زبيدة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    زبيدة

    زبيدة
    رغم أنّني على عجلة من أمري فلا أملك من الحلول غير الانتظار، الموعد محدّد في الخامسة مساء، أمامي وقت طويل، فالحادية عشر هي ملتقى عقارب الساعة اللحظة، أحيانا يمعن الزّمن في البطء فيكون خير معبر عن تعلقنا بتمديد عمر المعاناة، سادية غريبة تلك التي تحملها الشاشات، رغم أنّني فضّلت المكوث في الفراش حتى وقت متأخر هذا الصباح ليقيني أن الشّاشة ستعكر مزاجي في يوم أرجو فيه صحوا كاملا، لذلك اكتفيت بمجرد إطلالة فيسبوكية، الوضع محتقن كالعادة، كلّ زرع همّه في مخيلتي، ألا تعلمون أنّني قرّرت منذ اليوم تغيير حياتي والاكتفاء بهمومي، حتّى همومي أنا في شوق لتطليقها، ألا تجد هذه الهموم أضحية تنحرها غير راحة بالي؟ قديما قال أحدهم، إن كان مآل الصداقات الخصام بعد تضّحيات متلاحقة فلم لا يكون خير الشّر عاجله؟ سيكون حلاّ مناسبا شطب تلك الصّداقات التي تجتهد في إثقال حمولتي من الهموم، وتفرغ خزائن وقودي المنعش للآمال.
    امتدت يدي إلى العود، انطلقت أنغام طالما جعلتها خير مهدّئ لرغبة تدمير ما يطوّقني، أجد في تموجات الألحان مسارح ممتدّة تسرح عبرها نفسي التواقة لأمكنة رحبة خالية من حمّالات السأم.
    ركبت موجة نغمة فطافت بي ربوع الجمال، كانت تسابق طيات الماء بمحاذاة الشاطئ و تجاري حلم النوارس المحلقة ، الرّحلة ممتعة سقطت فيها فرامل الزمن، حطت بي على رمال ذهبية تؤثثها صدفات زمرّدية، هناك وجدت زبيدة في ثوب جديد، قلت في دهشة: "أين خبأت هذا الحسن كلّه؟" وضعت أصبعها على شفتيها في إشارة أن الكلام زائد عن الحاجة، هنا الأرواح وحدها تتواصل، ليست بحاجة للبيان، كانت الرقصة رقصة حقيقية أحسست أنّني أفقد سمنتي، وبالي خيف خفّة النواس التي ارتقينا إلى علوها تداعب أجسادنا أطياف نسائم آتية من عمق المحيط، سمعت زغاريد الأسماك تبارك هذه الاحتفالية غمزت الشمس غمزة لطيفة في عين زبيدة بعدها توقفت ذاكرتي و ما عدت أذكر تفاصيل الرّحلة.
    دقت الخامسة تماما، حين دخلت المقهى المطلّ على الشاطئ، زبيدة تحتسي قهوة سوداء قالت وسحنة داكنة تعتري وجهها:
    ـ تأخرت، حتى ظننت أنك لن تأتي، أم أنك لن تغير هذه السّاعة البطيئة.
    ـ سأفعل وسيكون اليوم هو آخر عهدي بها، أريدك أن تختاري لي ساعة تكون على قدر ذوقك الجميل.
    ـ إن كنت تثق بذوقي فلماذا مسحت صداقتي على صفحتك، في يوم مصيري كهذا.
    ـ معذرة، ما انتبهت إلى الأسماء، جاءني خاطر فمسحت المشاركات التي تثقل كاهلي، هل حظرتك فعلا؟
    ـ وقبل أن تفعل أرسلت رسالة تؤكد فيها عدم رغبتك في زيارتي لصفحتك.
    ـ ألم أقل لك أنّني ما انتبهت للأسماء.
    ـ هل أسأت إليك في شيء؟
    ـ لا، أنت حياتي ومناي، وتعرفين إصراري منذ مدّة على التعجيل بزواجنا.
    ـ ما فعلته اليوم مؤذ جدّا. حسبتك جئت لوضع نهاية لعلاقتنا. ما الذي أزعجك في مواضيعي؟
    ـ لا شيء ربما هناك خطأ ما.
    ـ أنت بحاجة إلى طبيب.
    التحق النّادل بالطّاولة "أظنك تفضّل عصيرا كما العادة"، قامت زبيدة، وضعت ورقة نقدية في يده، حقيبتها تتأرجح مع يدها وهي تغادر المقهى. رجعت عيناي إلى النادل: " قهوة سوداء".
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    #2
    صباحك جميل جمال هذه التحفة الأدبية التي استمتعت بقراءتها هذا الصباح.
    ما أجمل متابعة سردك وأنت ترسم بالكلمات أفكار ومشاعر البطل بسلاسة وبساطة سوء التفاهم quiproquo الذي قلب كل شيء رأسا على عقب.
    هي هكذا الحياة مجرد أحداث بسيطة تغير مجرى حياتنا أو لعلها تعيده الى فوضاه المعتادة .
    استمتعت بالقراءة لك أخي نور الدين .
    عسى أن تكون بخير مستمتعا بأجواء العطلة.

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      أهلا وسهلا بالعزيز حسن لشهب

      ذكرتني بشريط مصري قديم عنوانه الأخطاء البسيطة، نعم أحيانا تبنى المواقف على أشياء غاية في البساطة.

      أجواء العطلة جميلة لكن الحرارة مفرطة.

      دمت بخير أستاذي

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        عطلة أو بدونها نص جميل
        أحببت سرعة جريان النص وسلاسته
        وزبيدة كانت كأنها قطعة سكر أذابتها حرارة الجو
        نحن والفيسبوكيات ونشرة الأنواء التي تنذر بعاصفة حاميه
        صباحك ورد
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          الأستاذة عايده

          شكرا تواصلك المستمر وما حظيت به النصوص من عناية

          تقديري

          تعليق

          • محمد شهيد
            أديب وكاتب
            • 24-01-2015
            • 4295

            #6
            زبيدتك رأيتها نقيض زبيدة هارون الرشيد. الأولى أخرجت ورقة للنادل كي تشتري بها خلاصها من الورطة؛ في حين أن الثانية دفعت أموالا خيالية لاسترجاع خاتم زوجها كان قد خسره في رهان مع شاعر تحدى الرشيد في وصف الذئب: "ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بالأخرى المنايا فهو نائم يقظان"

            شتان بين الزبيدتين وحمدا لله على سلامتك.

            تعليق

            • سميرة رعبوب
              أديب وكاتب
              • 08-08-2012
              • 2749

              #7
              سرد في غاية الجمال، والانسيابية...
              مواقف بسيطة قد لا يكترث لها المرء وتصدر عنه بدون قصد يفسرها الآخر تفسيرا سلبيا يحدث خلافا وسوء فهم
              وتكون النهاية قهوة سوداء.!

              إليك التحية والتقدير أخي الأستاذ نور الدين.
              رَّبِّ
              ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا




              تعليق

              • عبير هلال
                أميرة الرومانسية
                • 23-06-2007
                • 6758

                #8
                لا أعرف ولكني متذكرة أنه مل الفيس وجلس يعزف
                ثم أخذته الذكريات لزبيدة ، أم ان لقاءه مع زبيدة
                تم بعد ذلك؟؟

                القصة جميلة

                بورك يراعك

                وأحتمل سؤالي
                sigpic

                تعليق

                • داليا السيد
                  أديب وكاتب
                  • 06-12-2017
                  • 18

                  #9
                  جميل هو هذا الاسترسال و السرد السريع مع عمق المشاهد و التعبيرات ...احببت ايضا الموضوع الذى تناغم مع مشاهد العصر من خلافات نتجت عن الفيسبوك او غيره من وسائل التواصل...تحياتى و تقديري استاذ نور الدين

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    هي الحياة بكل ما تحمل و ما تعني
                    أرواح و أنفاس و أجساد
                    خير و شر
                    سليم و لئيم
                    لا انتقاء و إن حاولت الفعل .. فلن تكون سوى خاسر
                    و ربما خسرت أجمل ما تحمل .. وهي الحياة
                    دع السأم و الضجر جانبا طالما كنت واعيا و تعيش زمنك !

                    شذرات من أيقونة جميلة اسمها زبيدة
                    بعيدة الغور عميقة
                    ولو كانت قفلتها " قهوة سوداء " لاعادة القراءة باللونين !

                    قبلاتي سيدي
                    sigpic

                    تعليق

                    • نورالدين لعوطار
                      أديب وكاتب
                      • 06-04-2016
                      • 712

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد شهيد مشاهدة المشاركة
                      زبيدتك رأيتها نقيض زبيدة هارون الرشيد. الأولى أخرجت ورقة للنادل كي تشتري بها خلاصها من الورطة؛ في حين أن الثانية دفعت أموالا خيالية لاسترجاع خاتم زوجها كان قد خسره في رهان مع شاعر تحدى الرشيد في وصف الذئب: "ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بالأخرى المنايا فهو نائم يقظان"

                      شتان بين الزبيدتين وحمدا لله على سلامتك.
                      ما أجملك، ذكرتني بزبيدة ومسرور وبنت الطيان و نور الشريف.
                      هذه الزبيدة هي هذا العالم الذي يصعب أن يفهمك و تفهمه، هذا العالم الذي يعاني فيه الناس من الضغط الرهيب، فتجده مستعدا للدفع بالخطوة السلبية إلى أقصاها مع كل سوء تفاهم بسيط.

                      تعليق

                      • نورالدين لعوطار
                        أديب وكاتب
                        • 06-04-2016
                        • 712

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة سميرة رعبوب مشاهدة المشاركة
                        سرد في غاية الجمال، والانسيابية...
                        مواقف بسيطة قد لا يكترث لها المرء وتصدر عنه بدون قصد يفسرها الآخر تفسيرا سلبيا يحدث خلافا وسوء فهم
                        وتكون النهاية قهوة سوداء.!

                        إليك التحية والتقدير أخي الأستاذ نور الدين.
                        شكرا على هذه القراءة الجميلة و شكرا أن وقفت على مقصد النص.
                        مسرور بوجودك هنا.
                        تقديري

                        تعليق

                        • نورالدين لعوطار
                          أديب وكاتب
                          • 06-04-2016
                          • 712

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
                          لا أعرف ولكني متذكرة أنه مل الفيس وجلس يعزف
                          ثم أخذته الذكريات لزبيدة ، أم ان لقاءه مع زبيدة
                          تم بعد ذلك؟؟

                          القصة جميلة

                          بورك يراعك

                          وأحتمل سؤالي
                          نعم هكذا كان الأمر
                          عزف على وتر العود فأضاء له دنيا الطرب
                          فبقي هناك متخلفا عن موعده
                          ولما جاء حدث ما كنت تعلمين

                          أسعدني حضورك
                          وسؤالك أكثر
                          و ممتن للقراءة والتعليق

                          تحية تليق بالأميرة عبير

                          تعليق

                          • نورالدين لعوطار
                            أديب وكاتب
                            • 06-04-2016
                            • 712

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة داليا السيد مشاهدة المشاركة
                            جميل هو هذا الاسترسال و السرد السريع مع عمق المشاهد و التعبيرات ...احببت ايضا الموضوع الذى تناغم مع مشاهد العصر من خلافات نتجت عن الفيسبوك او غيره من وسائل التواصل...تحياتى و تقديري استاذ نور الدين
                            مرحبا بك في ملتقى الأدباء والمدعين العرب
                            جميلة رؤيتك ونباهتك
                            و أتمنى أن أجدك دوما بالقرب

                            أجمل التحايا

                            تعليق

                            • نورالدين لعوطار
                              أديب وكاتب
                              • 06-04-2016
                              • 712

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                              هي الحياة بكل ما تحمل و ما تعني
                              أرواح و أنفاس و أجساد
                              خير و شر
                              سليم و لئيم
                              لا انتقاء و إن حاولت الفعل .. فلن تكون سوى خاسر
                              و ربما خسرت أجمل ما تحمل .. وهي الحياة
                              دع السأم و الضجر جانبا طالما كنت واعيا و تعيش زمنك !

                              شذرات من أيقونة جميلة اسمها زبيدة
                              بعيدة الغور عميقة
                              ولو كانت قفلتها " قهوة سوداء " لاعادة القراءة باللونين !

                              قبلاتي سيدي
                              أستاذي الغالي

                              سرعة الانتقال هذه من طرف إلى طرف نقيض هي من أعظم البلايا
                              الكثير من الجهد يصرف في التبرير دون أن تنال البراءة
                              وحقيقة كنت أتساءل من يمنحك هذه البراءة، ربما تطلب شيئا من شخص لا يعرفه، وفاقد الشيء لا يعطيه.
                              لكن كما قلت سيدي، ستخسر أخيرا متى فقدت الاندماج لذلك خذ المسالة كما يسلم بها المجتمع رغم أن ذلك مؤلم للروح.

                              تحية و احترامي الكبير

                              تعليق

                              يعمل...
                              X