*
*
جلسَتْ على شُرفَتِها، تتأمَّلُ السّماءَ والشّجر، تُفكّرُ في اهتمامها الزائد بكلِّ شيء !
" إنها مسؤولية " -تقولُ في نفسها- " وإذا عَمِلَ أحدُكم عملاً فليتقنهُ "، تُفكّر في أمر طُلّابِها : " مريم تحتاج للتقوية في القراءة، أدهم يجبُ أنْ يُعطيَ وقتاً لدراسته، سأُخبرُ أُمّهُ أنْ تمنعَهُ من اللعب إلى أنْ يحفظَ تصريفَ الأفعال، قمر الصّغيرة يجب أنْ أعدَّ لها درساً نموذجيّاً لتتعلّمَ التفرقةَ بين الجيم والحاء والخاء.... " كلّ هذا القلق كانَ يضعُها على حافّةِ الجّنون، فَتُهَدِّئُ نفسها ببعضِ كلمات: " لا يُعقلُ أنَّ جميعَ المُدَرِّسين يفعلونَ مثلي، لا شكَّ أنّي أُحَمِّل نفسي فوق طاقَتِها.... ".
بدا لها أنَّ كثرةَ التفكيرِ تأخذُ حيّزاً كبيراً من حياتِها، فكّرَتْ في عَددِ المرّاتِ التي شرَدَتْ فيها مُنشغِلةً بما يُفيد وما لا يُفيد، تذكَّرتْ تلكَ اللحظات التي لطالما كانتْ ذاتَ أثرٍ سيّءٍ عليها.
تراءَتْ لها تلك الصّورةَ عندما كانت في مزرعةِ خالِها، كيف جلبَتْ كُرسيّاً ووضعتْهُ أمام الكلب المربوط إلى الشجرة ! جلسَتْ على الكُرسيّ وأخذتْ تنظرُ إلى ذاك المخلوق، حيثُ كان هادئاً حينها، وأخذَها الشرودُ لدقائق، فانقضَّ الكلبُ عليها، وإن كادَ لينال منها لولا الحبل الذي يُقيّده، بلحظةِ الفزع تلك، دفعتْ نفسها بكرسيّها إلى الوراء فوقعَتْ، نهضتْ سريعاً وطفقتْ تجري باكية..
تذكّرتْ أيضاً من أيام الطفولة، يومَ كانتْ تلعبُ مع أقربائِها أمام منزلهم في إحدى المناطق الريفية، كان الوقت عصراً وكانت قد مَشَتْ قليلاً مُبتعدةً عنهم، مأخوذةً بجمال حقول الذُّرة المُمتدّة على يسارِها، تستشعرُ النّسَماتِ الحانية وهُنَّ يُداعِبنَ شَعرها ووجنتيها.. يتخَلَّلْنَ أغصانَ الشجرِ.. يُراقصْنَ النباتات المفروشة في أحضانِ المزارعِ الغنّاء. في هذه الأثناء تصارَع أقرباؤها مع أبناء جيرانهم، ثُمَّ هربوا ودخلوا منزلهم، وبينما هي تمشي سارحةً في الطبيعة المُلهِمة، مرَّ أحدُ أبناءِ الجيران مسرِعاً على درّاجته، ولم يجد أحداً أمامه غيرها، ظَنَّ أنّها قد شاركتْ أقرباءَها في لعِبِهم المُزعِج، زادَ سرعتَهُ عازماً على شيءٍ من الانتقام، وصفعَها بيدهِ من الخلف على رأسها ليُوقِظَها من شرودِها بالكامل.. !
أتتْ على بالها أيضاً تلك الرّحلة المدرسيّة في أيّام الإعداديّة، إلى حيثُ الشّلالات القويّة المُندفعة من أعالي الجبال، تذكّرتْ كيفَ اتَّفقَتْ مع صديقتيها على تسلُّق الجبل بهدف الوصول إلى المكان الذي تتدفّق منه المياه ! تسلَّلتْ الثلاث حينذاك من حيثُ لا يراهُنَّ المُراقِب، ومن زاوية الجبل بدأْنَ بمغامرةِ التّسَلُّق، مُندفعاتٍ بكلِّ حُبٍّ يكتشفْنَ هوايتَهُنَّ الجديدة. مرَّ وقتٌ طويلٌ، إذ صعدْنَ بتأنٍّ ورويّة، يتوخَّيْنَ الحذر معَ كلٍّ خطوة.
لم ينتبهْنَ إلى غروب الشّمس، كُنَّ مُستمرّاتٍ بالصّعودِ قُدُماً إلى أن وصلْنَ منبعَ الشّلال. نظرْنَ إليهِ والنّشوةُ تغمرْهُنّ، لكن لم تَدُمْ فَرحَتَهنّ، ما إنْ نَظَرَتْ إحداهُنَّ للأسفل حتى صرخَتْ: " سيُغادِرون " حيثُ رأتهُم يَحزِمونَ حقائِبَهُم ويتجهّزونَ للرّحيل. " كيفَ لم ننتبِه سابقاً !؟ " قالتْ الأُخرى " سينسَوننا هنا بينَ الجبال والمياه " ردّت عليها : " لا وقت للثرثرة الآن، هيّا بنا ننزل ". لم يتخيّلْنَ أنَّ النّزول سيكون أصعب وأخطر من الصّعود، إذ صعَدوا برويَّة والآن هُنّ مُجبراتٌ على النّزولِ سريعاً، لكن لحسنِ حظّهِنّ أنَّ سفحَ الجبلِ كانَ على شَكلِ مُدَرَّجات، فَكُنَّ يندلقْنَ الواحدة تلوَ الأُخرى درجةً درجة، فيَصطَدِمْنَ ببعضِهنّ حتى تكادُ الواحدة مِنهُنّ تَرمي بالأُخرى للأسفل دونَ قصد. تمَّ الأمرُ على خير، وبالكاد تمكَّنَّ من اللحاق بمجموعةِ التلاميذ الذينَ أخَّرَتْهم صعوبةُ السَّير في تلكَ المنطقة المليئة بالطّرقِ المائيّةِ التي يتوجَّبُ اجتيازُها بِحذَرٍ لاجتنابِ الوقوعِ في الماء...
استعادتْ أيضاً صورة البحر، وأحجار الشاطئ الملوّنة التي تتلألأ في عينيها، فتنسى نفسها بينما تلتقطُ حجارته، وتنسى أنَّ عليها الحذر وأنّها لا تُجيد السّباحة. تتقدّم إليه رويداً رويداً، والأمواج تندفع موجة تلو موجة، فجأةً تغمرُ المياهُ ساقَيْها، وتكاد الموجة تبتلعَها، فتصحو قبلَ فواتِ الأوان !
دخلَ زوجُها بغتةً فالتفتتْ إليه، " ماذا تفعلين !؟ " قال ساخراً " ابريقُ الشّاي يستجير، قد تبخَّرَتْ مياهُهُ يا عزيزتي! هل تودّينَ أنْ أُحَضِّرَ أنا غَيرَه !؟ " ردَّت عليهِ مُمازِحةً:
- " ..من فضلك، الشّاي التي تُحَضّرُها أنت لا تصلح للشّرب أبداً " . نهضَتْ وتوجَّهَتْ إلى المطبخ.
- " هكذا إذاً ! حبيبتي.. إن استمرّيتِ في شرودكِ هذا، فلا أحد يعلمُ ماذا يمكنُ أنْ تكونَ العواقب .. "
تنهَّدَتْ بحزنٍ بينما تُسائِلُ نفْسَها: " مُباليةٌ جدّاً أنا ، أم عديمةُ المُبالاة . . ! ! ! ؟ " ....
*
*
*
جلسَتْ على شُرفَتِها، تتأمَّلُ السّماءَ والشّجر، تُفكّرُ في اهتمامها الزائد بكلِّ شيء !
" إنها مسؤولية " -تقولُ في نفسها- " وإذا عَمِلَ أحدُكم عملاً فليتقنهُ "، تُفكّر في أمر طُلّابِها : " مريم تحتاج للتقوية في القراءة، أدهم يجبُ أنْ يُعطيَ وقتاً لدراسته، سأُخبرُ أُمّهُ أنْ تمنعَهُ من اللعب إلى أنْ يحفظَ تصريفَ الأفعال، قمر الصّغيرة يجب أنْ أعدَّ لها درساً نموذجيّاً لتتعلّمَ التفرقةَ بين الجيم والحاء والخاء.... " كلّ هذا القلق كانَ يضعُها على حافّةِ الجّنون، فَتُهَدِّئُ نفسها ببعضِ كلمات: " لا يُعقلُ أنَّ جميعَ المُدَرِّسين يفعلونَ مثلي، لا شكَّ أنّي أُحَمِّل نفسي فوق طاقَتِها.... ".
بدا لها أنَّ كثرةَ التفكيرِ تأخذُ حيّزاً كبيراً من حياتِها، فكّرَتْ في عَددِ المرّاتِ التي شرَدَتْ فيها مُنشغِلةً بما يُفيد وما لا يُفيد، تذكَّرتْ تلكَ اللحظات التي لطالما كانتْ ذاتَ أثرٍ سيّءٍ عليها.
تراءَتْ لها تلك الصّورةَ عندما كانت في مزرعةِ خالِها، كيف جلبَتْ كُرسيّاً ووضعتْهُ أمام الكلب المربوط إلى الشجرة ! جلسَتْ على الكُرسيّ وأخذتْ تنظرُ إلى ذاك المخلوق، حيثُ كان هادئاً حينها، وأخذَها الشرودُ لدقائق، فانقضَّ الكلبُ عليها، وإن كادَ لينال منها لولا الحبل الذي يُقيّده، بلحظةِ الفزع تلك، دفعتْ نفسها بكرسيّها إلى الوراء فوقعَتْ، نهضتْ سريعاً وطفقتْ تجري باكية..
تذكّرتْ أيضاً من أيام الطفولة، يومَ كانتْ تلعبُ مع أقربائِها أمام منزلهم في إحدى المناطق الريفية، كان الوقت عصراً وكانت قد مَشَتْ قليلاً مُبتعدةً عنهم، مأخوذةً بجمال حقول الذُّرة المُمتدّة على يسارِها، تستشعرُ النّسَماتِ الحانية وهُنَّ يُداعِبنَ شَعرها ووجنتيها.. يتخَلَّلْنَ أغصانَ الشجرِ.. يُراقصْنَ النباتات المفروشة في أحضانِ المزارعِ الغنّاء. في هذه الأثناء تصارَع أقرباؤها مع أبناء جيرانهم، ثُمَّ هربوا ودخلوا منزلهم، وبينما هي تمشي سارحةً في الطبيعة المُلهِمة، مرَّ أحدُ أبناءِ الجيران مسرِعاً على درّاجته، ولم يجد أحداً أمامه غيرها، ظَنَّ أنّها قد شاركتْ أقرباءَها في لعِبِهم المُزعِج، زادَ سرعتَهُ عازماً على شيءٍ من الانتقام، وصفعَها بيدهِ من الخلف على رأسها ليُوقِظَها من شرودِها بالكامل.. !
أتتْ على بالها أيضاً تلك الرّحلة المدرسيّة في أيّام الإعداديّة، إلى حيثُ الشّلالات القويّة المُندفعة من أعالي الجبال، تذكّرتْ كيفَ اتَّفقَتْ مع صديقتيها على تسلُّق الجبل بهدف الوصول إلى المكان الذي تتدفّق منه المياه ! تسلَّلتْ الثلاث حينذاك من حيثُ لا يراهُنَّ المُراقِب، ومن زاوية الجبل بدأْنَ بمغامرةِ التّسَلُّق، مُندفعاتٍ بكلِّ حُبٍّ يكتشفْنَ هوايتَهُنَّ الجديدة. مرَّ وقتٌ طويلٌ، إذ صعدْنَ بتأنٍّ ورويّة، يتوخَّيْنَ الحذر معَ كلٍّ خطوة.
لم ينتبهْنَ إلى غروب الشّمس، كُنَّ مُستمرّاتٍ بالصّعودِ قُدُماً إلى أن وصلْنَ منبعَ الشّلال. نظرْنَ إليهِ والنّشوةُ تغمرْهُنّ، لكن لم تَدُمْ فَرحَتَهنّ، ما إنْ نَظَرَتْ إحداهُنَّ للأسفل حتى صرخَتْ: " سيُغادِرون " حيثُ رأتهُم يَحزِمونَ حقائِبَهُم ويتجهّزونَ للرّحيل. " كيفَ لم ننتبِه سابقاً !؟ " قالتْ الأُخرى " سينسَوننا هنا بينَ الجبال والمياه " ردّت عليها : " لا وقت للثرثرة الآن، هيّا بنا ننزل ". لم يتخيّلْنَ أنَّ النّزول سيكون أصعب وأخطر من الصّعود، إذ صعَدوا برويَّة والآن هُنّ مُجبراتٌ على النّزولِ سريعاً، لكن لحسنِ حظّهِنّ أنَّ سفحَ الجبلِ كانَ على شَكلِ مُدَرَّجات، فَكُنَّ يندلقْنَ الواحدة تلوَ الأُخرى درجةً درجة، فيَصطَدِمْنَ ببعضِهنّ حتى تكادُ الواحدة مِنهُنّ تَرمي بالأُخرى للأسفل دونَ قصد. تمَّ الأمرُ على خير، وبالكاد تمكَّنَّ من اللحاق بمجموعةِ التلاميذ الذينَ أخَّرَتْهم صعوبةُ السَّير في تلكَ المنطقة المليئة بالطّرقِ المائيّةِ التي يتوجَّبُ اجتيازُها بِحذَرٍ لاجتنابِ الوقوعِ في الماء...
استعادتْ أيضاً صورة البحر، وأحجار الشاطئ الملوّنة التي تتلألأ في عينيها، فتنسى نفسها بينما تلتقطُ حجارته، وتنسى أنَّ عليها الحذر وأنّها لا تُجيد السّباحة. تتقدّم إليه رويداً رويداً، والأمواج تندفع موجة تلو موجة، فجأةً تغمرُ المياهُ ساقَيْها، وتكاد الموجة تبتلعَها، فتصحو قبلَ فواتِ الأوان !
دخلَ زوجُها بغتةً فالتفتتْ إليه، " ماذا تفعلين !؟ " قال ساخراً " ابريقُ الشّاي يستجير، قد تبخَّرَتْ مياهُهُ يا عزيزتي! هل تودّينَ أنْ أُحَضِّرَ أنا غَيرَه !؟ " ردَّت عليهِ مُمازِحةً:
- " ..من فضلك، الشّاي التي تُحَضّرُها أنت لا تصلح للشّرب أبداً " . نهضَتْ وتوجَّهَتْ إلى المطبخ.
- " هكذا إذاً ! حبيبتي.. إن استمرّيتِ في شرودكِ هذا، فلا أحد يعلمُ ماذا يمكنُ أنْ تكونَ العواقب .. "
تنهَّدَتْ بحزنٍ بينما تُسائِلُ نفْسَها: " مُباليةٌ جدّاً أنا ، أم عديمةُ المُبالاة . . ! ! ! ؟ " ....
*
*
تعليق