يسير بخطوات حذرة، بين بضائع الباعة المتجولين الذين افترشوا الرصيف أمام المارة، وسط الضوضاء والتلوث والفوضى العارمة، سيارات حديثة بطوابير طويلة، تمشي فوق شوارع تملؤها الحفر، صور عملاقة تنتشر في كل مكان لأشخاص لم يعرفهم، لقد اختلف كل شيء أثناء تلك المدة الطويلة التي غادر بها المدينة.
كان الهدوء طاغياً، بعض الناس يركبون سيارات، والكثير من العربات التي تجرها الخيول، وصوت حوافرها وهي تضرب الإسفلت بحذوات حديدية، تصدر صوتاً متناسقاً ومتناغماً مع فترات صمت متعاقبة، كأنها نوتة موسيقية. نزل من السيارة مقابل الدرب الترابي الضيق الذي بقي كذلك رغم مرور كل تلك السنين، حيث يصل لبستانهم البعيدة، التفت وتسلق كتف النهر، دخلت رائحة الماء والطين وأشجار الصفصاف أنفه وتوغلت لأعماق روحه، أخذ يستنشق المزيد من النسيم ويعبأ به رئتيه، كأنه لم يستنشق هواءً من قبل، وتمنى لو كتم عليه ولم يزفره. هي نفس السماء الصافية فوق غابة النخيل التي تقع فيها بستانه، مع القليل من قطع الغيوم المتناثرة، والتي كان يتخيلها كرات كبيرة من "غزل البنات"، تلك التي كان يبيعها "فاضل الطويل" يأتي على دراجته الهوائية القديمة ذات اللون الحائل، والمتأكلة من الصدأ، بين فترة وأخرى يستمع لصوته وهو يصيح من بعيد " شعر بنات. شعر بنات. شعر بنات " فيركض لجدته يخطف من جزدانها قطعة النقود المعدنية، لينتظر وصوله بباب البستان بين بقية الأطفال. ذلك الطريق الترابي الملتوي، الذي لم يزل الكثير من الصبية يقفون بترقب بمدخله وعيونهم صوب سماء البساتين، بعضهم يحمل عصي طويلة، والأخر يحمل أغصان أشجار كثيرة التفرعات. نفس ذلك الصفاء والهدوء المطبق، إلا من صوت تكسر التربة السبخة تحت قدميه، وصيحات الطائر المتقطعة الذي يسموه أهلنا "الخضيري" وهو يمر مسرعاً بين جذوع النخيل باتجاه نهر الحسينية، من أجل اصطياد السمك. يسير على الدرب المتعرج، بجانب السور المتكون من سعف النخيل المتشابك، وقطع طويلة ممتدة من طوف الطين الذي تملأه التشققات العريضة، يجعلك تسترق النظر لأشجار المشمش والبرتقال والليمون، وهي تتدلى بأغصانها فوقه، والكثير من الثمار الناضجة كأنها مصابيح تساقطت على حافته، لم يتبق اليوم من الطوف سوى بقايا أطلال ترتفع قليلاً عن الأرض، لم تعد تستطع حجب الأعين لما خلفها، بعد أن تحولت لأماكن موحشة، كأنها مقابر. تلك الفتحات التي كانت تسمح بدخول جسده وبقية أجساد أطفال القرية من خلفه، أثناء فترة الظهيرة، ليأكلوا ما تشتهي الأنفس من ثمار حتى تتخم بطونهم بعد عودتهم من السباحة في النهر. وغالباً ما تكون خاتمة تلك المتعة مأساوية، حيث يُذرف فيها الكثير من الدموع، نتيجة عصا الفلاح " أبو كاظم" الغليظة المصنوعة من جريد النخيل وضرباته الموجعة، والتي غالباً تصيب مؤخرة آخرهم صديقه "حسن السمين" لصعوبة خروجه من فتحة الطوف الضيقة، ليبقى ينحب ساعات وهم يحاولون ارضائه بإعطائه ثمار البرتقال من حصته، كان يصرخ ويأكل بنهم غريب، ليختلط خيط دموعه بعصير البرتقال المسال من فمه. كيف تحولت الأشجار الوارفة المثمرة لهياكل حطبية مكسرة الأطراف، تغطيها عباءات من نسيج العناكب، والنخيل بجذوعه الضعيفة والمتأكلة، التي ماتت أو قطعت من أجل التوسع والبناء، وما بقيت منها نكست قممها للأرض، يغطي رأسها السعف الرمادي اليابس الكثيف المنكوش، مثل تجمع لنساء ثكالى في مأتم. أشجار النخيل الباسقة، كانت ممتلئة بالعنفوان، تقف متباهية بشموخ وتستعرض جمال مفاتنها من عثوق الثمار، كأنها أنثى بجسد رشيق ممشوق وصدر ممتلئ، تغطيه على حياء أطراف السعف الأخضر، مثل شعر حرير منسدل تتلاعب به نسمات الريح. لاحت له اثناء سيره أشجار صفصاف وغرَب عالية، عندما أقترب منها أخذت نسمات الهواء تداعب أوراقها المكتظة، فتصدر حفيفاً كأنها تصفق فرحاً بعودته، تصطف بسيقانها الطويلة الرشيقة على حافة النهر الذي كانت مياهه صافية، مثل نبع سلسبيل يُسمع جريانها من بعيد، تتراقص مع موجاته في الأسفل شجيرات لطحالب حمر وخضر، بين أصداف قواقع صغيرة ملونة، وتمر فوقها الأسماك الصغيرة بين فترة واخرى. كيف قل منسوب مياه النهر، وتحول لساقية صغيرة، ماؤها أخضر مسود، تحتله الطحالب والبكتريا، وتفوح منه رائحة العفن، تنتشر على حافتيه حشائش عالية، يكسوها التراب وتغطيها النفايات والأكياس البلاستيكية الملونة. وصل بالقرب من جامع قبته كبيرة ويكسوها الطابوق الأخضر، جدرانه من المرمر العاجي، يحوطه سور مرتفع بأساسات عريضة، مغطى بالسيراميك والكاشي الكربلائي، تملؤه الأقواس الإسلامية والنقوش المزركشة ببذخ واضح. أخذ يسأل نفسه لماذا أصبحت لبيوت الله أسيجة ودائماً ما تكون عالية، ومَن الذي يجرؤ على سرقة بيوت الله...! وقف أمام بابه المفتوح خلف المصلين المتراصفين خلف الأمام، نظر لكلمات الآيات القرآنية التي تسور سقف القبة، أخذت تنفصل عن السقف واحدة بعد الأخرى، لتلتم على شكل كائن غريب من نور مشع يتوسط سماء القبة، ثم أخذت بعد ذلك تتوغل من كل الجدران فوق رؤوس المصلين، كلمات سود، تجمعت على شكل كائن غريب الشكل يوحي بالرعب، التقيا وجهاً لوجه، أخذا يدوران ثم يتدافعان ويتصارعان، اشتد الصراع وازدادت قوة اللكمات، واخذت تتناثر من الكائنين حروف فوق رؤوس المصلين، بعضها سوداء والأخرى مشعة. كان ذلك الجامع بلا سور، مجرد قبة خضراء صغيرة، تملؤها التشققات، وتكسوها بقع بيض من ذرق الحمام، وباب خضراء صدئة مفتوحة على الدوام، وبقربه ثلاثة مراحيض مبنية من الطين، تغطي مداخلها قطع من الأغطية البالية. شاهد من بين فتحات السياج المصنوع من سعف النخيل، أمرأه تجلس بجانب بقرة، تسحب اثداء ضرع البقرة بالتعاقب، لتجمع الحليب في دلو صغير، والعجل مربوط للوتد بجانبها، ينتظر دوره للحصول على حصته في نهاية العملية. تذكر طعم الحليب واللبن الرائب في فمه، يختلف عما يتناوله هناك في الغربة، لأنه كان بلا نكهة. ها هي الساحة الواسعة التي كان يلعب بها كرة القدم مع بقية أطفال القرية، أرض بور ملحية واسعة، كانت تغطي سماؤها غمامة كثيفة من التراب أثناء المباراة، يلعب اليوم الكثير من الصبية والأطفال بداخلها ويتجمع بعضهم على حدودها، ورؤوسهم تنظر للسماء باتجاه الشارع العام، يمسكون بأيديهم خيوط تربط طائرات ورقية مختلفة الألوان، بعضها قريب والأخر محلق بكبد السماء. هؤلاء أولاد اليوم بالتأكيد هم أبناء أطفال القرية يوم أمس. هي تشبه ساحة المتنزه الواسع التي كانت بجانب شقته في هولندا، حيث كان الصبية يمرحون مع ذويهم بطياراتهم الورقية الملونة، بجانب البحيرة الواسعة، التي يسبح بها البط الأبيض والوز الرمادي بحرية. أن الطفولة متشابهة في جميع الأمكنة. لاحت له باب بستانهم الكبير من بعيد، اقترب منها بيضاء كالحة بعد أن استعمرها الصدأ، تنتشر فوقها خسفات وفتحات صغيرة وكبيرة تمت معالجتها، فالتحسينات البسيطة والألوان الباهتة لم تغير من ملامحه الكثير. أنتبه لعمود الكهرباء يحتوي على تصدعات وفتحات بأحجام مختلفة بقيت على حالها من شظايا القنابل، أ يعقل أن تأثير الحروب السابقة قد وصلت نارها لهذه المنطقة النائية...! حاول إزاحة عشرات السنين من الفراق والوحدة والحنين، سنوات مُرة كانت أيامها تمر ثقيلة، هناك بالرغم من كونه بين شعب متنوع الإشكال والأعراق، في دولة تحترم حقوق الأنسان، لكنه لم يستطع التكيف معهم، ليبقى يشعر بذاته وكأنه غريب عن الجميع. طرق الباب طرقات جاءت خافتة، كأنه يحاول طرق شباك حبيبة، ليجده موارباً كما كان سابقاً. بمدخل البستان قرب النهر رأى جذع شجرة التوت الكبيرة، مقطوع بمستوى الأرض، تلك التي كانت تتفيأ ظلها العائلة وقت العصر، يجلسون على بسط مصنوعة من قطع قماش ملون، بجانب موقد الحطب التي يجلس بجانبه قوري الشاي مع مجموعة أستكانات تحتوي السكر. درب مستقيم على طول جانبيه شجيرات ورد الجوري، اختفت وانتشرت مكانها نبات الشوك والعاقول والقصب، وأكوام النفايات التي تفوح منها رائحة عفنة. بيوت حيطانها من البلوك تتخللها خيوط بيضاء من الجص، متناثرة هنا وهناك بفوضى غريبة. وبيتهم القديم بقي على شكله، لكن جدرانه اصبحت كالحة يتوغل داخلها الكثير من الشقوق التي تصل لسقفه، كأنه رجل هرم تملأ التجاعيد وجهه، مكور على نفسه، لكنه ذو هيبة ووقار غريب لا تملكها الأبنية القريبة الحديثة. أخوه جالس على حصيرة وسط الباحة، يلبس الثوب بزيق مفتوح وبيده مسبحة، لحية طويلة غير مشذبه تغطي معظم أجزاء وجهه، اقترب منه، نفس عيونه الصفراء الحادة ونظراته الذئبية، لكنها أصبحت غائرة وسط محجريها. تجمع قرب أخيه الكثير، وجوه بملامح متنوعة، ونظرات بين الشك والريبة والترقب، رجال، أطفال، نساء. تهيأ وهو يصل لأهله من أجل احتضانهم، وهو يسأل نفسه، هل بقيت نفوسهم طيبة وصافية مثلما كانت، وسط كل هذا الركام من الفوضى والخراب، أم تغيرت وأصبحت سوداء مثل ماء النهر.
فراس عبد الحسين
كان الهدوء طاغياً، بعض الناس يركبون سيارات، والكثير من العربات التي تجرها الخيول، وصوت حوافرها وهي تضرب الإسفلت بحذوات حديدية، تصدر صوتاً متناسقاً ومتناغماً مع فترات صمت متعاقبة، كأنها نوتة موسيقية. نزل من السيارة مقابل الدرب الترابي الضيق الذي بقي كذلك رغم مرور كل تلك السنين، حيث يصل لبستانهم البعيدة، التفت وتسلق كتف النهر، دخلت رائحة الماء والطين وأشجار الصفصاف أنفه وتوغلت لأعماق روحه، أخذ يستنشق المزيد من النسيم ويعبأ به رئتيه، كأنه لم يستنشق هواءً من قبل، وتمنى لو كتم عليه ولم يزفره. هي نفس السماء الصافية فوق غابة النخيل التي تقع فيها بستانه، مع القليل من قطع الغيوم المتناثرة، والتي كان يتخيلها كرات كبيرة من "غزل البنات"، تلك التي كان يبيعها "فاضل الطويل" يأتي على دراجته الهوائية القديمة ذات اللون الحائل، والمتأكلة من الصدأ، بين فترة وأخرى يستمع لصوته وهو يصيح من بعيد " شعر بنات. شعر بنات. شعر بنات " فيركض لجدته يخطف من جزدانها قطعة النقود المعدنية، لينتظر وصوله بباب البستان بين بقية الأطفال. ذلك الطريق الترابي الملتوي، الذي لم يزل الكثير من الصبية يقفون بترقب بمدخله وعيونهم صوب سماء البساتين، بعضهم يحمل عصي طويلة، والأخر يحمل أغصان أشجار كثيرة التفرعات. نفس ذلك الصفاء والهدوء المطبق، إلا من صوت تكسر التربة السبخة تحت قدميه، وصيحات الطائر المتقطعة الذي يسموه أهلنا "الخضيري" وهو يمر مسرعاً بين جذوع النخيل باتجاه نهر الحسينية، من أجل اصطياد السمك. يسير على الدرب المتعرج، بجانب السور المتكون من سعف النخيل المتشابك، وقطع طويلة ممتدة من طوف الطين الذي تملأه التشققات العريضة، يجعلك تسترق النظر لأشجار المشمش والبرتقال والليمون، وهي تتدلى بأغصانها فوقه، والكثير من الثمار الناضجة كأنها مصابيح تساقطت على حافته، لم يتبق اليوم من الطوف سوى بقايا أطلال ترتفع قليلاً عن الأرض، لم تعد تستطع حجب الأعين لما خلفها، بعد أن تحولت لأماكن موحشة، كأنها مقابر. تلك الفتحات التي كانت تسمح بدخول جسده وبقية أجساد أطفال القرية من خلفه، أثناء فترة الظهيرة، ليأكلوا ما تشتهي الأنفس من ثمار حتى تتخم بطونهم بعد عودتهم من السباحة في النهر. وغالباً ما تكون خاتمة تلك المتعة مأساوية، حيث يُذرف فيها الكثير من الدموع، نتيجة عصا الفلاح " أبو كاظم" الغليظة المصنوعة من جريد النخيل وضرباته الموجعة، والتي غالباً تصيب مؤخرة آخرهم صديقه "حسن السمين" لصعوبة خروجه من فتحة الطوف الضيقة، ليبقى ينحب ساعات وهم يحاولون ارضائه بإعطائه ثمار البرتقال من حصته، كان يصرخ ويأكل بنهم غريب، ليختلط خيط دموعه بعصير البرتقال المسال من فمه. كيف تحولت الأشجار الوارفة المثمرة لهياكل حطبية مكسرة الأطراف، تغطيها عباءات من نسيج العناكب، والنخيل بجذوعه الضعيفة والمتأكلة، التي ماتت أو قطعت من أجل التوسع والبناء، وما بقيت منها نكست قممها للأرض، يغطي رأسها السعف الرمادي اليابس الكثيف المنكوش، مثل تجمع لنساء ثكالى في مأتم. أشجار النخيل الباسقة، كانت ممتلئة بالعنفوان، تقف متباهية بشموخ وتستعرض جمال مفاتنها من عثوق الثمار، كأنها أنثى بجسد رشيق ممشوق وصدر ممتلئ، تغطيه على حياء أطراف السعف الأخضر، مثل شعر حرير منسدل تتلاعب به نسمات الريح. لاحت له اثناء سيره أشجار صفصاف وغرَب عالية، عندما أقترب منها أخذت نسمات الهواء تداعب أوراقها المكتظة، فتصدر حفيفاً كأنها تصفق فرحاً بعودته، تصطف بسيقانها الطويلة الرشيقة على حافة النهر الذي كانت مياهه صافية، مثل نبع سلسبيل يُسمع جريانها من بعيد، تتراقص مع موجاته في الأسفل شجيرات لطحالب حمر وخضر، بين أصداف قواقع صغيرة ملونة، وتمر فوقها الأسماك الصغيرة بين فترة واخرى. كيف قل منسوب مياه النهر، وتحول لساقية صغيرة، ماؤها أخضر مسود، تحتله الطحالب والبكتريا، وتفوح منه رائحة العفن، تنتشر على حافتيه حشائش عالية، يكسوها التراب وتغطيها النفايات والأكياس البلاستيكية الملونة. وصل بالقرب من جامع قبته كبيرة ويكسوها الطابوق الأخضر، جدرانه من المرمر العاجي، يحوطه سور مرتفع بأساسات عريضة، مغطى بالسيراميك والكاشي الكربلائي، تملؤه الأقواس الإسلامية والنقوش المزركشة ببذخ واضح. أخذ يسأل نفسه لماذا أصبحت لبيوت الله أسيجة ودائماً ما تكون عالية، ومَن الذي يجرؤ على سرقة بيوت الله...! وقف أمام بابه المفتوح خلف المصلين المتراصفين خلف الأمام، نظر لكلمات الآيات القرآنية التي تسور سقف القبة، أخذت تنفصل عن السقف واحدة بعد الأخرى، لتلتم على شكل كائن غريب من نور مشع يتوسط سماء القبة، ثم أخذت بعد ذلك تتوغل من كل الجدران فوق رؤوس المصلين، كلمات سود، تجمعت على شكل كائن غريب الشكل يوحي بالرعب، التقيا وجهاً لوجه، أخذا يدوران ثم يتدافعان ويتصارعان، اشتد الصراع وازدادت قوة اللكمات، واخذت تتناثر من الكائنين حروف فوق رؤوس المصلين، بعضها سوداء والأخرى مشعة. كان ذلك الجامع بلا سور، مجرد قبة خضراء صغيرة، تملؤها التشققات، وتكسوها بقع بيض من ذرق الحمام، وباب خضراء صدئة مفتوحة على الدوام، وبقربه ثلاثة مراحيض مبنية من الطين، تغطي مداخلها قطع من الأغطية البالية. شاهد من بين فتحات السياج المصنوع من سعف النخيل، أمرأه تجلس بجانب بقرة، تسحب اثداء ضرع البقرة بالتعاقب، لتجمع الحليب في دلو صغير، والعجل مربوط للوتد بجانبها، ينتظر دوره للحصول على حصته في نهاية العملية. تذكر طعم الحليب واللبن الرائب في فمه، يختلف عما يتناوله هناك في الغربة، لأنه كان بلا نكهة. ها هي الساحة الواسعة التي كان يلعب بها كرة القدم مع بقية أطفال القرية، أرض بور ملحية واسعة، كانت تغطي سماؤها غمامة كثيفة من التراب أثناء المباراة، يلعب اليوم الكثير من الصبية والأطفال بداخلها ويتجمع بعضهم على حدودها، ورؤوسهم تنظر للسماء باتجاه الشارع العام، يمسكون بأيديهم خيوط تربط طائرات ورقية مختلفة الألوان، بعضها قريب والأخر محلق بكبد السماء. هؤلاء أولاد اليوم بالتأكيد هم أبناء أطفال القرية يوم أمس. هي تشبه ساحة المتنزه الواسع التي كانت بجانب شقته في هولندا، حيث كان الصبية يمرحون مع ذويهم بطياراتهم الورقية الملونة، بجانب البحيرة الواسعة، التي يسبح بها البط الأبيض والوز الرمادي بحرية. أن الطفولة متشابهة في جميع الأمكنة. لاحت له باب بستانهم الكبير من بعيد، اقترب منها بيضاء كالحة بعد أن استعمرها الصدأ، تنتشر فوقها خسفات وفتحات صغيرة وكبيرة تمت معالجتها، فالتحسينات البسيطة والألوان الباهتة لم تغير من ملامحه الكثير. أنتبه لعمود الكهرباء يحتوي على تصدعات وفتحات بأحجام مختلفة بقيت على حالها من شظايا القنابل، أ يعقل أن تأثير الحروب السابقة قد وصلت نارها لهذه المنطقة النائية...! حاول إزاحة عشرات السنين من الفراق والوحدة والحنين، سنوات مُرة كانت أيامها تمر ثقيلة، هناك بالرغم من كونه بين شعب متنوع الإشكال والأعراق، في دولة تحترم حقوق الأنسان، لكنه لم يستطع التكيف معهم، ليبقى يشعر بذاته وكأنه غريب عن الجميع. طرق الباب طرقات جاءت خافتة، كأنه يحاول طرق شباك حبيبة، ليجده موارباً كما كان سابقاً. بمدخل البستان قرب النهر رأى جذع شجرة التوت الكبيرة، مقطوع بمستوى الأرض، تلك التي كانت تتفيأ ظلها العائلة وقت العصر، يجلسون على بسط مصنوعة من قطع قماش ملون، بجانب موقد الحطب التي يجلس بجانبه قوري الشاي مع مجموعة أستكانات تحتوي السكر. درب مستقيم على طول جانبيه شجيرات ورد الجوري، اختفت وانتشرت مكانها نبات الشوك والعاقول والقصب، وأكوام النفايات التي تفوح منها رائحة عفنة. بيوت حيطانها من البلوك تتخللها خيوط بيضاء من الجص، متناثرة هنا وهناك بفوضى غريبة. وبيتهم القديم بقي على شكله، لكن جدرانه اصبحت كالحة يتوغل داخلها الكثير من الشقوق التي تصل لسقفه، كأنه رجل هرم تملأ التجاعيد وجهه، مكور على نفسه، لكنه ذو هيبة ووقار غريب لا تملكها الأبنية القريبة الحديثة. أخوه جالس على حصيرة وسط الباحة، يلبس الثوب بزيق مفتوح وبيده مسبحة، لحية طويلة غير مشذبه تغطي معظم أجزاء وجهه، اقترب منه، نفس عيونه الصفراء الحادة ونظراته الذئبية، لكنها أصبحت غائرة وسط محجريها. تجمع قرب أخيه الكثير، وجوه بملامح متنوعة، ونظرات بين الشك والريبة والترقب، رجال، أطفال، نساء. تهيأ وهو يصل لأهله من أجل احتضانهم، وهو يسأل نفسه، هل بقيت نفوسهم طيبة وصافية مثلما كانت، وسط كل هذا الركام من الفوضى والخراب، أم تغيرت وأصبحت سوداء مثل ماء النهر.
فراس عبد الحسين
تعليق