بقلم : ثوريستين ثومسِن
>غمرني حبُّ الرواية مدى الحياة. عندماكنتُ في العاشرة من عمري. قرأتُ ج. ف. كوبرس برواياته عن الهنود الحُمر. كان ذلك بعد مئة سنة من وفاته. عندما أصبحتُ في سنّ المراهقة، جذبني الكتّاب الدنمركيون، برانر، بانغ،صويا، سونابي إضافةً ال المُعاصرين ريفبياو، باندورو، شرفيغ، و آخرون كثيرون. >في الثانوية العامّة، أخذت دورةً دراسيةً في القراءة و تعلّمتُ أن اقرأ بوتيرةٍ سريعةٍ جداً. ما زلتُ أستعمل نفس الطريقة، و لكنني كل مرّة أُمسك بروايةٍ، أقرأ كما كنت أفعل و أنا في سن العاشرة: يتردد صدى كل كلمة في داخلي. و تجربتي ـ إذا كانت الرواية جيدة ـ كبيرة و جديدة و كآنها أول مرة. حرفيّا أشعر بالحُمّى في داخلي عندما أقرأ صفحةً لمُؤلفٍ يكتب بطريقة أجمل و أذكى و أحسن مني. إنه يثيرني و ىشعرني بالضآلة: هكذا كنتُ أنا أرغب أن أكتب. لكن الحُبَّ ـ خصوصاً عند آولئك من لديهم أبناءـ مرتبطٌ بالخوف، الخوف من الموت. مرَّ زمنٌ كنتُ خائفاً على الرواية من الإنقراض. كان أبي أحد العاملين في مطابع الكتب، جرافيك سيركل، والتي هي اليوم مجهولة خارج نطاق المكتبات العامّة. كانوا يطبعون الكتب بخط الرصاص فوق أوراقٍ ممتازة الجودة.و كانت متعةً كبيرةً أن تحوز على كتاب. قبل ذلك الجيل اعتاد المرء على شراء الكتب الغالية الثمن. كانت تُجمع بغلاف جلدي و يُطبع العنوان بأحرفٍ ذهبية. لكن الطوبوغرافيا اختفت مع الرصاص، الورق أصبح بُنّياً و رخيصاً، الأحرُف أصغر و آصغرحتى أن المرء أصبح يخاف انها في النهاية ستختفي و تتحول الكتب الى ورق تواليت بشكل جديد و وسيلة ربط جديدة متقدمة. ما زالت الرواية محاطة بالأعداء ، ينتهزون الفرصة للقضاء عليها، مثل التلفزيون السينما ألعاب الكمبيوتر، و رغم ذلك فلا أتخيّل أنه ستنتهي بالموت. قد يموتُ الكتابُ، و لكن سوف تقفز الرواية منه لتدخل في الوسائل الجديدة، الكتاب السمعي، الكتاب الالكتروني. بوصفي ابناً لأحد طابعي الكتب يمكنني التعايش مع ذلك لأنني أولاً و أخيرآً قارئٌ و مؤلف. ما يصيبني بالحُمّى و يُشكّل كابوساً لدي، ; أن يتم تقزيم الرواية لتصبح سلسلة تلفزيونية هزيلة عن جرائم القتل، أو فيلماً دنمركياً يُشاهده 200000شخص من رواد السينما، او دراما إثارة صحفية. و لكن لماذا كل ذلك الحبّ؟ آستطيع أن آعطيكم سببين. ألاول هي تجربة القراءة ذاتها: يدخل المرء عالماً ظمسكوناً بالبشر أو الحيوان، يقترب منهم فتتولد لديه متعة المعرفة. يدخل المرءعالماً عجيباً غريباً، يدخل في رؤوس الناس، في مدن تقف على أعمدة شاهقة بحيث تكاد تختفي في الغيوم.، في أراضٍ تقع على كواكب آُخرى، في بيئات مسكونة بالأسماك التي بامكانها الكلام، أو حيث هناك آناس ميتون يستطيعون الرؤية بلا أعين. عالم الرواية عظيم و يُشكّل بطريقة أو بأُخرى أرضنا التي نجلس عليها، بينما نقرأ، و يجعلها أضخم و حتى أكثر عجائبية.>الثاني هو أن الرواية تحتوي التناقضات، مثل مداخلةٍ حوارية، مقابلة مع سياسي، نعم، مقال صحفى في هذا الإعتبار لا يستطيع التعامل معها. الرواية ليست فيلماً أمريكياً. هناك مساحة لكذِب البطل و للخوف . تبحث الرواية في الوجود الإنساني ولا تخاف من تعقيداتها و تعارضاتها. يعني ذلك، أن الرواية غالباً أكثر مهارة من كاتبها.<br>دعوني أضرب مثلاً.قال أندرس فوغ: سياسة التعاون مخادعةٌ أخلاقيةٌ و سياسية. يمكن للمرء أن يقول أن جملةً هذه فها تكثيف لإفكار عديدة لرجل ذكي. آو قد يقول، ذلك يكشف عن حياة شعورية غير ناضجة للرجل. على كل حال هذا لا يهم. المقولة تحت كل الظروف لها بُعدٌ واحد. و من غير الجدير ان لم يكن مستحيلاً آن تشكل مشروعاً لمؤلف رواية، هو على وشك البدء بكتاب جديد. >دعوني أقدم لكم مثلاً آخر أو حتى اثنين: تخيّل أن هناك شخصاً ما يجادل لفكرة حقنا في أن نهين بعض المسلمين. إمام دنمركي بلحيةٍ رفيعة يقول بحُرم المثلية الجنسية. في مجتمع حسب اعتاقده يمكن فيه رجم النساء، و منع المثلية الجنسية. ألا تستحق هذه الفكرة أن ننبذها؟ ألا يحق لنا نحن لآخرين أن نسخر من هكذا رجل و من إمثاله؟ هل ممنوع علينا أن نسخر و نهزأ من مثل هؤلاء الذين يحملون هذه الأفكار مثلما فعل داريو فو عندما سخِر من الالكاثوليكية و البابا؟ بالطبع نعم. تخيل وجهة النظر الأخرى، أنه من غير اللائق فعل ذلك. يقف سياسيون دنمركيون على منبر البرلمان و يصفون الإسلام بدُمّل الطاعون. إنهم يهينون آلأقلية. جمهور كبير من الناس الممتازين سوف يكونون موضع شكّ. ما قيمة الديمقراطية و الحرية الدينية اذا سمحنا بلعنة 200000انسان و لم نستطع احتواء و احترام الأقليات و من هم مختلفين عنّا؟ ألا يجب علينا أن نحاول احتواء و احترام بعضنا البعض؟ طبعاً نستطيع ذلك. عديد من الناس قد راوحوا بين وجهتي النظر تلكما في ضوء رسومات جريدة اليولند بوستن (عن الرسول محمد) لكن من الصعب الإحتفاظ بوجهتي النظر تلكما في نفس الوقت. يُمكن للرواية أن تحتوي وجهتيّ نظر متعارضة. بطريقة ما تستطيع أن تعني الإثنين معاً و بنفس الطريقة التي بها تستطيع المناورة مع شخص ما و إظهار صراعاته الداخلية. ذلك ينبئنا، لماذا هي أو هو قد يعني في لحظة ما أنه خنزير غبيّ وفي لحظة أخرى طيباً و مُحباً و كريماً و صاحب حميّة.
بينما نقرأ الرواية، نستطيع السيطرة على المتناقضات و تقبّل أن ليس كل الصراعات قابلةٌ للحلّ.
جريدة البوليتيكن الدنمركية.
ترجم هذا المقال عن اللغة النمركية: سليم محمد غضبان
>غمرني حبُّ الرواية مدى الحياة. عندماكنتُ في العاشرة من عمري. قرأتُ ج. ف. كوبرس برواياته عن الهنود الحُمر. كان ذلك بعد مئة سنة من وفاته. عندما أصبحتُ في سنّ المراهقة، جذبني الكتّاب الدنمركيون، برانر، بانغ،صويا، سونابي إضافةً ال المُعاصرين ريفبياو، باندورو، شرفيغ، و آخرون كثيرون. >في الثانوية العامّة، أخذت دورةً دراسيةً في القراءة و تعلّمتُ أن اقرأ بوتيرةٍ سريعةٍ جداً. ما زلتُ أستعمل نفس الطريقة، و لكنني كل مرّة أُمسك بروايةٍ، أقرأ كما كنت أفعل و أنا في سن العاشرة: يتردد صدى كل كلمة في داخلي. و تجربتي ـ إذا كانت الرواية جيدة ـ كبيرة و جديدة و كآنها أول مرة. حرفيّا أشعر بالحُمّى في داخلي عندما أقرأ صفحةً لمُؤلفٍ يكتب بطريقة أجمل و أذكى و أحسن مني. إنه يثيرني و ىشعرني بالضآلة: هكذا كنتُ أنا أرغب أن أكتب. لكن الحُبَّ ـ خصوصاً عند آولئك من لديهم أبناءـ مرتبطٌ بالخوف، الخوف من الموت. مرَّ زمنٌ كنتُ خائفاً على الرواية من الإنقراض. كان أبي أحد العاملين في مطابع الكتب، جرافيك سيركل، والتي هي اليوم مجهولة خارج نطاق المكتبات العامّة. كانوا يطبعون الكتب بخط الرصاص فوق أوراقٍ ممتازة الجودة.و كانت متعةً كبيرةً أن تحوز على كتاب. قبل ذلك الجيل اعتاد المرء على شراء الكتب الغالية الثمن. كانت تُجمع بغلاف جلدي و يُطبع العنوان بأحرفٍ ذهبية. لكن الطوبوغرافيا اختفت مع الرصاص، الورق أصبح بُنّياً و رخيصاً، الأحرُف أصغر و آصغرحتى أن المرء أصبح يخاف انها في النهاية ستختفي و تتحول الكتب الى ورق تواليت بشكل جديد و وسيلة ربط جديدة متقدمة. ما زالت الرواية محاطة بالأعداء ، ينتهزون الفرصة للقضاء عليها، مثل التلفزيون السينما ألعاب الكمبيوتر، و رغم ذلك فلا أتخيّل أنه ستنتهي بالموت. قد يموتُ الكتابُ، و لكن سوف تقفز الرواية منه لتدخل في الوسائل الجديدة، الكتاب السمعي، الكتاب الالكتروني. بوصفي ابناً لأحد طابعي الكتب يمكنني التعايش مع ذلك لأنني أولاً و أخيرآً قارئٌ و مؤلف. ما يصيبني بالحُمّى و يُشكّل كابوساً لدي، ; أن يتم تقزيم الرواية لتصبح سلسلة تلفزيونية هزيلة عن جرائم القتل، أو فيلماً دنمركياً يُشاهده 200000شخص من رواد السينما، او دراما إثارة صحفية. و لكن لماذا كل ذلك الحبّ؟ آستطيع أن آعطيكم سببين. ألاول هي تجربة القراءة ذاتها: يدخل المرء عالماً ظمسكوناً بالبشر أو الحيوان، يقترب منهم فتتولد لديه متعة المعرفة. يدخل المرءعالماً عجيباً غريباً، يدخل في رؤوس الناس، في مدن تقف على أعمدة شاهقة بحيث تكاد تختفي في الغيوم.، في أراضٍ تقع على كواكب آُخرى، في بيئات مسكونة بالأسماك التي بامكانها الكلام، أو حيث هناك آناس ميتون يستطيعون الرؤية بلا أعين. عالم الرواية عظيم و يُشكّل بطريقة أو بأُخرى أرضنا التي نجلس عليها، بينما نقرأ، و يجعلها أضخم و حتى أكثر عجائبية.>الثاني هو أن الرواية تحتوي التناقضات، مثل مداخلةٍ حوارية، مقابلة مع سياسي، نعم، مقال صحفى في هذا الإعتبار لا يستطيع التعامل معها. الرواية ليست فيلماً أمريكياً. هناك مساحة لكذِب البطل و للخوف . تبحث الرواية في الوجود الإنساني ولا تخاف من تعقيداتها و تعارضاتها. يعني ذلك، أن الرواية غالباً أكثر مهارة من كاتبها.<br>دعوني أضرب مثلاً.قال أندرس فوغ: سياسة التعاون مخادعةٌ أخلاقيةٌ و سياسية. يمكن للمرء أن يقول أن جملةً هذه فها تكثيف لإفكار عديدة لرجل ذكي. آو قد يقول، ذلك يكشف عن حياة شعورية غير ناضجة للرجل. على كل حال هذا لا يهم. المقولة تحت كل الظروف لها بُعدٌ واحد. و من غير الجدير ان لم يكن مستحيلاً آن تشكل مشروعاً لمؤلف رواية، هو على وشك البدء بكتاب جديد. >دعوني أقدم لكم مثلاً آخر أو حتى اثنين: تخيّل أن هناك شخصاً ما يجادل لفكرة حقنا في أن نهين بعض المسلمين. إمام دنمركي بلحيةٍ رفيعة يقول بحُرم المثلية الجنسية. في مجتمع حسب اعتاقده يمكن فيه رجم النساء، و منع المثلية الجنسية. ألا تستحق هذه الفكرة أن ننبذها؟ ألا يحق لنا نحن لآخرين أن نسخر من هكذا رجل و من إمثاله؟ هل ممنوع علينا أن نسخر و نهزأ من مثل هؤلاء الذين يحملون هذه الأفكار مثلما فعل داريو فو عندما سخِر من الالكاثوليكية و البابا؟ بالطبع نعم. تخيل وجهة النظر الأخرى، أنه من غير اللائق فعل ذلك. يقف سياسيون دنمركيون على منبر البرلمان و يصفون الإسلام بدُمّل الطاعون. إنهم يهينون آلأقلية. جمهور كبير من الناس الممتازين سوف يكونون موضع شكّ. ما قيمة الديمقراطية و الحرية الدينية اذا سمحنا بلعنة 200000انسان و لم نستطع احتواء و احترام الأقليات و من هم مختلفين عنّا؟ ألا يجب علينا أن نحاول احتواء و احترام بعضنا البعض؟ طبعاً نستطيع ذلك. عديد من الناس قد راوحوا بين وجهتي النظر تلكما في ضوء رسومات جريدة اليولند بوستن (عن الرسول محمد) لكن من الصعب الإحتفاظ بوجهتي النظر تلكما في نفس الوقت. يُمكن للرواية أن تحتوي وجهتيّ نظر متعارضة. بطريقة ما تستطيع أن تعني الإثنين معاً و بنفس الطريقة التي بها تستطيع المناورة مع شخص ما و إظهار صراعاته الداخلية. ذلك ينبئنا، لماذا هي أو هو قد يعني في لحظة ما أنه خنزير غبيّ وفي لحظة أخرى طيباً و مُحباً و كريماً و صاحب حميّة.
بينما نقرأ الرواية، نستطيع السيطرة على المتناقضات و تقبّل أن ليس كل الصراعات قابلةٌ للحلّ.
جريدة البوليتيكن الدنمركية.
ترجم هذا المقال عن اللغة النمركية: سليم محمد غضبان
تعليق