روعة الجنون
مرة أخرى عاودته نوبة عارمة للصياح...
لم يكن يعبأ كثيرا بالكلام...
في صمته تحلق الرغبة الدافقة كالسيل لتشكيل قلقه الغامض وصياغة سخطه على العالم...
«هذا لا يليق أمام الناس»…
يغلي صدره لحد الاختناق؟ ما السبيل لنقل ذلك إلى الآخرين؟ !
أيا كان المخاطب ؟
ليكن واحدا من المارة، سيتعلق بذراعه بكل توسل ولهفة ليقول كل شيء، بلا خوف ولا وجل !!.
مؤكد أنه سيوضع تحت المجهر...أحكام لا تخطر ببال.. سكير، أو مجنون خارج لتوه من المارستان… لا يهم!
ربما سيجد في الكلام سبيلا لتحقق الممكن.
يزداد لهب النار اشتعالا، ترتفع حرارة الجسم. وكأنه موجود من أجل الاحتراق !!
يعتصر الألم دواخله، يتألم ولا يتكلم…
مجرد كائن ليس أكثر…
يشعر بثقل وحدته وسط الجموع ...
الوجوه التي يلاقيها لا تشبهه …
يغلفها وجوم منغلقة مرعبة باردة ، تبدو مثل أقنعة لأجساد تتآكل بصمت ، مستسلمة لمصيرها وكأن ما يحدث محتم كاسح كالصخر النازل من المجهول،
وجوه كائنات يسكنها الفراغ. ..
أحس بالألم يعتصر خلاياه ،انقبضت عضلات القلب ، وكأنه تجمد وغلفته برودة غامضة… ، صار حجرا صغيرا، ..تقطعت أنفاسه ...
كل هذه الوجوه ومع ذلك لم يجد توأما ولا شبيها... كل ما يجري مؤلم قاهر، وكل ما تنقله العين مقلق كاسح للفكر وقاتل للأمل...
ولا سبيل لقتل هذا الألم إلا بالألم.
وانطلق يجري بشكل جنوني، تقطعت أنفاسه على إيقاع خفقان القلب،عسى أن يمكنه ذلك من الصمت…
وهذا هو الأهم في هذا العالم الموبوء !!
تجول عبر الشوارع وهو على هذا الحال كسير الفؤاد
كالح البال...
اقتنى زجاجة خمر رخيص عساها تكون بردا وسلاما وبلسما للجراح.
إذا كان الهرب بعيدا يستلزم مزيدا من الجهد والعناء، عساه الآن يهرب بخياله...
كل الأشياء تبدو غريبة...هو أيضا بات غريبا عن ذاته...
في لحظة ما وجد نفسه بعيدا عن المساكن والناس، لاحت في الأفق مساحات خضراء مقفرة.
أخرج قنينته وراح يرشف منها جرعات متفاوتة...
شعر بقدر من الحسرة حين أدرك بأنه لم يعد يمسك من الحياة إلا الوعي بخلايا دماغه تمتلئ بالدفء بقدر ما تتوالى الجرعات…
شيء رائع، هكذا يقول دائما.
فوق ربوة تشرف على ما يحيط بها من فضاءات جلس، وأطلق ناظريه يغازل الأفق...
بقي على هذا الحال ساعات، بينما كان مفعول الكحول يفتح الأبواب لأفكاره المجنونة...
سائحا فوق جبال إملشيل، مربي ماشية بأنفكو، ناسكا قرب شلالات تودغى أو بمحاذاة بحيرة تسليت...
عسى أن يجد السكينة بين بسطاء الناس الطيبين،..
لم يعد يطيق حياته وضغطها العالي، وحياة الناس المثيرة للشفقة. !!
ومع إطلالة نور الفجر عاد في اتجاه مسكنه منهكا،
منكسر القامة…
مكتئبا…
خطواته متمايلة قليلا ونكس رأسه غير مبال بما حواليه.
في طريقه عرج على الشباك الأوتوماتيكي وأخرج كل مدخراته المالية وبكل عزم سار نحو مسكنه.
داخل الشقة انهمك في جمع بعض الثياب وضعها في حقيبة كانت ملقاة على الأرض.
بالغرفة الأخرى كان السرير بالأغطية المكومة فوقه يلخص واقع الحال.
بجانبه مرمدة امتلأت بأعقاب السجائر فاض رمادها وغطت مخلفاتها الهاتف النقال، التقطه وشرع يكتب رسالة إلى أشخاص يهمه أمرهم، ربما لأنهم أحبوه، أو صادقوه، أو قبلوا به لذاته...
- لا تأبهوا لحالي، سأكون بخير
- وحين علت الشاشة عبارة
«message envoyé»
ضرب الهاتف بالأرض تناثرت الأجزاء، نظر إليها هنيهة ثم شرع في إكمال تكسيرها بقدميه بعنف.
بعد برهة أغلق باب الشقة وراءه، شعر بأنه قد خلف وراءه حياة بدأت مرارتها تختفي على إيقاع خطواته المنتظمة وسط الجموع والناس.
لم أعد أحترق، أنا الآن موجود لأنني مجنون
وهذا شيء رائع..
هكذا قال
وعلت وجهه ابتسامة.
حسن لشهب
تعليق