زمرّدة
تحلقوا حول مائدة الوداع وأرواحهم تتعانق على أمل لقاء لن يكون بعيدا، كل واحد منهم سيشق حياته وحيدا، وقد تسلحوا بما يكفي من زاد معنوي يرفع مخزونهم من التحدي والإقدام، السكون يلبد مرحهم المعتاد، وأطياف الصّمت هدهدت صدى أصواتهم المتعالية فخفتت هامسة كأنها نبضات قلوبهم المثقلة بالفراق. سعيد بخفّة دمه ووجهه البشوش وهواياته المتعددة، صالح بإيقاعه البطيء، كاظم بوجهه الغامض ونظرته الحية.
جلس عشيق يحصي الأعوام التي قضاها بعيدا عن أصدقائه، منذ انتشروا في الأرض غابت عنه أخبارهم، وأمعنت السنين في طمس تفاصيل أحوالهم ودقائق ملامحهم، صور شبابية بالأبيض والأسود هي ما يبعث في ذهنه قسماتهم، فيحيي بعض رحم صداقة أتاها الزمن من جذورها، فأضحت كشجرة خريفية تنصلت من أثوابها فاستحالت شبحا ينبعث من رماد الذكريات حين القنوط.
لا يعرف من أين المبتدأ، فصحبتهم لم تدم غير سنة واحدة في ذلك المعهد المصر على التعالي، كلّ ما احتفظت به ذاكرته هو موطن سعيد، إنهم يلقّبونه نسبة إلى بلدته، لكن تراه يحتفظ بحبه لتراب قريته، أم احتضنته فاتنة أخرى بجداولها الرقراقة و أزهارها البرية، لتنسيه محاسن محبوبته التي شنفت آذان أصدقائه عبر غزلياته المتوالية مع العود، فنمت في قرارتهم رابطة حب وهذه البلدة العذرية: "أحبك زمردتي ... أسرت فؤادي فتاتي الريفية .. مغرم أنا بحشمة تشع من عينيك .. عاشق لتراب يعلو بشرتك السمراء .. آه من سحر لياليك الغناء .."
تدور العجلات وصديقنا تزدرد عيناه المشاهد الخلابة بذهن صاف تدغدغه تحف الطبيعة، منذ أن ترجل بسيارته من السفينة وهو يلوح بكلتا يديه للعربات التي يقابلها. نغمات مراهقة ضجت بها سيارته، لا يدري متى تسللت أصابعه خلسة لتطبع أرقام المحطة على المذياع. تطول المسافة ليدبّ العياء في جسمه، انتابت خاطره لذغة توجس: "ماذا لو انتهت رحلتي عبثا؟ ماذا لو تعذّر التواصل بيني وبين أحبّتي؟ ماذا لو بعثرت مجرى حياتهم؟ ترانا فعلا أصدقاء أو مجرّد رفقة ضرورة رغم ما طبعها من حميمية؟ تتوالى الاستفهامات والوجع يشطر رأسه نصفين، لتنطلق الآهات من أعماقه ناقما على مكر الأعوام التي نخرت قلاع صموده، مصرّة على إظهار ضعفه وإعلان إفلاسه، رمى حبة في فمه أتبعها رشفة ماء رافعا شعار التحدي في وجه عمره الستيني.
" زمردة تعانق فيكم الروح" هكذا عانقته لوحة ترحيب على أبواب مدينة صغيرة وضاءة بلون بناياتها الأبيض، شوارعها مزدانة جوانبها أزهارا بنفسجية، أرصفتها مبلطة بزليج حمرته رمادية، مدينة تشع ملاحتها فتطبع بسمة انشراح في نفس زائرها، تتطاير الحمامات بين أشجارها مداعبة نسمات الصباح، تطل عليها الشمس مرسلة قبلاتها الذهبية لتشرق في وجوه أهلها ملاحة. أوقف سيارته عند أول مقهى لاحت لافتته من بعيد: "مركب الكاظم يعانق فيكم الروح" انشرحت نفسه متذكرا معزوفة سعيد : " أعشق فيك الروح ..بربك عانقي روحي ، فروحي كما روحك لا تفنى .... روحي روحي أنت زمردتي .."
تناول فنجان قهوة فأحس نكهة غريبة رحلت به إلى أيام الشباب فتفتحت أسارير ذاكرته، وبدأت تطفح بالذكريات: " هذه خلطتك أيها الصالح! عجيبة أنت يا زمردة!" تقدمت نحوه صبية معتذرة عن إرباك فطوره و هدوئه، فابتسمت روحه العاشقة مبديا رغبة في مجاراتها، كانت أناملها الجذابة تخطّ بقلم وردي إجاباته عن أسئلتها، تذكر فكرته عن العشق: "لا ينجح العشق إلا بالعزف على أماني المعشوق."
انطلق حتى إذا وصل قلب زمردة النابض، في تلك الخليّة رأى ما أبهج نفسه، سأل مرشدا في المختبر عن اللوحة الفنية المقابلة للباب الرئيسي فرد عليه: "هؤلاء هم المؤسسون الأوائل لزمردة الجديدة، هذا سعيد الزمردي كما يلقبه أصدقاؤه، هو من بنى هذه المدينة وفق فلسفة محبي زمردة." فقال له عشيق: " أين أجده ؟" فأجابه المرشد والدموع تهوي من عينيه: "افتقدناه منذ عشرين ربيعا، لكن تلاميذه واصلوا المشوار، قبره في زمردة القديمة كما أوصى بذلك، فهي لا تزال تحتفظ بعذرتها وتلك أيضا وصيته."
يطوف المدينة شبرا شبرا مسترجعا أحلام الشباب، شدّ الرحال إلى قبر صديقه منشدا : " أعشق فيك الروح .. فروحك لا تزال هنا ترفرف ...أحبك زمردتي."
تحلقوا حول مائدة الوداع وأرواحهم تتعانق على أمل لقاء لن يكون بعيدا، كل واحد منهم سيشق حياته وحيدا، وقد تسلحوا بما يكفي من زاد معنوي يرفع مخزونهم من التحدي والإقدام، السكون يلبد مرحهم المعتاد، وأطياف الصّمت هدهدت صدى أصواتهم المتعالية فخفتت هامسة كأنها نبضات قلوبهم المثقلة بالفراق. سعيد بخفّة دمه ووجهه البشوش وهواياته المتعددة، صالح بإيقاعه البطيء، كاظم بوجهه الغامض ونظرته الحية.
جلس عشيق يحصي الأعوام التي قضاها بعيدا عن أصدقائه، منذ انتشروا في الأرض غابت عنه أخبارهم، وأمعنت السنين في طمس تفاصيل أحوالهم ودقائق ملامحهم، صور شبابية بالأبيض والأسود هي ما يبعث في ذهنه قسماتهم، فيحيي بعض رحم صداقة أتاها الزمن من جذورها، فأضحت كشجرة خريفية تنصلت من أثوابها فاستحالت شبحا ينبعث من رماد الذكريات حين القنوط.
لا يعرف من أين المبتدأ، فصحبتهم لم تدم غير سنة واحدة في ذلك المعهد المصر على التعالي، كلّ ما احتفظت به ذاكرته هو موطن سعيد، إنهم يلقّبونه نسبة إلى بلدته، لكن تراه يحتفظ بحبه لتراب قريته، أم احتضنته فاتنة أخرى بجداولها الرقراقة و أزهارها البرية، لتنسيه محاسن محبوبته التي شنفت آذان أصدقائه عبر غزلياته المتوالية مع العود، فنمت في قرارتهم رابطة حب وهذه البلدة العذرية: "أحبك زمردتي ... أسرت فؤادي فتاتي الريفية .. مغرم أنا بحشمة تشع من عينيك .. عاشق لتراب يعلو بشرتك السمراء .. آه من سحر لياليك الغناء .."
تدور العجلات وصديقنا تزدرد عيناه المشاهد الخلابة بذهن صاف تدغدغه تحف الطبيعة، منذ أن ترجل بسيارته من السفينة وهو يلوح بكلتا يديه للعربات التي يقابلها. نغمات مراهقة ضجت بها سيارته، لا يدري متى تسللت أصابعه خلسة لتطبع أرقام المحطة على المذياع. تطول المسافة ليدبّ العياء في جسمه، انتابت خاطره لذغة توجس: "ماذا لو انتهت رحلتي عبثا؟ ماذا لو تعذّر التواصل بيني وبين أحبّتي؟ ماذا لو بعثرت مجرى حياتهم؟ ترانا فعلا أصدقاء أو مجرّد رفقة ضرورة رغم ما طبعها من حميمية؟ تتوالى الاستفهامات والوجع يشطر رأسه نصفين، لتنطلق الآهات من أعماقه ناقما على مكر الأعوام التي نخرت قلاع صموده، مصرّة على إظهار ضعفه وإعلان إفلاسه، رمى حبة في فمه أتبعها رشفة ماء رافعا شعار التحدي في وجه عمره الستيني.
" زمردة تعانق فيكم الروح" هكذا عانقته لوحة ترحيب على أبواب مدينة صغيرة وضاءة بلون بناياتها الأبيض، شوارعها مزدانة جوانبها أزهارا بنفسجية، أرصفتها مبلطة بزليج حمرته رمادية، مدينة تشع ملاحتها فتطبع بسمة انشراح في نفس زائرها، تتطاير الحمامات بين أشجارها مداعبة نسمات الصباح، تطل عليها الشمس مرسلة قبلاتها الذهبية لتشرق في وجوه أهلها ملاحة. أوقف سيارته عند أول مقهى لاحت لافتته من بعيد: "مركب الكاظم يعانق فيكم الروح" انشرحت نفسه متذكرا معزوفة سعيد : " أعشق فيك الروح ..بربك عانقي روحي ، فروحي كما روحك لا تفنى .... روحي روحي أنت زمردتي .."
تناول فنجان قهوة فأحس نكهة غريبة رحلت به إلى أيام الشباب فتفتحت أسارير ذاكرته، وبدأت تطفح بالذكريات: " هذه خلطتك أيها الصالح! عجيبة أنت يا زمردة!" تقدمت نحوه صبية معتذرة عن إرباك فطوره و هدوئه، فابتسمت روحه العاشقة مبديا رغبة في مجاراتها، كانت أناملها الجذابة تخطّ بقلم وردي إجاباته عن أسئلتها، تذكر فكرته عن العشق: "لا ينجح العشق إلا بالعزف على أماني المعشوق."
انطلق حتى إذا وصل قلب زمردة النابض، في تلك الخليّة رأى ما أبهج نفسه، سأل مرشدا في المختبر عن اللوحة الفنية المقابلة للباب الرئيسي فرد عليه: "هؤلاء هم المؤسسون الأوائل لزمردة الجديدة، هذا سعيد الزمردي كما يلقبه أصدقاؤه، هو من بنى هذه المدينة وفق فلسفة محبي زمردة." فقال له عشيق: " أين أجده ؟" فأجابه المرشد والدموع تهوي من عينيه: "افتقدناه منذ عشرين ربيعا، لكن تلاميذه واصلوا المشوار، قبره في زمردة القديمة كما أوصى بذلك، فهي لا تزال تحتفظ بعذرتها وتلك أيضا وصيته."
يطوف المدينة شبرا شبرا مسترجعا أحلام الشباب، شدّ الرحال إلى قبر صديقه منشدا : " أعشق فيك الروح .. فروحك لا تزال هنا ترفرف ...أحبك زمردتي."
تعليق