعد أيام توفيت... ولكنها لم تنبس بكلمة واحدة عندما كانوا يسحبونها على الارض من شعرها ، بل كانت تحاول فقط ستر شعرها واعادة خمارها الذي انفتح لكونهم يسحبونها من شعرها .... وأنا اسجل الآن هذه الذكرى – مع دعائي لروح تلك العجوزة – لكي تعلم الشابات المؤمنات المتعرضات لألوان من الأذى والظلم * بسبب ستر شعورهن كنتيجة طبيعية لإيمانهن بالله لأذكرهن أنهن حفيدات لمثيلات تلك الجدة البطلة .
---
* مرت تركيا في عهد حكم حزب الشعب الجمهوري بفترة مظلمة حوربت فيها الشعائر الاسلامية . * تمنع إدارة الجامعات في تركيا الطالبات اللواتي يسترن شعورهن ويراعين الآداب الاسلامية في الملبس من الدوام في الجامعات .
الفرصة الأخيرة
قصص قصيرة
بقلم الأديب التركي: جنيد سعاوي
ترجمة أور خان محمد علي
* الفرصة الأخيرة *
منذ صغري وأنا أكره الأماكن الضيقة .... هذه الأماكن تجعلني أحس بالاختناق ... لذا كنت ولا أزال أهرب منها وابتعد عنها وأنا ارتجف من الضيق ومن الخوف . عندما كبرت علمت أن هذا مرض من الأمراض النفسية .... ولكنني لم استطع الشفاء منه ولا التخلص من براثنه . ولكن ها أنا ذا أدخل مكانا من هذه الأمكنة الضيقة دون إرادة مني ... أدخله مضطرا وعلى رغمي . كانوا قد لفوني ووضعوني في تابوت طويل وضيق ... كنت اسمع جيدا أصوات من حولي .... ومع أنني كنت مغمض العنين ، إلا أنني – بطريقة ما – كنت استطيع رؤيتهم ... كانوا يقولون : - يا للمسكين ! ... لقد مات في عز شبابه .... لقد كانت له آمال عريضة وأعمال لم يتمها ولم ينجزها . كانت هناك فعلا أعمال عديدة لي بقيت ناقصة تنتظر مني انجازها ... فمثلا لم استطع فتح محل جديد لإبني ، كما لم أنته من دفع الأقساط للسيارة وللتليفزيون الملون ، كما أصبح أملي في إنشاء شركة كبيرة في المستقبل أجمع فيها الأصدقاء أملا بعيدا . ومع أن الشتاء أصبح على الأبواب ، إلا أنني لم أكن اشتريت بعد الفحم والحطب لمدفأة البيت ، كما لم أصلح أماكن نصوح المياه في سقف البيت . وبينما كنت استعرض في ذهني الأعمال التي بقيت ناقصة تنتظر مني إنجازها فوجئت بصوت يرن في أذني .... صوت وجل منه روحي ، ونفذ إلى أعماق عقلي وتردد صداه هناك ..... كان كأنه صادر عن مكبر للصوت : - لقد فات ذلك وانقضى ! وبحسرة قلت في نفسي :" ليته لم يفت ولم ينقض " . لا أدري كيف وقع لي ذلك الحادث .... كيف وقع مع أنني أجيد قيادة السيارة. وبينما كنت أحاول أن استجمع في ذهني ما حدث أحسست ان أصدقائي يحيطون بي ويحاولون غلق غطاء التابوت الذي أتمدد فيه دون حراك .... ومع أنني حاولت أن اصرخ بكل قوتي وأن أنهض من مكاني لأمنعهم من ذلك إلا أنني فشلت وعجزت .... إذ لم أستطيع الحركة ولا التفوه بأي كلمة .
بعد قليل جثم علىّ ظلام كثيف ... حولت بصري إلى شقوق التابوت التي كان يتسلل عبرها ضوء قليل ..... وفي فزع لا يوصف قلت لنفسي : - يا الهي !... يا الهي !... ماذا ستكون حالي الآن ؟... ما العمل ؟ كنت عاجزا عن التفكير من شدة الفزع . في هذه الأثناء حُملت على الأكتاف .... وبدأوا يسيرون ببطء....كان التابوت يهتز قليلا .... وكان من الواضح من الأصوات التي كانت تصلني من الخارج أن المطر ينهمر... كان صوت قطرات الماء يختلط مع صوت صرير خشب التابوت . لاشك أنهم الآن في طريقهم إلى الجامع لأداء صلاة الجنازة ....عندما خطر بب إلى الجامع تذكرت انه مع كونه قريبا جدا من داري ، وعلى رغم ندائه المتكرر ودعوته للصلاة خمس مرات كل يوم فإنني لم أجد متسعا من الوقت للذهاب اليه .... ولكنني كنت عازما على البدء بالصلاة عند بلوغي سن الخمسين .... الكل يعرف هذا .... لقد قلت ذلك مرارا لأصدقائي.... نعم كنت سأبدأ بالصلاة ، وكنت سأترك كذلك عاداتي السيئة التي كان الكثيرون يشكون منها . أجل !.... أجل !.... لولا هذا الحادث لأصبحت في المستقبل شخصا جيدا .... لولا هذا الحادث . ومرة أخرى طرق سمعي ذلك الصوت الذي لا أعرف مصدره: - لقد فات ذلك وانقضى . بعد قليل حملت على الأكتاف مرة أخرى ...إذن فقد انتهت صلاة الجنازة .... وعندما مررت أمام مقهى محلتنا سمعت الضحكات المرحة لأصدقائي الذين كنت العب معهم الورق كل يوم ... لا شك أنهم لم يسمعوا بعد بخبر وفاتي . بعد أن بعدت الأصوات وخفتت شعرت من ميل التابوت أنهم يصعدون التل نحو المقبرة ... شعرت ان الكفن قد ابتل في عدة مواضع من تسلل قطرات الماء من شقوق التابوت ، إذ كان المطر المنهمر قد اشتد ... أصخت سمعي للأصوات في الخارج ... كان بعض أصدقائي يتحدثون فيما بينهم عن ركود السوق ، بينما كان البعض الآخر يمدح ويثني على فريق المنتخب الوطني في مباراته الأخيرة ... بينما همس أحد حاملي التابوت في أذن صاحبه : - انظر إلى اليوم الذي اختاره صاحبنا ليموت فيه !!... كانت تصرفاته معكوسة على الدوام في حياته ... لقد ابتللنا من الرأس حتى أخمص القدمين يا أخي . لاشك أن هناك خطأ ما ... لاشك ان ما أسمعه ليس صحيحا ... وإلا فهل من المعقول أن يتفوه أصدقائي الذين ضحيت كثيرا من أجلهم بمثل هذا الكلام ؟. بعد قليل وصلنا إلى المقبرة ... انزلوا التابوت ووضعوه على الأرض ... رفعوا الغطاء ... وامتدت الأيادي إلى جسدي الميت ورفعوه وأخرجوه من التابوت ... ثم بدأوا ينزلونه في حفرة تجمعت بعض المياه في قعرها . ومن مكاني الذي سجيت فيه حاولت أن أرى ما حولي ... يا الهي !... أليس هذا هو القبر ؟. لماذا لم يجل في خاطري حتى الآن أنني سأدخل فيه ؟.... لماذا لم أفكر في ذلك من قبل ؟. لا أحد يسمع صرخاتي التي أحاول إطلاقها ...لا أحد . أهال أصدقائي التراب علي ... كانوا كمن يتسابقون في هذا ... مرة أخرى بقيت وحدي في الظلام ... بقيت في ظلام دامس ...وبكل العجز الذي أحسست به ... ومن أعماق قلبي بدأت أدعو بحرارة : - يا رب !... يا رب أما من فرصة أخرى أمامي ؟! أعطني فرصة أخيرة ... سأمتثل لجميع أوامرك ... سأكون عبدا لك كما تريد ... سأكون كما تريد لكي تجعل قبري روضة من رياض الجنة ..يا رب ! - صك أذني ذلك الصوت مرة أخرى وبحدة أكثر : - لقد فات ذلك وانقضى . كنت اسمع صوت التراب وهو يرتطم بالألواح التي تغطي تابوتي ... كان كل ارتطام يدوي في أذني دوي الرعد ... كان كل كياني يرتجف فزعا وهلعا . وفي محاولة أخيرة ويائسة تململت من مكاني ... وفتحت عيني ... كنت في فراشي المريح في غرفتي ...كان ذلك كابوسا مريعا ... وكان صديقي الدكتور يحاول إيقاظي من الكابوس ويقول : -لقد فات ذلك وانقضى ... أنظر أنت بخير ... كان كابوسا ... انتهى وانقضى . وببطء استعدلت في فراشي ... كان كل جسمي غارقا في العرق ... شعرت بأنني فقدت أرطالا من جسمي فجأة ... كان المطر ينهمر في الخارج بشدة والبيت يهتز من صوت الرعد . وبين النظرات المصوبة إلي من حولي في دهشة وفضول حاولت أن أستجمع قواي ... همست في صوت خافت: - حمدا لك يا رب !... حمدا لك بعدد ذرات كياني ... لقد منحتني فرصة أخرى لكي أكون عبدا صالحا ... حمدا لك وشكرا لك يا رب !.
الإمتحان
عندما بدأ الشاب بالتهيئ للدخول إلى امتحان في أكبر شركات البناء في القطر كان يقول مزهواً لنفسه : ستتحقق جميع آمالي .. مهما تكلم العجائز عندنا عن القدر فإنه لن يكون له مكان في هذا الأمر. كان قد مضى على تخرجه من الجامعة خمس سنوات عمل خلالها في مكاتب هندسية مختلفة واكتسب خبرة جيدة. أما الآن فقد نشرت هذه الشركة التي حمل الأمل في العمل عندها منذ سنوات إعلاناً يطلب فيه مهندسين من ذوي الخبرة. نُشر الاعلان في الصحف بلغات أجنبية متعددة، وبعد تحديد التاريخ واليوم جاء في الإعلا ن : سيكون الإمتحان الأول كتابياً في الساعة العاشرة من هذا التاريخ. بعد أن قرأ الشاب هذا الإعلان أخذ اجازة لمدة أسبوعين من محل عمله وبدأ بالتهيؤ للإمتحان، كما أخبر عائلته بالأمر. فقال له والداه المسنّان بلسان واحد : ستصل إلى مرادك ان كان ذلك من نصيبك . .. عليك أن تدرس وتجدّ، فإن كان ذلك من قدرك فستحصل على وظيفة في هذه الشركة. ولكن الشاب لم يعجبه هذا الكلام بل قال بنبرة غاضبة : ان الإنسان يرسم قدره بنفسه، ولكن بشرط ألا يقصر في اتخاذ التدابير. ولكي يبرهن الشاب على كلامه هذا ويجد جواً أكثر هدوءً وسكوناً، وأكثر ملائمة للدراسة فقد انتقل إلى بيتهم الصيفي قبل اسبوع واحد من موعد الإمتحان. وعندما وضع خطته للدراسة قال : ستكون الجرائد والمجلات والراديو والتلفزيون حراماً علي حتى يوم الإمتحان، إذ لن أنشغل بأي شئ سوى الدراسة .. سيعرفون كيف يكون التهيؤ للإمتحان. ولأنه قرر الاعتكاف في البيت لمدة أسبوع كال فقد تصرف باحتياط فقد أخذ معه عدة ساعات ووضعها فوق المنضدة ولم ينس في هذه الأثناء الاتصال مع الشركة والتأكد من ساعة الامتحان فالتدبير أساس كل شئ، فقد تكون الجرائد قد أخطأت في كتابة ساعة الامتحان. بعد أن اتخذ المهندس الشاب كل الاحتياطات الواجبة تهيأ للامتحان تهيئاً جيداً والحق يقال. وفي صباح يوم الامتحان استيقظ مبكراً وذهب إلى الشركة قبل نصف ساعة من موعد الإمتحان، لأنه كان يعلم جيداً أن أي تأخر وان كان لبضع دقائق لن يكون عذراً مقبولاً في مثل هذه الشركات. عندما دخل إلى صالة الانتظار أجال طرفه حواليه ودهش لأنه على الرغم من اقتراب الساعة من الساعة العاشرة إلا أنه لم يلاحظ أي حركة هناك، وعندم ذهب إلى " الاستعلامات" وسأل عن السبب. قالت له المرأة الجالسة هناك وعلى عينيها نظارة بأسلوب متهكم : لقد دخلوا الامتحان قبل نصف ساعة . ثم مدت إليه الجريدة التي كانت تقرأها ... كان الخبر الموجود في القسم الأيمن منها يقول : " لقد بدأ تطبيق الساعة الصيفية اعتباراً من ليلة أمس إذا قُدم الوقت بعد منتصف الليل ساعة واحدة
المعونة
جاء صديق إلى جمعيتنا الخيرية وقال : - سمعت أنكم تجمعون المال لمساعدة الطلاب الفقراء لإكمال دراستهم . وأنا مستعد للتبرع بمصاريف طالب واحد . قبلنا عرضه بكل سرور ،ذلك لأننا على الرغم من كل جهدنا لم نكن نستطيع سوى معونة عدد قليل من الطلاب الذين كانوا يتقدمون إلينا لمعونتهم . قال الصديق : - لا أريد أن تصرحوا باسمي للطالب الذي سأقدم المعونة إليه ،كما أنني لا أريد معرفة من هو . لم يكن هذا الإنسان الحساس يريد أن يجعل الطالب الذي سيقدم اليه المعونة تحت عبء المنّه ، ولا يريد لنفسه التفاخر بعمل هذا المعروف ،لذا ساق إلينا هذا الشرط. وعندما أعطيت له الوعد بأننا سنراعي شرطه أخرج من جيبه ظرفا مملوءً بالنقود ووضعه فوق المنضدة . بعد أن شكرت صديقي وودعته دخل الغرفة بعد قليل شاب يتراوح عمره بين الثامنة عشر والعشرين .كان الحياء والتردد يفوح من كل تصرف من تصرفاته، وكانت وجنتاه الشاحبتان تتضرجان بالحمرة أحيانا في أثناء كلامه. أجلسته على كرسي بجانبي وحاولت تهدئته.كان الولد الوحيد لعائلة فقيرة .كان قد دخل الجامعة حديثا ،وكان – كما خمنت – مريضا في كليته ...شرح هذا في خجل وضيق كبيرين .
عندما مددت له بالظرف الموجود على المائدة والذي جاء من أجله كما أعتقد قلت له: - لا تقلق يا بني أبداً.... ستجد هنا في رأس كل شهر ما تحتاج إليه من مال. ذهل الطالب من هذه السرعة التي حصل على معونته الدراسية ولم يدر ماذا يقول. وعندما تناول الظرف من يدي وهو يغمغم بكلمات دعاء لي ووضعه في جيبه الداخلي حاول أن يخفي عني دموع الفرح التي ملأت عينيه . كنت أستبطئ مجيء اليوم الأول من كل شهر إذ كنت أشتاق أن أعيش تلك اللحظات من الفرح والسعادة عندما أسلم له الظرف الذي كان صديقي يرسله.وعندما كان لا يحضر بنفسه كنت أرسله له بواسطة طالب يدرس بالكلية نفسها. مرت شهور عديدة ،وصديقي مطمئن إلى أن المعونة التي يرسلها تصل في مكانها الصحيح.وفي يوم من الأيام التي كنت فيها في غاية الحزن التقيت به في الجامع فقال لي : - كنت أبحث عنك...لقد دخلت منذ أمس في ضائقة مالية لذا لن أستطع بعد إرسال ذلك الظرف . دهشت مما قال دهشة شديدة ...ما هذا التجلي يا رب !...لم أستطيع فهم هذا تماما . قلت له وأنا اربت على كتفه : - ليرض الله عنك يا صديقي ...لم تعد هناك حاجة لذلك المبلغ فصلاة الجنازة التي صليناها قبل قليل كان لذلك الطالب الذي ساعدته ماليا...لن تستطيع بعد الآن سوى ان تدعوا له بالرحمة .
ذكريات من بيت الدعاء كانت تحاول فقط ستر شعرها واعادة خمارها الذي انفتح لكونهم يسحبونها من شعرها ....
كلما القيت نظرة من شرفة بيتي الصيفي في قرية ( هركة )إلى تلال(قرة مورسل ) المخضرة بأشجار الفواكه تذكرت جدتي التي توفيت منذ سنوات ...جدتي هذه بوجهها الصبوح النوراني التي كنت قد ارتبطت معها منذ طفولتي بحب عميق ...كانت تعيش حياة عزلة في غرفة صغيرة في بيت خإلى منذ أن صعب عليها المشي على ساقيها اللذين كنت كثيراً مأ أدلكهما لها تخفيفا لآلامها ..وفي السنوات الأخيرة من حياتها (وكانت قد قاربت المائة عاماً ) أصبحت كالطفل سريعة التأثر، وانحنى ظهرها حتى قارب طولها طول صبية ، وكانت تقول وهي تشير إلى الشجرة الضخمة إلى كنا نلعب في ظلها : - أنها الشجرة الوحيدة الباقية منذ صغري يا بني! ... فقد مات جميع أقراني وقريناتي . كنت كثيرا ما أزورها لعلمي أنها تنتظر زيارتي بفارغ الصبر, أدور من خلفها بهدوء دون أن تحس بي وآخذ قبلة مفاجئة من وجهها المتغضن. وما ان تدرك أنني قد حضرت حتى تصرخ وتلف ذراعيها حول عنقي، ولا تدعني حتى تبلل سترتي أو قميصي بدموعها. فإن كانت صحتها على ما يرام قمت – بعد بضعة أسئلة حول الصحة والخاطر – باحضار عربة اليد من الحديقة واضع عليها بضع وسائد ثم أحملها كريشة خفيفة واضعها فوق وبين هذه الوسائد وأخرج بها إلى بستان البيت الذي كان بمساحة (8-10) دوائم حيث أتجول معها بين الاشجار أو بين نباتات الفراولة ( الشليك ) إن كان الوقت موسمها . وبين صرير عربة اليد – التي كنا ننقل بها التراب والحجر- كنا نتسامر معاً . قالت لي ذات يوم : - ليرض الله عنك يا بني ! ... انت تسري عني ... وأنا ادعو الله ان يجعلك صاحب ( بيجو) . و(بيجو) الذي كانت تذكره جدتي وتدعو لم تكن سوى سيارة ( بيجو) التي عرفت من خالتي أنني أعجب بها . ولأنني كنت مساعد أستاذ في الجامعة آنذاك فلم يخطر على بإلى شراء هذه السيارة أبدا . ولكن بعد أشهر من هذا الدعاء حدث ما حدث وأصبحت مالكاً لمثل هذه السيارة . وقصة هذا الشراء قصة طويلة ولا أرى حاجة لسرد تفاصيلها ولكني لا استطيع ان انسى ما قاله لي رجل الاعمال الذي باع السيارة لي إذ قال : ( الحقيقة انني لا ادري حتى الآن لماذا بعتك هذه السيارة بمثل هذا الرخص). بعد وفاة جدتي بعت تلك السيارة واشتريت بثمنها عرصة ، ثم بعت تلك العرصة واشتريت بثمنها بيتا جميلا ، وعندما أسأل : ( كيف استطعت ان تملك مثل هذا البيت الجميل ؟) أقول دائما : - بفضل دعاء واحد لا غير . كانت جدتي تستطيع ان تذكر التفاصيل الدقيقة لمئات من ذكرياتها الحلوة أو المرة ، وفي احد الأيام التي كنا نتنزه فيها معا في البستان قالت وهي تعدل خمارها الذي انزاح قليلا عن رأسها بفعل الرياح : - كانت في محلتنا شيخة عمرها 82 عاماً تعلم القرآن *... كانت تلك الأعوام هي الأعوام التي حُرم فيها الأذان والقرآن ولكنها قالت : لا اظن انهم سيتعرضون لي وانا في السنوات الأخيرة من عمري. لذا استمرت في تعليم القرآن لصبيان الجيران ولم تجد في ذلك بأساً . وبينما كنت استمع اليها بلهفة لاحظت انها بدأت تبكي .. مسحت دموعها وقالت : -في أحد الأيام هجموا على بيتها وأخرجوها منه . وبدأوا يسحبون هذه العجوزة من شعر رأسها. .. كنا نتطلع إلى هذا المنظر من وراء النافذة وقد تجمدنا من الذهول . وعندما سألتها : ماذا جرى لها ؟ قالت : - بعد أيام توفيت... ولكنها لم تنبس بكلمة واحدة عندما كانوا يسحبونها على الارض من شعرها ، بل كانت تحاول فقط ستر شعرها واعادة خمارها الذي انفتح لكونهم يسحبونها من شعرها .... وأنا اسجل الآن هذه الذكرى – مع دعائي لروح تلك العجوزة – لكي تعلم الشابات المؤمنات المتعرضات لألوان من الأذى والظلم * بسبب ستر شعورهن كنتيجة طبيعية لإيمانهن بالله لأذكرهن أنهن حفيدات لمثيلات تلك الجدة البطلة .
---
* مرت تركيا في عهد حكم حزب الشعب الجمهوري بفترة مظلمة حوربت فيها الشعائر الاسلامية . * تمنع إدارة الجامعات في تركيا الطالبات اللواتي يسترن شعورهن ويراعين الآداب الاسلامية في الملبس من الدوام في الجامعات .
تعليق