بيلتراز
قطع الظلام تزأر وتزمجر في عبورها مسرح الليل ، أسراب الغيم يحتشد قرب عتبة الأفق ،خيوط المطر تغزل رداء جديداً للأرض ، أصوات محركات، وأبخرة، معدات ثقيلة تقطع سكون البحر ،عملية إنزال بحري تجري عند الشاطيء الأصفر ،أسلحة ، وذخائر ،صناديق من البارود، وقذائف المورتر ،الصليب المعكوف يرفرف فوق "كاسكادا"- جزيرة قريبة من الساحل البولندى- ..رؤوس من الخوذ الحديدية تُسارع في سباق محموم مع الزمن من أجل إنشاء سدود رملية منيعة ...كميات كبيرة من الرصاص محشوة داخل براميل حلزونية ...طائرات الإمداد تُحلق قرب الساحل ،وتلقي صناديق الطعام فوق المياة واليابسه ... الجنود يغوصون في المياة الضحلة يسارعون في إنتشال الصناديق قبل أن تأكلها المياة المالحة .. شرائح اللحم المقدد تنبعثُ روائحها الشهية فوق الصفائح الساخنة، فتصطبغُ بلون الشواء ،زجاجات الكولا ،تطفيء لسعات السيجار الكوبي.. الشمس الحمراء تسقط في بحر العروش ...والظلام الأسود يخيم فوق سفح الأمواج العاتية، فيحيل الشاطيء الرملى إلى ظلال سوداء ترقص فوق الرمال الذهبية ..الموت الناقع مُدجن بين حفيف الأشجار، يرصد مرقد العابثين بساحله المقدس ..وعند منتصف الليل ،تتسلل أشباح عارية ،ملثمة بالحشائش والطين ،تقتل كل ما يعترض طريقها ،ثم تحتفل بسلخ الفراء البشرية للغزاة ... أشباح ليلية تستخدم في صيدها الأسلحة البدائية من حراب مسمومة ،ونصال مسنونة مصنوعة من الصوان ،ودروع خفيفة مفتولة من الخيزران المتين ...أصيب الجنود بالهلع والفزع وكادت قلوبهم أن تنخلع ،فتقهقروا عراة بملابسهم الداخلية خلف المتاريس الرملية ،وشرعوا في إطلاق وابل من النيران الكثيفة بصورة عشوائية ،ريثما يستعيد الجنود نظامهم ورباط جأشهم ...ظلت أعين الجنود تقدح شرراً من الخوف والغضب إلى أن أشرقت خيوط الضوء، وههلل الصباح بين أسراب طلائعه ...فقام القائد بحصر القتلى من الجنود فلم يزيدوا عن ثلاثة ..
فأمر بإرسال كتيبتين مؤلفة من خيرة الجنود مدججين بالأسلحة من أجل القضاء على أشباح الليل. فحدث إشتباك ليلي أسفر عن سقوط إثنين وجرح أخر ،لكنهم تمكنوا من أسر ثلاثة ،وقتل إثنين من الأعداء ...وبعد انقضاء ثلاثة شهور تمكن الفيلق الألمانى من إجتياح الجزيرة، وإبادة السكان الإصليين عن بكرة أبيهم ،ولم تستطيع الأقواس والحراب مقاومة المدافع والبارود ... وبعد الإستيلاء على الجزيرة شرع القائد الألمانى "هان سيزار" إلى بناء حصن منيع يُشرف على سفح قمة عالية في الجزيرة ،من أجل إقامة منصات مدفعية تتمكن من اعتراض وتدمير سفن الحلفاء عند عبورها المضيق البولندى... في الوقت ذاته تمكن الرايخ الألمانى من إرسال تعزيزات إلى صفوفه المتمركزة في الجزيرة من أجل بناء وتشييد حصن بلتراز...نجح الألمان في تدمير عدد من السفن الناقلة للمعدات الثقيلة والبوارج الحربية مما سهل لهم الإستيلاء على الممر البولندى ...لم يكن للحلفاء طريق أخر سوى إجراء عملية إنزال بري للقضاء على الفيلق الألمانى وتدمير مدافع بيلتراز العنيده...وبالفعل إقترح القائد السوفيتى الفذ "هيلنسكى" التسلل عبر الممر البولندى ، من أجل الإلتفاف حول الحامية على طريقة المقصلة الفرنسية ،وبعد خسائر فادحة في المعدات والأفراد،وبطريقة ما، تمكن من الدخول إلى "كاسكادا"..لكن المعارك لم تحسم لأي الفريقين واستمرت الحروب بين الفيلقين زهاء عامين، تكبد الفريقين خلالها خسائر باهظة في العتاد والأرواح ...ثم انقضى الربيع الأخير في سطور المقاومة العنيفة بخسائر فادحة لكلا الطرفين، وحل الجليد القارص ،فندر الطعام في المياة واليابسة ،وسقط الكثير من الجنود جراء الجوع والمرض ..وبعد مرور أيام من انتشار وباء معدي بين الجنود السوفيت والألمان وسقوط الكثير منهما ... قرر القائد "هان سيزار"، ،عقد إتفاق سلمى بينه وبين القائد السوفيتى " هيلنسكى"تقضي بإنهاء حالة الحرب بينهما ،والسماح للسوفيت بدخول حصن بلتراز لمعالجة المرضى والجرحى ...ثم أعلن جندىان أحدهما ألمانى يُدعى" باولو بوتشينو" والأخر سوفيتى من أصول تتارية يُدعى" رحيموف تانجتشو" كانا يعملان قبل الحرب في خدمة الكنيسة والمسجد، تخليهما عن حياة الجنديه.. وفي خطبة مؤثرة قال أحدهما :أن لديه طفلين رائعين وزوجة صالحة، وثالث قادم في الطريق ينتظرا أن يرثياه في نعش صامت، وقد أعدا الزهور لقبره بعد اندلاع الحروب ،فلماذا لا يعود إليهما ويرسم بهجة الحياة على وجه عائلته مجدداً ثم أردف : إن الله منح الإنسان الحياة لينعم بها ويكون خليفته على الأرض ،ويكون قائماً عليها متسامحاً بالعدل والمحبة ،نابذاً للظلم والجور ..فلما نسلب الحياة ،ونسحق الأرواح من أجل نعيم زائل سخره الله لنا،من أجل ماذا ؟؟ من أجل إرضاء نزعات شيطانية تعشق إذابة العظام ،وسفك الدماء وسحق الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض وأخذ عليه العهد والميثاق من خلال الشرائع الموجودة في الكتب السماوية ..لكنه ضيع الأمانة ،وباع روحه للشرير... تأثر الجنود لسماع تلك الكلمات التى وجدت صدى داخل نفوسهم ،فألقوا السلاح وعم السلام ربوع الجزيرة ، ثم شرع الفريقين إلى إصلاح ما أتلفه البارود ، وعمدوا إلى إصلاح الأرض، وحراثتها ، ثم شيدوا المبان والقلاع ،والقوارب ، والسفن حتى انتهت الحرب، وعادوا سالمين إلى دورهم، وقد خلفوا شواهد تاريخية مازالت عالقة حتى الأن ،ماثلة في أذهانهم.
قطع الظلام تزأر وتزمجر في عبورها مسرح الليل ، أسراب الغيم يحتشد قرب عتبة الأفق ،خيوط المطر تغزل رداء جديداً للأرض ، أصوات محركات، وأبخرة، معدات ثقيلة تقطع سكون البحر ،عملية إنزال بحري تجري عند الشاطيء الأصفر ،أسلحة ، وذخائر ،صناديق من البارود، وقذائف المورتر ،الصليب المعكوف يرفرف فوق "كاسكادا"- جزيرة قريبة من الساحل البولندى- ..رؤوس من الخوذ الحديدية تُسارع في سباق محموم مع الزمن من أجل إنشاء سدود رملية منيعة ...كميات كبيرة من الرصاص محشوة داخل براميل حلزونية ...طائرات الإمداد تُحلق قرب الساحل ،وتلقي صناديق الطعام فوق المياة واليابسه ... الجنود يغوصون في المياة الضحلة يسارعون في إنتشال الصناديق قبل أن تأكلها المياة المالحة .. شرائح اللحم المقدد تنبعثُ روائحها الشهية فوق الصفائح الساخنة، فتصطبغُ بلون الشواء ،زجاجات الكولا ،تطفيء لسعات السيجار الكوبي.. الشمس الحمراء تسقط في بحر العروش ...والظلام الأسود يخيم فوق سفح الأمواج العاتية، فيحيل الشاطيء الرملى إلى ظلال سوداء ترقص فوق الرمال الذهبية ..الموت الناقع مُدجن بين حفيف الأشجار، يرصد مرقد العابثين بساحله المقدس ..وعند منتصف الليل ،تتسلل أشباح عارية ،ملثمة بالحشائش والطين ،تقتل كل ما يعترض طريقها ،ثم تحتفل بسلخ الفراء البشرية للغزاة ... أشباح ليلية تستخدم في صيدها الأسلحة البدائية من حراب مسمومة ،ونصال مسنونة مصنوعة من الصوان ،ودروع خفيفة مفتولة من الخيزران المتين ...أصيب الجنود بالهلع والفزع وكادت قلوبهم أن تنخلع ،فتقهقروا عراة بملابسهم الداخلية خلف المتاريس الرملية ،وشرعوا في إطلاق وابل من النيران الكثيفة بصورة عشوائية ،ريثما يستعيد الجنود نظامهم ورباط جأشهم ...ظلت أعين الجنود تقدح شرراً من الخوف والغضب إلى أن أشرقت خيوط الضوء، وههلل الصباح بين أسراب طلائعه ...فقام القائد بحصر القتلى من الجنود فلم يزيدوا عن ثلاثة ..
فأمر بإرسال كتيبتين مؤلفة من خيرة الجنود مدججين بالأسلحة من أجل القضاء على أشباح الليل. فحدث إشتباك ليلي أسفر عن سقوط إثنين وجرح أخر ،لكنهم تمكنوا من أسر ثلاثة ،وقتل إثنين من الأعداء ...وبعد انقضاء ثلاثة شهور تمكن الفيلق الألمانى من إجتياح الجزيرة، وإبادة السكان الإصليين عن بكرة أبيهم ،ولم تستطيع الأقواس والحراب مقاومة المدافع والبارود ... وبعد الإستيلاء على الجزيرة شرع القائد الألمانى "هان سيزار" إلى بناء حصن منيع يُشرف على سفح قمة عالية في الجزيرة ،من أجل إقامة منصات مدفعية تتمكن من اعتراض وتدمير سفن الحلفاء عند عبورها المضيق البولندى... في الوقت ذاته تمكن الرايخ الألمانى من إرسال تعزيزات إلى صفوفه المتمركزة في الجزيرة من أجل بناء وتشييد حصن بلتراز...نجح الألمان في تدمير عدد من السفن الناقلة للمعدات الثقيلة والبوارج الحربية مما سهل لهم الإستيلاء على الممر البولندى ...لم يكن للحلفاء طريق أخر سوى إجراء عملية إنزال بري للقضاء على الفيلق الألمانى وتدمير مدافع بيلتراز العنيده...وبالفعل إقترح القائد السوفيتى الفذ "هيلنسكى" التسلل عبر الممر البولندى ، من أجل الإلتفاف حول الحامية على طريقة المقصلة الفرنسية ،وبعد خسائر فادحة في المعدات والأفراد،وبطريقة ما، تمكن من الدخول إلى "كاسكادا"..لكن المعارك لم تحسم لأي الفريقين واستمرت الحروب بين الفيلقين زهاء عامين، تكبد الفريقين خلالها خسائر باهظة في العتاد والأرواح ...ثم انقضى الربيع الأخير في سطور المقاومة العنيفة بخسائر فادحة لكلا الطرفين، وحل الجليد القارص ،فندر الطعام في المياة واليابسة ،وسقط الكثير من الجنود جراء الجوع والمرض ..وبعد مرور أيام من انتشار وباء معدي بين الجنود السوفيت والألمان وسقوط الكثير منهما ... قرر القائد "هان سيزار"، ،عقد إتفاق سلمى بينه وبين القائد السوفيتى " هيلنسكى"تقضي بإنهاء حالة الحرب بينهما ،والسماح للسوفيت بدخول حصن بلتراز لمعالجة المرضى والجرحى ...ثم أعلن جندىان أحدهما ألمانى يُدعى" باولو بوتشينو" والأخر سوفيتى من أصول تتارية يُدعى" رحيموف تانجتشو" كانا يعملان قبل الحرب في خدمة الكنيسة والمسجد، تخليهما عن حياة الجنديه.. وفي خطبة مؤثرة قال أحدهما :أن لديه طفلين رائعين وزوجة صالحة، وثالث قادم في الطريق ينتظرا أن يرثياه في نعش صامت، وقد أعدا الزهور لقبره بعد اندلاع الحروب ،فلماذا لا يعود إليهما ويرسم بهجة الحياة على وجه عائلته مجدداً ثم أردف : إن الله منح الإنسان الحياة لينعم بها ويكون خليفته على الأرض ،ويكون قائماً عليها متسامحاً بالعدل والمحبة ،نابذاً للظلم والجور ..فلما نسلب الحياة ،ونسحق الأرواح من أجل نعيم زائل سخره الله لنا،من أجل ماذا ؟؟ من أجل إرضاء نزعات شيطانية تعشق إذابة العظام ،وسفك الدماء وسحق الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض وأخذ عليه العهد والميثاق من خلال الشرائع الموجودة في الكتب السماوية ..لكنه ضيع الأمانة ،وباع روحه للشرير... تأثر الجنود لسماع تلك الكلمات التى وجدت صدى داخل نفوسهم ،فألقوا السلاح وعم السلام ربوع الجزيرة ، ثم شرع الفريقين إلى إصلاح ما أتلفه البارود ، وعمدوا إلى إصلاح الأرض، وحراثتها ، ثم شيدوا المبان والقلاع ،والقوارب ، والسفن حتى انتهت الحرب، وعادوا سالمين إلى دورهم، وقد خلفوا شواهد تاريخية مازالت عالقة حتى الأن ،ماثلة في أذهانهم.
تعليق