وظيفةٌ شاغرة

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد مزكتلي
    عضو الملتقى
    • 04-11-2010
    • 1618

    وظيفةٌ شاغرة

    وظيفةٌ شاغرة.


    تُرفعُ السِّتارةَ عن قاعةٍ واسعة.
    على اليسارِ كُرسيٌّ فخمٌ تربَّعَ عليه بَشريٌّ فيه إماراتِ القوَّة والسلطان
    انتَصَبَ خلْفَهُ صليبٌ خشبيٌّ كبير، عُلقَت عليه أيقوناتٍ لِرموزٍ دينيةٍ مختلفة.
    أمامَهُ زِقِّ خمرٍ وقَصْعَةِ تمْر.
    المتَربِّعُ شَعَرُهُ أصفرٌ طويل، ولحيَتُهُ سوداء.
    مُكتحل, متقلد, متسنر, متخَتِّم
    سروالُهُ من الجينز, وقميصُهُ حَريريٌّ أحمر.
    يلتحِفُ بعَباءةٍ بيضاء، قدَمَهُ في بِسْطار, و الأخرى في خُف.
    على رأسهِ قُبَّعةٌ فرعونية.
    يلتقطُ تمْرَة، يمضغُهَا بتَلَكُؤ، ولا يلْفُظُ النواة.
    يمُجُّ الخمر, يتمَضمَضُ, ثُمَّ يمسحُ شفتيهِ بكمِّ قميصِه.
    يُصَفِقُ مرتين...
    يدخلُ من بابٍ في يمينِ المسرح رجلٌ أربعيني.
    بدين, أصلَع, فاخرُ الثياب.
    يقفُ أمامَ المتَربِّعِ، ويحييه بِتذلُّل.
    عِمْتُم صباحا يا سيدي.
    المتَربِّعُ بِتَكَبُّرٍ: إلامَ تَصبو من هَذهِ الوظيفة؟.
    الثَّرِيُّ بإثارةٍ: السلطةُ, الجاهُ, المَقامُ العالي، العظَمَةُ, المجدُ والخُلود.
    وأن يُكتَبَ اسمي في كُتُبِ التاريخ.
    المتَربِّعُ بترقُّبٍ: ما اسمُك؟.
    الثَّرِيُّ باستحياءٍ: قُرَني يا سيدي...أنا قُرَني.
    المتَربِّعُ باستنكارٍ: هل ترضى أن يُدَوَّنَ اسماً كهذا في كُتُبِ التاريخ!؟.
    الثَّرِيُّ بِثِقةٍ: عندها يا سيدي سيُكتَبُ التاريخِ كما أُريد.
    المتَربِّعُ بتأنيبٍْ: تطْمعُ إذَن في تغييرِ اسمك؟.
    الثَّرِيُّ باستطرادٍ: ولأن أُبَدِّلَ جِلْدي أيضاً.
    المتَربِّعُ بسخريةٍ: ويصبحُ اسمُكَ الجديدُ ثُعبان؟.
    الثَّرِيُّ بتزلفٍ: لاَ بأسَ يا سيدي...نمُطُّ الثاءَ قليلا, ويصبحُ شعبان.
    المتَربِّعُ بتهكُّمٍ: ماذا يمكنُ أن تَمُطَّ أيضاً؟.
    الثَّرِيُّ باستخفافٍ: كُلُّ شيءٍ يمكنُ مَطُّهُ يا سيدي...كُلُّ شيء.
    القوانينُ والأحكام، التقاليدُ والأعراف, المَبادئُ والثوابتُ والشِعارات.
    حتى الأنساب والروابط والانتماءات.
    المتَربِّعُ بأسى: ما أنتَ فاعلٌ بالقيم؟.
    الثَّرِيُّ بِلُؤمٍ: الجماهيرُ يا سيدي ذاكرتُهُم ضعيفة, وأنا أُعِينُهُم على النِسيان بإقامةِ حفلاتِ الرقصِ والطرَب.
    وأُذَكِرُهُم دائما بأنَّهم عرب، وأُوَزِّعُ عليهم الأقنعةِ بالمجّان, وأُوصِلُ حِبالَهم بِحبالِ الشيطان.
    المتَربِّعُ بمناورةٍ: كيفَ وجَدْتَ نفسَكَ صالحاً لهَذهِ الوظيفة؟.
    الثَّرِيُّ بِفخرٍ: أنا رجلٌ ثريٌّ, بَخيلٌ أنانيٌّ, وصوليٌّ انتهازيٌّ, مناوِرٌ كذّابٌ لاَ عهْدَ لي.
    وعِندي مِنْ هذا ما يكفي لأحكُمَ العالم.
    المتَربِّعُ بِدَهشةٍ: أهَذا ما يجبُ أن يتمتعََ بهِ رئيسُ الدولة!؟.
    الثَّرِيُّ بتبلُّدٍ: هي وجهَةُ نظرٍ يا سيدي.
    يُصَفِّقُ المتَربِّعُ مرَّتين...
    وظيفةٌ شاغرة.
    تُرفعُ السِّتارةَ عن قاعةٍ واسعة.
    على اليسارِ كُرسيٌّ فخمٌ تربَّعَ عليه بَشريٌّ فيه إماراتِ القوَّة والسلطان
    انتَصَبَ خلْفَهُ صليبٌ خشبيٌّ كبير، عُلقَت عليه أيقوناتٍ لِرموزٍ دينيةٍ مختلفة.
    أمامَهُ زِقِّ خمرٍ وقَصْعَةِ تمْر.
    المتَربِّعُ شَعَرُهُ أصفرٌ طويل، ولحيَتُهُ سوداء.
    مُكتحل, متقلد, متسنر, متخَتِّم
    سروالُهُ من الجينز, وقميصُهُ حَريريٌّ أحمر.
    يلتحِفُ بعَباءةٍ بيضاء، قدَمَهُ في بِسْطار, و الأخرى في خُف.
    على رأسهِ قُبَّعةٌ فرعونية.
    يلتقطُ تمْرَة، يمضغُهَا بتَلَكُؤ، ولا يلْفُظُ النواة.
    يمُجُّ الخمر, يتمَضمَضُ, ثُمَّ يمسحُ شفتيهِ بكمِّ قميصِه.
    يُصَفِقُ مرتين...
    يدخلُ من بابٍ في يمينِ المسرح رجلٌ أربعيني.
    بدين, أصلَع, فاخرُ الثياب.
    يقفُ أمامَ المتَربِّعِ، ويحييه بِتذلُّل.
    عِمْتُم صباحا يا سيدي.
    المتَربِّعُ بِتَكَبُّرٍ: إلامَ تَصبو من هَذهِ الوظيفة؟.
    الثَّرِيُّ بإثارةٍ: السلطةُ, الجاهُ, المَقامُ العالي، العظَمَةُ, المجدُ والخُلود.
    وأن يُكتَبَ اسمي في كُتُبِ التاريخ.
    المتَربِّعُ بترقُّبٍ: ما اسمُك؟.
    الثَّرِيُّ باستحياءٍ: قُرَني يا سيدي...أنا قُرَني.
    المتَربِّعُ باستنكارٍ: هل ترضى أن يُدَوَّنَ اسماً كهذا في كُتُبِ التاريخ!؟.
    الثَّرِيُّ بِثِقةٍ: عندها يا سيدي سيُكتَبُ التاريخِ كما أُريد.
    المتَربِّعُ بتأنيبٍْ: تطْمعُ إذَن في تغييرِ اسمك؟.
    الثَّرِيُّ باستطرادٍ: ولأن أُبَدِّلَ جِلْدي أيضاً.
    المتَربِّعُ بسخريةٍ: ويصبحُ اسمُكَ الجديدُ ثُعبان؟.
    الثَّرِيُّ بتزلفٍ: لاَ بأسَ يا سيدي...نمُطُّ الثاءَ قليلا, ويصبحُ شعبان.
    المتَربِّعُ بتهكُّمٍ: ماذا يمكنُ أن تَمُطَّ أيضاً؟.
    الثَّرِيُّ باستخفافٍ: كُلُّ شيءٍ يمكنُ مَطُّهُ يا سيدي...كُلُّ شيء.
    القوانينُ والأحكام، التقاليدُ والأعراف, المَبادئُ والثوابتُ والشِعارات.
    حتى الأنساب والروابط والانتماءات.
    المتَربِّعُ بأسى: ما أنتَ فاعلٌ بالقيم؟.
    الثَّرِيُّ بِلُؤمٍ: الجماهيرُ يا سيدي ذاكرتُهُم ضعيفة, وأنا أُعِينُهُم على النِسيان بإقامةِ حفلاتِ الرقصِ والطرَب.
    وأُذَكِرُهُم دائما بأنَّهم عرب، وأُوَزِّعُ عليهم الأقنعةِ بالمجّان, وأُوصِلُ حِبالَهم بِحبالِ الشيطان.
    المتَربِّعُ بمناورةٍ: كيفَ وجَدْتَ نفسَكَ صالحاً لهَذهِ الوظيفة؟.
    الثَّرِيُّ بِفخرٍ: أنا رجلٌ ثريٌّ, بَخيلٌ أنانيٌّ, وصوليٌّ انتهازيٌّ, مناوِرٌ كذّابٌ لاَ عهْدَ لي.
    وعِندي مِنْ هذا ما يكفي لأحكُمَ العالم.
    المتَربِّعُ بِدَهشةٍ: أهَذا ما يجبُ أن يتمتعََ بهِ رئيسُ الدولة!؟.
    الثَّرِيُّ بتبلُّدٍ: هي وجهَةُ نظرٍ يا سيدي.
    يُصَفِّقُ المتَربِّعُ مرَّتين...
    أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
    لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.
  • محمد مزكتلي
    عضو الملتقى
    • 04-11-2010
    • 1618

    #2
    تدخُلُ امرأةٌ فاتِنةٌ جدّاً, ترتدي ثياباً فاضحةً جدّاً.
    غازَلَها الثَّريُّ, قدَّمَ لها بطاقتهِ وخرَج.
    الفاتِنةُ بِدَلالٍ: بونجور مِسيو.
    المتَربِّعُ بِصَلَفٍ: إلامَ تَصْبي من هذه الوظيفة؟.
    الفاتِنةُ بتمنّي: القُوَّةُ والسيادةُ، ثُمَّ الأمرُ والسيطرة.
    المتَربِّعُ بمؤانَسةٍ: ما يفيدُكِ هذا وحالُكِ هَكذا!؟.
    الفاتِنةُ بمَرارٍ: لِأُنصِفَ بَناتَ جنسي وأرُدَّ لهنَّ حقوقَهُن.
    المتَربِّعُ باستغرابٍ: مَنْ يسلُبُكُنَّ حقوقَكُن!؟.
    الفاتِنةُ بتشَكّي: مَن غيرَهم يا سيدي...إنَّهم الرِّجال... الرِّجالُُ يا سيدي.
    هم على الدَّوامِ سبَبَ آلامنا وأسانا.
    يثيرونَ المَتاعِبَ والمشاكلَ في كُلِّ وقت.
    إنَّهم فوقنا في كُلِّ شيء...في كُلِّ شيء...هل تَفهَمُني يا سيدي؟.
    المتَربِّعُ باستهجانٍ: تريدينَ قلبَ الأوضاع!؟.
    الفاتِنةُ بتذمُّرٍ: الرجالُ أصبحوا بَدينين, و صاروا سَمجينَ أيضاً، تعِبْنا مِنْ تحَمُّلِ أوزانَهم وأوزارَهم.
    المتَربِّعُ باستخفافٍ: لكنَّ مظهرَكِ لا يَشي بذلك!؟.
    الفاتِنةُ بألَمٍ: لاَ يخدعَك ما تراهُ يا سيدي... هل أكشُفُ لك عن اليسيرِ الَّذي أُخفيه؟.
    المتَربِّعُ بتأنيبٍ: أنتنَّ مَنْ يلِدْنَ أعدائَهُن، توقَفنَ عن الإنجاب وتنتهي المشكلة.
    الفاتِنةُ بِحيرةٍ: كيفَ ذلك يا سيدي...من أين نأتي بالنساء!؟.
    المتَربِّعُ بعَبَثٍ: ألم تسمعي عن عِلْمِ الإستنساخ؟.
    الفاتِنةُ باستنكارٍ: هذا ظُلمٌ كبيرٌ يا سيدي...بهَذا ستنتهي القضية؟.
    المتَربِّعُ بأريحيةٍ: هل يجبُ أن تكونَ هناكَ قضية؟.
    الفاتِنةُ بتأكيدٍ: بالطبعِ يا سيدي...لابد من قضية، لابد من تحَدٍّ وسِجالٍ وعِراكٍ وقِتال.
    أتدري يا سيدي لِمَ الرجالُ يستحقُّونَ الشَّنق؟.
    المتَربِّعُ بمسكنةٍ: لِمَ؟.
    الفاتِنةُ بحِقدٍ: لأنَّهم بعدَ أن نُرضِعهم ونعتني بهم وهم أطفال.
    ينقلِبونَ علينا ما أن تَنبُتَ لِحاهُم ويصبحونَ رجال.
    ناكِرينَ أفضاْلَنا عليهم, آمِليْنَ عبثاً أن نتوَسَّلَ إليهم.
    المتَربِّعُ بتهرُّبٍ: كيفَ وجدْتِ نفسَكِ صالحةً لهذه الوظيفة؟.
    الفاتِنةُ بغَنَجٍ: أنوثتي ونعومتي, جمالي وفِتنتي، تضاريسي المنسقة وخِماصي المعطرة.
    أعطافي الغضَّةُ وأعضائي البضَّة.
    المتَربِّعُ بِعَطْفٍ: هذا لا يكفي.
    الفاتِنةُ بِثِقَةٍ: بَل يكفي يا سيدي...يكفي.
    ما دامَ في داخلِ كُلِّ رجلٍ حيوانٍ مجنونٍ أخرقٍ جاهلٍ غَبيٍّ مَغرور.
    في هذا الجسدُ الصَّغيرُ الَّذي أمامُكَ يا سيدي, جيشا جرارا لا يُقهَر
    المتَربِّعُ بفضولٍ: ما اسمُك؟.
    الفاتِنةُ بأملٍ: شَهرَزاد يا سيدي، واسمُ الدَّلَعِ مارلين.
    المتَربِّعُ بتقصي: ما علاقةَ شَهرَزاد بمارلين؟.
    الفاتِنةُ بوقارٍ: كُلَّ العلاقةِ يا سيدي, كلتاهما شغَلَت الملايين.
    الأولى أسطورةٌ وخيال, والثّانيَّةُ حقيقَةٌ وَواقع
    المتَربِّعُ بتكَلُّفٍ: أينَ أنْتِ منهما؟.
    الفاتِنةُ باعتزازٍ: أنا كلتاهما يا سيدي.
    أنا الحقيقةُ والواقع, وأنا الأسطورةُ والخيال.
    أنا في خيالِ الرِّجالِ مرَّة، وبينَ أيْديهم مرَّة.
    أنا مَنْ يتقاتَلُ على الظَّفرِ بها الرِّجال.
    و ما أن ينالها المنتصرُ حتَّى يُسارعُ إلى التَّخلُّصِ منها.
    المتَربِّعُ بتقريعٍ: هذه فَلسفةُ حانات.
    الفاتِنةُ باِنكسارٍ: هيَ أصدَقُ من أيِّ فلسفةٍ تفلسَفَ بها فَيلَسوف.
    في الحانةِ يا سيدي يُختزَلُ العالم، وتجتمعُ كُلَّ وجوهِ الإنسانية.
    من أسيادٍ وعبِيد, رؤساءٌ ومرؤوسِين، قضاةٌ ومجرمين, وفُقراءٍ وأغنياء.
    وظُلّامٍ ومظلومين، وعُقَلاءٍ ومَجْانين.
    فإنْ كنتُ استطعتُ إدارَةَ حانتي بما فيها مِنْ تناقُضات.
    أفَلا أستطيعُ أن أحكُمَ عالَماً نُصْفهُ مِنَ النِّساءِ ونُصفهُ الآخرَ مِنْ روّادِ الحانات؟.
    يُصَفِّقُ المتَربِّعُ.
    أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
    لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

    تعليق

    • محمد مزكتلي
      عضو الملتقى
      • 04-11-2010
      • 1618

      #3
      يدخلُ رجلٌ عظيمُ الجثةَ وعَظيمُ اللِّحْية.
      على رأسهِ عمامَةٌ كبيرةٌ خضراء, كذلك عباءَتَهُ وَجِبَّتَهُ وحِذاءَه.
      أخذَ ينظُّرُ إلى المرأةِ نظْرةَ ذِئْبٍ إلى حَمَل، وهوَ يحَسْبِلُ ويحَوْقِلُ ويستغفر.
      طارَدَها بِعينَيهِ حتَّى اختفَت.
      المُعمَّمُ باِندفاعٍ: السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ والبركات.
      المتَربِّعُ بتَرَوِّي: إلامَ تَصبو مِنْ هَذهِ الوظيفة؟.
      المُعمَّمُ بحَماسٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدنا محمدٍ أشرفِ المرسَلين.
      و على آلِهِ وأصحابه، وعلى مَن أِتَّبَعَ هُداهُ إلى يومِ الدِّين.
      أمّا بعد...أطمعُ في دارِ الإسلام، وحُكْمُ الخاصَّةَ والعَوام، على مَنهجِ الحقِّ وسِنَّةِ سَيِّدَ الأنام.
      المتَربِّعُ بِعَبَثٍ: أعجبني لباسُك.
      المُعمَّمُ بِخُيَّلاءِ: هذا لِباسُ أهلُ الجَنَّة, سُندسٌ واستبرق.
      المتَربِّعُ ببُرودٍ: تحْسَبُ أنَّكَ في الجَنَّة؟.
      المُعمَّمُ بِرَجاءٍ: أنا هُنا لأجعلَ هَذهِ كتلكْ, إنشاءَ اللَّه.
      المتَربِّعُ بتعَجُّبٍ: هل يمكنُ ذلك!؟.
      المُعمَّمُ بحَماسٍ: نعَم...بإعلانِ الحربِ على الشَّيطان، وقَتْلِ أتْباعِهِ، وتفجيرِ مَكامِنِِهِ، ونسفِ أركانِهِ.
      نُكرانُ كُلَّ ما تقولُهُ منظماتُ حقوقِ الإنسان الكافِرة، وَوطْءُ عقودَ ومواثيقَ الأممِ المتَّحدة الفاجِرَة.
      قَطْعُ ألسِنَةَ المُفَذلَكين المتفيهَقين، دُعاةُ الحريَّةَ والديمقراطية.
      وحَزُّ رقابَ العِلمانيينَ المارقينَ المرتدِّينَ الفَسَقَة.
      ويكونُ لنا الدِّينَ والسياسَةَ والفنَّ والرياضةَ والتِجارةَ والصناعةَ والزراعة.
      المتَربِّعُ بتوجسٍ: وضِّحُ لي أكثر؟.
      المُعمَّمُ باِندماجٍ: سأعيدُ الزَّمنَ إلى الوَراءِ ألفٍ مِنَ السِّنين، إلى ما كانَ عليهِ أسلافَنا الصّالِحين.
      أيامُ السَّبايا والجَواري ومَلَكاتُ اليمين، وإرضاعُ الكبير وشُرْبُ بَولَ البعير.
      وسُنَنُ الغُسلِ والطَّهارة، والاستنجاءِ بالحجارة.
      سأُقيمُ الحُدودَ مِنْ صَلبٍ وجَلْدٍ ورَجمٍ وقطعِ أطراف.
      وجِهادُ الدَّفعِ وجِهادُ الطَّلب، ونستعيدُ الأندلسَ وما بعدَ الأندلس.
      المتَربِّعُ باِرتباكٍ: أيَّةُ أندلس؟.
      المُعمَّمُ باشتهاءٍ: بلادُ الفِرِنجَةُ والنِّساءُ المِلاح، نُصيبُ منها الجواريَ الحِسان، والذهبَ الرنّان.
      وأنالُ مِنَ الجواريَ ما أَطيِق، وأتَقلَّبُ على أَسِرَّةِ الحرير المُطَعَّمةِ بالعقيق.
      إداميَ اللَّحمِ وغموسيَ العَسَلِ وفاكهتي الكُفَّيت.
      المتَربِّعُ بازدراءٍ: هي نفسُكَ إذن؟.
      المُعمَّمُ بِقناعةٍ: المنهجُ والعقيدةُ يا سيدي هيَ الفرْدُ أوَّلا ثُمَّ الجماعة ,وأنا سأكونُ القائدَ والقدوة.
      المتَربِّعُ بتململٍ: كيفَ وجَدْتَ نفسكَ صالحاً لهذه الوظيفة؟.
      المُعمَّمُ بتحِدٍّ: عَمامتي الكبيرة، ولِحْيَتي الطَّويلة.
      العُهدةُ البَكريَّةُ والوثيقةُ العُمَريَّةُ، والتَّرِكةُ العثمانيَّةُ والوصيَّةُ الحيْدَرية.
      آلافُ الأنصارِ مِنْ حولي, ومَفاتيحُ الجَنَّةُ الَّتي في جَيبي.
      وفوقَ كُلَّ هذا، عندي منبرٌ ومكبِّرُ صوْت.
      المتَربِّعُ بِصَبرٍ: واضحٌ أنَّكَ كثيرُ الكلام.
      المُعمَّمُ بيَقينٍ: هذا عملي, صنعتي، وحرْفتي.
      نحنُ أهلُ السبقِ في الكلام.
      القَوّادون في العناوينِ والمصطلحات, المبدعون في التفاصيلِ والشُروحات.
      نحنُ عُشّاقُ التَّوريَّةَ والتَّقيَّةَ والمَعاريض.
      وأصحابُ تقييدَ المطلقِ وإطلاقَ المُقيَّد، وأفْخَرُ ما لدينا هوَ النّاسِخُ والمنسوخ.
      مَنهجُنا يا سيدي قائمٌ على الخِلافِ ، هو في عُرْفِنا رحمة.
      والبابُ مُشرَّعٌ لكُلِّ رأيٍ أو قول، من أخطأَ لهُ أجراً، ومَن أصابَ أجران.
      المتَربِّعُ بفضولٍ: رحمةٌ لكم أَم لأتباعِكم؟.
      المُعمَّمُ بفوقية: لاَ تَسألوا عن أشياءٍ إن تُبْدى لكم تَسُؤكُم.
      المتَربِّعُ بذهُولٍ: أهذا معقول؟
      المُعمَّمُ بحزمٍ: النقلُ قبلَ العقل يا سيدي...النقلُ قبلَ العقل.
      المتَربِّعُ بيَّأسٍ: هَل هَذهِ وجهةُ نظر؟.
      المُعمَّمُ بعنادٍ: لاَ...بَل هيَ الشَّريعَةُ والقانون.
      يُصَفِّقُ المتَربِّعُ...
      أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
      لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

      تعليق

      • محمد مزكتلي
        عضو الملتقى
        • 04-11-2010
        • 1618

        #4
        يدخلُ رجلٌ مدججٌ بالأسلحةِ, النُدوبُ والوشومُ تملأُ وجهَهُ وذِرْاعَيه.
        نَظَرَ إليهِ المُعمَّمُ بإعجاب, همَسَ في أُذنِهِ وأعطاهُ بطاقته.
        المسلَّحُ بِجَفاءٍ: مرحبا يا عيون.
        المتَربِّعُ بلِيُّونةٍ: إلامَ تَصبو من هذه الوظيفة؟.
        المسلَّحُ بحِقْدٍ: الحربُ، الصِّراعُ والتَّحدِّي والنِّزال... القتلُ...كثيرٌ مِنَ القتلِ والكثيرُ مِنَ الدِّماء.
        المتَربِّعُ بِذُعْرٍ: عَلامَ كُلَّ هذا!؟.
        المُسلَّحُ بامتعاضٍ: أنا أُحبُّ سماعَ صليلِ السِّيوف وأزيزِ الرَّصّاصِ ودويَّ المَدافعِ وعويلِ الصَّواريخ.
        جوقةٌ رائعةٌ تُريحُ أعصابي.
        ما أعذبَ آهاتِ الألَمِ وأنْينِ الموت، ما أطربَ صرخات الاِستغاثة ونداءات الاِسترحام.
        ما أجملَ الهلعِ في الوجوهِ الدّاميَّةِ, والأسى في العيونِ الدّامعة.
        المتَربِّعُ بتحذيرٍ: هل تظنُّ بأنِّي سأقْبَلُكَ في هَذهِ الوظيفة؟.
        المسلَّحُ باستخفافٍ: أنتَ ترى أنَّ عملي مُؤْذٍ بلا فائدة.
        شغِّلْ عقلَكَ قليلا وتجدُني أعملُ عملَ الطبيعةِ المعطل.
        أحُدُّ مِنْ ازديادِ عددِ البشر, والتوازن بين أصنافِ الكائنات.
        المتَربِّعُ باستهزاءٍ: مَنطِقٌ مَعقولٌ لإباحةِ القتل.
        المسلَّحُ بتوددٍ: ليسَ الكُلُّ يا سيدي...مَنْ يستحقُّونَ الموتَ فقط.
        المتَربِّعُ باستقراءٍ: مَنْ هم الَّذينَ يستحقُّونَ الموت؟.
        المسلَّحُ بعصبيةٍ: الجُبَناءُ، المتخاذِلون والضُّعَفاء، مَنْ لاَ يستطيعونَ الدِّفاعَ عن أنفسهم.
        المتَربِّعُ بمكرٍ: هل ترى أنَّكَ شُجاع؟.
        المسلَّحُ لاَ يرُد...
        المتَربِّعُ بإصرارٍ: ألاَ تعرفُ شيئا عن شَجاعتك؟.
        المسلَّحُ بِثِقةٍ: أنا لاَ أقتُلْ النساءَ والأطفال، أفعلُ في العلنِ ما يفعلَهُ الآخرونَ في الخفاء.
        ُسَمّي الأشياءَ بأسمائها, وأمقتُ الكذبَ والتَّوريَّةَ والخداع.
        يثيرُ اشمئزازي الاختباءَ وراءَ عناوينٍّ بريئة، أمْنُ الوطن، الدفاعُ عن الشعب، حفظُ النظام.
        عباراتٌ تُواري خلْفها مذابحٍ ومجازر.
        المتَربِّعُ بإهمالٍ: ما اسمُك؟.
        المسلَّحُ بتوجسٍ: عصفورٌ يا سيدي.
        المتَربِّعُ يبتسم...
        المسلَّحُ بحُرقَةٍ: توقَّعْتُ أكثرَ مِنْ هذا...الجميعُ يضحكونَ حينَ أقولُ اسمي.
        فأُسكِتُهم بضربةِ سكِّين...لأجلِ هذا يا هذا أريدُ الوظيفة.
        لِأصرخَ باسمي دونَ خجل, وأجعلَهُ عنوانَ القوَّةَ والسيّادَةِ, ورمزَ البطولةِ والشَّجاعة.
        المتَربِّعُ بِدَهْشةٍ: هل تَخاف!؟.
        المسلَّحُ باِنكسارٍ: وراءَ مَنظري المُرعبِ يختبئُ كُلَّ رعبِ العالم.
        أنا أجْبَنُ مِنْ نَشّالٍ حقير، أو ثريٍّ بَخيل.
        أموتُ كُلَّ يومٍ ألفَ مرَّة، وأقتلُ بِعددِ ما أُقتَل.
        أنتَ لاَ تُدرِك يا سيدي... حينَ أَرمي أسلحتي لأَنام.
        أنْكَمِشُ في فِراشي وأرتعِدُ كَفَأْرٍ وقعَ في مصْيَدة, وأنقلبُ مِنْ نسرٍ جارحٍ إلى عصفور.
        لعَنَ اللَّهُ أبي وأُمِّي وكُلَّ البشر.
        المتَربِّعُ بِعَطْفٍ: كيفَ وجدْتَ نفسَكَ صالحاً لهَذهِ الوظيفة؟.
        المسلَّحُ يصحو مِنْ خيْبتهِ: أنا الأفضلُ بلا جدال.
        أمتلكُ كُلَّ وسائلِ الإخضاع والإجبار, والإلزام والإكراه.
        هَذهِ الوظيفةُ على مقاسي تماماً.
        وظيفةٌ لاَ إقناعَ فيها ولا رأيٍ ولا حرِّيَّة, طريقُها نَهرٌ مِنَ الدِّماء.
        أنا الأحَقُّ بلا مُنازع...لأنِّي الأشرسُ والأعنفُ والأبطَشُ والأرعن.
        أنا الأوَّلُ بلا مُقارِع...لأنِّي مَيِّتُ القلبَ والضَّمير، لاَ رحمة , أعيشُ وأعتَشُ على الدِّماء.
        يُصَفِّقُ المتَربِّعُ...
        أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
        لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

        تعليق

        • محمد مزكتلي
          عضو الملتقى
          • 04-11-2010
          • 1618

          #5
          يدخلُ رجلٌ عليهِ أسمال, يَنظرُ إليهِ المُسلَّحُ بقرف, ويسألهُ...ألَمْ أقتلكَ مِنْ قبل؟.
          يجيبُهُ الرَّجل...نعم، مَرّاتٍ كثيرة.
          يضرِبُهُ ويخرج...تسقطُ الأوراقُ مِنْ يدهِ ,ينحني ويلتقِطُها.
          يقفُ أمامَ المتَربِّعِ ويقول بأسَفٍ المعذرةُ يا سيِّدي, الحارسُ الَّذي كانَ هنا دفعَني عن غيرِ قصد.
          المتَربِّعُ بفضولٍ: ما هَذهِ الأوراقُ الَّتي معك؟.
          المُهلهَلُ بتفاؤلٍ: أوراقي الثُّبوتيةِ يا سيِّدي, البِطاقةُ الشَّخصيةُ والشهادةُ العلميةُ وبيانُ خدمتي العسكرية.
          محضرُ تعريفٍ مِنْ قسمِ الشرطة, وشهادةٌ مِنَ المختارِ معَ أربعةِ شهود بأنِّي على قيدِ الحياة.
          و ورقةٌ ماليَّةٌ مِنْ فئةِ العشرِ دولارات, وورقةُ غير محكوم.
          المتَربِّعُ بمُداعَبةٍ: الورقةُ الأخيرةُ غيرَ مطلوبةٍ لهَذهِ الوظيفة.
          المهلهَلُ بتعجُّبٍ: غيرُ مطلوبة!؟...كنتُ أحسبُها أهمُّ ورقة.
          المتَربِّعُ بِتَحَفُّظٍ: أؤكِّدُ لكَ أنَّها غيرَ ضرورية.
          المُهلهَلُ بحذَرٍ: ما هَذهِ الوظيفةُ يا سيِّدي؟ أخشى أن تكونَ...
          المتَربِّعُ باستغرابٍ: أنتَ هنا ولا تعرفُ ما هي الوظيفة!.
          المُهلهَلُ بإهمالٍ: هيَ وظيفةٌ والسلام.
          المتَربِّعُ بإمهالٍ: هل قرأتَ الإعلانَ جيدا؟.
          المُهلهَلُ بأسَفٍ: ليسَ تماما يا سيِّدي, قرأتُ كلمةَ وظيفة, ورأيتُ طابوراً فأسرعتُ للوقوفِ فيه.
          المتَربِّعُ بأملٍ: مَنْ أنت؟.
          المُهلهَلُ مادّاً يده: كُلُّ ما تريدُ معرفتَهُ في هَذهِ الأوراقِ يا سيِّدي.
          المتَربِّعُ بلِيونةٍ: أنا أسألُكَ أنت.
          المُهلهَلُ باستغرابٍ: هل ستُكذِّبُ الأوراقَ وتُصدِّقُني!؟.
          المتَربِّعُ بتأمينٍ: تكلَّمْ وسأصدِّقُكَ.
          المُهلهَلُ بحذرٍ: كما هوَ في الأوراقِ يا سيِّدي, أنا اسمي صالح مظلوم, وعمري خمسة و...
          المتَربِّعُ يقاطِعُهُ بنَرفَزَةٍ، أنا لاَ أسألُكَ عن هذا.
          المُهلهَلُ بجرأةٍ: أنا مواطنٌ يا سيِّدي...مواطنٌ يبحثُ عن وظيفة, لأجدِ الزَّيتِ والخبز والحليب لِزوجتي وأطفالي.
          فإنْ أعطَيتَهُم لي ,خُذ الوظيفة.
          وإنْ منعْتَها عنِّي، تكفَّل زوجتي وأطفالي.
          المتَربِّعُ باحتجاجٍ: تكَفَّلْنا زوجتَكَ وأطفالك, ماذا عنكَ أنت؟.
          المُهلهَلُ بمرحٍ: أنا ضيفٌ مُرَحَّبٌ بهِ دائما في سجونِ الحكومة.
          المتَربِّعُ بسَذاجةٍ، لماذا تخالفُ القانون؟.
          المُهلهَلُ بسخريةٍ، القانون!؟...القانونُ يا سيِّدي نُسِجَ وحُبِكَ ليُجبِرُني وأمثالي على الخروجِ عليه.
          المتَربِّعُ بتأنيبٍ، الالتزامُ بالقانونِ قيمةٌ عُلْيا.
          المُهلهَلُ بِقَهْرٍ: إذا كنتَ يا سَيِّدي تتمسَّكُ بِحرِّيَّتِك وكرامتِك، لن ينْفعَكَ هذا القانونُ في شيء.
          المتَربِّعُ: أنتَ شخصٌ غيرَ عادي.
          المُهلهَلُ بتوَقُّعٍ: ضمِنْتُ عشاءَ اللَّيلَة.
          المتَربِّعُ بتودُدٍ: ماذا تقصُد؟.
          المُهلهَلُ بلا مبالاة: الأمرُ دائماً هكذا, يبدأُ بأنتَ شخصٌ غيرَ عادي وينتهي إلى السِّجنِ أيُّها الخائنُ العميل.
          المتَربِّعُ يحفِنُ مِنَ التَّمْرِ ويقدِّمهُ للمُهلهَلِ, يأخذهُ ويضعهُ في جيبه.
          المتَربِّعُ بإثارةٍ: ألا تريدُ أن تعرفَ ما هيَ الوظيفة؟.
          المُهلهَلُ بخيبةٍ: أستطيعُ أن أُخَمِّنُها يا سَيِّدي, وظيفةٌ لاَ تحتاجُ لِورقةِ غيرِ محكوم.
          هيَ إمّا جلّاد, أو جاسوسَ المَقاهي والحانات, أو ربما هيَ ناشرَ إشاعات.
          المتَربِّعُ ضحكاً: لاَ هَذهِ ولاَ تِلك, لَكنْ هل يمكنُ أن تقْبلَ هَذهِ الوظائف؟.
          المُهلهَلُ بإباءٍ: لاَ يا سَيِّدي , حتَّى إن قبِلْتُها فهيَ لن تقبلني.
          المتَربِّعُ بوقارٍ: أظنُّكَ لن تعرفَ ما هيَ الوظيفةُ الشّاغرة.
          المُهلهَلُ بِثِقةٍ: ما يهُمُّني هوَ أن أكونَ مناسِباً لها.
          المتَربِّعُ بأمر: أنتَ مناسِبٌ لها تماماً.
          المُهلهَلُ بتمرُّدٍ: أِعذُرْني يا سَيِّدي, أنا فقط مَنْ يقرِّرُ ذلك.
          المتَربِّعُ بنَزَقٍ: ما رأيُكَ بوظيفةِ رئيسِ الدَّولة؟.
          المُهلهَلُ غيرَ مدرِكٍ بعد: ماذا تقصِدُ بالدَّولةِ يا سَيِّدي؟.
          المتَربِّعُ بسلاسةٍ: الأرضُ ,الشَّعبُ, النِّظامُ, الحكومةُ و الجَيشُ والمؤسسات.
          المُهلهَلُ باِرتباكٍ: أنتَ تهزأُ بي يا سّيِّدي.
          المتَربِّعُ بحَزمٍ: لاَ وقتْ لديَّ للمُزاح.
          المُهلهَلُ بتوجُّسٍ: أكثَرْتَ الشُّربَ مِنْ هذا الزُّق.
          المتَربِّعُ بصرامةٍ: لستُ هنا لأعبَثَ معك.
          المُهلهَلُ بتوَسُلٍ: اغفر لي يا سَيِّدي وقاحتي وتطاولي على الدُّخولِ هنا.
          أقسمُ باللَّهِ العظيمِ على أنِّي لَمْ أعلَمْ شيئاً عن هَذهِ الوظيفة.
          ثُمَّ إنَّ هذا أمرٌ لاَ يُصَدَّق, أليسَ كذلك يا سَيِّدي.
          أرجوكَ يا سَيِّدي قُلْ لي بأنَّكَ تَسخَرُ منِّي.
          المتَربِّعُ بتهديدٍ: دخولَ الحمّامِ ليسَ مثلَ خروجه.
          المُهلهَلُ باستكانةٍ: سأخرُجُ مِنْ هنا على نقّالَة.
          المتَربِّعُ بِطَمأنةٍ: تفاءَل بالخيرِ يا رجل، ما قصدتُّ هذا.
          المُهلهَلُ بِرَجاءٍ: عَجِّل بي إلى السِّجنِ يا سَيِّدي , وسأكونُ راضيّاً ممتنّاً.
          المتَربِّعُ بتصميمٍ: بَل سأعِيُّنُكَ رئيسَ الدَّولة.
          المُهلهَلُ بتملُّصٍ: أنا لستُ مناسِباً لهَذهِ الوظيفة.
          المتَربِّعُ بحزمٍ: أنا صاحبُ الأمرَ هنا, وأراكَ مناسِباً.
          المُهلهَلُ بمناورةٍ: أنا يا سَيِّدي رجلٌ مستقيم, أحِبُّ الفضيلة, فلماذا تريدُ أن تجعلَني منحرفَ السلوكِ, وتُرديني في الرَّذيلة؟.
          المتَربِّعُ بتأمينٍ: مَنطِقٌ سليم، لَكنَّهُ غريب.
          المُهلهَلُ بتصميمٍ: في هَذهِ الأيّامُ يا سَيِّدي كُلُّ مَنطِقٍ سليم هوَ غريب.
          المتَربِّعُ بتَوريَّةٍ: لاَ تكن متشائماً.
          المُهلهَلُ بشفافيةٍ: بَل أنا واقعي.
          المتَربِّعُ بقُبولٍ: أنا أمنحُكَ الآنَ فرصةً واقعية لتفعلَ ما تريد, وتُحَقِّقُ ما تَصْبوا إليه.
          المُهلهَلُ بِأسَى: سيفُكَ مثلومٌ يا سَيِّدي, وسيُّوفَهُم ماضية.
          المتَربِّعُ بحيرةٍ: كيفَ يَراكَ الآخرون؟.
          المُهلهَلُ بتجَرُّدٍ: يقولونَ إنِّي لاَ أصلحُ لوظيفةِ رئيسِ الدَّولة.
          المتَربِّعُ بِدَهاءٍ: هذا مَدْحٌ أَم ذَم؟.
          المُهلهَلُ بتَهرُّبٍ: أنا أُجِيْدُ لعْبةَ السِّياسة, ولهَذا يمقُتُني السّاسة.
          وأعرِفُ كيفَ يفكرُ رجلَ الأمن, لذلك يرسلُني دائماً إلى السِّجن.
          المتَربِّعُ بإغراءٍ: لو تعرف كيفَ يعيشُ الرَّئيس.
          المُهلهَلُ بتعفُّفٍ: أنا أعرفُ كيفَ يموت.
          المتَربِّعُ باستفزازٍ: هذا عيْنُ الزُّهد.
          المُهلهَلُ بِثِقةٍ: بَل هو حبُّ الحياة.
          أعيشُ عُمراً مَديداً, أجوُعُ فيهِ يوماً وأشبعُ يوماً، خيرٌ مِنْ عُمْرٍ قصيرٍ أُتْخَمُ فيهِ كُلَّ يوم.
          المتَربِّعُ بخيبةٍ: خِلتُكَ بدايةً بأنَّكَ شجاع.
          المُهلهَلُ بعفويةٍ: الشَّجاعةُ هي أن تحصدَ ما زرَعَ.
          التّاريخُ يا سَيِّدي يكتُبهُ المنتصرُ كما يراه.
          كم من رجالٍ شُجعانٍ قضوا في سبيلِ قضاياهم , ثُمَّ قالَ عنهم التاريخ أنَّهم جُبَناء خَوَنَه.
          ولم يستطيعوا حتَّى أن يكتِبوا على شواهدِ قبورهِم ما أرادوا.
          المتَربِّعُ بِزَهوٍ: أنتَ فعلاً شخصٌ غيرَ عادي.
          المُهلهَلُ بقلقٍ: ضمِنْتُ عشاءَ ليلةٍ أخرى.
          المتَربِّعُ بضيقٍ: لماذا أنتَ مُصِرٌّ على الذَّهابِ إلى السِّجن.
          المُهلهَلُ بِثِقةٍٍ: هَذا ثمنُ الشَّجاعةِ في دَولةٍ تريدُني رئيساً لها.
          المتَربِّعُ بقنوطٍ: إن أصبحتَ رئيساً, هل ستقتُلُ الشُّجْعان؟.
          المُهلهَلُ بتقريرٍ: إن لم أقتِلْهُم سيقتِلونني.
          المتَربِّعُ بتحريضٍ: كيفَ يقتِلوكَ وأنتَ أَشْجَعهُم؟
          المُهلهَلُ بثباتٍ: لاَ تجتمعُ الشَّجاعةُ ورئيسُ الدَّولة.
          المتَربِّعُ باِلتِفافةٍ: هل يصبحُ الشُّجاعُ جباناً؟.
          المُهلهَلُ باِرتياحٍ: لاَ...بَل يمكنُ للرَّئيسِ أن يصبحَ شجاعاً.
          المتَربِّعُ بِيأسٍ: حينَ يرفضُ هَذهِ الوظيفة؟.
          المُهلهَلُ بفرحٍ: في هذا يا سَيِّدي قمَّةُ الشَّجاعة.
          يُصَفِّقُ المتَربِّعُ...
          أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
          لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

          تعليق

          يعمل...
          X