الساعة الخامسة صباحا، عرفت ذلك لما استيقظت مبتهجة على غير العادة، ونظرت إلى الساعة، حبست ضحكة راودتها عن نفسها وقد أدركت أنها استيقظت قبل المنبه، ما فعلتها قبل ذلك.
نظرت إلى زوجها الذي يوقظها دوما، كان مايزال غارقا في نومه ترتسم على محياه ابتسامة رقيقة وعذبة كابتسامة طفل فاجأه أبوه بهدية ثمينة.
تتذكر لحظات رغبتها في أن تنجب منه طفلا، يملأ بيتها فرحا، وتعبر له من خلاله عن حبها له، رغم تهربه، فقد ألحت، وزادت في درجات إلحاحها، لقد تبين لها أن ليس بها عيب، فقد أجرت تحليلات خفية، رغبة في التأكد وإدخال الاطمئنان لقلبها سريع العطب. لما أخبرها الطبيب بخلوها من كل عائق يقف في وجه إنجابها، قالت: أن لا مانع من أن تحث زوجها على حرث أرضها العطشى، وإذ تأكدت من نفوره، خافت أن يكون هو السبب، بالحيلة تمكنت من جعله يزور الطبيب، بيد أنه، ورغم كثرة المنشطات والمحفزات، لم تثمر الأرض، وما ظهر على بطنها انتفاخ، لقد بدأت تشعر بالخيبة، وأن المنال بعيد. دعاهما الطبيب إلى الزرع، فقد يكون ناجحا، هي طريقة لإخراج حيواناته من كسلها. وتم الحقن الخارجي، لكن حيواناته كانت تموت قبل وصولها البويضة؛ لم تصل بتاتا إلى مرحلة الإخصاب، كما لو كانت تعاند رغبتها. عند هذه النقطة، توقف أملها وبخاصة لما أبدى الزوج رفضا بينا لأي عمل جديد.
يا للمرارة ! هذا ماقالته لنفسها، وهي تتركه في حلمه اللذيذ سابحا، واتجهت إلى الحمام لتغسل وجهها، وتسرح شعرها، ثم غيرت ملابسها، ارتدت ملابس الرياضة، استعدادا لبدء التمارين اليومية. لم يستيقظ الزوج، لم تشأ إيقاظه، تركته يستمتع بابتسامته الملغزة. فكرت للحظة أن ترفع غطاءه لتغطي رأسه، وتخفي تلك الابتسامة اللعينة. كيف يبتسم في النوم، ويتجهم في النهار؟ نظرت إليه وفي نفسها شيء من حيرة، قالت مخاطبة نفسها:
: لم زوجي يهرب من الإنجاب؟ تبين لي ظنا، والظن سوء، أن الرجل لا يريد إنجاب أطفال. كان يحدثني باستمرار عن أصدقائه الغارقين في مشاكل أبنائهم بنبرة نقد لا يصعب تلمسها، ويحدثني عن نفوره من أطفال الجيران، ومن شغبهم، بكلمات تفيد الكره.
نفضت رأسها من أسئلة ما فتئت تكدر مزاجها، خير لها أن تمارس رياضتها لتنسى...
وضعت يدها على أكرة الباب لفتحه، ألقت نظرة أخيرة على الزوج النائم؛ الصباح لم يتنفس بعد، وصمت جليل يرين على البيت والشارع، حتى الطيور لم تسكن حناجرها الشقشقة والتغريد، وكأنها صمتت إجلالا وتكبيرا.
أغلقت الباب خلفها، الشارع بارد وصامت، ينبت في النفس رعشة الرهبة، كادت تولي الأدبار، لكنها عاندت خوفها، وانطلقت بهرولة تسخينية. لم تصادف أحدا، حتى حين سمعت أذان صلاة الفجر. شعرت بوحشة، وكأن الصبح الذي بدأ يعلن عن نفسه صفحة بيضاء لا شية فيها رسالة تحذير، وإيقاظ لحاستها السادسة؛ نومتها وتابعت الهرولة، بلغت صهريج السواني، دارت حوله كما تعودت أن تفعل، لكنه اليوم لا يشعر إلا بأنفاسها، وفي الدورة الثانية لاح لها شبحان بسحنة سوداء كما ظنت، لم يخب ظنها حين اقتربت منهما وكانا يبغيان ماء الصهريج للاستحمام، عدلا عن ذلك لما رأياها قادمة وصدرها يهتز بثمرتيه الناضجتين، وجسمها الفائح أنوثة وجمالا، رائحته الشهية أيقظت حواسهما المستعدة للانقضاض؛ هما الرجلان المختبئان عن عيون الشرطة ، قضيا وقتا طويلا بعش خلف الأشجار المحيطة بالصهريج، تحت سور خرب، لا يوحي بوجود حياة. الوحدة توقظ الرغبة، والرغبة تبحث عن منفذ، وها قد ظهر بهيا نقيا وشهيا.
تمسك بالرسالة بين يديها غير مصدقة، وهي فوق سريرها الأبيض كالثلج في المستشفى تعالج الجروح والصدمة، حولها أبواها يواسيانها، ويرفعان من روحها المعنوية بعد أن تخلى عنها زوجها خوفا من الفضيحة، أو هروبا منها. تكرشها بغضب، بمقت، بكره.
في لحظة إشراق، أو كمن رفع عنه الستار، رأت امرأة تجوب الشوارع بلباس ممزق، وشعر أشعث، تحمل أحجارا في تنية جلبابها، وتسير مترنحة كسكيرة تعلمت العربدة، يلاحقها الأطفال بشغبهم الجميل، ويستفزونها بكلامهم الجارح:
_ الحمقة ها هي، سيري بالشوية.
ثم يلقون عليها بجمرات اللعنة وطوب الاستهزاء.
لا تهتم بهم، ولا تقلي بالا لما يقولون، ولا تحمي نفسها من أحجار لعناتهم، ما يهمها هو بلوغ منزل بالذات، لترشقه بحجارتها، والسباب.
تستعيد ذاتها من هول سطوة الزمن الآتي، إلى اللحظة الراهنة. ماتزال عيناها متشبتتين بأكرة باب الغرفة، قد ينبثق عن مفاجأة تبلسم الجرح، من يدري، كل شيء جائز في زماننا، كل شيء محتمل. هو دفق أمنيات يغذي شريان قلبها الذي غسلته بالإيمان. لم تعبأ بذلك الأنبوب البلاستيكي الذي يمنحها الطاقة، ولا بأبويها وبحضورهم الضاج، نظرت، فقط، إلى الورقة المكرشة، بسطتها، أزالت تجاعيدها براحة يديها وبحنان، نظرت إليها وهي فوق السرير بيضاء إلا من تلك الأسطر الجارحة رغم قصرها، لم تهتم بها، رأت الورقة بيضاء لا شية فيها، طوتها بعناية فائقة، ثم وضعتها في خرقة ثوب حريري، طوته، هو الأخر، بعناية، ثم جمعت أطرافه، وشكلت عقدة للحماية، دست الرزمة الصغيرة تحت مخدتها، وأصرت على أن تنام بهدوء، عازمة على استنبات أحلام طيبة في صحراء حياتها الليلة، لن تهزمها الكوابيس مطلقا.
نظرت إلى زوجها الذي يوقظها دوما، كان مايزال غارقا في نومه ترتسم على محياه ابتسامة رقيقة وعذبة كابتسامة طفل فاجأه أبوه بهدية ثمينة.
تتذكر لحظات رغبتها في أن تنجب منه طفلا، يملأ بيتها فرحا، وتعبر له من خلاله عن حبها له، رغم تهربه، فقد ألحت، وزادت في درجات إلحاحها، لقد تبين لها أن ليس بها عيب، فقد أجرت تحليلات خفية، رغبة في التأكد وإدخال الاطمئنان لقلبها سريع العطب. لما أخبرها الطبيب بخلوها من كل عائق يقف في وجه إنجابها، قالت: أن لا مانع من أن تحث زوجها على حرث أرضها العطشى، وإذ تأكدت من نفوره، خافت أن يكون هو السبب، بالحيلة تمكنت من جعله يزور الطبيب، بيد أنه، ورغم كثرة المنشطات والمحفزات، لم تثمر الأرض، وما ظهر على بطنها انتفاخ، لقد بدأت تشعر بالخيبة، وأن المنال بعيد. دعاهما الطبيب إلى الزرع، فقد يكون ناجحا، هي طريقة لإخراج حيواناته من كسلها. وتم الحقن الخارجي، لكن حيواناته كانت تموت قبل وصولها البويضة؛ لم تصل بتاتا إلى مرحلة الإخصاب، كما لو كانت تعاند رغبتها. عند هذه النقطة، توقف أملها وبخاصة لما أبدى الزوج رفضا بينا لأي عمل جديد.
يا للمرارة ! هذا ماقالته لنفسها، وهي تتركه في حلمه اللذيذ سابحا، واتجهت إلى الحمام لتغسل وجهها، وتسرح شعرها، ثم غيرت ملابسها، ارتدت ملابس الرياضة، استعدادا لبدء التمارين اليومية. لم يستيقظ الزوج، لم تشأ إيقاظه، تركته يستمتع بابتسامته الملغزة. فكرت للحظة أن ترفع غطاءه لتغطي رأسه، وتخفي تلك الابتسامة اللعينة. كيف يبتسم في النوم، ويتجهم في النهار؟ نظرت إليه وفي نفسها شيء من حيرة، قالت مخاطبة نفسها:
: لم زوجي يهرب من الإنجاب؟ تبين لي ظنا، والظن سوء، أن الرجل لا يريد إنجاب أطفال. كان يحدثني باستمرار عن أصدقائه الغارقين في مشاكل أبنائهم بنبرة نقد لا يصعب تلمسها، ويحدثني عن نفوره من أطفال الجيران، ومن شغبهم، بكلمات تفيد الكره.
نفضت رأسها من أسئلة ما فتئت تكدر مزاجها، خير لها أن تمارس رياضتها لتنسى...
وضعت يدها على أكرة الباب لفتحه، ألقت نظرة أخيرة على الزوج النائم؛ الصباح لم يتنفس بعد، وصمت جليل يرين على البيت والشارع، حتى الطيور لم تسكن حناجرها الشقشقة والتغريد، وكأنها صمتت إجلالا وتكبيرا.
أغلقت الباب خلفها، الشارع بارد وصامت، ينبت في النفس رعشة الرهبة، كادت تولي الأدبار، لكنها عاندت خوفها، وانطلقت بهرولة تسخينية. لم تصادف أحدا، حتى حين سمعت أذان صلاة الفجر. شعرت بوحشة، وكأن الصبح الذي بدأ يعلن عن نفسه صفحة بيضاء لا شية فيها رسالة تحذير، وإيقاظ لحاستها السادسة؛ نومتها وتابعت الهرولة، بلغت صهريج السواني، دارت حوله كما تعودت أن تفعل، لكنه اليوم لا يشعر إلا بأنفاسها، وفي الدورة الثانية لاح لها شبحان بسحنة سوداء كما ظنت، لم يخب ظنها حين اقتربت منهما وكانا يبغيان ماء الصهريج للاستحمام، عدلا عن ذلك لما رأياها قادمة وصدرها يهتز بثمرتيه الناضجتين، وجسمها الفائح أنوثة وجمالا، رائحته الشهية أيقظت حواسهما المستعدة للانقضاض؛ هما الرجلان المختبئان عن عيون الشرطة ، قضيا وقتا طويلا بعش خلف الأشجار المحيطة بالصهريج، تحت سور خرب، لا يوحي بوجود حياة. الوحدة توقظ الرغبة، والرغبة تبحث عن منفذ، وها قد ظهر بهيا نقيا وشهيا.
تمسك بالرسالة بين يديها غير مصدقة، وهي فوق سريرها الأبيض كالثلج في المستشفى تعالج الجروح والصدمة، حولها أبواها يواسيانها، ويرفعان من روحها المعنوية بعد أن تخلى عنها زوجها خوفا من الفضيحة، أو هروبا منها. تكرشها بغضب، بمقت، بكره.
في لحظة إشراق، أو كمن رفع عنه الستار، رأت امرأة تجوب الشوارع بلباس ممزق، وشعر أشعث، تحمل أحجارا في تنية جلبابها، وتسير مترنحة كسكيرة تعلمت العربدة، يلاحقها الأطفال بشغبهم الجميل، ويستفزونها بكلامهم الجارح:
_ الحمقة ها هي، سيري بالشوية.
ثم يلقون عليها بجمرات اللعنة وطوب الاستهزاء.
لا تهتم بهم، ولا تقلي بالا لما يقولون، ولا تحمي نفسها من أحجار لعناتهم، ما يهمها هو بلوغ منزل بالذات، لترشقه بحجارتها، والسباب.
تستعيد ذاتها من هول سطوة الزمن الآتي، إلى اللحظة الراهنة. ماتزال عيناها متشبتتين بأكرة باب الغرفة، قد ينبثق عن مفاجأة تبلسم الجرح، من يدري، كل شيء جائز في زماننا، كل شيء محتمل. هو دفق أمنيات يغذي شريان قلبها الذي غسلته بالإيمان. لم تعبأ بذلك الأنبوب البلاستيكي الذي يمنحها الطاقة، ولا بأبويها وبحضورهم الضاج، نظرت، فقط، إلى الورقة المكرشة، بسطتها، أزالت تجاعيدها براحة يديها وبحنان، نظرت إليها وهي فوق السرير بيضاء إلا من تلك الأسطر الجارحة رغم قصرها، لم تهتم بها، رأت الورقة بيضاء لا شية فيها، طوتها بعناية فائقة، ثم وضعتها في خرقة ثوب حريري، طوته، هو الأخر، بعناية، ثم جمعت أطرافه، وشكلت عقدة للحماية، دست الرزمة الصغيرة تحت مخدتها، وأصرت على أن تنام بهدوء، عازمة على استنبات أحلام طيبة في صحراء حياتها الليلة، لن تهزمها الكوابيس مطلقا.
تعليق