نص خفيف يمكن أن نعتبره قصّة طويلة أورواية قصيرة
البداية
صباحا توجهت صالحة نحو محطة الحافلة التي تقلها بمعية المستخدمين ، مرت بجانب السوق الشعبي الذي دبت حركة الباعة فيه قبل وصول الزبناء ، فهمّت بالمرور لولا أن جذبتها إليه قوة خارقة وشوق جارف دام لأسبوعين ، كل مساء تخترق باحاته و هي تقتني بعض حاجاتها ، كلما مرت برحبة السمك علا صياح بائع الأعشاب الستيني ، بلهجته الغريبة المزعجة " كزبرة ، ليمون يا محبي الأسماك " .
عيناها تتفرسان الرحبة لعل صورته تظهر، تكاد ترى بقلبها العاشق عينيه البراقتين و وجهه الباسم المتخفي وراء لحيته غير المهذبة و صلابة عضلاته و ملابسه الخشنة و هو يوزع الصناديق على الباعة من محل التبريد ، مالت خطواتها جهة المخزن مطلة بوجهها المشرق من باب حديدي عتيد فاتح لدفتيه ، عيناها لم تتوجعا من رؤية السمك و سبابتها لم تتسلل لفرك أرنبة أنفها ، أطالت النظر فكاد يصدمها حامل الصندوق مطلقا صيحة تنبيه أن أفسحي الطريق يا فتاة ! استيقظت على صرخته الحادة فوجدت نفسها واقفة متسمرة أمام المخزن ، طافت ببصرها لتجد بائع الأعشاب يحدق نحوها بعينيه الغائرتين ، وقد تعودت على غمزه الخفيف كلما قطع عليها ناصر الطريق ، كان يطلق صوته عاليا " ليمون ... بقدنوس... كزبرة ... "
انتشلت جأشها المبعثر و حركت قدميها المتثاقلتين ، عاودت النظر إلى المحدق نحوها فأرعبها وجه سطرت الحاجة معالمه ، و تلذذ نحل السنين بامتصاص رحيق ملاحته . فكرت بالرد على تجسسه وتعقبه لحركاتها ومحاصرته لعفوتها و لعنفوان رغبتها ، قطبت جبينها وهمت برشق فضوله بلعنات تضخمت على طرف لسانها لولا دين على عاتقها لجم سخطها . احست بيد غادرة تمتد نحو محارمها و الحرارة تجتاح جسمها والعرق يندي جسدها الملتهب و هي بين دهشة و فتور، رمشة عين على استدارتها كانت كافية ليستل الصعلوك من يدها محفظتها مبرزا في وجهها مدية من وراء سترته كبحت فيها طلب النجدة ، لكن صوتا نشازا تلألأت نبراته المميزة مستصرخة ، فإذا بصندوق ناصر يهوي على رأس السارق فتناثرت أسماكه فوق جثته قبل أن يتنفض هاربا ، ويد قوية تمد المحفظة لها و لم تنتظر تمتة شكر من شفتيها المتراقصتين المثقلتين بجفاف ريقها .
تحركت صوبه بخطوات حازمة و لسانها يفصح عن غضبها : " وقوفك بجانبي يومها لا يمنحك وصاية علي ، فرغم طيبوبتي فأنا أنتقم لشرفي ." رد عليها ببرودة: " ربما افتقدك هو أيضا ، إن أباه مصاب بوعكة صحية .. " ما إن أتى ذكره على لسانه حتى تفتحت شهية مسامعها و طارت ظلمة انتقامها ، و رأت الوجه المرعب فانوس نور تشع من خلاله صورة من لم تتصور أنها أضحت معلقة بأهداب عيونه ، وطالبة لإشراقة طلعته ، أربكتها اللهفة فسألته : " متى سيعود ؟" تبسم بخبث فأحست بتسرعها في إفشاء مشاعرها لرجل غريب ، بل لشخص بشع وقح ، علت حمرة وجهها بعد سماع جوابه المقيت بسخرية : " هائمة إذن يا عصفورة!" تتابعت خطواتها تاركة السوق و في حلقها غصة تخنق أنفاسها ، لعام كامل استطاعت أن تكتم سرها و تحكم كبح اندفاعها ، ربما تراخت حبال ألجمتها و أصبحت نزوتها تقودها ، تذكرت الحافلة و خطفت نظرة إلى ساعتها ، آه هذا وقت الحافلة ، بدأت توسع خطواتها و تزيد من سرعتها ، عند المنعطف رأت الناقلة تغادر المحطة فازداد حنقها وغضبها ، يجب أن تدفع لسيارة الأجرة . ضربت كفا بكف و هي تتأفف من تعثر حظها ، فالعربات لا تكثرت لإشاراتها و الدقائق تتابع مهرولة ، تهيأت لها صورته أمامها فبصقت في وجهه المنكوث ببقع رمادية و كاد صوته المزعج يصعق كبرياء ثباتها ، حوقلت و تعوذت من شر رؤيته صبحا ، و أقسمت أن لا تعود إلى ما فعلته اليوم ، كان عليها أن تستقبل الحديقة بدل السوق الشعبي ، فلربما منحتها زهورها حظا موفقا .
توقف المصعد و فسح الباب فتحة أمامها و عقب حذائها يحدث صوتا مزعجا تمنت لو يصمت قليلا فتتسلل إلى مكتبها دون لفت الانتباه ، فالتفاتة الموظفين تزعج مشيتها ، و تضطرها إلى افتعال بسمة وقاية من تأثرها بنظراتهم الحاملة لعلامات تعجب و استفهام ، أخيرا وصلت إلى كرسيها و ضغطت على زر الحاسوب لكنه تأخر في الاستجابة لتمد يدها إلى الهاتف فور تراقص رناته ، صوت من مكتب الضبط يأمرها بالتوجه إلى الإدارة ، قامت و مزاجها ملتهب ، تحاول ترتيب الأعذار عن تاخرها ، تحاول اختراع كذبة بيضاء تنجيها من شطط القانون المذل ، خمسة عشر شهرا وهي تناضل من أجل قطف شهادة الأهلية و الترسيم كمحاسبة ، نقرت نقرة خجولة على باب الإدارة فسمعت همس المدير : " تفضلي.. " وقبل أن ينطلق لسانها بالسلام ، قال في حزم : " ما سبب تأخرك لساعة ونصف الساعة ؟" ردت وهي تكابر قشعريرة دبت في أوصالها : " من فضلكم سيدي ، أمي مصابة بالزكام . و..." ازداد منسوب النبرة الجافة من المدير : "هذا ليس عذرا يا صبية ، لماذا لم تهاتفي الشركة لتتخذ الإجراءات الضرورية ؟ أتعلمين أن دقائق من الإهمال كافية لتصيب الشركة بالإفلاس ؟ أنت لست أهلا لهذا المنصب ." ردت و الدموع تسيل من منابعها و تتجمع على أطراف جفونها . " سيدي لن أكرر ما فعلت ، ولكم الفضل في قبول طلبي للترسيم أنتم و رئيس مجلس الإدارة ، كما أنني لم أخطئ طيلة المدة التدريبية و أنتم يا سيدي أدرى بكفاءتي في عملي .." فقاطع لسانها الذي بدأ يتحرر من عقده : " انظري هذا قرار الاستغناء عن خدماتك ، لا مجال للتساهل ، قانون السوق ربح أو خسارة ...." صاحت في وجهه شاكية من الظلم الذي لحقها ، والتعسف الذي بخس مجهوداتها ، و القسوة التي قوبل بها تفانيها ، و التجاهل الذي أبدته الإدارة لمطالبها منذ وطئت أرض الشركة . فرد عليها المدير : " أتعلمين أن رئيس مجلس الإدارة يوجد في حالة عجز ، و قد كلف ابنه بشغل منصبه لأنه المساهم الأول في الشركة ، أتعلمين أنه عقد اجتماعا مع كل الموظفين والمستخدمين و أنت لا تزالين تغطين في فراشك ، أتعلمين أولى تعليماته أن لا تساهل إلا بعذر مقبول ناتج عن سبب قاهر . " علا صياحهما فاقتحم عليهما ناصر المكتب ، نظر نحوها و العجب يرتسم على ملامحه ، إنها صالحة بلحمها ودمها وجمالها الفتان ؟ كيف تصرفت هكذا مع المدير ؟ كيف امتدت يداها إلى الأوراق تمزقها ، أصابتها الدهشة و هي تنظر إلى ناصر في حلة جديدة و وجه حليق و المدير يتملقه و بين الكلمة و أختها يفخم سيدي الرئيس ، كادت ركبتاها تفشلان في دعم وقوفها ، غطت وجهها الملطخ بالدموع بكفيها مطأطئة رأسها ، توجهت منحنية نحو الباب ، والمدير لا يزال يذكر مساوئها لرئيسه الجديد الممسك عن الكلام ، في الشارع بالكاد تتبين ملامح العالم و صوت بائع الكزبرة يتردد في أذنيها و هو ينطق آخر كلماته : " مخبول و مخبولة ."
2 .....دخل إلى مكتبه وضع رأسه بين كفيه ضغط بقوة كأنه يعصر من دماغه آلامه ، يحاول أن يقنع نفسه المجروحة أن لا يد له في مصابها ، فالمدير له من الخبرة ما يجعله يتفطن للذين تتضرر الشركة جراء تصرفاتهم غير المسؤولة ، وشطحاتهم غير الناضجة . حاول عزل شخصية ناصر المحبة عن رئيس الشركة وقائد السفينة التي إن غرقت كانت وبالا على مئات العمال والمستخدمين . تنهد بعمق و نفّس ربطة عنقه و هو يحاول أن يجد تبريرا لهذا الذي يحصل في أول يوم من عمله . كان أبوه يوصيه في أيامه الأخيرة بالمؤسسة خيرا ، مراجعة الحسابات و احترام قرارات الإداريين و أصحاب الاختصاص ، آه لو يستطيع أبوه الكلام اليوم لما غالبه هذا القرار الجائر في حق أقرب الناس إلى قلبه من كل الذين وقعت عليه عيناه في هذا العالم الذي لا يحبه ، و يكره مساطره ، بل وجد في العام الماضي راحة و هو يعيش على الهامش ، حيث يسكن كوخا بجانب البحر يطربه خريره عند المد والجزر ، يستمتع بحلاوة رمال الشاطئ . يغادر مع البحارة بعد منصف الليل لتتم العودة مع بزوغ النور ، كان للبحر طعم خاص ، تجعل ريحه المنعشة بدنه طريا و مشاعره عذراء كل يوم ، يرمي بكل تأوهاته هناك في فضاء اليم ويعود هادئا آمنا مطمئنا ، يتجه نحو السوق يوزع الصناديق على الباعة و يضع الباقي في محل التبريد ثم يغادر عند قدوم الشمس كي يعود مساء عند المغيب ، يكون أمامه اليوم كله ، فيه يستريح وفيه يرقص على إيقاعات موسيقي الطبيعة ، فيه يعانق مياه البحر عوما ، فيه يجد لنفسه المتعطشة للمرح مخرجا من تلك العوالم التي آلمته منذ الصغر ، يبتعد عن كل الذي تحمله تلك الكتب التي كان يسهر الليالي لاستكشاف مخزوناتها ، يعتقد في قرارة نفسه أن كل أولئك العظام و كل هؤلاء العباقرة ، ليسوا سوى أشخاصا عملوا على تعقيد الحياة البسيطة ، بل يرى كل تمظهرات التطور ما هي إلا عقبات توضع في وجه الناس البسطاء و الأطفال الصغار ، يتمعن بعمق ما جدوى الدراسة لمدة قد تصل إلى العشرين سنة ، هل العيش يحتاج إلى كل هذا الزمن المهدور ، و الحمل الثقيل ؟ هناك في فناء البحر وجد الطبيعة تتكلم قاموسا جديدا ، قاموسا عذريا ، قاموسا هادئا ، و هناك وجدت الأسماك لنفسها متنفسا رغم غياب الهواء في القاع . كان جسده هزيلا عندما كان في قاعة المدارس ، وهنا في الفضاء الرحب تمدد وتمطط و تضخم ، أيقن أن العقل مأساة الإنسان فهو من قزم بنيته العملاقة ليتحكم فيه ، إن الإنسان كتلة صراع بين العقل والجسد ، تميل فيه الغلبة للعقل و معها ينهار الجسد والعواطف حيث ميولاته العذرية . زفر زفرة حادة ، يرى عواطفه يكبتها ويقتلها فقط لإعطاء سطوة العقل مكانته المرموقة ، إنها الموازين المختلة ، والاستغلال والاستبداد ، يرى حبيبته تنهار أمامه صاغرة ، و لا يقدم على فعل فقط لأن المنطق لا يزاوج بين العقل والعاطفة ، كم كان هناك حرا طليقا يوم رمى بالصندوق في وجه اللص الذي تجاسر عليها ، كان بائع الكزبرة من أيقظ في نفسه تلك الشجاعة ، إنه نسخة لإنسان متحرر بعد طول صراع ، خبير بمفاصل الحياة ، يقرأ التصرف بسرعة ، إنه إنسان طبيعي يعرف قاموس الجسد العذري حيث تطفو العواطف والميول . لو كان قربه اليوم لكان مصير المدير مختلفا . إذ ذاك سيكون معها و يفتح لها صدره و يختارا العيش البسيط على إيقاعت الطبيعة .
فتح النافذة لعله ينتعش بريح قادمة من البحر يتأمل هذه المدينة الصاخبة يتأمل صواعدها بأعناقها المشرئبة نحو أعالي الفضاء ، حتى البنايات تواقة لاستنشاق عبير الطبيعة و رافضة لازدحام فرض عليها فرضا مقيتا ، أليس الكون فسيحا بما يكفي لاحتضان هؤلاء الذين يحبون التدافع في الزحام ، لكنه العقل من سيطر عليهم و فرض عليهم قواعده المليمترية . وحال بينهم وبين فسحة وهناء هناك ، يستظلان بوريقات الأشجار في الغابات ، يرتشفان كؤوس الشاي في خيام الصحراء ، و يطلان على الفضاء في أعالي الجبال .
" ياله من يوم ثقيل ! " هكذا قال ناصر وهو طوال اليوم يراجع السجلات المكدسة أمامه دون أن يستوعب كل تلك الجداول و المنحنيات ، تبسم حانقا على سنوات الدراسة البعيدة كل البعد عن الممارسة الفعلية ، إنه الآن لا يفقه شيئا في هذه القيادة التي أسندت له يتأمل قائلا : " كان الله في عونكم أيها الركاب عندما يسوق حافلتكم من لم يتمرس بعد على القيادة . ألم تكن حبيبتي أولى الضحايا ؟ هل هناك ما يعادل هكذا مأساة ؟ " فكر أن يطل على سوق السمك لكن مزاجه ليس صافيا ولا يظنه سيكون صافيا يوما ، كما أنه لا يحب الرجوع إلى الوراء ، فالعودة إلى الخلف إهانة للمستقبل وتشكيك بالذات و خياراتها مهما كانت غير صائبة ، فجرح العودة إلى الوراء لا يندمل ، كان أبوه يقول له عندما أحس أنه توجهه التعليمي لم يعد مشوقا كما كان يعتقد :" انت مخبول يا ولدي فلا استمرارية بلا عناد و مكابرة ، فالكل لا يحبون أعمالهم ، فقط يرفضون الاستسلام والعودة إلى الوراء ، فقاوم ستنتصر " لم يجد بدا من المقاومة رغم ما استنزفته من طاقته ، فأحس منذ ذلك اليوم أن القوانين التي وضعت للحياة تغلف و تحتضن ظلما عظيما .
هي في متاهة معتمة تخوض : " يا لهذا الذي كسر ضلوع اللص و هو حثالة ، كيف وافق على طردي بهذه السهولة وهو في أعتى المناصب ، ترى الفضيلة رديفة الضعفاء ؟ ترى المنصب يركب صاحبه منذ يومه الأول ؟ مخبول أنت يا قلبي ، تعلقت بالأعالي ، كنت أتحاشى أن أحبه منذ رأيت هيأته و عدم اهتمامه بمظهره ، كنت أتحاشى أن أنزل من رتبتي رغم وضاعتها و أشارك رجلا يعتمد فقط على بنيته الجسدية لكسب قوته ، كنت تائهة يومها في تساؤلات عديدة ، أحاول من خلالها قهر مشاعري التي لا تزداد إلا اتقادا كلما هممت بكبسها و إحكام الطوق حولها ، و اليوم رأيت كم كنت مخطئة ، إنه ابن رئيس مجلس الإدارة ، بل الرئيس بعينه يعوم في الملايين ، و يمتلك رقاب الكثير من البشر ، أين أنت يا صالحة من هذا ؟ " لم تجد غير الدموع مؤنسا ومواسيا لهذه المعادلة الجديدة كلما خرجت من متاهتها أسرعت بالعودة " يا له من يوم عصيب هذا الذي تكاثفت فيه الأحداث حد الصداع ، لكن ما الحل ؟ إنه العناد والمكابرة ، ألم تكن أمي معاندة جدا حتى مع الأقدار الصعبة ، ألم تتحدث معي طوال الأيام عن نضالها وكفاحها ، ألم يتكسر حبها على صخرة الواقع الفج والأعراف البالية ؟ ألم تسافر وتغادر الوطن لأعوام طويلة ؟ وهناك بنت بيتها و لقنتني أبجديات الحداثة و طعمت روحي بجميل الأصالة ، كنت مخبولة إذ رضخت بالعودة إلى وطني الأم ، لأكون ضحية بائع الكزبرة وحمال الأسماك ، و لص المحافظ النسائية ، و مدير لا يفهم في الإدارة غير العقاب . "
كان اندماجها في هذا الوسط عسيرا ، يوم مات والدها عزمت أمها على العودة إلى الوطن ، أخوها فضل الاستقرار هناك كمسير لمتجر والدهما ، أمها تخلت عن وظيفتها مكتفية بتقاعد نسبي ، وهي استكملت دراستها و قررت مرافقة أمها و تبحث لها عن استقرار في مسقط رأس والديها و الأزمة تلف بلاد المهجر ، و فرص النجاح تزداد في بلادها . تغيرت نظرتها إلى وطنها جملة وتفصيلا ، كانت أيام العطل تقدم صورة كاذبة عن مشاعر الحب والصفاء و التعايش ، إنه صراع طاحن من أجل العيش ، صراع بين الفقراء ، صراع بين النساء في توافه الأمور ، صراع لا يتوقف ، مع الجيران ، في الأسواق ، في الشوارع ، أينما وليت وجهك زكم السب والشتم مسمعك و تلقيت ضربات تحت حزامك ، وطعنات من وراء ظهرك . اليوم تأكدت أن الهجرة هي الحل من جديد كما هربت أمها ذات يوم من حب فاشل ، عليها أن تبحث هي أيضا عن موطئ قدم آمن لا يبخسها حقها ، تبني فيه مستقبلها بعيدا عن هذا الصراع الأجوف . تأملت الوطن يفر منه أبناؤه تباعا ، يا لها من صورة لو فتحت الحدود ، سترى الجحافل تغادر رغم عشقها لهذه الأرض ، لكن شيئا فيها يقض المضجع والراحة ، ليس الخبز وحده ، ليست الرغبة منفردة ، ليست الكرامة و ليس الأمن ، قد يكون الفرد يفر من ثقافة غير قادر على التحرر منها ، وربما أسلوب حياة لم يعد صالحا .
جمعت حقائبها فجاءت أمها تتوسلها أن لا تتسرع في اتخاذ القرار ، فبكت بكاء مريرا " أتعلمين يا أماه لأول مرة أحس نفسي مرتبكة ، ولو استرسل الأمر على هذا النحو سأفقد صوابي كلية ، أتعلمين كم كنت طموحة ؟ كم كنت واثقة من خطواتي ؟ من امتص كل مدخراتي من الصمود ، من عراني من قدراتي دفعة واحدة ، يا أماه ليس للمسألة علاقة برغبة ، بل مجرد انقاذ لروحي من الضياع " صمتت الأم برهة وقالت " إنه التاريخ يعيد نفسه يا بنيتي ، أتعلمين أنني مذ فكرت بالرجوع كنت خائفة عليك ، كما كنت خائفة على نفسي من عدم الاندماج ، يا بنيتي هي الحياة لا تقاس دوما بالنجاح والفشل ، أحيانا نصمد فقط و نتقبل عواقب الخيار و ربما المتاح ، يا بنيتي كنت حانقة كما أنت يوم رفضت عائلته زواجنا ، فثرت و ذهبت إلى أقاصي الأرض ، لا أخفيك أنه طوال غربتي فقدت نفسي التي كنت أعرفها ، التي من أجلها قمت بخياراتي ، لولا صالحة و أخوها حامد ما استطعت الصمود و مواصلة المشوار ، كانت ضريبة الغربة قاسية فقدت فيها تاريخي و صداقاتي و جزءا كبيرا من كياني ، لولا أيام العطل التي تحيي صلتي بجذوري لفقدت كل شيء ، لولا أبوك المثابر لكنتم على شاكلة أبناء الضواحي حيث الجريمة والانحراف ، يا بنيتي لم تكن الحياة يوما سهلة ، يا بنيتي علينا أن نقرأ من تجارب الآخرين لكي لا نضطر كل يوم للبداية من جديد . أنا فخورة بك و لك كامل الاختيار . "
3........بائع الكزبرة أطلق العنان مسافرا عبر تأملاته لما غادرت صالحة سوق السمك : " تراهما يتغلبان على أنانيتيهما ويترجلان من برجيهما العاجيين ليشيدا مجد الحب ، أم أنهما لن يختلفا عن الكثيرين الذين يتوقفون عند أول عثرة ، ناصر طفل في هيئة رجل ، مشاعر خفيفة و صوت هامس ، انسحب مبكرا من الحلبة ، أتكون هذه المدارس هي من تقلم شوكة العزم في الصبيان ؟ أتكون الأجيال مختلفة ؟ جيلنا لا يستسلم أبدا ، قهر الفقر المذقع و المذل ، بنينا الوطن و قد تركه المستعمر خرابا ، أتكون المصائب من تصنع الرجال وتشحذ الهمم ؟ هل أكثرنا من الدلال لأولادنا حتى أضحت طبائعهم مهذبة ، ينسحبون من المعارك بلا محاولة ، أتكون الحرية من فعلت بهم الأفاعيل ؟ و هل هناك حرية ؟ ( ألم تكن الحياة ناجمة عن واجب ، و نعيشها بالإكراه و نموت بحادث وصدفة ) فأين الحرية التي عنها يتحدثون ؟ جيل لا يستحق أكثر من الشفقة . " غادر بائع الكزبرة قريته مطلع الاستقلال و هو لا يزال صبيا ، نام في الشوارع و امتهن كل الحرف ، فاستقر على النشل حتى سجن ، في الزنزانة تعلم أن الحياة تتموضع في الوسط ، و لاتحتاج إلى كثرة مجهودات ، بل ذكاء وحيل و تصرف يضمن السلامة من الأذى ، هناك تعلم أساليب المعاملة ، لو بقي على عفويته لارتكب الكثير من الجرائم داخل السجن و لبقي هناك أبد الدهر ، قدم حزمة بقدنوس و ليمونتين للزبونة و رجع إلى رياضته العقلية و فسحته " الحياة مسرح كبير تتغير فيه الأدوار كل لحظة ، و الكيس من يتقن تقمص الدور الذي يقتضيه الموقف ، لن يتأتى ذلك إلا لقارئ الأحداث و العارف بمنطق الكون . رغم ذلك فهذان الطفلان نقرا نقرة الليونة في فؤادي ، أرى فيهما رمزا للبراءة ، رمزا للبدايات الأولى ، وقتها كانت حتى الطبيعة تكلم وترشد الإنسان يوم كان جزءا منها يسير وفق نواميسها ، يتأبط سذاجته فتجعل له مخرجا من كل الآفات ، أما اليوم حيث يعتبر الإنسان نفسه أهلا و قوة بيدها مفاتيح المستقبل ، فالطبيعة هجرته بل بين الفينة والفينة تغضب منه وتتركه فريسة لنزواته ، هذان الولدان يعشقان الحياة هما ذاكرة الإنسان التي فقدها ، هما مشكاتان قد لا يكفي نورهما لإضاءة الكون لكنهما يملكان ترك بصمة إن استطاعا الصمود ، وخبرا ما يجعلهما يتحملان المنعطفات ؟ أليست الحياة تضطرب بأخطاء بسيطة ، فكم شمسا خسفت في مهدها و كم نبيلا نالت منه المنعرجات ! "
تعكر مزاجه فأحس بلغة الكون تخز فسحته ، لاشك أن صدمة هزت قلعة حصينة ، لكنه متمرس على كبح نزوات نفسه التي تحاول بين الفينة والفينة الزج به إلى مقارعة الحزن ، إنه يقظ ، العاصفة زمنها قصير إلا على الذين يكابرونها و يعاندونها ، فكل ما انتصب أمامها شقى و تكسر قوامه ، ومن انحنى تركته سالما آمنا ، إنه ناموس الطبيعة ، لا يجابه الحزن إن زاره كي لا يترك في نفسه كسورا لن تجبر يوما . أخبره عقله أنهما في لجة فوضى يعتصرهما الألم ، فقلبه مربوط بتلابيب قلبيهما ، عاش معهما عاما كاملا ، رآهما منذ اليوم الأول في السوق ، حين جاء ناصر ، وقفت وقفة عجيبة تسجل كل حركاته و ملامحه ، مد إليها الكزبرة لكنها لا تبالي ، قام ثم جلس و لا حياة لمن ينادي ، إنها وجدت من تبحث عنه ، التفت نحوها مرتين في الأولى مستغربا و الثانية مبتسما ، إنها لغة القلوب . عند ذاك فقط استرجعت نفسها و قالت : " أين حزمي ؟ " نظر إليها ولم يجب و اكتفى بالإشارة نحو قفتها و رفع صوته عاليا : " كزبرة...ليمون... يا محبي الأسماك " نظرت نحوه باشمئزاز و ابتلعها السوق .
أخيرا جاءها الرد بشغور مقعد في طائرة ستقلع بعد ساعتين ، دفعت ثمن التذكرة عبر الأثير ، و وضبت حقيبتها ، جرتها خلفها مطلقة العنان لشعرها تهزه نسمات قادمة من المحيط ، تودع نخلات كانت تزين الشارع ، وضعت نظارات شمسية كي لا تتأذي عيناها من تفاصيل وجوه لفحها القحط ، وجردتها الخيبات من نضارتها ، تذكر خطاب أمها كما تلك المواويل التي يكررها السياسيون ، انتهى عصر التوجيه أيها العالم القاحل ، مات عصر الدروشة و القبول بأشباه الحلول ، إنه عصر التخلص من كل المعطوبات ، مات عصر الإصلاح ، تلفاز معطوب إلى الكسارة ، صنبور يقطر إلى المزبلة ، حاسوب معطل إلى المطرح ، كلام هزيل إلى مهب الريح ، إنه عصر الكينونة بالفعل والقوة معا ( أكون أو لا أكون ) تراخت خطواتها فكلما اقتربت منها سيارة زادت من سرعتها ، حظها مع المواصلات غير موفق اليوم ، طوال مدة خدمتها الرتيبة في الشركة ، اكتسبت ثقافة لم تكن يوما بها عليمة ، تأثير البعيد في الفعل ، دورة النجوم والأيام المشؤومة ،ماورائيات تكبح الفعل و الفوز، طرق يائسة في التعامل مع الصعاب ، وضع تميمة ، ارتداء خميسة وغيرها من الأوهام ، إنها نظرية المؤامرة تحيط بالفعل ، تبريرات للفشل ، وتهدئة للعقد و الإحباطات إلى حين . تأففت من هذه اللعنة المقيتة التي تلبست تفكيرها ، تريد أن تتحرر ، أن تعود إلى سابق عقلها الناضج المؤمن بالقدرة على الفعل عندها استجابت سيارة أجرة لطلبها الملح ، نطقت بكلمة المطار فعاود السائق المسير بدون إجابة ، يا لها من طريقة في التعامل مع الزباء ، كلنا تافهون ونصر على تفاهتنا ، أف تقترب ساعة الرحيل ، لوعلمت بأنها ستواجه هذه المعضلة ما استحمت و ما وقفت تلك الدقائق أمام المرآة ، يزداد غبضها ، إنها ذات العجلات الثلاثة تقف لها أخيرا دون أن تسألها الوقوف ، إلى أين يا كتكوتة ؟، كادت تصفع وجه السائق جراء هذا التحرش الظاهر، لولا أنها بحاجة لهذه الخدمة اللعينة لأوقفته عند حده ، دراجة بهئية أسيوية كانت تستعمل فقط لنقل البضائع ، الآن تحمل البشر بلا ترخيص ، إن وقعت حادثة فلا تأمين ولا تعويض ، وقف عند الميكانيكي قائلا : "لا تبتئسي يا غزالة سيصلح الدراجة بسرعة " ما هذا الحظ الموفق ؟ دفنت وجهها بين ركبتيها و طفقت تتأمل المشهد ، "هل أصحاب المكان يرغبون في بقائي ، تبا لهذه الترهات التي تأتيتي رغما عن أنفي ، وهذا الزنديق الذي يتغزل بي كل حين ، هل لم يبق من المصائب غيره " تذكرت أنه عندما يكون الفرد في حالة عصبية رهيبة فأحكامه لا تكون موفقة ، بل يؤول دماغه كل شيء بسلبية .
أخيرا وصلت إلى بوابة المهجر ، فكرت أن تمسح زوج حذائها قبل دخولها لكنها فضلت أن تمسحهما عندما تكون في المدرج ، بدأت إجراءات الدخول ، مع كل ولوج يطن الصفير في أذنيها ، فتعاود الكرة وهي تتخلص من حليها و ملابسها ، لم يتوقف الطنين فصحبها الحراس إلى غرفة خاصة و أمروها بالانتظار ، تتنتظر وتنتظر حتى أقلعت الطائرة ، فجاءها ضابط معتذرا عن الإزعاج و مفسرا سبب التأخر بعطل في شبكة الاتصال بمصالح الأمن لمراقبة البطاقة الوطنية و جواز السفر ، مكررا أسفه قائلا : " يمكنك الدخول فسجلك نظيف خال من المخالفات ". أخذت أوراق هويتها ثم عادت أدراجها وهي تقول : " سأبقى هنا لأحارب ..."
4..........يتنقل ناصر بين روافد الشركة حيث أمضى يوما كاملا في مصنع النسيج ، وضع القيّم بين يديه الكثير من الأوراق و الوثائق و المستندات والملفات ، هذه للعمال و مطالبهم و تلك للمواد الأولية و أخرى للآليات ، راجع معه كلفة الإنتاج و قيمته و نسب الربح . نقل إليه اقتراحات الترسيم والترقية ، تداولا كثيرا في السبل الممكنة للرفع من جودة المنتوج و تطويره و تخفيض التكلفة حفاظا على تنافسية عالية وضمانا للتواجد في الأسواق و المحافظة على الزبناء . في اليوم الموالي شد الرحال إلى مزارع الخضر والحوامض ، هناك وقف على معايير دقيقة في الزراعة ، إنها لغة الكمياء في الإنتاج ، كميات موزونة في الأسمدة و أصناف رفيعة من البذور و الشتلات في مشاتلها تحظى بعناية و رعاية تفوق تلك التي يحظى بها الأبناء في المشافي ورياض الحضانة ، مياه السقي توزعها أنظمة الحواسيب بالمليلترات ، يشرح المهندسون ويشرحون و هو لا يستوعب مثقال ذرة مما يتفوهون به ، تساءل أين كان طوال هذه المدة ، لكأنه كان يعيش في كوكب آخر . يرجع ليلا مهموما غير قادر على استيعاب كل تلك العوالم ، يتساءل متثائبا إن كان قادرا على تحمل هذه المسؤولية . في شركة النقل يستعرض المدير عدد الحافلات المخصصة للعمال ، عدد الشاحنات من النوع الكبير الخاصة بنقل الخضر إلى الميناء ، عدد الشاحنات المتوسطة التي تقل السجاد إلى محطة القطار ، عدد لترات البنزين المستهلكة ، فواتير قطع الغيار و تكاليف الصيانة و تجديد الأسطول . رجع إلى مكتبه منتفخ الرأس ، تجرع قرصا فوارا و هو يأذن للمدير بالدخول : سيدي لديكم مجموعة من الدعوات ، لقاء مع منتجي الحوامض ، دعوة من وزير النقل ، لقاء مع رئيس جمعية المقاولين ، لقاء مع ممثلي النقابات ، للإشارة سيدي فكلهم يباركون لكم منصبكم ، لا تنسى إدخال طلب الحضور إلى التجمع الحزبي إلى الأجندا سيدي ، وهناك موضوع هام أيضا فرئيس قسم الضرائب في مكالمة هاتفية يتمنى التعرف عليكم في أقرب وقت . بدأ يعرف لماذا لا يرى أباه طوال مدة دراسته إلا للحظات قليلة ، تنهد و تمطط و قام إلى منزله مقفلا هاتفيه ، وجد أمه وحيدة تفترسها الوحدة ، أبوه على السرير فاقد للسيطرة ، أخته هناك في بلاد الغرب تلتهم دروس عالم اليوم ، تأمل هذا الشتات ، طلب من الخادمة كوب ماء ، أحس بالضيق ، فغادر من جديد يبحث له عن مكان آمن ، عن فضاء واسع فسيح ، فروحه تكاد تغادر ، في هذا الأسبوع بدأ وزنه يخف و ملامحه تشحب ، وصفرة تعتري وجهه الداكن .
صالحة قامت صباحا في بذلتها الرياضية توجهت نحو البحر ، وجدت العالم هناك هادئا ، دخلت المياه الباردة بعد أن أكملت تمارينها ، تمططت على الرمال وهي ترتب أجزاء خطتها ، استعرضت معطياتها ، إمكانياتها ، أهدافها ، و بدأت تفكر في التفاصيل الجزئية هذه تحاج إلى ورقة وقلم و أيضا إلى حاسوبها ، طوال الأسبوع تنقح خطتها ، رياضة وحاسوب وقلم وأوراق ، إنه الإصرار على الوجود . أمها تحاول مواساتها فترد عليها :" لاعليك أمي أنا نسيت الوضوع ، وسترين قريبا قدراتي ، فأنا صنيعة أمي " من بريق عينيها رجعت بأمها إلى الأيام الخوالي ، فتمتمت الأم مبتعدة عنها : "لطفك يا الله ."
باكرا يقتني بضاعته من سوق الجملة و يستقبل سوق السمك ، يبيع طيلة اليوم تحت ظلته مستمتعا بالأفواج الآدمية التي تغدو خماصا و تروح بطانا ، عند مقدم الليل يجمع أدواته و أعشابه ، في طريقه إلى بيته يوقف دراجته واهبا بقية الأعشاب للجمعية الخيرية ، يصل إلى بيته تستقلبله زوجته برفق ، تسأله عن جديد السوق ، يحكي لها تفاصيل اليوم ، يفرغ محفظته على المائدة ، ترتب خديجة النقود قطعا وأوراقا ، ترجع إلى المحفظة رأس المال لزوجها ، تأخذ مصروف الغد تضعه في المطبخ ، و تقبل ماتبقى و ترميه في صندوق خشبي في غرفة النوم ، في نهاية كل شهر تعد ما في الصندوق تدفع منه فواتير الماء والكهرباء ، تقتني منه بعض الأواني و الملابس الضرورية ، وتحمل الباقي إلى البنك ، أسرة تعيش على مهل ، في هدوء ، زوجت بنتها البكر و ابنها يعيش مع زوجته في بيته ، أسرة مقتصدة تعيش على باب الله ، لكل يوم رزقه تمطره السماء ، تعاظمت ثروة بائع الكزبرة فاضحى ملاكا للعقارات ، و تضخ في حسابه البنكي الدراهم كل شهر ، رغم ذلك لم يركب المال حياته ، و لم تتغير طبائعه ، فهو مؤمن أن المال فقط لإنقاد الروح من الفقر. يحكي لزوجته قصة العشيقين ، يتذكران عندما التقيا لأول مرة ، كان أبوها بائع الأعشاب و هو مساعده عند خروجه من السجن ، آواه في بيته و زوجه ابنته الوحيدة.
أوصته زوجته أن يبتعد عن طريقهما ، ويترك الأقدار تسري بهما نحو مسارهما ، وأن لا يتدخل فيما لا يعنيه ، فربما المصائب تأتي من حيث تظهر أمارات النور ، يؤمن بأنه تزوج أكبر حكيمة في الكون ، يؤمن أن لو تعطى الشهادات على المنجزات لنالت من الدرجات أعلاها ، لكنه أيضا يعتقد أن حدسها لم يوفق اليوم ، إنها لم تشاهد نظرات الولدين ، لم تر شوقا في عينيها وهي قلقة على غيابه المفاجئ ، لم تعرف عن قرب عذرية الفتى و لا معدنه و هو يداهم السارق بشجاعة .
فقرر المضي في طريق معرفة الشابين و المساهمة في تحقق أحلامهما .
5..........أخيرا حظي برؤيتها بعد طول انتظار ، حاول استجماع ما يكفي من المعلومات عن الشابين ، يريد أن يدرس الحالة ليتدخل بلمسة سحرية تكسر جمود علاقتهما ، الحب عن بعد ما أظلمه من حب ، يريد أن يكون تلك الصدفة المفائجة التي تجمع بين روحين ، يتمنى أن يكسر تلك الحواجز التي تحول بينهما وبين السعادة ، تشاءم من غيابهما الطويل ، لكنه يعرف أن الطيبين لا يتخلصون من أحزانهم بسهولة ، إنها لعنة العناد تؤثر عليه، لم يجمع إلا القليل من المعلومات عن ناصر ، فحتى البحارة لا يعرفون عنه الكثير ، يقولون إن أباه ربما لم يتعاف من مرضه ، و ربما يكون ميتا ، و هو رجل ذو شأن عظيم هذا ما كان ناصر يقول . وصلت أمامه بخطواتها المتثاقلة و علامات السنين ظهرت على وجهها الصارم ، كادت أن تمر دون أن يكلمها ، لكنه أخيرا اهتدي إلى عرض خدعة مسرحية : " يا مدام..، ألا تريدين كزبرة ؟" رجعت بخطوتين إلى الوراء و تأملت ذلك الوجه الذي طعنته عواصف الزمان قائلة : " هيا حزمتين من كل نوع " وجدها فرصة سانحة للاستفسار عن صالحة ، فمرارا كانت تصاحب أمها في الماضي البعيد : "هل صالحة بخير ما عدت أراها في السوق؟ " استغربت الأم من هذا السؤال فواصل موضحا : : " إنها زبونتي و تضررت من غيابها " فردت متنهدة:" قصتها طويلة يا ...." بسرعة قال : "أحمد أحمد سيدتي" وهو متلهف لمعرفة المزيد ، " السيد أحمد ، لقد فقدت وظيفتها وهي الآن تحاول بناء نفسها من جديد .." قال ضاحكا : " حسبتك ستقولين تزوجت وغادرت المدينة ...." نظرت إليه بابتسامة : " وهل شباب اليوم يفكرون في الزواج ، آه مضت الأيام الحلوة يا.... " فهب لنجدتها : " أحمد أحمد سيدتي " و لما همت بالذهاب قدم لها حزمة مجانا قائلا : " لا تنسي أن تسلمي عليها .." ردت عليه بنظرة اعتراف وامتنان وهي تستبشر في قرارتها : " أن الدنيا لا تزال بخير ، رغم كل مظاهر الفوضى .."
تمر الأيام ولا تتقدم خطواته ، فلاهي ظهرت في السوق و لا ناصر وصل إليه واحد من رفاقه ، عاد أحمد إلى طبعته القديمة و ظن أنها زوبعة صيف عابرة ، و عمر العاصفة لا يطول ، فإن كان لم يحظ بغنيمة تقريب الحبيبين فهو على الأقل ما خسر شيئا .
صالحة تطوف على المكاتب وتهيء أوراق مقاولتها ، تسافر إلى القرى النائية و تجالس التعاونيات النسائية وهن يعانين من قلة الكفاءة و قلة الطلب ، تأخذ عينات من منتوج الزيوت و العسل و التوابل ، تطير نحو بلاد المهجر التقت بصديقات الدراسة ، كن في حاجة إلى دفعة تنتشلهن من رتابة المكاتب ، وضحت لهن فكرتها وافقت اثنتان منهن على توزيع المنتوج ، هيأن ملفات الشركة بسرعة البرق و اقترضن الملايين من البنوك استعلمن عن المنتوجات عند ذوي الاختصاص ، طبعن آلاف الملصقات والصور تعلوها علامة تجارية جديدة ، تلقين آلاف الطلبات .
حملت هدايا كثيرة في رحلة عودتها ، هذه لمدير الوكالة البنكية الذي سيمنحها دفعة البداية ، و تلك لمسؤول الجمارك الذي سيحررها من قيود التصدير ، و أخرى للموظفين الصغار في كل المكاتب التي ستضطر للتعامل معها .
نجحت الفكرة أخيرا بتصدير دفعتها الأول فوضعت قدمها الأولى في ميدان الأعمال.
ناصر غارق في فوضوية السوق ، في اجتماع مجلس الإدارة ، حاول إقناع المساهمين باستغلال مدخرات الشركة في تعويض خسارة فساد المنتوج الزراعي فبضاعتها ردت إليها ، مئات الأطنان من الخضر والفواكه تم تفريغها في عرض البحر ، والتحقيقات جارية لتحديد المسؤولية ، و خبراء الإتحاد الأوربي قادمون لزيارة قلاع الإنتاج والوقوف على أسباب الكارثة . لطفي غريمه في الشركة رجل خمسيني لا يؤمن بالخسارة هدد ببيع أسهمه و إغراق الشركة إن تم استغلال مدخراتها ، ناصحا ناصر بالإقتراض من الأبناك على أسهمه أو بيع جزء منها لتسوية مشاكله ، فالشركة لم تكن يوما في خطر إلا يوم تولى القيادة . عرف ناصر أن خصمه يكيد له كيدا ، واستغل خبرته في تعكير صفاء الشركة ، من أين له بالنقود ، إن قلص أسهمه فمنصب رئيس مجلس الإدارة في مهب الريح ، إن اقترض من الأبناك تأجلت الأرباح لسنوات عديدة ، دعا إلى مكتبه غريمه ، عرض عليه اقتسام الخسارة بين الأسهم و المدخرات فبالكاد وافق لطفي تحمل المدخرات لعشرين بالمئة من الخسارة مما يجعل ناصر سيتخلى على أربعة في المئة أسهمه ، هذه النسبة على الأقل لن تمنح لغريمه منصب القيادة ولو قام باقتنائها .
لطفي كانت خطته السيطرة على الشركة ، لكنه في ذات الوقت يتوجس من استمرار التحقيقات فلو تعثرت الشركة ستتدخل الدولة بثقلها فهي مشاركة فيها بنسبة رمزية لتضمن مراقبة الشركة كشريك . فأجل مشروعه إلى حين .
تهلل وجه أحمد وهو يرى العصفورة تحوم حول دكاكين السمك ، تغير شكلها قليلا ، ربما صورتها ، أصبحت أكثر جرأة تتحدث إلى الباعة بثبات بل ترد على غمزهم بدعابات فتطول القهقهة ، توجهت نحوه دون أن تنظر في عينيه ، وصلت أخيرا و حدقت فيه وابتسمت: " وصلتني رسالتك و شكرا لك على الاهتمام " فرد عليها بفضول : " وما أخبار ناصر ؟" تغيرت ملامحها وبرقت عيناها بريقا مفزعا لكنها تمالكت نفسها : " حكاية قديمة ربما للنسيان " نظر إليها بحنان قائلا : " بابنيتي إنه لرجل صالح ، فتى بريء ، شبل شجاع و إني لأراكما خلقتما لبعض ، فما الذي يحول بينكما " تأملت هذا الوجه البشع يذكرها بالبطولات والملاحم و تلك العنتريات البالية ، و ذلك الصفاء والنقاء ، .. لكنها في غنى عن دخول جدالات قاحلة لا طائل منها ، إنها اليوم تتقن لغة السوق ، ربح وخسارة لا غير ، و عندما رأت حديثها مع بائع الكزبرة خسارة للوقت قالت : " أستأذنك فمشواري طويل وأنا مازلت في بداية الطريق .." فرد عليها : " إن كنت في حاجة إلى مساعدة فأنا رهن الإشارة ." ضحكت مقهقهة في دواخلها : " مساعدة من بائع الكزبرة ، أي حمق أكبر من هذا ، وعندما تمكنت الفكرة من دماغها تذكرت ناصرا وهو في ثوب الحمال و بين ليلة وضحاها وجدته على وثاب فاخر يؤشر على ورقة طردها ، أيكون بائع الكزبرة على هذا النحو ، لا بد من طريقة للوصول إلى الحقيقة . "
نستكمل الرحلة بعد لحظات
البداية
صباحا توجهت صالحة نحو محطة الحافلة التي تقلها بمعية المستخدمين ، مرت بجانب السوق الشعبي الذي دبت حركة الباعة فيه قبل وصول الزبناء ، فهمّت بالمرور لولا أن جذبتها إليه قوة خارقة وشوق جارف دام لأسبوعين ، كل مساء تخترق باحاته و هي تقتني بعض حاجاتها ، كلما مرت برحبة السمك علا صياح بائع الأعشاب الستيني ، بلهجته الغريبة المزعجة " كزبرة ، ليمون يا محبي الأسماك " .
عيناها تتفرسان الرحبة لعل صورته تظهر، تكاد ترى بقلبها العاشق عينيه البراقتين و وجهه الباسم المتخفي وراء لحيته غير المهذبة و صلابة عضلاته و ملابسه الخشنة و هو يوزع الصناديق على الباعة من محل التبريد ، مالت خطواتها جهة المخزن مطلة بوجهها المشرق من باب حديدي عتيد فاتح لدفتيه ، عيناها لم تتوجعا من رؤية السمك و سبابتها لم تتسلل لفرك أرنبة أنفها ، أطالت النظر فكاد يصدمها حامل الصندوق مطلقا صيحة تنبيه أن أفسحي الطريق يا فتاة ! استيقظت على صرخته الحادة فوجدت نفسها واقفة متسمرة أمام المخزن ، طافت ببصرها لتجد بائع الأعشاب يحدق نحوها بعينيه الغائرتين ، وقد تعودت على غمزه الخفيف كلما قطع عليها ناصر الطريق ، كان يطلق صوته عاليا " ليمون ... بقدنوس... كزبرة ... "
انتشلت جأشها المبعثر و حركت قدميها المتثاقلتين ، عاودت النظر إلى المحدق نحوها فأرعبها وجه سطرت الحاجة معالمه ، و تلذذ نحل السنين بامتصاص رحيق ملاحته . فكرت بالرد على تجسسه وتعقبه لحركاتها ومحاصرته لعفوتها و لعنفوان رغبتها ، قطبت جبينها وهمت برشق فضوله بلعنات تضخمت على طرف لسانها لولا دين على عاتقها لجم سخطها . احست بيد غادرة تمتد نحو محارمها و الحرارة تجتاح جسمها والعرق يندي جسدها الملتهب و هي بين دهشة و فتور، رمشة عين على استدارتها كانت كافية ليستل الصعلوك من يدها محفظتها مبرزا في وجهها مدية من وراء سترته كبحت فيها طلب النجدة ، لكن صوتا نشازا تلألأت نبراته المميزة مستصرخة ، فإذا بصندوق ناصر يهوي على رأس السارق فتناثرت أسماكه فوق جثته قبل أن يتنفض هاربا ، ويد قوية تمد المحفظة لها و لم تنتظر تمتة شكر من شفتيها المتراقصتين المثقلتين بجفاف ريقها .
تحركت صوبه بخطوات حازمة و لسانها يفصح عن غضبها : " وقوفك بجانبي يومها لا يمنحك وصاية علي ، فرغم طيبوبتي فأنا أنتقم لشرفي ." رد عليها ببرودة: " ربما افتقدك هو أيضا ، إن أباه مصاب بوعكة صحية .. " ما إن أتى ذكره على لسانه حتى تفتحت شهية مسامعها و طارت ظلمة انتقامها ، و رأت الوجه المرعب فانوس نور تشع من خلاله صورة من لم تتصور أنها أضحت معلقة بأهداب عيونه ، وطالبة لإشراقة طلعته ، أربكتها اللهفة فسألته : " متى سيعود ؟" تبسم بخبث فأحست بتسرعها في إفشاء مشاعرها لرجل غريب ، بل لشخص بشع وقح ، علت حمرة وجهها بعد سماع جوابه المقيت بسخرية : " هائمة إذن يا عصفورة!" تتابعت خطواتها تاركة السوق و في حلقها غصة تخنق أنفاسها ، لعام كامل استطاعت أن تكتم سرها و تحكم كبح اندفاعها ، ربما تراخت حبال ألجمتها و أصبحت نزوتها تقودها ، تذكرت الحافلة و خطفت نظرة إلى ساعتها ، آه هذا وقت الحافلة ، بدأت توسع خطواتها و تزيد من سرعتها ، عند المنعطف رأت الناقلة تغادر المحطة فازداد حنقها وغضبها ، يجب أن تدفع لسيارة الأجرة . ضربت كفا بكف و هي تتأفف من تعثر حظها ، فالعربات لا تكثرت لإشاراتها و الدقائق تتابع مهرولة ، تهيأت لها صورته أمامها فبصقت في وجهه المنكوث ببقع رمادية و كاد صوته المزعج يصعق كبرياء ثباتها ، حوقلت و تعوذت من شر رؤيته صبحا ، و أقسمت أن لا تعود إلى ما فعلته اليوم ، كان عليها أن تستقبل الحديقة بدل السوق الشعبي ، فلربما منحتها زهورها حظا موفقا .
توقف المصعد و فسح الباب فتحة أمامها و عقب حذائها يحدث صوتا مزعجا تمنت لو يصمت قليلا فتتسلل إلى مكتبها دون لفت الانتباه ، فالتفاتة الموظفين تزعج مشيتها ، و تضطرها إلى افتعال بسمة وقاية من تأثرها بنظراتهم الحاملة لعلامات تعجب و استفهام ، أخيرا وصلت إلى كرسيها و ضغطت على زر الحاسوب لكنه تأخر في الاستجابة لتمد يدها إلى الهاتف فور تراقص رناته ، صوت من مكتب الضبط يأمرها بالتوجه إلى الإدارة ، قامت و مزاجها ملتهب ، تحاول ترتيب الأعذار عن تاخرها ، تحاول اختراع كذبة بيضاء تنجيها من شطط القانون المذل ، خمسة عشر شهرا وهي تناضل من أجل قطف شهادة الأهلية و الترسيم كمحاسبة ، نقرت نقرة خجولة على باب الإدارة فسمعت همس المدير : " تفضلي.. " وقبل أن ينطلق لسانها بالسلام ، قال في حزم : " ما سبب تأخرك لساعة ونصف الساعة ؟" ردت وهي تكابر قشعريرة دبت في أوصالها : " من فضلكم سيدي ، أمي مصابة بالزكام . و..." ازداد منسوب النبرة الجافة من المدير : "هذا ليس عذرا يا صبية ، لماذا لم تهاتفي الشركة لتتخذ الإجراءات الضرورية ؟ أتعلمين أن دقائق من الإهمال كافية لتصيب الشركة بالإفلاس ؟ أنت لست أهلا لهذا المنصب ." ردت و الدموع تسيل من منابعها و تتجمع على أطراف جفونها . " سيدي لن أكرر ما فعلت ، ولكم الفضل في قبول طلبي للترسيم أنتم و رئيس مجلس الإدارة ، كما أنني لم أخطئ طيلة المدة التدريبية و أنتم يا سيدي أدرى بكفاءتي في عملي .." فقاطع لسانها الذي بدأ يتحرر من عقده : " انظري هذا قرار الاستغناء عن خدماتك ، لا مجال للتساهل ، قانون السوق ربح أو خسارة ...." صاحت في وجهه شاكية من الظلم الذي لحقها ، والتعسف الذي بخس مجهوداتها ، و القسوة التي قوبل بها تفانيها ، و التجاهل الذي أبدته الإدارة لمطالبها منذ وطئت أرض الشركة . فرد عليها المدير : " أتعلمين أن رئيس مجلس الإدارة يوجد في حالة عجز ، و قد كلف ابنه بشغل منصبه لأنه المساهم الأول في الشركة ، أتعلمين أنه عقد اجتماعا مع كل الموظفين والمستخدمين و أنت لا تزالين تغطين في فراشك ، أتعلمين أولى تعليماته أن لا تساهل إلا بعذر مقبول ناتج عن سبب قاهر . " علا صياحهما فاقتحم عليهما ناصر المكتب ، نظر نحوها و العجب يرتسم على ملامحه ، إنها صالحة بلحمها ودمها وجمالها الفتان ؟ كيف تصرفت هكذا مع المدير ؟ كيف امتدت يداها إلى الأوراق تمزقها ، أصابتها الدهشة و هي تنظر إلى ناصر في حلة جديدة و وجه حليق و المدير يتملقه و بين الكلمة و أختها يفخم سيدي الرئيس ، كادت ركبتاها تفشلان في دعم وقوفها ، غطت وجهها الملطخ بالدموع بكفيها مطأطئة رأسها ، توجهت منحنية نحو الباب ، والمدير لا يزال يذكر مساوئها لرئيسه الجديد الممسك عن الكلام ، في الشارع بالكاد تتبين ملامح العالم و صوت بائع الكزبرة يتردد في أذنيها و هو ينطق آخر كلماته : " مخبول و مخبولة ."
2 .....دخل إلى مكتبه وضع رأسه بين كفيه ضغط بقوة كأنه يعصر من دماغه آلامه ، يحاول أن يقنع نفسه المجروحة أن لا يد له في مصابها ، فالمدير له من الخبرة ما يجعله يتفطن للذين تتضرر الشركة جراء تصرفاتهم غير المسؤولة ، وشطحاتهم غير الناضجة . حاول عزل شخصية ناصر المحبة عن رئيس الشركة وقائد السفينة التي إن غرقت كانت وبالا على مئات العمال والمستخدمين . تنهد بعمق و نفّس ربطة عنقه و هو يحاول أن يجد تبريرا لهذا الذي يحصل في أول يوم من عمله . كان أبوه يوصيه في أيامه الأخيرة بالمؤسسة خيرا ، مراجعة الحسابات و احترام قرارات الإداريين و أصحاب الاختصاص ، آه لو يستطيع أبوه الكلام اليوم لما غالبه هذا القرار الجائر في حق أقرب الناس إلى قلبه من كل الذين وقعت عليه عيناه في هذا العالم الذي لا يحبه ، و يكره مساطره ، بل وجد في العام الماضي راحة و هو يعيش على الهامش ، حيث يسكن كوخا بجانب البحر يطربه خريره عند المد والجزر ، يستمتع بحلاوة رمال الشاطئ . يغادر مع البحارة بعد منصف الليل لتتم العودة مع بزوغ النور ، كان للبحر طعم خاص ، تجعل ريحه المنعشة بدنه طريا و مشاعره عذراء كل يوم ، يرمي بكل تأوهاته هناك في فضاء اليم ويعود هادئا آمنا مطمئنا ، يتجه نحو السوق يوزع الصناديق على الباعة و يضع الباقي في محل التبريد ثم يغادر عند قدوم الشمس كي يعود مساء عند المغيب ، يكون أمامه اليوم كله ، فيه يستريح وفيه يرقص على إيقاعات موسيقي الطبيعة ، فيه يعانق مياه البحر عوما ، فيه يجد لنفسه المتعطشة للمرح مخرجا من تلك العوالم التي آلمته منذ الصغر ، يبتعد عن كل الذي تحمله تلك الكتب التي كان يسهر الليالي لاستكشاف مخزوناتها ، يعتقد في قرارة نفسه أن كل أولئك العظام و كل هؤلاء العباقرة ، ليسوا سوى أشخاصا عملوا على تعقيد الحياة البسيطة ، بل يرى كل تمظهرات التطور ما هي إلا عقبات توضع في وجه الناس البسطاء و الأطفال الصغار ، يتمعن بعمق ما جدوى الدراسة لمدة قد تصل إلى العشرين سنة ، هل العيش يحتاج إلى كل هذا الزمن المهدور ، و الحمل الثقيل ؟ هناك في فناء البحر وجد الطبيعة تتكلم قاموسا جديدا ، قاموسا عذريا ، قاموسا هادئا ، و هناك وجدت الأسماك لنفسها متنفسا رغم غياب الهواء في القاع . كان جسده هزيلا عندما كان في قاعة المدارس ، وهنا في الفضاء الرحب تمدد وتمطط و تضخم ، أيقن أن العقل مأساة الإنسان فهو من قزم بنيته العملاقة ليتحكم فيه ، إن الإنسان كتلة صراع بين العقل والجسد ، تميل فيه الغلبة للعقل و معها ينهار الجسد والعواطف حيث ميولاته العذرية . زفر زفرة حادة ، يرى عواطفه يكبتها ويقتلها فقط لإعطاء سطوة العقل مكانته المرموقة ، إنها الموازين المختلة ، والاستغلال والاستبداد ، يرى حبيبته تنهار أمامه صاغرة ، و لا يقدم على فعل فقط لأن المنطق لا يزاوج بين العقل والعاطفة ، كم كان هناك حرا طليقا يوم رمى بالصندوق في وجه اللص الذي تجاسر عليها ، كان بائع الكزبرة من أيقظ في نفسه تلك الشجاعة ، إنه نسخة لإنسان متحرر بعد طول صراع ، خبير بمفاصل الحياة ، يقرأ التصرف بسرعة ، إنه إنسان طبيعي يعرف قاموس الجسد العذري حيث تطفو العواطف والميول . لو كان قربه اليوم لكان مصير المدير مختلفا . إذ ذاك سيكون معها و يفتح لها صدره و يختارا العيش البسيط على إيقاعت الطبيعة .
فتح النافذة لعله ينتعش بريح قادمة من البحر يتأمل هذه المدينة الصاخبة يتأمل صواعدها بأعناقها المشرئبة نحو أعالي الفضاء ، حتى البنايات تواقة لاستنشاق عبير الطبيعة و رافضة لازدحام فرض عليها فرضا مقيتا ، أليس الكون فسيحا بما يكفي لاحتضان هؤلاء الذين يحبون التدافع في الزحام ، لكنه العقل من سيطر عليهم و فرض عليهم قواعده المليمترية . وحال بينهم وبين فسحة وهناء هناك ، يستظلان بوريقات الأشجار في الغابات ، يرتشفان كؤوس الشاي في خيام الصحراء ، و يطلان على الفضاء في أعالي الجبال .
" ياله من يوم ثقيل ! " هكذا قال ناصر وهو طوال اليوم يراجع السجلات المكدسة أمامه دون أن يستوعب كل تلك الجداول و المنحنيات ، تبسم حانقا على سنوات الدراسة البعيدة كل البعد عن الممارسة الفعلية ، إنه الآن لا يفقه شيئا في هذه القيادة التي أسندت له يتأمل قائلا : " كان الله في عونكم أيها الركاب عندما يسوق حافلتكم من لم يتمرس بعد على القيادة . ألم تكن حبيبتي أولى الضحايا ؟ هل هناك ما يعادل هكذا مأساة ؟ " فكر أن يطل على سوق السمك لكن مزاجه ليس صافيا ولا يظنه سيكون صافيا يوما ، كما أنه لا يحب الرجوع إلى الوراء ، فالعودة إلى الخلف إهانة للمستقبل وتشكيك بالذات و خياراتها مهما كانت غير صائبة ، فجرح العودة إلى الوراء لا يندمل ، كان أبوه يقول له عندما أحس أنه توجهه التعليمي لم يعد مشوقا كما كان يعتقد :" انت مخبول يا ولدي فلا استمرارية بلا عناد و مكابرة ، فالكل لا يحبون أعمالهم ، فقط يرفضون الاستسلام والعودة إلى الوراء ، فقاوم ستنتصر " لم يجد بدا من المقاومة رغم ما استنزفته من طاقته ، فأحس منذ ذلك اليوم أن القوانين التي وضعت للحياة تغلف و تحتضن ظلما عظيما .
هي في متاهة معتمة تخوض : " يا لهذا الذي كسر ضلوع اللص و هو حثالة ، كيف وافق على طردي بهذه السهولة وهو في أعتى المناصب ، ترى الفضيلة رديفة الضعفاء ؟ ترى المنصب يركب صاحبه منذ يومه الأول ؟ مخبول أنت يا قلبي ، تعلقت بالأعالي ، كنت أتحاشى أن أحبه منذ رأيت هيأته و عدم اهتمامه بمظهره ، كنت أتحاشى أن أنزل من رتبتي رغم وضاعتها و أشارك رجلا يعتمد فقط على بنيته الجسدية لكسب قوته ، كنت تائهة يومها في تساؤلات عديدة ، أحاول من خلالها قهر مشاعري التي لا تزداد إلا اتقادا كلما هممت بكبسها و إحكام الطوق حولها ، و اليوم رأيت كم كنت مخطئة ، إنه ابن رئيس مجلس الإدارة ، بل الرئيس بعينه يعوم في الملايين ، و يمتلك رقاب الكثير من البشر ، أين أنت يا صالحة من هذا ؟ " لم تجد غير الدموع مؤنسا ومواسيا لهذه المعادلة الجديدة كلما خرجت من متاهتها أسرعت بالعودة " يا له من يوم عصيب هذا الذي تكاثفت فيه الأحداث حد الصداع ، لكن ما الحل ؟ إنه العناد والمكابرة ، ألم تكن أمي معاندة جدا حتى مع الأقدار الصعبة ، ألم تتحدث معي طوال الأيام عن نضالها وكفاحها ، ألم يتكسر حبها على صخرة الواقع الفج والأعراف البالية ؟ ألم تسافر وتغادر الوطن لأعوام طويلة ؟ وهناك بنت بيتها و لقنتني أبجديات الحداثة و طعمت روحي بجميل الأصالة ، كنت مخبولة إذ رضخت بالعودة إلى وطني الأم ، لأكون ضحية بائع الكزبرة وحمال الأسماك ، و لص المحافظ النسائية ، و مدير لا يفهم في الإدارة غير العقاب . "
كان اندماجها في هذا الوسط عسيرا ، يوم مات والدها عزمت أمها على العودة إلى الوطن ، أخوها فضل الاستقرار هناك كمسير لمتجر والدهما ، أمها تخلت عن وظيفتها مكتفية بتقاعد نسبي ، وهي استكملت دراستها و قررت مرافقة أمها و تبحث لها عن استقرار في مسقط رأس والديها و الأزمة تلف بلاد المهجر ، و فرص النجاح تزداد في بلادها . تغيرت نظرتها إلى وطنها جملة وتفصيلا ، كانت أيام العطل تقدم صورة كاذبة عن مشاعر الحب والصفاء و التعايش ، إنه صراع طاحن من أجل العيش ، صراع بين الفقراء ، صراع بين النساء في توافه الأمور ، صراع لا يتوقف ، مع الجيران ، في الأسواق ، في الشوارع ، أينما وليت وجهك زكم السب والشتم مسمعك و تلقيت ضربات تحت حزامك ، وطعنات من وراء ظهرك . اليوم تأكدت أن الهجرة هي الحل من جديد كما هربت أمها ذات يوم من حب فاشل ، عليها أن تبحث هي أيضا عن موطئ قدم آمن لا يبخسها حقها ، تبني فيه مستقبلها بعيدا عن هذا الصراع الأجوف . تأملت الوطن يفر منه أبناؤه تباعا ، يا لها من صورة لو فتحت الحدود ، سترى الجحافل تغادر رغم عشقها لهذه الأرض ، لكن شيئا فيها يقض المضجع والراحة ، ليس الخبز وحده ، ليست الرغبة منفردة ، ليست الكرامة و ليس الأمن ، قد يكون الفرد يفر من ثقافة غير قادر على التحرر منها ، وربما أسلوب حياة لم يعد صالحا .
جمعت حقائبها فجاءت أمها تتوسلها أن لا تتسرع في اتخاذ القرار ، فبكت بكاء مريرا " أتعلمين يا أماه لأول مرة أحس نفسي مرتبكة ، ولو استرسل الأمر على هذا النحو سأفقد صوابي كلية ، أتعلمين كم كنت طموحة ؟ كم كنت واثقة من خطواتي ؟ من امتص كل مدخراتي من الصمود ، من عراني من قدراتي دفعة واحدة ، يا أماه ليس للمسألة علاقة برغبة ، بل مجرد انقاذ لروحي من الضياع " صمتت الأم برهة وقالت " إنه التاريخ يعيد نفسه يا بنيتي ، أتعلمين أنني مذ فكرت بالرجوع كنت خائفة عليك ، كما كنت خائفة على نفسي من عدم الاندماج ، يا بنيتي هي الحياة لا تقاس دوما بالنجاح والفشل ، أحيانا نصمد فقط و نتقبل عواقب الخيار و ربما المتاح ، يا بنيتي كنت حانقة كما أنت يوم رفضت عائلته زواجنا ، فثرت و ذهبت إلى أقاصي الأرض ، لا أخفيك أنه طوال غربتي فقدت نفسي التي كنت أعرفها ، التي من أجلها قمت بخياراتي ، لولا صالحة و أخوها حامد ما استطعت الصمود و مواصلة المشوار ، كانت ضريبة الغربة قاسية فقدت فيها تاريخي و صداقاتي و جزءا كبيرا من كياني ، لولا أيام العطل التي تحيي صلتي بجذوري لفقدت كل شيء ، لولا أبوك المثابر لكنتم على شاكلة أبناء الضواحي حيث الجريمة والانحراف ، يا بنيتي لم تكن الحياة يوما سهلة ، يا بنيتي علينا أن نقرأ من تجارب الآخرين لكي لا نضطر كل يوم للبداية من جديد . أنا فخورة بك و لك كامل الاختيار . "
3........بائع الكزبرة أطلق العنان مسافرا عبر تأملاته لما غادرت صالحة سوق السمك : " تراهما يتغلبان على أنانيتيهما ويترجلان من برجيهما العاجيين ليشيدا مجد الحب ، أم أنهما لن يختلفا عن الكثيرين الذين يتوقفون عند أول عثرة ، ناصر طفل في هيئة رجل ، مشاعر خفيفة و صوت هامس ، انسحب مبكرا من الحلبة ، أتكون هذه المدارس هي من تقلم شوكة العزم في الصبيان ؟ أتكون الأجيال مختلفة ؟ جيلنا لا يستسلم أبدا ، قهر الفقر المذقع و المذل ، بنينا الوطن و قد تركه المستعمر خرابا ، أتكون المصائب من تصنع الرجال وتشحذ الهمم ؟ هل أكثرنا من الدلال لأولادنا حتى أضحت طبائعهم مهذبة ، ينسحبون من المعارك بلا محاولة ، أتكون الحرية من فعلت بهم الأفاعيل ؟ و هل هناك حرية ؟ ( ألم تكن الحياة ناجمة عن واجب ، و نعيشها بالإكراه و نموت بحادث وصدفة ) فأين الحرية التي عنها يتحدثون ؟ جيل لا يستحق أكثر من الشفقة . " غادر بائع الكزبرة قريته مطلع الاستقلال و هو لا يزال صبيا ، نام في الشوارع و امتهن كل الحرف ، فاستقر على النشل حتى سجن ، في الزنزانة تعلم أن الحياة تتموضع في الوسط ، و لاتحتاج إلى كثرة مجهودات ، بل ذكاء وحيل و تصرف يضمن السلامة من الأذى ، هناك تعلم أساليب المعاملة ، لو بقي على عفويته لارتكب الكثير من الجرائم داخل السجن و لبقي هناك أبد الدهر ، قدم حزمة بقدنوس و ليمونتين للزبونة و رجع إلى رياضته العقلية و فسحته " الحياة مسرح كبير تتغير فيه الأدوار كل لحظة ، و الكيس من يتقن تقمص الدور الذي يقتضيه الموقف ، لن يتأتى ذلك إلا لقارئ الأحداث و العارف بمنطق الكون . رغم ذلك فهذان الطفلان نقرا نقرة الليونة في فؤادي ، أرى فيهما رمزا للبراءة ، رمزا للبدايات الأولى ، وقتها كانت حتى الطبيعة تكلم وترشد الإنسان يوم كان جزءا منها يسير وفق نواميسها ، يتأبط سذاجته فتجعل له مخرجا من كل الآفات ، أما اليوم حيث يعتبر الإنسان نفسه أهلا و قوة بيدها مفاتيح المستقبل ، فالطبيعة هجرته بل بين الفينة والفينة تغضب منه وتتركه فريسة لنزواته ، هذان الولدان يعشقان الحياة هما ذاكرة الإنسان التي فقدها ، هما مشكاتان قد لا يكفي نورهما لإضاءة الكون لكنهما يملكان ترك بصمة إن استطاعا الصمود ، وخبرا ما يجعلهما يتحملان المنعطفات ؟ أليست الحياة تضطرب بأخطاء بسيطة ، فكم شمسا خسفت في مهدها و كم نبيلا نالت منه المنعرجات ! "
تعكر مزاجه فأحس بلغة الكون تخز فسحته ، لاشك أن صدمة هزت قلعة حصينة ، لكنه متمرس على كبح نزوات نفسه التي تحاول بين الفينة والفينة الزج به إلى مقارعة الحزن ، إنه يقظ ، العاصفة زمنها قصير إلا على الذين يكابرونها و يعاندونها ، فكل ما انتصب أمامها شقى و تكسر قوامه ، ومن انحنى تركته سالما آمنا ، إنه ناموس الطبيعة ، لا يجابه الحزن إن زاره كي لا يترك في نفسه كسورا لن تجبر يوما . أخبره عقله أنهما في لجة فوضى يعتصرهما الألم ، فقلبه مربوط بتلابيب قلبيهما ، عاش معهما عاما كاملا ، رآهما منذ اليوم الأول في السوق ، حين جاء ناصر ، وقفت وقفة عجيبة تسجل كل حركاته و ملامحه ، مد إليها الكزبرة لكنها لا تبالي ، قام ثم جلس و لا حياة لمن ينادي ، إنها وجدت من تبحث عنه ، التفت نحوها مرتين في الأولى مستغربا و الثانية مبتسما ، إنها لغة القلوب . عند ذاك فقط استرجعت نفسها و قالت : " أين حزمي ؟ " نظر إليها ولم يجب و اكتفى بالإشارة نحو قفتها و رفع صوته عاليا : " كزبرة...ليمون... يا محبي الأسماك " نظرت نحوه باشمئزاز و ابتلعها السوق .
أخيرا جاءها الرد بشغور مقعد في طائرة ستقلع بعد ساعتين ، دفعت ثمن التذكرة عبر الأثير ، و وضبت حقيبتها ، جرتها خلفها مطلقة العنان لشعرها تهزه نسمات قادمة من المحيط ، تودع نخلات كانت تزين الشارع ، وضعت نظارات شمسية كي لا تتأذي عيناها من تفاصيل وجوه لفحها القحط ، وجردتها الخيبات من نضارتها ، تذكر خطاب أمها كما تلك المواويل التي يكررها السياسيون ، انتهى عصر التوجيه أيها العالم القاحل ، مات عصر الدروشة و القبول بأشباه الحلول ، إنه عصر التخلص من كل المعطوبات ، مات عصر الإصلاح ، تلفاز معطوب إلى الكسارة ، صنبور يقطر إلى المزبلة ، حاسوب معطل إلى المطرح ، كلام هزيل إلى مهب الريح ، إنه عصر الكينونة بالفعل والقوة معا ( أكون أو لا أكون ) تراخت خطواتها فكلما اقتربت منها سيارة زادت من سرعتها ، حظها مع المواصلات غير موفق اليوم ، طوال مدة خدمتها الرتيبة في الشركة ، اكتسبت ثقافة لم تكن يوما بها عليمة ، تأثير البعيد في الفعل ، دورة النجوم والأيام المشؤومة ،ماورائيات تكبح الفعل و الفوز، طرق يائسة في التعامل مع الصعاب ، وضع تميمة ، ارتداء خميسة وغيرها من الأوهام ، إنها نظرية المؤامرة تحيط بالفعل ، تبريرات للفشل ، وتهدئة للعقد و الإحباطات إلى حين . تأففت من هذه اللعنة المقيتة التي تلبست تفكيرها ، تريد أن تتحرر ، أن تعود إلى سابق عقلها الناضج المؤمن بالقدرة على الفعل عندها استجابت سيارة أجرة لطلبها الملح ، نطقت بكلمة المطار فعاود السائق المسير بدون إجابة ، يا لها من طريقة في التعامل مع الزباء ، كلنا تافهون ونصر على تفاهتنا ، أف تقترب ساعة الرحيل ، لوعلمت بأنها ستواجه هذه المعضلة ما استحمت و ما وقفت تلك الدقائق أمام المرآة ، يزداد غبضها ، إنها ذات العجلات الثلاثة تقف لها أخيرا دون أن تسألها الوقوف ، إلى أين يا كتكوتة ؟، كادت تصفع وجه السائق جراء هذا التحرش الظاهر، لولا أنها بحاجة لهذه الخدمة اللعينة لأوقفته عند حده ، دراجة بهئية أسيوية كانت تستعمل فقط لنقل البضائع ، الآن تحمل البشر بلا ترخيص ، إن وقعت حادثة فلا تأمين ولا تعويض ، وقف عند الميكانيكي قائلا : "لا تبتئسي يا غزالة سيصلح الدراجة بسرعة " ما هذا الحظ الموفق ؟ دفنت وجهها بين ركبتيها و طفقت تتأمل المشهد ، "هل أصحاب المكان يرغبون في بقائي ، تبا لهذه الترهات التي تأتيتي رغما عن أنفي ، وهذا الزنديق الذي يتغزل بي كل حين ، هل لم يبق من المصائب غيره " تذكرت أنه عندما يكون الفرد في حالة عصبية رهيبة فأحكامه لا تكون موفقة ، بل يؤول دماغه كل شيء بسلبية .
أخيرا وصلت إلى بوابة المهجر ، فكرت أن تمسح زوج حذائها قبل دخولها لكنها فضلت أن تمسحهما عندما تكون في المدرج ، بدأت إجراءات الدخول ، مع كل ولوج يطن الصفير في أذنيها ، فتعاود الكرة وهي تتخلص من حليها و ملابسها ، لم يتوقف الطنين فصحبها الحراس إلى غرفة خاصة و أمروها بالانتظار ، تتنتظر وتنتظر حتى أقلعت الطائرة ، فجاءها ضابط معتذرا عن الإزعاج و مفسرا سبب التأخر بعطل في شبكة الاتصال بمصالح الأمن لمراقبة البطاقة الوطنية و جواز السفر ، مكررا أسفه قائلا : " يمكنك الدخول فسجلك نظيف خال من المخالفات ". أخذت أوراق هويتها ثم عادت أدراجها وهي تقول : " سأبقى هنا لأحارب ..."
4..........يتنقل ناصر بين روافد الشركة حيث أمضى يوما كاملا في مصنع النسيج ، وضع القيّم بين يديه الكثير من الأوراق و الوثائق و المستندات والملفات ، هذه للعمال و مطالبهم و تلك للمواد الأولية و أخرى للآليات ، راجع معه كلفة الإنتاج و قيمته و نسب الربح . نقل إليه اقتراحات الترسيم والترقية ، تداولا كثيرا في السبل الممكنة للرفع من جودة المنتوج و تطويره و تخفيض التكلفة حفاظا على تنافسية عالية وضمانا للتواجد في الأسواق و المحافظة على الزبناء . في اليوم الموالي شد الرحال إلى مزارع الخضر والحوامض ، هناك وقف على معايير دقيقة في الزراعة ، إنها لغة الكمياء في الإنتاج ، كميات موزونة في الأسمدة و أصناف رفيعة من البذور و الشتلات في مشاتلها تحظى بعناية و رعاية تفوق تلك التي يحظى بها الأبناء في المشافي ورياض الحضانة ، مياه السقي توزعها أنظمة الحواسيب بالمليلترات ، يشرح المهندسون ويشرحون و هو لا يستوعب مثقال ذرة مما يتفوهون به ، تساءل أين كان طوال هذه المدة ، لكأنه كان يعيش في كوكب آخر . يرجع ليلا مهموما غير قادر على استيعاب كل تلك العوالم ، يتساءل متثائبا إن كان قادرا على تحمل هذه المسؤولية . في شركة النقل يستعرض المدير عدد الحافلات المخصصة للعمال ، عدد الشاحنات من النوع الكبير الخاصة بنقل الخضر إلى الميناء ، عدد الشاحنات المتوسطة التي تقل السجاد إلى محطة القطار ، عدد لترات البنزين المستهلكة ، فواتير قطع الغيار و تكاليف الصيانة و تجديد الأسطول . رجع إلى مكتبه منتفخ الرأس ، تجرع قرصا فوارا و هو يأذن للمدير بالدخول : سيدي لديكم مجموعة من الدعوات ، لقاء مع منتجي الحوامض ، دعوة من وزير النقل ، لقاء مع رئيس جمعية المقاولين ، لقاء مع ممثلي النقابات ، للإشارة سيدي فكلهم يباركون لكم منصبكم ، لا تنسى إدخال طلب الحضور إلى التجمع الحزبي إلى الأجندا سيدي ، وهناك موضوع هام أيضا فرئيس قسم الضرائب في مكالمة هاتفية يتمنى التعرف عليكم في أقرب وقت . بدأ يعرف لماذا لا يرى أباه طوال مدة دراسته إلا للحظات قليلة ، تنهد و تمطط و قام إلى منزله مقفلا هاتفيه ، وجد أمه وحيدة تفترسها الوحدة ، أبوه على السرير فاقد للسيطرة ، أخته هناك في بلاد الغرب تلتهم دروس عالم اليوم ، تأمل هذا الشتات ، طلب من الخادمة كوب ماء ، أحس بالضيق ، فغادر من جديد يبحث له عن مكان آمن ، عن فضاء واسع فسيح ، فروحه تكاد تغادر ، في هذا الأسبوع بدأ وزنه يخف و ملامحه تشحب ، وصفرة تعتري وجهه الداكن .
صالحة قامت صباحا في بذلتها الرياضية توجهت نحو البحر ، وجدت العالم هناك هادئا ، دخلت المياه الباردة بعد أن أكملت تمارينها ، تمططت على الرمال وهي ترتب أجزاء خطتها ، استعرضت معطياتها ، إمكانياتها ، أهدافها ، و بدأت تفكر في التفاصيل الجزئية هذه تحاج إلى ورقة وقلم و أيضا إلى حاسوبها ، طوال الأسبوع تنقح خطتها ، رياضة وحاسوب وقلم وأوراق ، إنه الإصرار على الوجود . أمها تحاول مواساتها فترد عليها :" لاعليك أمي أنا نسيت الوضوع ، وسترين قريبا قدراتي ، فأنا صنيعة أمي " من بريق عينيها رجعت بأمها إلى الأيام الخوالي ، فتمتمت الأم مبتعدة عنها : "لطفك يا الله ."
باكرا يقتني بضاعته من سوق الجملة و يستقبل سوق السمك ، يبيع طيلة اليوم تحت ظلته مستمتعا بالأفواج الآدمية التي تغدو خماصا و تروح بطانا ، عند مقدم الليل يجمع أدواته و أعشابه ، في طريقه إلى بيته يوقف دراجته واهبا بقية الأعشاب للجمعية الخيرية ، يصل إلى بيته تستقلبله زوجته برفق ، تسأله عن جديد السوق ، يحكي لها تفاصيل اليوم ، يفرغ محفظته على المائدة ، ترتب خديجة النقود قطعا وأوراقا ، ترجع إلى المحفظة رأس المال لزوجها ، تأخذ مصروف الغد تضعه في المطبخ ، و تقبل ماتبقى و ترميه في صندوق خشبي في غرفة النوم ، في نهاية كل شهر تعد ما في الصندوق تدفع منه فواتير الماء والكهرباء ، تقتني منه بعض الأواني و الملابس الضرورية ، وتحمل الباقي إلى البنك ، أسرة تعيش على مهل ، في هدوء ، زوجت بنتها البكر و ابنها يعيش مع زوجته في بيته ، أسرة مقتصدة تعيش على باب الله ، لكل يوم رزقه تمطره السماء ، تعاظمت ثروة بائع الكزبرة فاضحى ملاكا للعقارات ، و تضخ في حسابه البنكي الدراهم كل شهر ، رغم ذلك لم يركب المال حياته ، و لم تتغير طبائعه ، فهو مؤمن أن المال فقط لإنقاد الروح من الفقر. يحكي لزوجته قصة العشيقين ، يتذكران عندما التقيا لأول مرة ، كان أبوها بائع الأعشاب و هو مساعده عند خروجه من السجن ، آواه في بيته و زوجه ابنته الوحيدة.
أوصته زوجته أن يبتعد عن طريقهما ، ويترك الأقدار تسري بهما نحو مسارهما ، وأن لا يتدخل فيما لا يعنيه ، فربما المصائب تأتي من حيث تظهر أمارات النور ، يؤمن بأنه تزوج أكبر حكيمة في الكون ، يؤمن أن لو تعطى الشهادات على المنجزات لنالت من الدرجات أعلاها ، لكنه أيضا يعتقد أن حدسها لم يوفق اليوم ، إنها لم تشاهد نظرات الولدين ، لم تر شوقا في عينيها وهي قلقة على غيابه المفاجئ ، لم تعرف عن قرب عذرية الفتى و لا معدنه و هو يداهم السارق بشجاعة .
فقرر المضي في طريق معرفة الشابين و المساهمة في تحقق أحلامهما .
5..........أخيرا حظي برؤيتها بعد طول انتظار ، حاول استجماع ما يكفي من المعلومات عن الشابين ، يريد أن يدرس الحالة ليتدخل بلمسة سحرية تكسر جمود علاقتهما ، الحب عن بعد ما أظلمه من حب ، يريد أن يكون تلك الصدفة المفائجة التي تجمع بين روحين ، يتمنى أن يكسر تلك الحواجز التي تحول بينهما وبين السعادة ، تشاءم من غيابهما الطويل ، لكنه يعرف أن الطيبين لا يتخلصون من أحزانهم بسهولة ، إنها لعنة العناد تؤثر عليه، لم يجمع إلا القليل من المعلومات عن ناصر ، فحتى البحارة لا يعرفون عنه الكثير ، يقولون إن أباه ربما لم يتعاف من مرضه ، و ربما يكون ميتا ، و هو رجل ذو شأن عظيم هذا ما كان ناصر يقول . وصلت أمامه بخطواتها المتثاقلة و علامات السنين ظهرت على وجهها الصارم ، كادت أن تمر دون أن يكلمها ، لكنه أخيرا اهتدي إلى عرض خدعة مسرحية : " يا مدام..، ألا تريدين كزبرة ؟" رجعت بخطوتين إلى الوراء و تأملت ذلك الوجه الذي طعنته عواصف الزمان قائلة : " هيا حزمتين من كل نوع " وجدها فرصة سانحة للاستفسار عن صالحة ، فمرارا كانت تصاحب أمها في الماضي البعيد : "هل صالحة بخير ما عدت أراها في السوق؟ " استغربت الأم من هذا السؤال فواصل موضحا : : " إنها زبونتي و تضررت من غيابها " فردت متنهدة:" قصتها طويلة يا ...." بسرعة قال : "أحمد أحمد سيدتي" وهو متلهف لمعرفة المزيد ، " السيد أحمد ، لقد فقدت وظيفتها وهي الآن تحاول بناء نفسها من جديد .." قال ضاحكا : " حسبتك ستقولين تزوجت وغادرت المدينة ...." نظرت إليه بابتسامة : " وهل شباب اليوم يفكرون في الزواج ، آه مضت الأيام الحلوة يا.... " فهب لنجدتها : " أحمد أحمد سيدتي " و لما همت بالذهاب قدم لها حزمة مجانا قائلا : " لا تنسي أن تسلمي عليها .." ردت عليه بنظرة اعتراف وامتنان وهي تستبشر في قرارتها : " أن الدنيا لا تزال بخير ، رغم كل مظاهر الفوضى .."
تمر الأيام ولا تتقدم خطواته ، فلاهي ظهرت في السوق و لا ناصر وصل إليه واحد من رفاقه ، عاد أحمد إلى طبعته القديمة و ظن أنها زوبعة صيف عابرة ، و عمر العاصفة لا يطول ، فإن كان لم يحظ بغنيمة تقريب الحبيبين فهو على الأقل ما خسر شيئا .
صالحة تطوف على المكاتب وتهيء أوراق مقاولتها ، تسافر إلى القرى النائية و تجالس التعاونيات النسائية وهن يعانين من قلة الكفاءة و قلة الطلب ، تأخذ عينات من منتوج الزيوت و العسل و التوابل ، تطير نحو بلاد المهجر التقت بصديقات الدراسة ، كن في حاجة إلى دفعة تنتشلهن من رتابة المكاتب ، وضحت لهن فكرتها وافقت اثنتان منهن على توزيع المنتوج ، هيأن ملفات الشركة بسرعة البرق و اقترضن الملايين من البنوك استعلمن عن المنتوجات عند ذوي الاختصاص ، طبعن آلاف الملصقات والصور تعلوها علامة تجارية جديدة ، تلقين آلاف الطلبات .
حملت هدايا كثيرة في رحلة عودتها ، هذه لمدير الوكالة البنكية الذي سيمنحها دفعة البداية ، و تلك لمسؤول الجمارك الذي سيحررها من قيود التصدير ، و أخرى للموظفين الصغار في كل المكاتب التي ستضطر للتعامل معها .
نجحت الفكرة أخيرا بتصدير دفعتها الأول فوضعت قدمها الأولى في ميدان الأعمال.
ناصر غارق في فوضوية السوق ، في اجتماع مجلس الإدارة ، حاول إقناع المساهمين باستغلال مدخرات الشركة في تعويض خسارة فساد المنتوج الزراعي فبضاعتها ردت إليها ، مئات الأطنان من الخضر والفواكه تم تفريغها في عرض البحر ، والتحقيقات جارية لتحديد المسؤولية ، و خبراء الإتحاد الأوربي قادمون لزيارة قلاع الإنتاج والوقوف على أسباب الكارثة . لطفي غريمه في الشركة رجل خمسيني لا يؤمن بالخسارة هدد ببيع أسهمه و إغراق الشركة إن تم استغلال مدخراتها ، ناصحا ناصر بالإقتراض من الأبناك على أسهمه أو بيع جزء منها لتسوية مشاكله ، فالشركة لم تكن يوما في خطر إلا يوم تولى القيادة . عرف ناصر أن خصمه يكيد له كيدا ، واستغل خبرته في تعكير صفاء الشركة ، من أين له بالنقود ، إن قلص أسهمه فمنصب رئيس مجلس الإدارة في مهب الريح ، إن اقترض من الأبناك تأجلت الأرباح لسنوات عديدة ، دعا إلى مكتبه غريمه ، عرض عليه اقتسام الخسارة بين الأسهم و المدخرات فبالكاد وافق لطفي تحمل المدخرات لعشرين بالمئة من الخسارة مما يجعل ناصر سيتخلى على أربعة في المئة أسهمه ، هذه النسبة على الأقل لن تمنح لغريمه منصب القيادة ولو قام باقتنائها .
لطفي كانت خطته السيطرة على الشركة ، لكنه في ذات الوقت يتوجس من استمرار التحقيقات فلو تعثرت الشركة ستتدخل الدولة بثقلها فهي مشاركة فيها بنسبة رمزية لتضمن مراقبة الشركة كشريك . فأجل مشروعه إلى حين .
تهلل وجه أحمد وهو يرى العصفورة تحوم حول دكاكين السمك ، تغير شكلها قليلا ، ربما صورتها ، أصبحت أكثر جرأة تتحدث إلى الباعة بثبات بل ترد على غمزهم بدعابات فتطول القهقهة ، توجهت نحوه دون أن تنظر في عينيه ، وصلت أخيرا و حدقت فيه وابتسمت: " وصلتني رسالتك و شكرا لك على الاهتمام " فرد عليها بفضول : " وما أخبار ناصر ؟" تغيرت ملامحها وبرقت عيناها بريقا مفزعا لكنها تمالكت نفسها : " حكاية قديمة ربما للنسيان " نظر إليها بحنان قائلا : " بابنيتي إنه لرجل صالح ، فتى بريء ، شبل شجاع و إني لأراكما خلقتما لبعض ، فما الذي يحول بينكما " تأملت هذا الوجه البشع يذكرها بالبطولات والملاحم و تلك العنتريات البالية ، و ذلك الصفاء والنقاء ، .. لكنها في غنى عن دخول جدالات قاحلة لا طائل منها ، إنها اليوم تتقن لغة السوق ، ربح وخسارة لا غير ، و عندما رأت حديثها مع بائع الكزبرة خسارة للوقت قالت : " أستأذنك فمشواري طويل وأنا مازلت في بداية الطريق .." فرد عليها : " إن كنت في حاجة إلى مساعدة فأنا رهن الإشارة ." ضحكت مقهقهة في دواخلها : " مساعدة من بائع الكزبرة ، أي حمق أكبر من هذا ، وعندما تمكنت الفكرة من دماغها تذكرت ناصرا وهو في ثوب الحمال و بين ليلة وضحاها وجدته على وثاب فاخر يؤشر على ورقة طردها ، أيكون بائع الكزبرة على هذا النحو ، لا بد من طريقة للوصول إلى الحقيقة . "
نستكمل الرحلة بعد لحظات
تعليق