طرفةٌ لغويَّةٌ: نونُ المَسْخِ
لما نشر أخونا الفقيه اللغوي الأستاذ الكبير عبدالرحمـاـن السليمان قصته القصيرة جدا "عفريت تائب" ووظف فيها كلمة "تسلفن" العجيبة بصيغتها ودلالتها، ولشيوع كلمة "شخصَنَ" كثيرا في كتابات الناس فيقولون: "شخصن الكلام" أو "شخصن النقد"، أي جعل الكلام، أو النقد، العام المطلق موجَّها إلى شخص بعينه من أجل تجريحه أو انتقاده، رحتُ أفكر في هذه النون العجيبة والمحيرة في الوقت نفسه، ما هي؟ ما شأنها؟ وما وظيفتها في صوغ الكلمات؟ ونحن، المهتمين باللغة العربية والمهمومين بها ولها، نعلم أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى وأن صيغ المفردات في العربية تتنوع دلالاتُها بتنوع صيغ بناء تلك المفردات واشتقاقاتها الكثيرة فتكثر بالتبعية المعاني بكثرة المشتقات وتنوع الصيغ، وهذا من عبقرية اللغة العربية وشجاعتها؛ فما بال هذه النون العجيبة تدخل على الكلمات، وتتقحَّم فيها وهي غير أصلية فيها، فتغير معناها الأصلي الإيجابي إلى معنى سلبي، أو إلى معنى قادح وفاضح، أو هي تمسخ المعنى الأصلي المقبول المعقول في المفردة إلى معنى جديد قبيح مرفوض؟لقد تجرأت وأسميت هذه النون "نون المسخ" لأنها، كما أسلفتُ، تمسخ المعنى الجميل المَقبول في المفردة إلى معنى قبيح مرفوض، وبناء عليه، وأقحمت هذه النون في كلمة "كَلْبَنَة" في مشاركتي رقم#7 في متصفح أخينا الأديب "تاقي أبو محمد": إنسانية فقلت: "هي ثقافة "بريجيت باردو" الإنسانية جدا (؟!!!) والتي تُعطي الحيوانَ قيمةً لا يحلم بها أبناء البشر من غير جنسها ذي الدم الأزرق؛ فلِمَ التعجب ومن ثقافتهم المريضة "أنسنةُ" الكلاب و "كلبنةُ" الإنسان من غيرهم؟"اهـ بنصه وفصه.
وهكذا يصنع الشغف بالعربية بمحبيها فهو يجعلنا نتفنن في صوغ الكلمات للدلالة على ما نريد من المقاصد فنصوغ أو ننحت ما نشاء من المفردات المُعجِبة حتى وإن جاءت "شاذة" في صياغتها غريبة في معانيها لكن المهم أن تؤدي الوظيفة التي نريدها لها حتى وإن "أفزعت" اللغويين المحافظين؛ للغة العربية شجاعة نادرة فلِمَ لا نقتبس من شجاعتها تلك قبسا يُجَرِّئُنا على خوض معامع الجدل اللغوي المتنوع دون أن "نشخصن" الحديث ودون أن "نُلَغْوِن" الكلام، نجعله بعيدا عن اللغة مع الادعاء أنه منها؟
إن تكلُّفَ الظُّهور بمظهر ما دون أن يكون في الإنسان المتكلف ضرورة مقبولة، أو بإرادة التمظهر بغير المظهر الحقيقي له، أو هو ضرب من ضروب انتحال الشخصية التي يعاقب عليها القانون، صِيَّغٌ في العربية كالتَّفعُّل أو "التَّفاعل"، وعلى أساسه يمكننا صوغ صفة التكلف في من يريد الظهور بمظهر السلف مثلا نقول:"تَسَلَّف" أي تكلَّف حالة "السَّلفية"، لكن "تسلفن" توحي بمعنى آخر غير هذا المعنى المقبول في الصرف العربي، وكم وددت لو أن أخانا الفاضل عبدالرحمـاـن السليمان واصل اجتهاده فصاغ كلمة مماثلة للتعبير عن تكلف "الداعشية" فقال: "تدعشن" فتأتي مساوية لـ "تسلفن" بدلا من "تدعوش" الواردة في في قصته القصيرة جدا تلك.
هذا ما أحببت إدراجه هنا من حديث في "نون المسخ" الغريبة هذه والتي تمسخ المعنى الأصلي الجميل المستساغ في المفردة إلى معنى آخر قبيح ممجوج راجيا أن يثري المختصون، وغيرُهم، هذا الحديث العجيب فيدلون فيه بدلائهم ويتحفوننا بآرائهم.
البُلَيْدة، في الثاني من صفر 1439 الموافق 23 أكتوبر 2017.
تعليق