الشّيء الأبيض عند المنعطف

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    الشّيء الأبيض عند المنعطف

    تراءى له الجسم الأبيض في غبش الصّبح عائما في الفراغ. غمرات تراب ساقتها ريح أرضيّة متقطّعة شقّت الطّريق من الضفّة إلى الضفّة كتلاميذ يعبرون مُسرعين. توقّف مُشيحا بوجهه. «اللّعنة!»، قال.
    في تلك اللّحظة علا صوت الآذان فاستدرك كمن عنّف أحد أبنائه: «أستغفر الله يا ربّي..». تلاشى الغبار فعاد يجهد عينه السّليمة الوحيدة ليميّز الشّيء. على نحو لا إراديّ حرّك رأسه يمينا وشمالا ليزيحه عن موضعه. حول الشّيء لم تكن ثمّة علامات توحي بأنّه مُهمل أو بعكس ذلك. مازال «فراشة» يشعر بانقباض عصيّ عن التّفسير كلّما انعطف متجاوزا حيّه. منذ قليل تركه مُتهالكا، ثملا، مُثقلا بالضّجر والتحسّب كالعادة. ذاك دأبه، يتسلّل كلصّ من بيته حتّى لا يلفت انتباه المرض إلى صغاره. فالمرض مارد نائم يزعجه الصّخب ويجعله يسخط. لكن رغم ذلك لم يستطع التخلّص من هاجس يسكنه بأنّ وترا مشدودا على آخره سيصفعه ذات يوم. أمام كلّ بيت من بيوت حارته غابة من شجيرات مرصوصة بكثافة على الطّوار.. الحوز فيما مضى كان يتمّ بواسطة الشباك المعدنيّة، أمّا اليوم فقد استبدلت بشرائط بلاستيكيّة خضراء صار يُربط بها الآجر كتلا متساوية عند الشّحن. إجراء بشريّ جديد ظنّ النّاس في البداية أنّه حكر على الآجر الذي يجلبونه لإعادة سور ملعب كرة القدم. ولـ«فراشة» غابته كبقيّة الجيران. الأحواش التي لا تواجه القبلة يحظى أصحابها بمساحات أرحب تمكّنهم إلى جانب الدغل من تربية الدّجاج والماعز أحيانا. إنّه العدل. أمّا الأبواب فمتشابهة، قصيرة وضيّقة إلى درجة أنّها لا تستوجب تدقيق نظر حتّى تبدو تحت أكوام القشّ والخردة فوق السّطوح كالقطط الوادعة الشّهيرة المُطلّة برؤوسها من سلال القصب. أفران الرّغيف البلدي منتشرة هنا وهناك دون قاعدة واضحة. كان عليه هذا الصّباح وهو يغادره أن يتحاشى حُفر الوحل التي ستجعل منها خيوط الشّمس الأولى تبدو كمقاطعة على سطح القمر. اقترب من الشّيء رُويدا بحذر عصفور لاحظ حبّة قمح. كان مُطالبا بالتريّث والإسراع في آن، بعد دقائق سيمرّ ركب متسوّلات المحطّة كأنّهنّ حمامات بأرديتهنّ المُجنّحة وهنّ تسرن خلف بعضهنّ في صمت. يليهنّ عامل الكهرباء على دراجته المُعدّلة المُكتظّة بالأربطة المطاطيّة المُعدّة لجمع خيرات الحاويات. وستبدأ «الشّبكة» بالتسكّع نابشة في كلّ كومة. ثمّ بعد دقائق سيعود المُصلّون من المساجد وقد أصبح لديهم إحساس بأنّ بصائرهم أصبحت أكثر اتّقادا وأنّ بإمكانهم بفضل حضور الفجر الكشف عن ما وراء الحجب. على حافّة السَّحَر تلتقي الأحلام على حافّة السَّحَر. في أحلامه يرى «فراشة» بكلتا عينيه. لم يقصّ حلما قطّ. لا شيء يستأهل. لا شيء جدير، تماما كما لا وجود لمخلوق يستحقّ أن يسبقه إلى الشّيء الأبيض. لم يُفكّر لحظة في أنّ البخت قد تواضع و ساق إليه غنيمة، فالبخت بالنّسبة إليه خُلق ليتسلّى البسطاء من النّاس أمثاله بألعاب التلفزيون. عموما لديه قناعة راسخة بأنّ الحياة برمّتها واحدة فقط يعيشها نزر من شبّان سمجين يسكنون التلفزيون ويضحكون على الدّوام. ارتأى في الأخير أن يسير بمحاذاة الشّيء الأبيض مُتظاهرا بأنّه يتجاهله. كانت تلك المرّة الأولى التي خطر له فيها أن يتمنّى لعينه المُطفأة حدقة تتوسّطها.أحسّ بالوحشة التي توقعها الوحدة في النّفس. في ذلك التوقيت بعض البنايات تختفي وأخرى تظهر. لم يعرف سرابا غيره. ليس بعد اليوم.. يا الله! ليت سعديّة بجانبه الآن لكان سألها: «ما ذاك؟». حدّث نفسه بصورة خاطفة كأنّ الفكرة مودوعة في كيانه أبدا أنّك مُحقّ طالما أنّ دوافع الخطأ قويّة، فمع بداية طلوع النّهار لا يعود لمصابيح الإنارة خصما تناكفه، فتسقط المدينة مباشرة في عتمة من نوع خاصّ تجعلها تبدو مُشيّدة في قاع مُحيط. في أعماقه لا يعتب فراشة على الدّنيا لأنّها جعلت منه بائع بيض مسلوق أمام المحكمة لا محامٍ يصول في أروقتها. يحدث ذلك تلقائيّا تماما كما لن يفهم مُطلقا ما معنى «أنستغرام»، أو أن تلتصق شابّة بحبيبها أكثر عندما تقع عينه عليهما. كأنّها تخاطبه قائلة :«هو حبيبي ولست أنت..». مطر هي الأمور التي تشي قسمات وجهه بصورة لا تدع مجالا للشكّ في أنّه مصروف عن فهمها، لكنّه يعرف كلّ كبيرة وصغيرة تتعلّق به، فهو من صنف البشر الذين يحملون معهم أدقّ تفاصيل حياتهم دفعة واحدة حيثما ولّوا، أخلَصُها أنّه لا يفوز أبدا بشيء لم يتعذّب لأجل الحصول عليه. لكن ها هو اليوم يجد نفسه وجها لوجه مع جديد مختلف عن كلّ جديد صادفه من قبل. خطف اهتمامه الذي بدأ يتصلّب كراحتي يديه وهزّ ألفته مع ما تلفظه طاحونة الاستهلاك اليوميّ على الأرصفة و تحت الجدران. الأسفلت بخيل على عكس الشّواطىء. يعوزه الأمل. رغم ذلك أمكن لـه بواسطة صندوق يسير على عجلتين أن يخوض معاركه كلّها ويفوز بنصيبه من غنائم الأرض الصّلبة: زنك. أشرطة. حجارة تبليط. براميل صغيرة. خشب مقاعد وغيرها. حتّى فاضت عن حاجته للحاجة ولم يعد للمزيد منها موطن شغل لديه. حدّث جيرانه ذات مساء في حلقة لعبة حجر:«صارت مكاتب المحكمة تعجّ بالموظّفين.. أمر عجيب يا رجال.. أعثر أحيانا على دنّ نظيف لم تمسسه يد فأعرض عن التقاطه لأنّي لا أجد له وظيفة شاغرة في البيت!..». أمثاله لا يعرفون ماذا يعني أن يوفّر المرء لنفسه غرضا ينقصه، لأنّ ممتلكاته الهزيلة تشكّلت واكتملت على نحو مترابط ومُختصر لا يحتمل الزّيادة، تماما كطبخ متواضع أوشك أن يستوي.
    حاد عن مساره مُتّجها ناحية الناصية الأخرى حيث ينتصب الشّيء الأبيض الذي بدأ يتّخذ الآن شكل ضرس ضخم.
    بنطلونه يكاد يغطّي مقدّمة حذائه الغليظ. إنّها السّراويل التي كان النّاس يلبسونها في الستّينات. لا أحد يدري من أين كان يحصل عليها ولا السّبب الذي يجعله وفيّا لها بعد مرور خمسين عاما. حتّى تسريحة شعره حافظ عليها منذ ذلك العهد. لسبب ما ارتدى قبّعة روسيّة خلال السّنتين التي أمضاها يمارس المشي مع سعديّة إثر جلطة ألمّت بها. بعد ذلك تخلّى عنها. كانت «سعديّة» ترتاح كثيرا وكان صادقا وصبورا عليها للغاية. على أيّة حال لا يحدث لك مع فراشة ما قد يحدث لك مع غيره من الباعة الذين ما إن يغادروا مقرّ نشاطهم بخطوة حتّى تنسى أين عرفتهم. في المدينة يُقال :«دار العرس خير من دارنا كما يقول فراشة». إنّها عبارته المأثورة الأكثر رواجا وطلبا، فيما عدا ذلك فإنّ طريقة كلامه ساخرة على الدّوام.. يضحك بمكر ويصغي بطيبة ويبكي عندما يرى زوجته تتألّم. ويذهب إلى الماخور خلسة ويصلّي العيد ويحلم بالحجّ ويسأل ابن الجار العائد لتوّه دائما من «نيس» ما إذا كان لديه قارورة فوّاحة لعمّه «فراشة».
    - «تشتريه!».. رجّه الصّوت وتلك النّبرة الوقحة التي خاطبه بها. كان رجلا ملتفّا داخل برنس بنّيّ في لون الحمار. وكان الضّرس الضّخم عبارة عن حوض غسيل أنيق يتدلّى منه صنبور غاية في الشّياكة. ردّ «فراشة»: «كم؟». أجاب الرّجل: «هات عشرة وارفعه حالا». عشرة تعني عشرة إذ لا يعقل أن تعني العشرة مائة أو مليون. وحين نقول عشرة فالوحدة هي الدّينار ولباسه أكبر دليل على ذلك. أحسّ بنشوة سرت في جسده النّحيل هُيّئت له على شكل وميض أزرق انطلق من مثانته وعاد إليها، واستقرّت عقدة ذعر في معدته. لاحت لذاكرته حكاية الريفيّ الذي باعه أحدهم خزانة مُثبّتة في الأرض تحتوي على مجمّع لأسلاك الهاتف. لكنّ عقله لحظتها حوّلها إلى حادثة غير مُضحكة. أشعل سيجارة وكان نادرا ما يفعل دون شاي. خُيّل إليه حينئذ أنّه يرى رئتيه..«غير معقول!عشرة فقط». خشي أن يتكوّن له من العدم أحد السّماسرة. من رأس ماله المُخصّص لاقتناء علب التّبغ و السكّر دفع ثمن حوض مُجهّز بصنبور باذخ. قفل عائدا إلى بيته. كان فرحا إلى درجة أنّه أشفق على أصحاب السيّارات التي مرّت بمحاذاته لأنّهم لا يملكون ما يملك. ازدادت سعادته في البيت لمّا فرحت به «سعديّة». حاول أن يتسبّب لها في جرعة زائدة من البهجة مُذكّرا إيّاها بسعره الرّخيص جدّا لكنّها لم تهتمّ. أعادها مرّات كثيرة على مسامعها فتجاوبت معه واندهشت له كما لو أنّها تنزل عند رغبته في أن ترقص له قليلا. تذكّر ملمس رأس الرّجل الذي اشترى منه الحوض. كان الشّعر قد بدأ يبزغ في صلعته وكان ملمسها قاس وخشن وغريب كأنّه يمرر يده على عجلة. كانت أيضا تلك هي المرّة الأولى التي يحلّف فيها رجلا بتلك الطّريقة. كان همّه الوحيد أن لا يتضح بأنّ الحوض مسروق. يذكر أنّ الرّجل استاء. يشعر الآن بالخجل من نفسه. لا تحبّ السّعادة أن تتحقّق إلاّ إذا تسبّبت لك في القليل من الحرج. وظلّ الحوض مغطّى في ركن بـ«دار التلفزيون» كما يسمّونها. طرح «فراشة» على زوجته موضوع بيعه فثارت زوبعة وجاءت البنتان في صفّ الأمّ :«الذي سيشتريه ليس أفضل منّا!». والحقيقة أنّ بيت فراشة رثّ جدّا، إذ يكفي أنّ للحمّام عوض الباب ستارة مرفوعة عن الأرض مقدارا مدروسا بعناية لكي يسمح برؤية ساق الذي بالدّاخل مهما كانت الوضعيّة التي يتّخذها. أرضيّة اسمنتيّة وطلاء جيريّ أصفر وحشايا رقيقة ودربكّة مكسورة فوق الخزانة الوحيدة وشفقة بينهم لا حدود لها.. تلاشت فرحتهم بالحوض والصّنبور وقالت صغرى البنتين لصديقتها إنّ والدها اشترى حنفيّة فضّيّة. وقالت سعديّة إنّ الحوض من طراز رفيع لا يملكه السّلاطين. وقال «فراشة»لحرفائه المتحلّقين حول حطبه المُشتعل خلسة، مُتحدّثا عن حوضه وصنبوره: «الألمان.. الألمان مزّق الله أعصابهم.. لم يتركوا أمرا لم يبتكروه...»، و كان من عادته أن يرطن بعبارات فرنسيّة في سياق كلامه لا يصادف أبدا أن تكون في موضعها فعلى سبيل المثال لو تُرجم كلامه كما تلفّظه لكانت النّتيجة أنّه أجاب زبونا عنيدا شكّك في جودة الحوض: «يا ابني كيف تقول كلاما كهذا رغم لقد خرجت عن السّطر.. أعرف السيراميك جيّدا ولا الملفّ ينطلي عليّ النّصر أنت يا سيّد...»..
    راح الهزل وجاء الجدّ. و لم تعد «سعديّة» تطيق صبرا على حوضها حيث بدأت تنفخ زوجها بالسّعادة مُذكّرة إيّاه بأنّ معجزة قد حصلت: «حوض كهذا بعشرة!». وكان فراشة يُثار ويطرب لسماع ذلك فهو في الأخير رهن إشارتها. إنّها أبوه. وها هو يدمن أن يلوك الحديث عن الحوض وسعره الزّهيد. «نحاس يا ناس والله نحاس». وتدرون النّحاس جيّد لطرد الجان. يُنصح دائما بمهراس في البيت. كلّ بيوت الحيّ فيها مهراس من نحاس. وفراشة اليوم أهمّ رجل في الحيّ بفضل الحوض والصّنبور. فإذا دخل المستشفى سبّ الأطباء والذين نصّبهم على مسمع من ممرضات متربّصات. وهي موهبة ليست مُتاحة للجميع فالناس يتحكّمون فيما يتفوّهون به لا في من ينصت ومن لا ينصت إليهم.
    احتالوا على خبزهم اليوميّ وركّبوا الحوض في الحمّام ودشّنوه بغسيل أيديهم وكان من الّلائق بعد ذلك استبدال الصّابون الأخضر بصابون مُعطّر وتعليق منشفة جافّة على المسمار الذي سيتبدل فيما بعد بمشجب. ثمّ انتبهوا إلى أنّ الحوض يحتاج إلى مرآة تُظهر جماله. استمرّت الإضافات والزّينة فباع «فراشة» قطعة أرضه التي خلّفها وراءه في القرية إلى أخيه ليغيّر الأرضيّة بمربّعات خزف تليق بالحوض والمرآة. عندئذ لم يعد من المناسب الحفاظ على الجدران على حالها المُقرف فكساها بمربّعات خزفيّة تكوّن الأربعة منها مجتمعة وردة يحفّها العشب. هنا أشرق الحمّام ولم يعد ينقص سوى استبدال الخرقة بباب يُغلق من الدّاخل. وأطفأ الزوجان شهوتهما عاريين تماما للمرّة الأولى بعد زمن تعجز السّنوات بمفردها عن إعطائه حق قدره. حكى مرّة لحرفائه على طريقة قرصان طيّب أنّ ساقه إذا حطّت على ساق زوجته ظنّ أنّ ساقه لامست ساقه الأخرى. أنسته نزهة الفِراش حنقه على الطّبيعة. وامتدت يد سعديّة إلى مال ابنها الذي يرسله إلى أمّه خشية أن يُنفقه على النّساء. وانتقلت العدوى إلى بقيّة الغرف فأعادوا طلاءها بالكامل وحسّنوا السلّم المؤدّي إلى السّطح وركّز «فراشة» أسدين متناظرين فوق باب البيت وعلّق حرباء مُجفّفة. وعثر بمعجزة على بدلة منقرضة، ذات شقّين من الخلف يزيّنها شعار فاقع الألوان من جهة القلب. و ركّب على الباب الحديدي الخارجيّ حرفين هما الحرفان الأوّلان من اسمه واسم «سعدية»، كما جعل لباب الدّار سلكا ربطه في المزلاج ليسهل فتحه من الخارج. وصلت الإصلاحات إلى الباحة قبل أن تطال المطبخ فقد أصرّت المرأة على تركيب رخامة من رخام، إذ لم يكن لائقا منظر مطبخ مظلم بائس يقابله حمّام بتلك الأبّهة. جرفهم التيّار فاضطرّ «فراشة» إلى مجاراة المصاريف وسدّ ديونه التي بدأت تتراكم للاقتراض من جمعيّة تنمويّة تقرض الفقراء تسع نعجات وكبش. باعها كلّها. لكنّ البنات لمّحن لميزة تعديل الصّنبور للحرارة بنفسه ولاحت فكرة السخّان فأقدم «فراشة» على سرقة مضخّة مكشوفة لنافورة مهملة منذ سنين. لو كان قد جلب معه المفتاح رقم 16 لما تفطّن إليه أحد. إنّها مشيئة الله. أُلقي عليه القبض. قال للقاضي: «سامحني سيّدي الرّئيس.. أنا نادم».. أحدهم روى له فيما مضى أنّ القاضي غرّمه ثلاثين دينارا على الخطايا التي قال مُجيبا لمّا تُليت عليه: «الله غالب»، وعشرة على تلك التي عقّب عليها: «أعتذر». حوكم أربعة أشهر مع النّفاذ. رافقته تفاصيله، إذ لا أحد يراها. كان الحرّاس يعدّون السّجناء خمس أو ستّ مرّات في اليوم، وكان على غرارهم يجري جردا لمكوّناته: الزّمن الجميل راح دون رجعة. الذي خلق لا يُضيّع. نعم ضاجعتُ «الشّبكة» تحت القنطرة. لم يعد للدّجاجة السّوداء أكثر من جيل آخر لتحتضنه. سعديّة تحفظني من الموت. سطلي الذي أغسل فيه الفناجين أصفر. الأستاذ الزاني ابن الجروة يدين لي بسيجارتين. بالمال أقتل. مرض فضيلة بنتي يشبهني..
    كان دائم التّفكير في عائلته، في الأثناء كانت «سعديّة» تخرج لبيع الشاي والبيض أمام المحكمة بنفسها. أهل حيّه الذين يشتمون الحكومة بأقذع النّعوت لأنّها تسجن النّاس ظلما بسبب فقرهم وقفوا إلى جانبه لمّا أُفرج عنه. كانوا في انتظاره لصبّ أشنع الكلام على رأس الدّولة. وصحيح أنّ «فراشة» في نظرهم أصبح أكثر ثقافة منهم بفضل بيته الجديد، إلاّ أنّ شعورا عامّا سيطر مُختصره أنّ «فراشة» قد احترق. أمّا «سعديّة» فقد تغلغل يقين في نفسها بأنّه أخذ معه شيئا فيما لم تعد هناك وسيلة لاستعادته. تجهله وتستشعره دائما، تماما كما لن يفهم «فراشة» مطلقا لمن يقول تحديدا: لقد أسأت فهمي.
    ***
    م.فطومي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    #2
    قصة جديدة لمحمد فطومي
    وعنوان فيه أبيض
    يا سلام يا سلام
    سألقي التحية الان قبل أن يسبقني أحد ..و أعود لاحقا
    في انتظار ..هدية من السماء!!

    تعليق

    • نورالدين لعوطار
      أديب وكاتب
      • 06-04-2016
      • 712

      #3
      أهلا بكم أستاذ محمد فطومي

      الشيء الأبيض عند المنعطف، قصّة أخرى تنضاف للجيل الجديد من قصص الأستاذ محمد فطومي، عادة عند كلّ منعطف تجد شيئا ما قد يكون ملوّنا لكن سواد العتمة يكون حاضرا رغم إشراقة الأمل البيضاء التي تمني النفس قطف ثمار التغيير.
      فراشة بائع البيض المسلوق أمام مبنى العدالة، فراشة الذي يسبق استفاقة العصافير، فراشة مغناطيس الأشياء، فراشة صياد الفرص، فراشة والشيء الأبيض، فراشة و الارتقاء المعنوي، بيت فراشة الذي تشيّد نهضته، فراشة السارق، فراشة المسجون داخل أسوار السجن وجزئيات حياته، فراشة الإنسان، التغيير والاغتراب.
      لمن سأقول أسأت فهمي
      في هذا النصّ وجدت التفاصيل الصغيرة التي تجتمع لتقدم صورة عملاقة وعميقة.

      أحب هذه اللوحات
      فهو من صنف البشر الذين يحملون معهم أدقّ تفاصيل حياتهم دفعة واحدة حيثما ولّوا،
      لا تحبّ السّعادة أن تتحقّق إلاّ إذا تسبّبت لك في القليل من الحرج
      واستقرّت عقدة ذعر في معدته

      .......
      ولعل مبلغ الروعة هو المقطع الذي يحدث فيه نفسه في السجن

      إن كانت هنالك ملاحظة ما فهذه الجملة أراها زائدة، أو إن شئت الدقّة لم تستطع الانسجام مع جمالية النص:
      فعلى سبيل المثال لو تُرجم كلامه كما تلفّظه لكانت النّتيجة أنّه أجاب زبونا عنيدا شكّك في جودة الحوض: «يا ابني كيف تقول كلاما كهذا رغم لقد خرجت عن السّطر.. أعرف السيراميك جيّدا ولا الملفّ ينطلي عليّ النّصر أنت يا سيّد...»..

      ما أجملك من أديب
      التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين لعوطار; الساعة 24-10-2017, 18:49.

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة بسمة الصيادي مشاهدة المشاركة
        قصة جديدة لمحمد فطومي
        وعنوان فيه أبيض
        يا سلام يا سلام
        سألقي التحية الان قبل أن يسبقني أحد ..و أعود لاحقا
        كلّك ذوق وحياة بسمة
        ستكون بيننا نصوص بمشيئة الله. هذا نص تسبقه نصوص و تليه نصوص كثيرة أخرى لم تظهر
        سبقك يساوي الكثير بسمة
        كوني بخير صديقتي
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          الأخ العزيز والأديب الرائع نور الدين لعوطار
          غمرتني بعنايتك ولطفك. شهادتك في حق النص المتواضع تعني الكثير وأنا حقا ممتن لك صبرك على طول القصّة
          بعد التجرد بدت لي ملاحظتك في محلّها أخي. لكنّ النصّ نُشر في المجموعة الأولى على هذه الصورة ليتني كنت اختبرته بينكم أولا.
          تحياتي و خالص الودّ و المحبة.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • حسن لشهب
            أديب وكاتب
            • 10-08-2014
            • 654

            #6
            أهلا بالأستاذ بالمبدع محمد فطومي
            نص جميل فيه استرسال للحكي بسلاسة تكاد تقطع أنفاس القاريء.
            بناء المجتمع والبيت الشعبي بحاجة إلى خفة وفطنة وتلقائية فراشة المنتهز لكل الفرص المنتبه لكل الجزئيات الحامل لكل الهموم المتتبع لكل التفاصيل .
            تفاصيل ساقها قلم كاتب متمرس نبيه.
            تحيتي لك.
            التعديل الأخير تم بواسطة حسن لشهب; الساعة 24-10-2017, 22:26.

            تعليق

            • عائده محمد نادر
              عضو الملتقى
              • 18-10-2008
              • 12843

              #7
              هلا الصديق فطومي
              غدا اقرأ نصك عزيزي
              صداع ألم بي منذ الظهر ولم يتركني
              أتصور أن ضغطي هابط وجدا
              محبتي وشتائل الورد لك
              الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

              تعليق

              • محمد فطومي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 05-06-2010
                • 2433

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
                أهلا بالأستاذ بالمبدع محمد فطومي
                نص جميل فيه استرسال للحكي بسلاسة تكاد تقطع أنفاس القاريء.
                بناء المجتمع والبيت الشعبي بحاجة إلى خفة وفطنة وتلقائية فراشة المنتهز لكل الفرص المنتبه لكل الجزئيات الحامل لكل الهموم المتتبع لكل التفاصيل .
                تفاصيل ساقها قلم كاتب متمرس نبيه.
                تحيتي لك.
                تحية ودّ وشذى أستاذي
                ممتن لك اهتمامك وتفاعلك.
                قراءتك من القراءات التي أنتظرها صراحة ما فيها من دقة ملاحظة وحساسيّة كبيرة لمواطن الجمال إن وُجدت وللعثرات وهي دائما موجودة.
                ممتن كثيرا سي حسن.
                مدوّنة

                فلكُ القصّة القصيرة

                تعليق

                • محمد فطومي
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 05-06-2010
                  • 2433

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                  هلا الصديق فطومي
                  غدا اقرأ نصك عزيزي
                  صداع ألم بي منذ الظهر ولم يتركني
                  أتصور أن ضغطي هابط وجدا
                  محبتي وشتائل الورد لك
                  ألف لا بأس عليك عائدة.
                  لا ترهقي نفسك . حضورك دائما سرور.
                  كوني بخير
                  مدوّنة

                  فلكُ القصّة القصيرة

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    هلا وغلا فطومي
                    صدقني لم يتعبني طول النص بقدر ماأتعبتني أوجاع هؤلاء البسطاء وأحلامهم المؤدة عند باب الأمل
                    وبريشة فنان ماهر رسمت لنا الحلم والشيء الأبيض لوحة فنية مليئة ابلأمل والألم معا
                    فرحة استشعرتها وهم يعيدون بناء مالم يستطيعوه
                    وشجن أنه اضطر أن يمد اليد بغير تجني
                    العجيب الذي بقيت أسأله لنفسي ماالذي كنت تشعره وانت تكتب
                    فقد كنت أتخيل وجع المعدة حين خطب ما وكيف يعتصرني وأيضا كيف رسمت بذهنك الشيء الأبيض وتدرجت حوله ..كنت رائعا لالالا قليلة لأني جسمت المنظر بعيني ووجدته فعلا مطابقا للضرس لو أبعدت الصورة
                    لي ذاكرة تصويرية وخيال تصويري لهذا حين أكلمك عن الصورة لأني أتخيلها حين أقرأ فأنا لاأقرأ فقط بل أتخيل لهذا اعرف ماتعنيه كل صورة بخيالي
                    أحسنت عزيزي قليلة والنجوم بسيطة
                    لكني سأترك الاعجاب مكاني
                    محبتي وشتائل ورد
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    • عبدالرحيم التدلاوي
                      أديب وكاتب
                      • 18-09-2010
                      • 8473

                      #11
                      نص مميز. سرد يقطع الأنفاس. وتفاصيل دقيقة تقدم المشهد باحترافية.
                      مودتي

                      تعليق

                      • حارس الصغير
                        أديب وكاتب
                        • 13-01-2013
                        • 681

                        #12
                        الصديق القدير محمد فطومي
                        القصة القصيرة الجيدة هي التي تصور الحالة وتنقلها بحيادية تامة لا بوصفها وأنت بارع من هذه الناحية
                        أسلوب سردي متمكن وتنقل بين الأحداث مع الاحتفاظ بوحدة الانطباع الذي يجعلك تواصل القراءة حتى النهاية.
                        دمت بخير صديقي المبدع الرائع

                        تعليق

                        • محمد فطومي
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 05-06-2010
                          • 2433

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                          هلا وغلا فطومي
                          صدقني لم يتعبني طول النص بقدر ماأتعبتني أوجاع هؤلاء البسطاء وأحلامهم المؤدة عند باب الأمل
                          وبريشة فنان ماهر رسمت لنا الحلم والشيء الأبيض لوحة فنية مليئة ابلأمل والألم معا
                          فرحة استشعرتها وهم يعيدون بناء مالم يستطيعوه
                          وشجن أنه اضطر أن يمد اليد بغير تجني
                          العجيب الذي بقيت أسأله لنفسي ماالذي كنت تشعره وانت تكتب
                          فقد كنت أتخيل وجع المعدة حين خطب ما وكيف يعتصرني وأيضا كيف رسمت بذهنك الشيء الأبيض وتدرجت حوله ..كنت رائعا لالالا قليلة لأني جسمت المنظر بعيني ووجدته فعلا مطابقا للضرس لو أبعدت الصورة
                          لي ذاكرة تصويرية وخيال تصويري لهذا حين أكلمك عن الصورة لأني أتخيلها حين أقرأ فأنا لاأقرأ فقط بل أتخيل لهذا اعرف ماتعنيه كل صورة بخيالي
                          أحسنت عزيزي قليلة والنجوم بسيطة
                          لكني سأترك الاعجاب مكاني
                          محبتي وشتائل ورد
                          سلاما عائدة
                          تسلمي و يسلم قلبك الياقوت
                          ألم الكاتب مضاعف عائدة وأنت سيدة العارفين، كان في إمكان أي إنسان حسّاس أن يكتب بوستا على فايس بوك يشفي به غليله مختصرا قصة في جملة مباشرة. لقد اخترنا الطريق الأصعب.
                          كوني بخير. باقة ورد.
                          مدوّنة

                          فلكُ القصّة القصيرة

                          تعليق

                          • محمد فطومي
                            رئيس ملتقى فرعي
                            • 05-06-2010
                            • 2433

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
                            نص مميز. سرد يقطع الأنفاس. وتفاصيل دقيقة تقدم المشهد باحترافية.
                            مودتي
                            مرحبا سي عبد الرحيم
                            أشكرك أيها العزيز ودمت بكلّ الودّ.
                            مدوّنة

                            فلكُ القصّة القصيرة

                            تعليق

                            • سعيد ماروك
                              أديب وكاتب
                              • 12-09-2012
                              • 52

                              #15
                              أول نص أقرأه للأخ محمد فطومي.
                              ماذا أقول !!
                              مبدع متمرّس أنت يا محمد.من أول عبارة أسرتني وجعلتني أتطلع لمعرفة الشيء الأبيض هائما في دقة التفاصيل المبثوثة ضمن نصك السلس.
                              لا شك أنني اكتشفت اليوم أديبا يملك ناصية القلم.
                              أسجل هنا إعجابي ببعض اللوحات التي كنتَ بارعا في تصويرها:
                              "للحمّام عوض الباب ستارة مرفوعة عن الأرض مقدارا مدروسا بعناية لكي يسمح برؤية ساق الذي بالدّاخل مهما كانت الوضعيّة التي يتّخذها.
                              "يُنصح دائما بمهراس في البيت. كلّ بيوت الحيّ فيها مهراس من نحاس."
                              "لو كان قد جلب معه المفتاح رقم 16 لما تفطّن إليه أحد"
                              أما ما قتلني فهو عبارتك الأخيرة : "تماما كما لن يفهم «فراشة» مطلقا لمن يقول تحديدا: لقد أسأت فهمي."
                              أحببت "فراشة" و أحببتك ونصك أخي محمد.
                              دمت متألقا.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X