من مقدمة أبي منصور الثعالبي لكتابه الفذ: فقه اللغة وسر العربية.

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    من مقدمة أبي منصور الثعالبي لكتابه الفذ: فقه اللغة وسر العربية.

    قال أبو منصور الثعالبي رحمه الله تعالى :

    "من أحبَّ اللهَ تعالى أحبَّ رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خيرُ الرسل، والإسلامَ خيرُ الملل، والعربَ خيرُ الأمم، والعربيةَ خيرُ اللغات والألسنة، والإقبالَ على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار.

    ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، التي هي عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحسبة.

    ولمَّا شرفها الله تعالى عزَّ اسمه وعظَّمها، ورفع خطرها وكرَّمها، وأوحى بها إلى خير خلقه، وجعلها لسانَ أمينه على وحيه، وخلفائه في أرضه، وأراد بقضائها ودوامها حتى تكون في هذه العاجلة لخيار عباده، وفي تلك الآجلة لساكني جنانه ودار ثوابه، قيَّض لها حفظة وخزنة من خواصه من خيار الناس وأعيان الفضل وأنجم الأرض، تركوا في خدمتها الشهوات وجابوا الفلوات ونادموا لاقتنائها الدفاتر وسامروا القماطر والمحابر، وكدّوا في حصر لغاتها طباعهم، وأشهروا في تقييد شواردها أجفانهم وأجالوا في نظم قلائدها أفكارهم، وأنفقوا على تخليد كتبها أعمارهم، فعظمت الفائدة وعمَّت المصلحة وتوفّرت العائدة، وكلما بدأت معارفها تتنكَّر أو كادت معالمها تتستّر أو عَرَض لها ما يشبه الفترة ردَّ الله تعالى لها الكرَّة فأهبَّ ريحها ونفَّق سوقها بفرد من أفراد الدهر أديب ذي صدر رحيب وقريحة ثاقبة ودراية صائبة ونفس سامية وهمَّة عالية، يحبُّ الأدب ويتعصَّب للعربية، فيجمع شملها ويكرم أهلها ويحرِّك الخواطر الساكنة لإعادة رونقها ويستثير المحاسن الكامنة في صدور المتحلين بها ويستدعي التأليفات البارعة في تجديد ما عفا من رسوم طرائفها ولطائفها (...)" [من مقدمة كتاب "فقه اللغة وسر العربية" لأبي منصور الثعالبي رحمه الله تعالى].
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

  • ناريمان الشريف
    مشرف قسم أدب الفنون
    • 11-12-2008
    • 3454

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة حسين ليشوري مشاهدة المشاركة
    قال أبو منصور الثعالبي رحمه الله تعالى :

    "من أحبَّ اللهَ تعالى أحبَّ رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خيرُ الرسل، والإسلامَ خيرُ الملل، والعربَ خيرُ الأمم، والعربيةَ خيرُ اللغات والألسنة، والإقبالَ على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار.

    ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، التي هي عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحسبة.

    ولمَّا شرفها الله تعالى عزَّ اسمه وعظَّمها، ورفع خطرها وكرَّمها، وأوحى بها إلى خير خلقه، وجعلها لسانَ أمينه على وحيه، وخلفائه في أرضه، وأراد بقضائها ودوامها حتى تكون في هذه العاجلة لخيار عباده، وفي تلك الآجلة لساكني جنانه ودار ثوابه، قيَّض لها حفظة وخزنة من خواصه من خيار الناس وأعيان الفضل وأنجم الأرض، تركوا في خدمتها الشهوات وجابوا الفلوات ونادموا لاقتنائها الدفاتر وسامروا القماطر والمحابر، وكدّوا في حصر لغاتها طباعهم، وأشهروا في تقييد شواردها أجفانهم وأجالوا في نظم قلائدها أفكارهم، وأنفقوا على تخليد كتبها أعمارهم، فعظمت الفائدة وعمَّت المصلحة وتوفّرت العائدة، وكلما بدأت معارفها تتنكَّر أو كادت معالمها تتستّر أو عَرَض لها ما يشبه الفترة ردَّ الله تعالى لها الكرَّة فأهبَّ ريحها ونفَّق سوقها بفرد من أفراد الدهر أديب ذي صدر رحيب وقريحة ثاقبة ودراية صائبة ونفس سامية وهمَّة عالية، يحبُّ الأدب ويتعصَّب للعربية، فيجمع شملها ويكرم أهلها ويحرِّك الخواطر الساكنة لإعادة رونقها ويستثير المحاسن الكامنة في صدور المتحلين بها ويستدعي التأليفات البارعة في تجديد ما عفا من رسوم طرائفها ولطائفها (...)" [من مقدمة كتاب "فقه اللغة وسر العربية" لأبي منصور الثعالبي رحمه الله تعالى].
    السلام عليكم وبعد
    مقدمة غاية في الروعة ...
    وهذا الجمال هو الذي قادني لأن أنقل بعض ما جاء في فقه اللغة للثعالبي لتعم الفائدة من جهة وندرك جمال هذه اللغة العظيمة
    في موضوع ( من كنوز اللغة العربية )
    تحية ... ناريمان الشريف
    التعديل الأخير تم بواسطة ناريمان الشريف; الساعة 14-09-2019, 12:14.
    sigpic

    الشـــهد في عنــب الخليــــل


    الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

    تعليق

    • حسين ليشوري
      طويلب علم، مستشار أدبي.
      • 06-12-2008
      • 8016

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ناريمان الشريف مشاهدة المشاركة
      السلام عليكم وبعد
      مقدمة غاية في الروعة ...
      وهذا الجمال هو الذي قادني لأن أنقل بعض ما جاء في فقه اللغة للثعالبي لتعم الفائدة من جهة وندرك جمال هذه اللغة العظيمة
      في موضوع ( من كنوز اللغة العربية )
      تحية ... ناريمان الشريف
      وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
      أشكر لك، أستاذة ناريمان، بعثك الموضوع وقد تجاهله الناس وأنا أتعجب من "محب" للغة لا يعجبه كلام أبي منصور الثعالبي، رحمه الله تعالى، فلا يعلق عليه بكلمة ولا يعيد نشره في المنتديات ولاسيما التي تدّعي اهتماما باللغة العربية.
      ولا يعرف فضل أهل الفضل إلا ذوو الفضل وأنت منهم حتما.
      بارك الله فيك وزادك من فضله، اللهم آمين يا رب العالمين.
      تحيتي إليك وتقديري لك.

      sigpic
      (رسم نور الدين محساس)
      (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

      "القلم المعاند"
      (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
      "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
      و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

      تعليق

      • عمار عموري
        أديب ومترجم
        • 17-05-2017
        • 1300

        #4
        واضح قول الثعالبي بأن حب العرب متعلق بنزول القرآن بلغتهم ووجود النبي (ص) منهم
        لكن من المهم جدا أن نفتح قوسين معقوفين بعد كلمة "العرب" لتوضيح المقصودين بها، وهم بلا شك كما جاء في السياق : [من أحبَّ العربية (و) عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها] ومن الغريب أن ينطبق هذا الوصف أكثر على غير العرب أمثال سيبويه وابن جني والزمخشري والجرجاني...

        مع تحيتي الجميلة أخي الحبيب الموسوعي حسين ليشوري.

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
          واضح قول الثعالبي بأن حب العرب متعلق بنزول القرآن بلغتهم ووجود النبي (ص) منهم
          لكن من المهم جدا أن نفتح قوسين معقوفين بعد كلمة "العرب" لتوضيح المقصودين بها، وهم بلا شك كما جاء في السياق: [من أحبَّ العربية (و) عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها] ومن الغريب أن ينطبق هذا الوصف أكثر على غير العرب أمثال سيبويه وابن جني والزمخشري والجرجاني...
          مع تحيتي الجميلة أخي الحبيب الموسوعي حسين ليشوري.
          ولك أجمل تحياتي أخي الحبيب الناقد المدقق عمّار عمّوري.
          سرني تعليقك المفيد والإضافة الدقيقة.
          نعم، لقد زرع الله تعالى حب العربية في غير العرب فانشغلوا بها تعلُّما ودراسة وتوسعا وتعليما وتوسيعا أكثر من العرب أنفسهم الذين صاروا، في غالبيتهم الساحقة الماحقة، أعجم في لسانهم من الأعاجم و لله في خلقه شئون.
          شكرا على التفاعل المثري.
          تحياتي إليك ومحبتي لك.

          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          يعمل...
          X