روعة الجنون

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    روعة الجنون

    روعة الجنون

    مرة أخرى عاودته نوبة عارمة للصياح...
    لم يكن يعبأ كثيرا بالكلام...
    في صمته تحلق الرغبة الدافقة كالسيل لتشكيل قلقه الغامض وصياغة سخطه على العالم...
    «هذا لا يليق أمام الناس»…
    يغلي صدره لحد الاختناق؟ ما السبيل لنقل ذلك إلى الآخرين؟ !
    أيا كان المخاطب ؟
    ليكن واحدا من المارة، سيتعلق بذراعه بكل توسل ولهفة ليقول كل شيء، بلا خوف ولا وجل !!.
    مؤكد أنه سيوضع تحت المجهر...أحكام لا تخطر ببال.. سكير، أو مجنون خارج لتوه من المارستان… لا يهم!
    ربما سيجد في الكلام سبيلا لتحقق الممكن.
    يزداد لهب النار اشتعالا، ترتفع حرارة الجسم. وكأنه موجود من أجل الاحتراق !!
    يعتصر الألم دواخله، يتألم ولا يتكلم…
    مجرد كائن ليس أكثر…
    يشعر بثقل وحدته وسط الجموع ...
    الوجوه التي يلاقيها لا تشبهه …
    يغلفها وجوم منغلقة مرعبة باردة ، تبدو مثل أقنعة لأجساد تتآكل بصمت ، مستسلمة لمصيرها وكأن ما يحدث محتم كاسح كالصخر النازل من المجهول،
    وجوه كائنات يسكنها الفراغ. ..
    أحس بالألم يعتصر خلاياه ،انقبضت عضلات القلب ، وكأنه تجمد وغلفته برودة غامضة… ، صار حجرا صغيرا، ..تقطعت أنفاسه ...
    كل هذه الوجوه ومع ذلك لم يجد توأما ولا شبيها... كل ما يجري مؤلم قاهر، وكل ما تنقله العين مقلق كاسح للفكر وقاتل للأمل...
    ولا سبيل لقتل هذا الألم إلا بالألم.
    وانطلق يجري بشكل جنوني، تقطعت أنفاسه على إيقاع خفقان القلب،عسى أن يمكنه ذلك من الصمت…
    وهذا هو الأهم في هذا العالم الموبوء !!
    تجول عبر الشوارع وهو على هذا الحال كسير الفؤاد
    كالح البال...
    اقتنى زجاجة خمر رخيص عساها تكون بردا وسلاما وبلسما للجراح.
    إذا كان الهرب بعيدا يستلزم مزيدا من الجهد والعناء، عساه الآن يهرب بخياله...
    كل الأشياء تبدو غريبة...هو أيضا بات غريبا عن ذاته...
    في لحظة ما وجد نفسه بعيدا عن المساكن والناس، لاحت في الأفق مساحات خضراء مقفرة.
    أخرج قنينته وراح يرشف منها جرعات متفاوتة...
    شعر بقدر من الحسرة حين أدرك بأنه لم يعد يمسك من الحياة إلا الوعي بخلايا دماغه تمتلئ بالدفء بقدر ما تتوالى الجرعات…
    شيء رائع، هكذا يقول دائما.
    فوق ربوة تشرف على ما يحيط بها من فضاءات جلس، وأطلق ناظريه يغازل الأفق...
    بقي على هذا الحال ساعات، بينما كان مفعول الكحول يفتح الأبواب لأفكاره المجنونة...
    سائحا فوق جبال إملشيل، مربي ماشية بأنفكو، ناسكا قرب شلالات تودغى أو بمحاذاة بحيرة تسليت...
    عسى أن يجد السكينة بين بسطاء الناس الطيبين،..
    لم يعد يطيق حياته وضغطها العالي، وحياة الناس المثيرة للشفقة. !!
    ومع إطلالة نور الفجر عاد في اتجاه مسكنه منهكا،
    منكسر القامة…
    مكتئبا…
    خطواته متمايلة قليلا ونكس رأسه غير مبال بما حواليه.
    في طريقه عرج على الشباك الأوتوماتيكي وأخرج كل مدخراته المالية وبكل عزم سار نحو مسكنه.
    داخل الشقة انهمك في جمع بعض الثياب وضعها في حقيبة كانت ملقاة على الأرض.
    بالغرفة الأخرى كان السرير بالأغطية المكومة فوقه يلخص واقع الحال.
    بجانبه مرمدة امتلأت بأعقاب السجائر فاض رمادها وغطت مخلفاتها الهاتف النقال، التقطه وشرع يكتب رسالة إلى أشخاص يهمه أمرهم، ربما لأنهم أحبوه، أو صادقوه، أو قبلوا به لذاته...
    - لا تأبهوا لحالي، سأكون بخير
    - وحين علت الشاشة عبارة
    «message envoyé»
    ضرب الهاتف بالأرض تناثرت الأجزاء، نظر إليها هنيهة ثم شرع في إكمال تكسيرها بقدميه بعنف.
    بعد برهة أغلق باب الشقة وراءه، شعر بأنه قد خلف وراءه حياة بدأت مرارتها تختفي على إيقاع خطواته المنتظمة وسط الجموع والناس.
    لم أعد أحترق، أنا الآن موجود لأنني مجنون
    وهذا شيء رائع..
    هكذا قال
    وعلت وجهه ابتسامة.

    حسن لشهب
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    #2
    أستاذي حسن لشهب
    إنه الهروب إذن ، لو فتح استفتاء لركبت النسب على التسعين بطيب خاطر، لكن من أين أصل فكرة الهروب هذه، لابدّ أنها مجنونة وجاءت وفق منطق جنون يأبى الاكتمال فيكون بويا عمر هو المستقر، بعد أن تصيح الأعناق المشرئبّة إلى المجهول، افتحوا بويا عمر فنحن نحب الهروب.

    نصّ فيه جرعة حزن زائدة، ولولا صياغته القوية لكان منفّرا.

    تحياتي

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      شعر بقدر من الحسرة حين أدرك بأنه لم يعد يمسك من الحياة إلا الوعي
      وكأنه لا يريد هذا الوعي ولا يسعى إليه .
      في قرارة نفسه يقول أن هذا الوعي زائف .
      هكذا هي " روعة الجنون " وإلا فلا .
      سأعود للقصة ثانيا ، لأنني حقا استمتعت بها .
      تحياتي لك أخي حسن لشهب
      فوزي بيترو

      تعليق

      • حسن لشهب
        أديب وكاتب
        • 10-08-2014
        • 654

        #4
        أهلا بك سي نور الدين
        عذرا عن تأخري في الرد .
        إنها العودة إلى الذات والعقل يا صديقي والنص يترجم حالة قلق وجودي عميق في وضعيات حياتية يغيب فيها التواصل فأصبح الإنسان فاقدا لذاتيته وهويته الإنسانية سجينا لشرنقة الحياة في وضع أشبه بكائنات أورويل في 1984 أو ذا بعد واحد مع ماركوز ....هي ٱفة العصر يا صديقي ومن ثمة لا مجال لكسر الطوق إلا بالعودة إلى الطبيعة والحب قرب بحيرتي إيسلي وتسليت بإيملشيل أو أي مكان ٱخر يستعيد فيه الإنسان طبيعته الخيرة...وإن شئت تسميتها بالهروب فهو هروب من العبث واللاعقلي إلى الوعي والعقل الأصلي.
        هذا هو سياق النص كما تصوره كاتبه ويبقى الحكم للمتلقي حرا بالتأكيد.
        شكرا لعظيم اهتمامك ومتابعتك صديقي الكريم

        كن بألف خير.

        تعليق

        • حسن لشهب
          أديب وكاتب
          • 10-08-2014
          • 654

          #5
          أستاذ فوزي
          نعم هو وعي زائف لا عقلي يسحق الذات ويقتل هويتها لذلك اختار الانفلات منه والسعي وراء ذاتيته وإنسانيته.
          شكرا لمتابعتك واهتمامك أخي المكرم
          كن بخير دائما

          تعليق

          • عبدالرحيم التدلاوي
            أديب وكاتب
            • 18-09-2010
            • 8473

            #6
            رصد لحالة قلق وجودي يشعر بها إنسان تراكمت فوق روحه قناطير الحزن، فنفض غبارها بالجنون.
            مودتي

            تعليق

            • حسن لشهب
              أديب وكاتب
              • 10-08-2014
              • 654

              #7
              شكرا لكرم المرور أعلم أنها تحية
              ولك مني ألف منها تقديرا لعظيم اهتمامك

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                يبحث عنه حلا سريعا لحالة مؤقتة قد لا تستمر طويلا لولا قسوتها ما رآه جديرا به
                إذ لم أجد في كل تصرفاته و لا في حزنه و احتماله جنونا من أي نوع
                الجنون .. كان المحيط الذي يلف أحزانه و قناعاته بكل ما تحمل من ارتباكات و ربما أخطاء في الرؤية
                روعة الجنون حين يكون واقعا للشخصية يسكن دواخلها و يسيطر على كل منافذها
                فنرى خروجا عن المنطق و المعقولية ليس في الكلام و سقطات اللسان و حسب و لكن في التصرفات و حركات الجسد !
                فهل رأينا هذا في هذا الكائن المتزن العميق الحزن ؟
                الصراخ ليس جنونا
                بل ميزة حاسمة لكائن حي لم يمت و لن يموت إلا إذا قرر ذلك !
                هو حزين حد البلاغة
                ممرور حد الكآبة و البكاء
                مصدوم حد التوهان و انعدام القدرة على الرؤية
                وهي حالة تقاسمنا الحياة و خاصة الأنقياء منا
                و ربما الأكثر نقاء و شفافية و ضعفا و دون حماية ثقافية وقدرة على مجالدة النفس هو من يذهب إليه - إلي الجنون - بكل أسف !

                عشت الحالة كأنها أنا
                و كأني هي .. فرأيتك - سيدي - و رأيت بطلك !

                قبلاتي أستاذي
                sigpic

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  نغترب عن أنفسنا أحيانا
                  أنا شخصيا اغتربت عن نفسي لفترة وكنت كأني لاأعرفني
                  كنت أتمنى لو انك أفلت عقال الكبت ورتكته يكسر حتى النوافذ ويمزق ثيابه
                  نص فيه الشجن والشجن والشجن
                  تحياتي لك
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • حسن لشهب
                    أديب وكاتب
                    • 10-08-2014
                    • 654

                    #10
                    مساء السعادة أستاذ ربيع
                    نعم هي حالة حزن وصدمة ومرارة ، نستشعرها جراء حياة الزيف والبعد عن طبيعتنا الإنسانية ، حياة حولتنا إلى كائنات مدمنة للتواصل عبر عوالم افتراضية تاهت بين ثناياها أرواحنا وضاعت في شبكتها ماهيتنا وطبيعتنا الاصلية .ألم يقل عنها روسو أنها خيرة وما أفسدها إلا الحضارة ، فبقدر بعدنا عن الطبيعة وتعلقنا بالصناعي والمزيف نفقد نزوعنا للخير والحب والعشق .فالجنون هنا رفض للعبث واللاعقلي الذي صار يسيجنا بكل قسوة وجبروت .
                    وما افتراض بطلنا العيش قرب بحيرتي اسلي وتسليت إلا تجسيد لهذا المنحى.
                    والبحيرتان توجدان بالجنوب المغربي وتحكي الأسطورة عن شاب وشابة من قبيلتين بينهما عداوة عشقا بعضهما بجنون لكن القبيلتين امتنعتا عن تتويج هذا الحب بالزواج فانزوى كل واحد منهما يبكي حظه حتى وافتهما المنية وتشكلت من دموعها البحيرتان.
                    شعر الاهل بفداحة الجرم في حق الشابين فتم الصلح وعقدوا العزم على الاحتفال كل سنة بذكرى العاشقين بإقامة موسم الخطوبة لتزويج الشباب وهو موسم الخطوبة باملشيل وهي قرية أمازيغية بالجنوب المغربي.
                    رغبة البطل إذن هي العودة للأصل والطبيعة وتحطيم المزيف والقرب من الناس.
                    طاب لي الحوار معك أستاذ ربيع
                    كن بخير وسعادة أيها الرجل الطيب العزيز
                    التعديل الأخير تم بواسطة حسن لشهب; الساعة 21-09-2017, 02:19.

                    تعليق

                    • حسن لشهب
                      أديب وكاتب
                      • 10-08-2014
                      • 654

                      #11
                      شكرا لمرورك وعنايتك بقراءة هذا النص
                      أشكال التعبير والمعالجة تختلف عند الكتاب فقد تصور الكاتب أن تكسير الهاتف كرمز دال على تفكك العلاقات الإنسانية وغياب التواصل كاف لتبليغ الفكرة .
                      وتبقى فكرتك لها أهميتها وقيمتها ربما لزيادة جرعة الحالة الدرامية.
                      شكرا

                      تعليق

                      يعمل...
                      X