الحفّار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    الحفّار

    القصبة على الأرض، في طرفيها وضع حجارتين، أزاحها جانبا، هوى بفأسه على التّراب الصّلب يشقّ أخدودا من الحجرة إلى الحجرة.
    كانت الساعة تشير إلى السّابعة صباحا، لم يتناول فطوره بعد، الشمس تركت حجابها وأطلت من وراء الجبل باسمة، منذ ثلاثين سنة يعيش بين الحُفر، يواري الأجساد الثرى و يسدل ستائر مسرح الحياة عند نهاية كل عرض، لم يفرغ بعد من تنظيف بقايا التراب والحصيّات الدّقيقة المتدحرجة من حافة القبر لتستوطن سريره، قضم قضمات من رغيفه وسكب من كظيمته كوب شاي هامسا في نفسه، صدق من قال: " من قام لم يفطر ما عساه ينتظر إلا أن يُقبر" بينما اللّقمات تعبرحلقه سافر ذهنه إلى الموتى، نسي هذا الصباح أن يقرئهم السلام، فأسرع لابتلاع ما يحول بينه وبين إسماع التحية، السلام عليكم أولا وآخرا فأنتم السابقون ونحن بكم اللاحقون، كانت رشفة الشّاي حلوة، نزل دفئها على نفسه المكفهرة منزلا طيبا، تذكر أن عمله أنساه البسملة، بسم الله أوّله وآخره والحمد لله رب العالمين، رجع إلى الحفرة معيدا البسملة التي أهملها من البداية وبمعوله يقذف بقايا التراب خارجها، شبر واحد هو كلّ عرضها، فكّر أن يوسع القبر قليلا، فهذا القادم من طينة خاصّة، لكن حرصه على المساواة في الآخرة منعته، الطول يكبر القصبة ببعض حبات فتهبط وتصعد راقدة بسلاسة، أعاد القياسات فالعمق يجب أن يقف عند الرّكبة على طول اللّحد، اطمأن لعمله وذهب لإحضار صفائح اسمنتية مربعة يغطى بها القبر حتى يُجهّز صاحبه، يجب أن يكون عددها وترا، سوى كل شيء بعناية ومهابة دون أن تهوي حصاة واحدة إلى القاع.
    الفقيد صديق طفولته تجمع بينهما أخوة متينة، صلّيا العشاء معا، لا يعاني من مرض يستوجب القلق، ولا ظن مخلوق أنه سيغادر، افتقده اليوم عند الفجر، خمّن أن النوم غالبه وربّما كانت فرصة للإيقاع بصاحبه المجتهد ورميه بالتقصير، فور عودته من المسجد سمع عويلا يملأ بيته، توالت ضرباته على الباب، فتح الشّابّ وخيوط النوم لاتزال قابضة على جفونه، والدّهشة صفعت ملامحه، أجاب السّائل والغصّة رابضة في حلقه: "ربما مات أبي" خفق قلبه، كادت ركبتاه تجثوان عند العتبة، "الموت كلّه" لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، أكّد الشّاب: "انتظر حتى تبكيه أمي وأخواتي، وسترى بأم عينيك" كان الولد محقّا، فصديقه شبع موتا وما أيقظه الصراخ، وما هي إلا لحظات حتّى هبّ الجيران ملبّين واجب العزاء والعجب يوشّح حركاتهم و يتخلّل صريح تعبيراتهم. يمضي الحاجّ علي في استدراكاته: "والله إن الرجل لقويم، وإنّ سلوكه لرشيد، ولا نقول فيه إلا ما عايشناه، لكن الموت باغته، وغدر بأمانيه و آماله في حضور زواج ابنه هذا، وا أسفاه كان وجهه سيتهلّل إشراقا وتغمر السعادة قلبه لو حضر مولد واحد من الأحفاد، أو حتّى قدّم له هديّة أو شاغب لحيته. رحمك الله يا مسعود."
    "رحمك الله يا مسعود" هكذا ردّد الحفار مرارا، مسترجعا شريط هذا اليوم الكئيب، يقول الحفار بشيء من التعاسة و عيناه محتقنتان، تنتظران من يدير صنبوريهما لتنطلقا جاريتين: "آه صديقي، ما أنا فاعل بعدك، إنك والله لمخطئ في قرارك هذا، بئس ما فعلتُ، ما كنت لأحفر بنفسي قبر صديقي. كان الأحرى أن أبعد عنه الموت وفعاله."
    استيقظ مسعود في الحمّام منتفضا في وجه غاسله، تعالت الزغاريد والصيحات حتى وصلت أذن الحفّار وهو ساه دافن وجهه بين ركبتيه، طفق الشّاب مهرولا جهة إلى المقبرة والبهجة تملأ أخاديد انكساراته، هاتفا: "عمّي عمّي....استيقظ أبي ..." لم يستجب الحفّار لهذا النداء، لا يستطيع أن يفعل وقد لبى النداء.
  • سوسن مطر
    عضو الملتقى
    • 03-12-2013
    • 827

    #2

    ..

    الاسترسال بالوصف الدقيق الأخَّاذ في بداية القصة كان مناسبا لهدوء الأحداث في ذاك الصباح الاستثنائي قبيل الحبكة.
    ---
    "من قام لم يفطر ما عساه ينتظر إلا أن يُقبر" كأنه إلهام الحظات الأخيرة...
    بالنسبة لمسعود، هل سيكمل حياته بذات السعادة التي تخيلها له الحاج علي !؟...
    "تعالت الزغاريد والصيحات حتى (وصلت) أذن الحفار" هل سمعها قبل موته !؟...
    "طفق الشاب مهرولا جهة إلى المقبرة" ربما أردت الاختيار بين (جهة/إلى).
    ---
    الخاتمة مأساوية وأراها حققت الدهشة المرجوة بشكل رائع بالنسبة للقارئ، وهي تحتمل صياغات عديدة.
    ---
    كم من مريض طالت حياته، وكم من سليم مات فجأة دون سابق إنذار،،، هي سنة حياة تتجلى في القصة.
    في النهاية، استسلام الحاج علي لحزنه على صديقه جعله يحفر قبره بيديه.

    قيمة هي القراءة لك أخي
    مبارك عليك الشهر
    ولك وافر التقدير والاحترام ..

    ..

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      الأستاذ الغالي حسين ليشوري
      لا أحرجك الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى بقلب سليم.

      قرأت مداخلتك وأثلجت صدري و زادها التعديل الطفيف حسنا وجمالا، و في هذا الجوّ الرمضاني السمح تقبل كامل تقديري ومحبتي، وتقبل الله من الجميع فرحتي الفطور والصيام عند الانقضاض على زليفات الحريرة ، والشريبة و صح فطورك.

      أستاذي تظل الهمزة عقبة صريحة في الإملاء وخاصة المتطرفة منها، فهي أحيانا تخضع لتطرفها و أحيانا تتقمص دور الوسطية لأنها تستحلي تغيير كرسيها بين الحين والآخر، رغم أن القواعد ملازمة للرأس، فالأخطاء تكثر في الرسم، وحفظك الله ورعاك أن كنت منارة اللغة في هذا الملتقى الجميل.

      ما أحسست بالحرج وأنا مسلم، ما أحسست بالغربة في ديني، ما أحسست بالحرج و أنا أخطئ في اللغة، وما أحسست بالحرج و رجل في قامتكم بالجوار يتوج قافلة قرّائي.
      رغم ذلك فالحرج موجود و جله حياء و عظم الله الحياء في قلوبنا و دفع عنّا الحرج.

      دائما تعجبني تعليقاتك
      ففي صلب الهزل تمارس نقدا، و في عزّ الجدّ قد تصفعك الفكاهة، كلّ هذا جميل والأجمل وهو أستاذنا ليشوري.

      وللحديث معكم حلاوة و للدرس طراوة و لمن عاند ندامة و ربما صفعت رأسه هراوة. لكنها هراوة معلّم لا تؤذي ولاتحرج.

      تحيتي وتقديري،
      والسلام عليكم ورحمة الله .

      تعليق

      • نورالدين لعوطار
        أديب وكاتب
        • 06-04-2016
        • 712

        #4
        الأخت سوسن مطر
        تحية تليق بحرفك البهي، حتما ما اجتمعت "جهة ،إلى" إلا وطارت أحداهما وأفضل إبقاء جهة، و شكرا على قراءتك الرائعة.

        ورمضانك كريم والله أكرم.

        تعليق

        يعمل...
        X