زمردة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    زمردة

    زمرّدة

    تحلقوا حول مائدة الوداع وأرواحهم تتعانق على أمل لقاء لن يكون بعيدا، كل واحد منهم سيشق حياته وحيدا، وقد تسلحوا بما يكفي من زاد معنوي يرفع مخزونهم من التحدي والإقدام، السكون يلبد مرحهم المعتاد، وأطياف الصّمت هدهدت صدى أصواتهم المتعالية فخفتت هامسة كأنها نبضات قلوبهم المثقلة بالفراق. سعيد بخفّة دمه ووجهه البشوش وهواياته المتعددة، صالح بإيقاعه البطيء، كاظم بوجهه الغامض ونظرته الحية.
    جلس عشيق يحصي الأعوام التي قضاها بعيدا عن أصدقائه، منذ انتشروا في الأرض غابت عنه أخبارهم، وأمعنت السنين في طمس تفاصيل أحوالهم ودقائق ملامحهم، صور شبابية بالأبيض والأسود هي ما يبعث في ذهنه قسماتهم، فيحيي بعض رحم صداقة أتاها الزمن من جذورها، فأضحت كشجرة خريفية تنصلت من أثوابها فاستحالت شبحا ينبعث من رماد الذكريات حين القنوط.
    لا يعرف من أين المبتدأ، فصحبتهم لم تدم غير سنة واحدة في ذلك المعهد المصر على التعالي، كلّ ما احتفظت به ذاكرته هو موطن سعيد، إنهم يلقّبونه نسبة إلى بلدته، لكن تراه يحتفظ بحبه لتراب قريته، أم احتضنته فاتنة أخرى بجداولها الرقراقة و أزهارها البرية، لتنسيه محاسن محبوبته التي شنفت آذان أصدقائه عبر غزلياته المتوالية مع العود، فنمت في قرارتهم رابطة حب وهذه البلدة العذرية: "أحبك زمردتي ... أسرت فؤادي فتاتي الريفية .. مغرم أنا بحشمة تشع من عينيك .. عاشق لتراب يعلو بشرتك السمراء .. آه من سحر لياليك الغناء .."
    تدور العجلات وصديقنا تزدرد عيناه المشاهد الخلابة بذهن صاف تدغدغه تحف الطبيعة، منذ أن ترجل بسيارته من السفينة وهو يلوح بكلتا يديه للعربات التي يقابلها. نغمات مراهقة ضجت بها سيارته، لا يدري متى تسللت أصابعه خلسة لتطبع أرقام المحطة على المذياع. تطول المسافة ليدبّ العياء في جسمه، انتابت خاطره لذغة توجس: "ماذا لو انتهت رحلتي عبثا؟ ماذا لو تعذّر التواصل بيني وبين أحبّتي؟ ماذا لو بعثرت مجرى حياتهم؟ ترانا فعلا أصدقاء أو مجرّد رفقة ضرورة رغم ما طبعها من حميمية؟ تتوالى الاستفهامات والوجع يشطر رأسه نصفين، لتنطلق الآهات من أعماقه ناقما على مكر الأعوام التي نخرت قلاع صموده، مصرّة على إظهار ضعفه وإعلان إفلاسه، رمى حبة في فمه أتبعها رشفة ماء رافعا شعار التحدي في وجه عمره الستيني.
    " زمردة تعانق فيكم الروح" هكذا عانقته لوحة ترحيب على أبواب مدينة صغيرة وضاءة بلون بناياتها الأبيض، شوارعها مزدانة جوانبها أزهارا بنفسجية، أرصفتها مبلطة بزليج حمرته رمادية، مدينة تشع ملاحتها فتطبع بسمة انشراح في نفس زائرها، تتطاير الحمامات بين أشجارها مداعبة نسمات الصباح، تطل عليها الشمس مرسلة قبلاتها الذهبية لتشرق في وجوه أهلها ملاحة. أوقف سيارته عند أول مقهى لاحت لافتته من بعيد: "مركب الكاظم يعانق فيكم الروح" انشرحت نفسه متذكرا معزوفة سعيد : " أعشق فيك الروح ..بربك عانقي روحي ، فروحي كما روحك لا تفنى .... روحي روحي أنت زمردتي .."
    تناول فنجان قهوة فأحس نكهة غريبة رحلت به إلى أيام الشباب فتفتحت أسارير ذاكرته، وبدأت تطفح بالذكريات: " هذه خلطتك أيها الصالح! عجيبة أنت يا زمردة!" تقدمت نحوه صبية معتذرة عن إرباك فطوره و هدوئه، فابتسمت روحه العاشقة مبديا رغبة في مجاراتها، كانت أناملها الجذابة تخطّ بقلم وردي إجاباته عن أسئلتها، تذكر فكرته عن العشق: "لا ينجح العشق إلا بالعزف على أماني المعشوق."

    انطلق حتى إذا وصل قلب زمردة النابض، في تلك الخليّة رأى ما أبهج نفسه، سأل مرشدا في المختبر عن اللوحة الفنية المقابلة للباب الرئيسي فرد عليه: "هؤلاء هم المؤسسون الأوائل لزمردة الجديدة، هذا سعيد الزمردي كما يلقبه أصدقاؤه، هو من بنى هذه المدينة وفق فلسفة محبي زمردة." فقال له عشيق: " أين أجده ؟" فأجابه المرشد والدموع تهوي من عينيه: "افتقدناه منذ عشرين ربيعا، لكن تلاميذه واصلوا المشوار، قبره في زمردة القديمة كما أوصى بذلك، فهي لا تزال تحتفظ بعذرتها وتلك أيضا وصيته."
    يطوف المدينة شبرا شبرا مسترجعا أحلام الشباب، شدّ الرحال إلى قبر صديقه منشدا : " أعشق فيك الروح .. فروحك لا تزال هنا ترفرف ...أحبك زمردتي."
  • فاكية صباحي
    شاعرة وأديبة
    • 21-11-2009
    • 790

    #2
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    وما أوجع الذكريات حينما تستطيل دروبُها ليستقيم
    عودُ الحنين تأودًا حتى يعزف بأوتاره الممهورة تلك النغمات..
    التي ستبقى تنزّ بين حروف بوحها الشفيف وهي تقرع طبول الصمت لتعيد الخطى لذات الزمان ..وذات المكان
    وكأن نبضات القلب لا تعير وزنا لأحجار السنين وهي تشيّد أسوارها ..
    محاوِلة ـــ بكل ما أوتيت من قوة ــــــ أن تقيّد صدى من راحوا وهو ينفلت من ربق الحنين ليستقيم بذواتنا
    وكأنه جزء من بقايا نبض أضناه الوجوم وهو يُراوح في مكانه مخلدا عبقَ صداقةٍ سيبقى بنيانهُا أقوى
    من سهام التغرب والاغتراب..


    نص موغل في الجمال بلغتة المتفردة ..ومعانيه السامية التي كانت تطل من وراء الحروف بألق لا يخبو
    بورك فيض ما سكبت أديبنا الكريم نور الدين لعوطار
    ولك مني صادق التقدير والثناء

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      وكأني بك تنشد لأطلال الماضي وتحن له
      توتر الروح واشتياقها للصحبة وأصدقاء مضى ازمان ولم تمض ذكرياتهم
      توجعني الذكريات لكني استطيب وجعها وأنكأ الجروح متعمدة
      مثلك ربما
      نص يتوشح بأزمنة الراحلين وصفاء التواجد روحيا معهم
      روحيا نعمم لأننا وإن افترقنا ستبقى الروح تنشد اللقاء حتى وإن طمرهم التراب
      تحياتي وغابة ورد
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • نورالدين لعوطار
        أديب وكاتب
        • 06-04-2016
        • 712

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة فاكية صباحي مشاهدة المشاركة
        السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

        وما أوجع الذكريات حينما تستطيل دروبُها ليستقيم
        عودُ الحنين تأودًا حتى يعزف بأوتاره الممهورة تلك النغمات..
        التي ستبقى تنزّ بين حروف بوحها الشفيف وهي تقرع طبول الصمت لتعيد الخطى لذات الزمان ..وذات المكان
        وكأن نبضات القلب لا تعير وزنا لأحجار السنين وهي تشيّد أسوارها ..
        محاوِلة ـــ بكل ما أوتيت من قوة ــــــ أن تقيّد صدى من راحوا وهو ينفلت من ربق الحنين ليستقيم بذواتنا
        وكأنه جزء من بقايا نبض أضناه الوجوم وهو يُراوح في مكانه مخلدا عبقَ صداقةٍ سيبقى بنيانهُا أقوى
        من سهام التغرب والاغتراب..


        نص موغل في الجمال بلغتة المتفردة ..ومعانيه السامية التي كانت تطل من وراء الحروف بألق لا يخبو
        بورك فيض ما سكبت أديبنا الكريم نور الدين لعوطار
        ولك مني صادق التقدير والثناء
        الشاعرة فاكية صباحي

        افتقدنا حضورك الوازن في الملتقى
        وافتقدنا هذه اللغة الشامخة

        كوني بخير أيتها الأصيلة

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          وكأني بك تنشد لأطلال الماضي وتحن له
          توتر الروح واشتياقها للصحبة وأصدقاء مضى ازمان ولم تمض ذكرياتهم
          توجعني الذكريات لكني استطيب وجعها وأنكأ الجروح متعمدة
          مثلك ربما
          نص يتوشح بأزمنة الراحلين وصفاء التواجد روحيا معهم
          روحيا نعمم لأننا وإن افترقنا ستبقى الروح تنشد اللقاء حتى وإن طمرهم التراب
          تحياتي وغابة ورد
          الأستاذة عايده

          نعم إنها الصداقة ما يبني الأمجاد
          اسألي من شئت كيف فاز وكيف نجح ستجدين رفقته كان لها أثر كبير على نبوغه
          الصحبة عالم حقيقي
          لا يعرف حق الصحبة إلا رسولنا الكريم عليه صلوات الله وسلامه و رضوان الله على صحابته أجمعين

          تقديري

          تعليق

          • سعيد ماروك
            أديب وكاتب
            • 12-09-2012
            • 52

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
            زمرّدة
            "لا ينجح العشق إلا بالعزف على أماني المعشوق."
            يطوف المدينة شبرا شبرا مسترجعا أحلام الشباب، شدّ الرحال إلى قبر صديقه منشدا : " أعشق فيك الروح .. فروحك لا تزال هنا ترفرف ...أحبك زمردتي."
            نختزن الذكريات رغما عنا ويوجعنا الرجوع إليها فنسكبها حروفا سامية هنا مثلما فعلت أيها المتألق نور الدين.
            لك مني أجمل التحايا.

            تعليق

            • محمد شهيد
              أديب وكاتب
              • 24-01-2015
              • 4295

              #7
              نص قرأته على مهل لكنني سرعان ما وجدتني على ظهر "سفينة" تتلاطمها الأمواج مراوغة كما في سفينة Mallarmé بين السريالية من جهة الأسماء التي اختيرت بعناية فجاءت تحمل ليس أشخاصاً بعظم وشحم لكن سمات سيميائية "سعيد، كاظم، صالح، في مدينة "فاضلة" لا توجد على الخريطة هي تلك "الزمردة" أم "طوق الحمامة المفقود"؟؟ مما يجر "المبحر" نحو الضفة الأخرى، صوفية mystique ، على نهج فريد الدين العطار و رحلة الحمام نحو النور القاتل، و ربما كان نوح الحمام على نحو ابن عربي، فصار رمزاً للهجران و البيت الخالي.

              سامحني على شطحاتي فأنا نزلت من سفينتك سكرانا.

              ما أروعك!

              تعليق

              • محمد شهيد
                أديب وكاتب
                • 24-01-2015
                • 4295

                #8
                على ذكر Mallarmé هديتي إليك واحدة من أحب قصائدة إلي:

                Brise marine

                Stéphane Mallarmé
                La chair est triste, hélas ! et j’ai lu tous les livres.
                Fuir ! là-bas fuir! Je sens que des oiseaux sont ivres
                D’être parmi l’écume inconnue et les cieux !
                Rien, ni les vieux jardins reflétés par les yeux
                Ne retiendra ce coeur qui dans la mer se trempe
                Ô nuits ! ni la clarté déserte de ma lampe
                Sur le vide papier que la blancheur défend
                Et ni la jeune femme allaitant son enfant.
                Je partirai ! Steamer balançant ta mâture,
                Lève l’ancre pour une exotique nature !

                Un Ennui, désolé par les cruels espoirs,
                Croit encore à l’adieu suprême des mouchoirs !
                Et, peut-être, les mâts, invitant les orages,
                Sont-ils de ceux qu’un vent penche sur les naufrages
                Perdus, sans mâts, sans mâts, ni fertiles îlots …
                Mais, ô mon coeur, entends le chant des matelots !

                Stéphane Mallarmé, Vers et Prose, 1893

                تعليق

                • نورالدين لعوطار
                  أديب وكاتب
                  • 06-04-2016
                  • 712

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة سعيد ماروك مشاهدة المشاركة
                  نختزن الذكريات رغما عنا ويوجعنا الرجوع إليها فنسكبها حروفا سامية هنا مثلما فعلت أيها المتألق نور الدين.
                  لك مني أجمل التحايا.
                  الأستاذ سعيد ماروك

                  أهلا وسهلا بك في زمردة حيث تعيش الذكريات أو تصنع عالمها.

                  شكرا على حضورك

                  تعليق

                  • نورالدين لعوطار
                    أديب وكاتب
                    • 06-04-2016
                    • 712

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة محمد شهيد مشاهدة المشاركة
                    نص قرأته على مهل لكنني سرعان ما وجدتني على ظهر "سفينة" تتلاطمها الأمواج مراوغة كما في سفينة Mallarmé بين السريالية من جهة الأسماء التي اختيرت بعناية فجاءت تحمل ليس أشخاصاً بعظم وشحم لكن سمات سيميائية "سعيد، كاظم، صالح، في مدينة "فاضلة" لا توجد على الخريطة هي تلك "الزمردة" أم "طوق الحمامة المفقود"؟؟ مما يجر "المبحر" نحو الضفة الأخرى، صوفية mystique ، على نهج فريد الدين العطار و رحلة الحمام نحو النور القاتل، و ربما كان نوح الحمام على نحو ابن عربي، فصار رمزاً للهجران و البيت الخالي.

                    سامحني على شطحاتي فأنا نزلت من سفينتك سكرانا.

                    ما أروعك!
                    أهلا بالأستاذ محمد شهيد

                    أمّا أن يكون النص واقعيا فهذا مشكوك فيه، من يدري فربما دخل عالم الرّمزية حيث الغموض والعدم المستترين في قفطان الجمال الفني وربما زاوج بين هذا وذاك فالرحلة كانت لأجل شيء فوصلت إلى الشيء واللاشي معا.

                    شكرا على قصيدة مالارميه.

                    تعليق

                    • محمد شهيد
                      أديب وكاتب
                      • 24-01-2015
                      • 4295

                      #11
                      يومك سعيد، صديقي نور الدين. سلامي إلى مدينة تارودانت.

                      تعليق

                      يعمل...
                      X