الرقّّّاص
جلس حميد الأحمر على مصطبة بيته المرتفع، تحت شجرة كينا إصفرت أوراقها، والمطلّة على سكة القطار، يراقب قطاراً هرماً بعرباته وقاطرته. ابتسم ابتسامة شاحبة ممزوجة بالتهكم وقال :
- أجري أيها العجوز، مصيرك الدفن كحميد ..
تخطئ لو تخيّلته عجوزاً ، فهو لم يتجاوز حاجز الخامسة والأربعين ، وستفاجأ حين ترى قوامه الممشوق، بطنه المتينة، خصره الجميل، والخالي من الشحوم. كيف لا، وهو أمهر رقاص (دبكة) في المدنية. وستتفهم الوضع حين تدرك بأن الرقص موهبة اتخذها مهنة، درّت عليه ربحاً مادياً مكنّه من شراء البيت، والزواج، وطفل وحيد نال الشهادة الثانوية بتقدير مقبول، قضى على أخر حلم له، أن يراه طبيباً يفتخر به ..
آخر عربة اختفت مع غروب الشمس، حين اقتربت سيارة ضخمة بالقرب من بيته، وترجّل منها رجلٌ من طراز رجال الأعمال الذين خبرهم حميد،حين كان يرقص في حفلاتهم، فيشعل الفرح ، ويسعد الحاضرين، ويطرب لها صاحب العرس ..
-حميد أيّها الغالي.
نهض حميد مستقبلاً الضيف الثري وقد دبّ فيه الأمل.
- أهلا بالباشا.
تعانق الاثنان كصديقين حميمين، رفض الضيف دخول البيت متذرعاً بضيق الوقت وقال:
- جئت إليك بعرض مغري.
- نحن في خدمة الطيبين .
- هذه المرة العرض مختلف .
- لا رقص.!؟
- بل على العكس المطلوب هو الرقص.
- وما هو الاختلاف ؟
تغيرت ملامح الضيف، وقد اكتسبت جديّة مهيبة ،لم يعهدها حميد:
- سترقص ولكن ليس في حفل فرح .
- نعم؟!
- سترقص في جنازة .
حرق حميد أصبعيه اللذين يمسكان بالسيجارة، حين حاول سحب السيجارة من فمه ، وقد بقيت لاصقة بشفتيه فبصقها، وهز يده الملدوغة وسأل باضطراب :
- أرقص في جنازة ؟
- سنعطيك مئة ألف دولار ، نصفها الآن.
أشار الضيف الى السيارة، وقد تزل منها السائق، بيده حقيبة صغيرة قدمها لسيده وعاد إلى السيارة.
- خذها وجهز نفسك غداً صباحاً .
انسحب الرجل دون أن يسمع من حميد أية كلمة، تركه مع النقود وانصرف ...
(أي نوع من البشر هذا ، وما يظنني.. بلا قلب ، بلا إيمان ، أرقص في جنازة ؟! ) هذا ما خطر على قلب حميد، وكاد يناديه بيده القابضة على الحقيبة فشعر بثقلها، توقف عن النداء وفتح الحقيبة ليجد فيها رزم النقود الخضراء التي كان يتمنى واحدة منها لا عشرة حزم .
ضمّ حميد أسرته الصغيرة وقال :
- أنه أغرب عرض يقدم لي .
قال ابنه:
- بل أحسن عرض قدّم إليك.
وهمست زوجه :
- ألم ترقص ليلة وفاة والدك؟
صرخ حميد:
- لم أكن أعلم موته؟
فردت زوجه:
- ولكنك كنت تعرف أنه يحتضر.
دمعت عينيه وقال وهو يتحاشى النظر إلى ابنه:
- كان مريضاً ، وكنا بحاجة لنقود .
ابتسمت زوجه وقالت وقد شعرت بنصرها:
- النقود ، تلك التي منعتنا من إنجاب طفل أخر.
طويلة جداً مرت الليلة ، فقد فيها حميد أية رغبة بالنوم، وهو الذي كان يبحث عنها ، ليدفن همومه ويحلم برقصه في ساحة ملعب ، يرميه الجمهور بنقود كالزهور ..ومرت الذكريات الحزينة تطفو على فراشه ، فيتذكر الليالي التي رقص فيها وأهم أقاربه وأصحابه قد فارقوا الحياة ..نعم إن الرقص مهنته ، ولا أحد يقدر أحزانه، ولكن كان دوماً يرقص في مكان أهله في فرح ، ولكن هذه المرة المكان مكان حزن لا فرح .والمبلغ دسماً وفرصه في الرقص تقل.للعمر حق وللبدن حق ..أليس عجزه عن تأمين نفقات العلاج الباهظة حرمه من إنجاب طفل أخر ..زوجته مازالت قادرة على الإنجاب ، ومبلغ يمكنه من تدريس ابنه ، وفتح متجر ومدرسة لتعليم الرقص ..بل تشكيل فرقة ستجعل الفرق الراقصة تذوب من الخجل ، من معلمها وسيدها ..ولكن كيف يرقص في جنازة ؟ ماذا سيقولون عنه ؟ شرف المهنة ، شرف الاسم ، هذه الرقصة ستكون كالبقعة السوداء ستلطخ صفحته الناصعة ..
تحاشى النظر إلى زوجه التي دخلت الفراش متأخرة وقالت قبل أن تدير له ظهرها:
- من يرقص ليلة وفاة والده ، يرقص في جنازة.
شعر حميد بالتعب وقرر النوم بانتظار الغد ..فأغمض عينيه، ليرى نفسه في ساحة الملعب، رأى عازف الطبل يقرع بقوة، عازف الناي يغرد، رأى سرباً من الطيور، حملت أليه أجساداً عرفها من شكلها، ففتح ذراعيه يستقبل والده ، أمه ، صديقه ، ومجموعة تحمل نعشاً تقول له:
- أرقص من أجله أرقص...
***
علاء الدين حسو
قاص سوري
جلس حميد الأحمر على مصطبة بيته المرتفع، تحت شجرة كينا إصفرت أوراقها، والمطلّة على سكة القطار، يراقب قطاراً هرماً بعرباته وقاطرته. ابتسم ابتسامة شاحبة ممزوجة بالتهكم وقال :
- أجري أيها العجوز، مصيرك الدفن كحميد ..
تخطئ لو تخيّلته عجوزاً ، فهو لم يتجاوز حاجز الخامسة والأربعين ، وستفاجأ حين ترى قوامه الممشوق، بطنه المتينة، خصره الجميل، والخالي من الشحوم. كيف لا، وهو أمهر رقاص (دبكة) في المدنية. وستتفهم الوضع حين تدرك بأن الرقص موهبة اتخذها مهنة، درّت عليه ربحاً مادياً مكنّه من شراء البيت، والزواج، وطفل وحيد نال الشهادة الثانوية بتقدير مقبول، قضى على أخر حلم له، أن يراه طبيباً يفتخر به ..
آخر عربة اختفت مع غروب الشمس، حين اقتربت سيارة ضخمة بالقرب من بيته، وترجّل منها رجلٌ من طراز رجال الأعمال الذين خبرهم حميد،حين كان يرقص في حفلاتهم، فيشعل الفرح ، ويسعد الحاضرين، ويطرب لها صاحب العرس ..
-حميد أيّها الغالي.
نهض حميد مستقبلاً الضيف الثري وقد دبّ فيه الأمل.
- أهلا بالباشا.
تعانق الاثنان كصديقين حميمين، رفض الضيف دخول البيت متذرعاً بضيق الوقت وقال:
- جئت إليك بعرض مغري.
- نحن في خدمة الطيبين .
- هذه المرة العرض مختلف .
- لا رقص.!؟
- بل على العكس المطلوب هو الرقص.
- وما هو الاختلاف ؟
تغيرت ملامح الضيف، وقد اكتسبت جديّة مهيبة ،لم يعهدها حميد:
- سترقص ولكن ليس في حفل فرح .
- نعم؟!
- سترقص في جنازة .
حرق حميد أصبعيه اللذين يمسكان بالسيجارة، حين حاول سحب السيجارة من فمه ، وقد بقيت لاصقة بشفتيه فبصقها، وهز يده الملدوغة وسأل باضطراب :
- أرقص في جنازة ؟
- سنعطيك مئة ألف دولار ، نصفها الآن.
أشار الضيف الى السيارة، وقد تزل منها السائق، بيده حقيبة صغيرة قدمها لسيده وعاد إلى السيارة.
- خذها وجهز نفسك غداً صباحاً .
انسحب الرجل دون أن يسمع من حميد أية كلمة، تركه مع النقود وانصرف ...
(أي نوع من البشر هذا ، وما يظنني.. بلا قلب ، بلا إيمان ، أرقص في جنازة ؟! ) هذا ما خطر على قلب حميد، وكاد يناديه بيده القابضة على الحقيبة فشعر بثقلها، توقف عن النداء وفتح الحقيبة ليجد فيها رزم النقود الخضراء التي كان يتمنى واحدة منها لا عشرة حزم .
ضمّ حميد أسرته الصغيرة وقال :
- أنه أغرب عرض يقدم لي .
قال ابنه:
- بل أحسن عرض قدّم إليك.
وهمست زوجه :
- ألم ترقص ليلة وفاة والدك؟
صرخ حميد:
- لم أكن أعلم موته؟
فردت زوجه:
- ولكنك كنت تعرف أنه يحتضر.
دمعت عينيه وقال وهو يتحاشى النظر إلى ابنه:
- كان مريضاً ، وكنا بحاجة لنقود .
ابتسمت زوجه وقالت وقد شعرت بنصرها:
- النقود ، تلك التي منعتنا من إنجاب طفل أخر.
طويلة جداً مرت الليلة ، فقد فيها حميد أية رغبة بالنوم، وهو الذي كان يبحث عنها ، ليدفن همومه ويحلم برقصه في ساحة ملعب ، يرميه الجمهور بنقود كالزهور ..ومرت الذكريات الحزينة تطفو على فراشه ، فيتذكر الليالي التي رقص فيها وأهم أقاربه وأصحابه قد فارقوا الحياة ..نعم إن الرقص مهنته ، ولا أحد يقدر أحزانه، ولكن كان دوماً يرقص في مكان أهله في فرح ، ولكن هذه المرة المكان مكان حزن لا فرح .والمبلغ دسماً وفرصه في الرقص تقل.للعمر حق وللبدن حق ..أليس عجزه عن تأمين نفقات العلاج الباهظة حرمه من إنجاب طفل أخر ..زوجته مازالت قادرة على الإنجاب ، ومبلغ يمكنه من تدريس ابنه ، وفتح متجر ومدرسة لتعليم الرقص ..بل تشكيل فرقة ستجعل الفرق الراقصة تذوب من الخجل ، من معلمها وسيدها ..ولكن كيف يرقص في جنازة ؟ ماذا سيقولون عنه ؟ شرف المهنة ، شرف الاسم ، هذه الرقصة ستكون كالبقعة السوداء ستلطخ صفحته الناصعة ..
تحاشى النظر إلى زوجه التي دخلت الفراش متأخرة وقالت قبل أن تدير له ظهرها:
- من يرقص ليلة وفاة والده ، يرقص في جنازة.
شعر حميد بالتعب وقرر النوم بانتظار الغد ..فأغمض عينيه، ليرى نفسه في ساحة الملعب، رأى عازف الطبل يقرع بقوة، عازف الناي يغرد، رأى سرباً من الطيور، حملت أليه أجساداً عرفها من شكلها، ففتح ذراعيه يستقبل والده ، أمه ، صديقه ، ومجموعة تحمل نعشاً تقول له:
- أرقص من أجله أرقص...
***
علاء الدين حسو
قاص سوري
تعليق