قبور الحياة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    قبور الحياة







    **
    قبور الحياة

    ****
    بُعَيْد انقطاعها صعدنا جميعًا الى أسطح المباني نشم الهوى ونلتمس النور. عبق النسيم يدغدغ مشاعرنا ولونٌ أرجواني فاتح لبدر كماسة توسّطت خرز النجوم المتلألئة. قمت إلى مذكّرتي لعلّي أجد في نسج الكلمات ما يطفئ نيراني.
    ها قد عاد الحر من جديد بل وزاد عن حده وعهده ، وبانقطاع الكهرباء تتوقّف الحياة في بلدتي .
    ولم تجد شركة الكهرباء المفلسة بدّا من البوح بما كانت تُخفيه، فإمّا برفع الأسعار و إمّا بقطعها على بعض الأحياء المغضوب عليها وعلى الضالين الذين هم فيها.
    منذ فتحت عيني وجدتها تعاني من مشكل الإنارة والتهيئة ، لا مرافق ولا خدمات بالنهج " المر " الذي أقطنه - كما كان يّسمى سابقًا - ولم يزد فيه سوى طُفيليات الخراسين الإسمنتية التي تنبعث هنا وهناك لتأكل الأخضر واليابس، لشغف الناس وحبّهم وعشقهم الكبير بالطوب والإسمنت والحديد، والناس في هذه الأيام ينبشون الأرض كالجرابيع ، ولم ينفع معهم شيء ولاالحديث ولا الحوارات التي تدور حول جمال الأخضرار، ولا ما يشاهدونه من مقدّمات برامج حول البيئة ، ولا حتّى فسيلات تم غرسها مؤخّرًا ، ولعل وعسى تبعث فيهم حب الحياة، صارت تذبل تحت لهيب (الشهيلي) الريح الأصفر ، تجاهلوها حتى يتم تعويضها بالحِرف التي تخنق الطريق !
    أضحت مدينتي الصغيرة الهادئة " أرملة " تحلم برجل !؟
    جلست أفكّر وأتعجّب من خراسين الإسمنت وكل هذه القبور هل مات أصحابها ؟!
    فتذكّرت رسالة الأديب الجاحظي المعروف ، وكان قد مرّ مرور الكرام ولم يلتفت إليها في جميع كتاباته ، ولما قامت إحدى معارفه تدعوه ليزور موطنه القديم " مداوروش " بغرض تكريمه ، اعتذر لها قائلاً :
    بيان الاعتذار
    من الطاهر وطار لمداوروش
    http://madaure.akbarmontada.com/t553-topic
    اعتذار للشيوخ الذين يذكرونني. للشباب الذين لم يروني, إلا صورة.
    اعتذار للمجاهدين الذين كتب عنهم ةلهم اللاز والشهداء يعودون هذا الأسبوع, ونوة, ومعظم أعمالي.
    اعتذار للجامع الذي تعلمت وصليت ونمت فيه ليالي طويلة, عند قبر الحاج الطاهر بشيشي الفارغ أيامها, يهزني الخوف والرعب, خاصة عند الفجر عندما يشرع المؤذن بوليفة رحمه الله في الصعود إلي المئذنة ضاربا الدرجات واحدة فواحدة بعصاه, كأنما يطرد الأرواح الشريرة التي يهيء لي أنها تهرب كلها لتتخفي في القبر المفتوح.
    اعتذار للبوسطة التي شهدت أول تطلعي للمعرفة, فتزودني بكوبونات المراسلات الدولية أرسلها للقاهرة كي أتلقى دروس الصحافة ودروس السينما, ودروس الاختزال, أحفظها بعد ذلك جميعها عن ظهر قلب.
    اعتذار للرحبة التي حاولت أن أكون فيها وجل أعمال, فأبيع كل خميس من جملة ما أبيع الكراميل التي أكل نصفها قبل نفاذها.
    اعتذارا للجوامع جامع أبي رحمه الله, وجامع الحاج حمو والجامع القديم التي حفظت فيها نصف القرآن الكريم والتي حفظته في بعضها للبنين والبنات.
    اعتذار لمدرستها التي تعلمت فيها أول دوس في النحو والصرف والجغرافيا والتاريخ.. إلى محمد فارح رحمه الله الذي أنشأها وعلم فيها, إلى الشيخ معمر حني شيخنا وإمامنا ذكره الله بالخير.. مدرستنا التي تتحول من حين لآخر إلى قاعة سينما نبكي فيها مع عبلة ومع رابحة, ونبتهج فيها مع انتصارات زورو وطارزان.
    اعتذار لما كان ملعبهاحيث لعبت حارس مرمي تعيس.
    اعتذار لجبانة بني مزاب التي كانت غار حراي, ألوذ إليها وأشرع في تأمل الكون.
    اعتذار لطاحونة مرزوق التي كان نواحها يبكيني كل يوم.
    اعتذار لصباي, لشبابي, لانتصاراتي وإخفاقاتي, لآلامي وأحزاني, للمسوات التي لم أكن أجدها إلا في الكتب.
    اعتذار لقطار الرابعة الذي كانت صفارته تغرينا كالسيرينيات بالهروب أليه وفيه, نحو سوق اهراس ونحو عنابة.
    اعتذار لطريق صدراتة لطريق تبسة, لطريق سوق اهراس ولعربات الحمالين التي كانت تحملنا في الأعياد أطفالا وبنات لهذا الطريق أو ذاك, وأهازيج البنات تملأ الفضاء تمجيدا لصاحب العربة ولحماره.
    اعتذار لليلى لعجايلية بنت مداوروش الفحلة, عن إضاعة جهودها في إعداد ما كلفتها به عصابة السماسرة من ترتيبات ما يسمونه تكريما.
    يغضب جدك أبولي المداوروشي الذي تعجبين به, إذا ما سلمت قيد أنملة في شعار ومبدأ الشاوي: أخنفوف.
    وتجوع الحرة, ولا تأكل من ثدييها.
    لن آتي يامداروش هذه المرة, مع من دعوني بزعم تكريمي.
    فأنا لم أخن في يوم من الأيام مبادئي فأسكت عن النهز إذا كان في صالحي.
    لن أقع فريسة إغراء عصابات قطاع طرق الثقافة, المستولين عنوة عن كل ما يدر به القطاع على أمثالهم, تاركين لأسيادهم الأحياء والأموات "التكريم" في مآدب يملأون فيها بطونهم ويتذللون للولاة للحصول على السكنات ثم يفسقون ويفجرون ويطيلون ألسنتهم في قدح ضحاياهم المكرمين.
    لا يا مرداوروش يا منطقة الآلاف المؤلفة من الشهداء والأبطال.
    لن أخون الأمانة وأشوه ما كرمني به ربي من عبقرية وموهبة, وما كرمتني به مداوروش من وجدان صافي نقي طاهر, وما كرمتني به الجزائر العميقة من حب وثقة.
    ولن أقبل التكريم المسموم.
    ولن أتي هذه المرة, وأنا على استعداد للمجيء بدون أي طمع في أكثر مما نلته من مداوروش.
    لقد أعطتني اللاز. أعطتني أيضا الشهداء يعودون هذا الأسبوع, فأي عطاء من مؤلفين أوصلاني إلى العالمية.
    سآتي رغم أنني لم أغادرك أبدا.. وسلاما سلاما عليك في ماضيك وفي حاضرك وفي مستقبلك.. وفي كل الزمان, يا مداوروش أبولي المداوروشي


    ************************************************** ************************************************** ****************************

    الشهيلي هي التسمية التونسية لأحد أنواع الرياح الجنوبية التي تسمى في الجزائر بالسيروكو وفي ليبيا بالقبلي وفي المغرب بالشرقي وفي جزر الباليار تسمى كلما
    (calima)
    https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B4...8A%D9%84%D9%8A
    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 15-07-2017, 07:52.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    #2
    قرأت الموضوع وأفادني كثيرا
    لقد بذلت جهدا مشكورا أخي مصباح فوزي رشيد
    لكنني ومع كبير احترامي لكم ، فإن هذا النص قد يكون أنسب في مكان آخر .
    أجمل تحية
    فوزي بيترو

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
      قرأت الموضوع وأفادني كثيرا
      لقد بذلت جهدا مشكورا أخي مصباح فوزي رشيد
      لكنني ومع كبير احترامي لكم ، فإن هذا النص قد يكون أنسب في مكان آخر .
      أجمل تحية
      فوزي بيترو
      نكتة :
      بينما كان جحا نائمًا وزوجته معه ، ايقظته وسط الليل تطلب منه علبة كبريت من جهته اليمنى فرد عليها :
      تريدينني أفرّق بين الجهتين في هذا الظلام الدامس ؟!
      غفر الله لنا ولجحا المسكين ما ذا يقول لو كان بحالنا ؟
      أستاذ سليم - الله إخلّيك - دلّني على المكان الصحيح كي أحمل وزري معي .
      تحياتي القلبية .
      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 15-07-2017, 07:48.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      • فوزي سليم بيترو
        مستشار أدبي
        • 03-06-2009
        • 10949

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة مصباح فوزي رشيد مشاهدة المشاركة
        نكتة :
        بينما كان جحا نائمًا وزوجته معه ، استيقظت وسط الليل تطلب منه علبة كبريت من جهته اليمنى فرد عليها :
        تريدينني أفرّق بين الجهتين في هذا الظلام الدامس ؟!
        غفر الله لنا ولجحا المسكين ما ذا يقول لو كان بحالنا ؟
        أستاذ سليم - الله إخلّيك - دلّني على المكان الصحيح كي أحمل وزري معي .
        تحياتي القلبية .
        صباحك سعيد أخي مصباح فوزي رشيد
        وأنا معك أيضا . هناك بعض النصوص .. يحتار الكاتب في مكان نشرها .
        إذا عرفت شيئا ما بهذا الخصوص سوف أخبرك بذلك
        أجمل تحية
        فوزي بيترو

        تعليق

        يعمل...
        X