ملتقى الحضارات، ملتقى الانسانيّة، القبصيّون-السومريّون-المصريّون..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    ملتقى الحضارات، ملتقى الانسانيّة، القبصيّون-السومريّون-المصريّون..

    نبدأ على بركة الله موضوعا جديدا بعنوان:
    ملتقى الحضارات..ملتقى الانسانيّة
    تمهيد:
    إذا سألت عن أقدم آثار عُثر عليها تدل على وجود إنسان عاقل متكلم لديه نوع من الثقافة والقدرة على إجادة استخدام الأدوات والصيد والرسم على الجدران .. فهذه يعود تاريخها إلى قرابة 50 ألف .. ولا يعني هذا بالضرورة عدم وجود آثار أقدم .. لكن لم يتم العثور عليها حتى الآن .

    تعود أقدم مستحثة لإنسان يشبه الإنسان المعاصر إلى قرابة 200 ألف سنة (عثر عليها في إثيوبيا) .. وهذا أيضاً لا يعني أن الإنسان المعاصر ظهر في تلك الفترة بالتحديد ..
    الآثار التي تمّ العثور عليها ويتصل تاريخها بما قبل 50 ألف عام تدل على وجود بطء شديد جداً في تطور الأدوات الحجرية المستخدمة وعدم وجود مظاهر حضارية أخرى ولكن فجأة في حدود الـ 50 ألف سنة تحدث طفرة هائلة حول العالم في كمية الآثار المتطورة التي تدل على حدوث تغير جذري بين تاركي تلك الآثار .. وتحديداً خارج إفريقيا السوداء .. في آسيا وأوروبا وشمال إفريقيا ..
    نجد أن البشر في هذه الفترة أصبحوا يدفنون موتاهم في قبور ويستخدمون جلود الحيوانات لصنع الملابس ويقومون بالصيد بطرق أكثر تطوراً (كاستخدام الفخاخ أو استدراج الحيوانات للمنحدرات) .. وكذلك انتشار الرسوم على جدران الكهوف وتنظيم أماكن المعيشة والطقوس الدينية (كوضع أغراض داخل القبور) .
    وجود هولاء الناس لا شك فيه اطلاقاً .. (وقد لاحظ آثارهم حتى القدماء لذا نجد العرب قالوا بوجود أمة "البِنّ" و"الحِنّ" سفكت الدماء قبل آدم بآلاف السنين كما ذكر ابن كثير في تاريخه - مجرد كلام مؤرخين - وأن الله سلّط عليهم الجن فقتلوهم وأبادوهم! .. والفرس سموهم الطمّ والرمّ! .. واليونان سموهم التيتان !!) .... ولكن هل لهولاء علاقة بآدم ؟؟ .. الله أعلم .. وإن كان لهم علاقة .. فأيهم؟! .. هل هم الذين ظهروا قبل 200 ألف سنة .. أم الذين ظهروا قبل 50 ألف سنة ..
    لا توجد لدينا روايات صحيحة ولا علم يمكننا الوثوق بنتائجه.

    الحضارة القبصية

    مقدّمة:
    عرفت بلدان شمال افريقيا حضارة مزدهرة ظهرت منذ ما يقارب 10000 سنة مضت. تمّ هذا الاكتشاف بجهة قفصة من البلاد التونسيّة ممّا جعل المستكشفين يطلقون عليها الحضارة «القبصيّة» .
    أظهرت الدراسات أن السكان الذين عاشوا في تلك الفترة بالجنوب التونسي قد تميّزت حياتهم بالرفاهيّة لتمكّنهم من استغلال الأراضي واستطاعتهم تربية المواشي وهو ما يجعلهم الأوائل في ترويض الحيوانات من غزلان وماعز وخرفان وأول الشعوب في التاريخ التي قامت برعي الأغنام، كما ظهرت أنواع جديدة من أسلحة الصيد وهي رؤوس السهام. كما تم اكتشاف أوان من الفخار تحمل الزخارف وكذلك أحجار مصقولة وملساء تستعمل لطحن الحبوب مما يدل على تعاطي الزراعة..
    هناك ما يدل على تحضر القبصيين فقد كانوا يتزينّون بقلادات من خرزات مصنوعة من قشور بيض النعام..
    من جانب آخر، فإن سكان تلك الفترة كانوا على اتصال بالشعوب الأخرى. فقد تمّ اكتشاف قطع صغيرة من الصخور البركانية مستوردة من ايطاليا وهذا يثبت اتصال المجموعات البشرية المنتمية للعصر الحجري الحديث، وهذا ما يثبت تطويع البحر وامتلاكهم لمعدات تعاطي الملاحة في حوض البحر الأبيض المتوسط..

    الحضارة القبصيّة:

    الحضارة القبصية (نسبة إلى مدينة قفصة بتونس، ذلك أن أول الحفريات حول هذه الحضارة وأكبرها قامت قرب هذه المدينة) في الفترة الممتدة بين 10.000 و 6.000 سنة قبل عصرنا الحاضر، أي في آخر العصر الحجري القديم وفي العصر الحجري الوسيط وفي العصر الحجري الحديث، وذلك في المناطق الداخلية من المغرب العربي الحالي، خاصة في تونس وفي الجزائر، وفي بعض المناطق ببرقة في ليبيا.

    تقسيم الحضارة القبصية

    تقسّم الحضارة القبصية تقليديا إلى قسمين، هما الحضارة القبصية المثالية والحضارة القبصية العليا. أظهرت الدراسات الأولى (1910 - 1974) أن الحضارة الأولى سبقت الثانية (إذ أن الطبقات الجيولوجية لأحافير الحضارة الأولى نوجد تحت طبقات أحافير الحضارة الثانية، ومن هنا كانت التسمية). ومنذ سنة 1974، أثبتت الدراسات الحديثة أن الحضارتين لا تتلاحقان وإنما تتزامنان. هناك تسميتان أخريان، هما الحضارة القبصية الشرقية و الحضارة القبصية الغربية. ويتمثل الفرق بين الحضارتين في تمركزها ونوع صناعاتها.

    الحضارة القبصية المثالية أو الشرقية

    تمركزت الحضارة القبصية المثالية أو الشرقية في وسط تونس (حول قفصة) وفي شرق الجزائر (حول تبسة)، وتميزت بصناعة أدوات حجرية كبيرة، مصنوعة من صفيحات صوّانية ذات قفا منحوت بحدة، منها الشفرات والمكاشط (المساحج) وخاصة الأزاميل (28,7 - 48,7% من جميع الأدوات المكتشفة). لم يكن الشكل الهندسي لهذه الأدوات مهمّا لديهم، ولكنّه يميل إلى الشكل المثلث. أما صناعة الأدوات العظمية فهي نادرة لديهم وغير متطورة، وهي متمثلة في مثاقب ضيقة مستدقة الطرفين.

    الحضارة القبصية العليا أو الغربية

    تمركزت الحضارة القبصية العليا أو الغربية في وسط الجزائر (حول سطيف) وجنوبها، وتميزت بصناعة أدوات حجرية صغيرة ومتنوعة ذات شكل مثلث أوشبه منحرف، أحيانا مثلّمة أومسنّنة، منها الشفرات والمثاقب والنصال و نادرا الأزاميل. بدأ القبصيون بتصغير حجم الأدوات الحجرية منذ حوالي 8.000 سنة قبل الحاضر. أما صناعة الأدوات العظمية فقد كانت متطورة وشائعة لديهم.

    القبصيون من ناحية علم الإنسان:

    كان القبصيون من جنس الإنسان العاقل الحديث، من النوع المتوسطي الأولي (وهو النوع الرئيسي) والنوع المشتي الأفلي والنوع المشتاني.

    حياة القبصيين

    في تلك الحقبة الزمنية، كان المناخ المغاربي شبيها بالمناخ الحالي لأفريقيا الشرقية، حيث كانت السهول مكسوّة بالأعشاب (مروج عشبية) والمرتفعات مكسوة بالأشجار (غابات).
    السكن لدى القبصيين
    سكن القبصيون أكواخا صنعوها من أغصان الشجر، كما سكن الرعاة المغارات في الجبال أثناء فصل الصيف.
    نجد، في الأماكن التي سكن فيها القبصيون، كديات (مرتفعات) تبلغ مساحتها بضعة أمتار مربعة وتصل أحيانا إلى مئات الأمتار المربعة، ويبلغ ارتفاعها بين أقل من متر إلى ثلاثة أمتار أو أكثر. وتحوي هذه الكديات قواقع للحلزون كاملة و مهشمة، وكمية كبيرة من الرماد والأحجار المحترقة، وأحيانا مقابر. تسمى هذه الكديات بالرَمَادِيات أو الكُدْيَات السُود.

    ترحال القبصيين

    سكن القبصيون المناطق الداخلية من المغرب العربي الحالي، في المروج العشبية وعلى ضفاف البحيرات والصحراء (التي كانت مكسوة بالعشب). غير أنهم كانوا رُحّلاً، إذ كانوا يتنقلون بين الصحراء في الشتاء والمرتفعات في الصيف، مرورا بالأودية في الربيع والخريف.

    القوت الغذائي للقبصيين
    عاش القبصيون على أنواع عديدة من الحيوانات، إذ تراوح قوتهم الغذائي الحيواني من الثيران والغزلان إلى الأرانب البرية والحلازين، كما تمثل قوتهم النباتي في الثمار والحبوب والفواكه الجافة والعساقل.
    قام القبصيون، في العصر الحجري الحديث، منذ 6.500 سنة قبل الحاضر، بتدجين الخرفان والماعز والثياثل والرعي بها، فضلا عن مواصلتهم لصيد الحيوانات الأخرى، إذ يعدّ القبصيون أول الرعاة في تاريخ الإنسانية. أظهرت بعض الأبحاث أن بعض المجتمعات القبصية قامت بنوع من الزراعة البدائية.
    1- عسقل جمع: عَسَاقِلُ. | جُزْءٌ مِنْ سَاقٍ نَبَاتِيَّةٍ أَوْ مِنْ جِذْرٍ نَبَاتِيٍّ يَحْتَوِي عَلَى مَوَادَّ غِذَائِيَّةٍ.

    المعتقدات الدينية لدى القبصيين
    لا تتوفر أدلة كبيرة عن المعتقدات والأديان القبصية، غير أن الحفريات أظهرت أن طرق دفنهم لموتاهم توحي بأنه كانت لديهم معتقدات بحياة أخرى بعد الموت، إذ كانوا يدفنون موتاهم في أوضاع مختلفة (منها الوضع الجانبي المثني)، مزينة أبدانهم بحجر المُغْرَة، مرفقين بأدواتهم وأوانيهم.

    الفنون لدى القبصيين

    كان فن التزيين والزينة متطورا لديهم، إذ كان القبصيون يركّبون قلادات من خرزات مصنوعة من قشور بيض النعام، كما قاموا بنقوشات صخرية، بعضها لها وظيفة تحديد النفوذ المكاني للرعاة وبعضها تعليمي.
    قام القبصيون، منذ 7.000 سنة قبل الحاضر، بصناعة أواني فخارية بسيطة، ثم قاموا بتطويرها في العصر الحجري الحديث، منذ 6.200 سنة قبل الحاضر، فأصبحت متنوّعة وجميلة كما قاموا أيضا باستعمال قشور بيض النعام في صناعة الأواني واستعملوها كقوارير بيضية الشكل وكؤوس وأكواب وصحون.

    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    #2

    العراق في عصور ما قبل التاريخ :

    أثبت الحفريّات الأثرية والأدلة الأنثروبولوجية , أن العراق كان يعيش حياة مستقرة في عصور ما قبل التاريخ من الألف الرابع قبل الميلاد , ونظرًا لما تتسم به أرض العراق من مميزات جغرافية فريدة فقد كانت من مواطن الاستقرار البشري الأولى في العالم , وعرفت الحضارة الإنسانية بدايات نشوئها متمثلة في أرقى حضارة زراعية وصناعية عرفها الانسان حينئذ حيث عرف النار وكيفية توليدها,وكذلك صناعة الفخار وأدواته المبكرة .
    ويعدّ موقع ( جرمو ) قرب جمجمال نموذجًا للقرية الزراعية في شمال العراق , حيث أظهرت التنقيبات في هذا الموقع ست عشرة طبقة سكنية تضم الخمس العليا منها أقدم الآثار لصناعة الفخار في وادي الرافدين .
    ولم تلبث مظاهر التمدن أن انتقلت بعد ذلك إلى القسم الجنوبي من البلاد حوالي سنة 4000 ق.م متمثلة في آثار (تل العبيد) الواقع على بعد أربعة أميال إلى الشمال الغربي من مدينة أور . ويعتبر تل العبيد أقدم المستوطنات البشرية التى كشفت عنها التنقيبات في الجنوب . ولكن المقومات والمظاهر الحضارية لم تنضج إلا في العصر اللاحق ـ عصر الوركاء ـ الذي تميز بظهور الأختام الأسطوانية والمصطبة ,وفن النحت ,وظهور أقدم وسيلة للتدوين.
    ـ الحضارة السومرية:
    تعتبر الحضارة السومرية ( 2850 ـ2400 ق . م ) في العراق من الحضارات الإنسانية المبكرة التى خلفت تراثًا عريقًا , ويعد السومريون من أقدم الشعوب التي استطاعت وضع لبنات الحضارة الأولى في القسم الجنوبي من العراق القديم الذي عرف ببلاد سومر ,وتكشف النصوص السومرية عن جوانب من منجزات السومريين الحضارية ,وكاختراع الكتابة , والنقش في العمارة ,والحذق في صناعة الفخار ,وغيرها من المظاهر الحضارية . كما تمتاز هذه الفترة بظهور أولى السلالات السومرية التي شكلت أنظمة سياسية عرفت باسم دويلات المدن ,وقد وجدت معالم هذه الحضارة في مدن مختلفة من العراق ,وهي كيش (تل الأحيمر) ,وتل (كرسو) ,وتلول الهباء (لكشي) واشبونا (تل أحمر) ,وأوروك (الوركاء) ,وينبور (نفر) ,واريدو (ابو شهرين ) ,وغيرها .
    وقد نشأت على شواطئ النهرين دجلة والفرات وروافدهما وتطورت أولى المدن والمراكز الحضارية في العالم ,وفيها بدأت أولى محاولات الإنسان الكتابة ,والتربية والتعليم المنظم , وصياغة منظومات قانونية, والاكتشافات في ميادين الطب والكيمياء والرياضيات والفلك والإبداع في مجالات الفنون ,والآداب وازدهار التجارة والصناعة وغيرها . وغدت تلك المحاولات الأساس الذي قامت عليه الحضارة العراقية القديمة في العصور التالية .
    تتالت عدّة حضارات بالعراق بعد تلك الفترة لعلّ من ابرزها:
    ـ الحضارة الأكدية :
    يعتبر جزء من المؤرخين أن الأكديين قوم قد نزحوا ( 2350 ـ2159 ق.م) من الجزيرة العربية ,واستوطنوا وادي الرافدين واشتق اسمهم من اسم مدينة (أكد) التي أسسها سرجون الأكدي واتخذها عاصمة لمملكته , ويرجح أن موقعها بالقرب من بغداد حاليًا . وقد تأثر الأكديون بالحضارة السومرية إلا أنهم أدخلوا عناصر ومقومات حضارية جديدة في النظم السياسية والاجتماعية والحربية والفنية. ومن أشهر ملوكهم سرجون (شروكين, ويعنى الملك الصادق) الذي يعد من أعظم الشخصيات التاريخية في الشرق الأدنى القديم . وحكم بعد وفاة سرجون ولداه ريموش ثم نشتوسو ,وبعدهما تسلم الحكم حفيده نرام سين الذى يعتبر أعظمهم وأكثرهم شهرة . أما أخبار حكمه فقد وصلتنا مدونة على وثائق مسمارية.
    امتاز حكم نرام سين (2260 ـ 2223 ق .م ) بالازدهار والقوة ,وقد وصلتنا أخبار هذا الملك مدونة على المنحوتات الحجرية التى تمثل الملك منتصرًا أعدائه , ومنها المنحوتة التى عثر عليها فى جبال قرادغ إلى الجنوب من السليمانية ,والتى عرفت بمسلة النصر حيث تخلد انتصارات الملك العسكرية على اللولوبيين, ويشاهد على المنحوتة الملك يحمل القوس والرمح ويلبس خوذة ويصعد جبلاً شاهقًا ,وقد تساقط الأعداء تحت قدميه.
    للملك كوديا ( 2120 ـ2111 ق . م ) , أشهر ملوك سلالة لكش الثانية , نقوش عديدة ونصوص تاريخية ودينية وأدبية.
    وكان الملك أورنمو من المهتمين بالبناء والعمران ,و قد شملت أعماله العمرانية , بالإضافة إلى العاصمة ( أور ) , مدنًا سومرية عديدة مثل الوركاء ولكش ونفر وأريدو . ومن أشهر إنجازاته العمرانية بناؤه زقورة في معبد مدينة أور . ويعد الملك أورنمو من أقدم المشرعين في التاريخ , فقانونه المدون باللغة السومرية هو من أقدم ما وصلنا في ميدان التشريع , كما عثر على قانون مملكة اشنونة الواقعة اليوم ضمن محافظتى بغداد وديالى ( تل أسمر ) . وقد عثر على ألواح تتضمن شتى نواحي المعرفة ,وعلى قانون احتوى على مواد تتعلق بتحديد أسعار الكثير من المواد الضرورية كالشعير والزيت والملح والنحاس وتأجير العربات والقوارب والعمال الزراعين ,وأحكامًا خاصة بالعبيد والزواج والطلاق والإقراض والدين والتبني والبيع والشراء وغيرها , كما تقدمت في مدينة أور صناعة التحف الفنية.
    ـ الحضارة البابلية:
    اصطلح المؤرخون على تسمية الحقبة الواقعة بين سقوط سلالة أور الثالثة حوالى 1950 ق.م ونهاية سلالة بابل الأولى عام 1535 ق . م , بالعهد البابلي القديم . و بدأ نجم بابل في التألق مع سبللة أمورية , حتى صارت أعظم مدينة في تاريخ العراق القديم .
    ومن أعظم ملوك العهد البابلي حمورابي سادس ملك في سلالة سوموابم ,وقد قام بعد اعتلائه عرش بابل بتوطيد دعائم مملكته ,واهتم بالقضايا السياسية والعسكرية ,واستطاع تشكيل امبراطورية مترامية الأطراف هي الامبراطورية البابلية القديمة . ثم اتجه إلى الشؤون الداخلية للبلاد لإرساء دعائم الدولة وتنظيم شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية ,ووضع القوانين وسنها في شريعة واحدة متكاملة تطرقت لمظاهر الحياة الاجتماعية في بابل ,وهدفت إلى سيادة القانون والعمل على حماية الضعيف .
    وهكذا سن حمورابي قانونًا موحدًا للبلاد , جمع فيه القوانين المطبقة في مختلف المناطق التى ضمتها دولته الجديدة, وانتقى منها مواد تشريعية لكل القضايا واحتمالاتها , وسطرها على مسلته الشهيرة.
    بلغت حضارة وادي الرافدين أوج عظمتها وازدهارها في ذلك العصر , وانتشر الخط المسماري واللغة البابلية ,وأصبحت اللغة البابلية اللغة السائدة في ذلك العصر للتواصل بين الأقطار المجاورة . وتقدمت العلوم والمعارف والفنون والصناعات ,وأصبحت بابل قبلة الأنظار وعاصمة الامبراطورية البابلية المزدهرة . كما انتقلت إلى اليونانيين الكثير من العلوم المزدهرة في بابل مثل الرياضات والفلك وغيرها , عبر سوريا وبلاد الأناضول . فالنظريات التى تعزى إلى فيثاغورث واقليدس وغيرهما من اليونانيين اتضح من الآثار التى عثر عليها في تل حرمل والضباعى أن الرياضيين العراقيين القدامى سبقوهم إليها بألف سنة.
    ـ الحضارة الآشورية :
    استقر الآشوريون في القسم الشمالي من العراق في مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد ,ومنذ ذلك التاريخ عرفت المنطقة في النصوص المسمارية ببلاد آشور . والمرجح أن التسمية كانت نسبة إلى آشور أول عاصمة لهم ,وقد بلغت الدولة الآشورية أوج عظمتها عسكريًا وعمرانيًا, كما امتاز هذا العهد بتوطيد كيان المملكة وحماية حدودها من كل الهجمات التي داهمتها من الشرق والغرب .وقد غدت هذه الدولة القوة الأولى في الشرق الأدني القديم خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد .

    الكشف عن أرض سومر وتحديد جغرافيّتها:


    إذا عدنا إلى خريطة الشرق الأدنى وتتبعنا المجرى المشترك المكون من نهري دجلة والفرات من مصبه في الخليج الفارسي إلى أن ينفصل المجريان "عند بلدة القرنة الحديثة"، ثم تتبعنا نهر الفرات متجهين إلى الغرب، وجدنا في شماله وجنوبه المدن السومرية القديمة المطمورة هي : إريدو "أبوشهرين الحديثة" وأور "المُقَيَّر الحديثة" وأورك "وهي المسماة إرك في التوراة والمعروفة الآن باسم الوركاء" ولارْسا "المسماة في التوراة باسم إلاسار والمعروفة الآن باسم سنكرة" ولكش "سيبرلا الحديثة" ونبور "نفر". تتبع بعدئذ نهر الفرات في سيره نحو الشمال الغربي إلى بابل التي كانت في يوم من الأيام أشهر بلاد الجزيرة "أرض ما بين النهرين" تجد إلى شرقها مباشرة بلدة كش مقر أقدم ثقافة عرفت في هذا الإقليم، ثم سر بعدئذ مع النهر صعدا قرابة ستين ميلا حتى مقر أجاد قصبة مملكة أكد في الأيام الخالية. ولم يكن تاريخ أرض الجزيرة القديم من إحدى نواحيه إلا صراعا قامت به الشعوب غير السامية التي تسكن بلاد سومر لتحتفظ باستقلالها أمام الهجرات السامية والزحف السامي من كش وأجاد وغيرهما من مراكز العمران الشمالية. وكانت هذه الأجناس المختلفة الأصول في خلال هذا الصراع تتعاون دون أن تشعر بتعاونها- ولعلها كانت تتعاون على الرغم منها-لتقيم صرح حضارة هي أول ما عرف من حضارة واسعة شاملة فذة، وهي من أعظمها إبداعا وإنشاء .

    - سلالة السومريون :
    وليس في وسعنا رغم ما قام به العلماء من بحوث أن نعرف إلى أية سلالة من السلالات البشرية ينتمي هؤلاء السومريون، أو أي طريق سلكوه حتى دخلوا بلاد سومر. ومن يدري لعلهم جاءوا من آسيا الوسطى أو من بلاد القفقاس أو من أرمينية واخترقوا بلاد ما بين النهرين من الشمال مُتتبعين في سيرهم مجريي دجلة والفرات- حيث توجد- كما في أشور مثلا شواهد دالة على ثقافتهم الأولى.
    أو لعلهم قد سلكوا الطريق المائي من الخليج الفارسي- كما تروي الأساطير- أو من مصر أو غيرها من الأقطار، ثم اتخذوا سبيلهم نحو الشمال متتبعين على مهل النهرين العظيمين. أو لعلهم جاءوا من السوس حيث يوجد بين آثارها رأس من الإسفلت فيه خواص الجنس السومري كلها. بل إن في وسعنا أن نذهب إلى أبعد من هذا كله فنقول إنهم قد يكونون من أصل مغولي قديم موغل في القدم.
    ذلك بأن في لغتهم كثيراً من التراكيب الشبيهة بلسان المغول . لكن علم هذا كله عند علام الغيوب.


    - أهلها وجنسيتهم – مظهرهم :
    وتدل آثارهم على أنهم كانوا قصار القامة ممتلئ الجسم، لهم أنوف شم مصفحة ليست كأنوف الأجناس السامية، وجباه منحدرة قليلا إلى الوراء، وعيون مائلة إلى أسفل. وكان كثيرون منهم ملتحين، وبعضهم حليقين، وكثرتهم العظمى يحفون شواربهم .


    - لباسهم :
    وكانوا يتخذون ملابسهم من جلود الغنم، ومن الصوف المغزول الرفيع، وكانت النساء يسدلن من أكتافهن اليسرى مآزر على أجسامهن، أما الرجال فكانوا يشدونها على أوساطهم ويتركون الجزء الأعلى من أجسامهم عارياً. ثم علت أثواب الرجال مع تقدم الحضارة شيئاً فشيئاً حتى غطت جسمهم كله إلى الرقبة.
    أما الخدم رجالا كانوا أو نساء فقد ظلوا يمشون عراة من الرأس إلى وسط الجسم إذا كانوا في داخل البيوت. وكانوا في العادة يلبسون قلانس على رؤوسهم وأخفافاً في أقدامهم، ولكن نساء الموسرين منهم كن ينتعلن أحذية من الجلد اللين الرقيق غير ذات كعاب عالية، وذات أربطة شبيهة بأربطة أحذيتنا في هذه الأيام. وكانت الأساور والقلائد والخلاخيل والخواتم والأقراط زينة النساء السومريات التي يظهرن بها ثراء أزواجهن كما تظهره النساء الأمريكيات في هذه الأيام.

    الطوفان السومري :
    ولما تقدم العهد بمدنيتهم- حوالي 2300 ق.م حاول الشعراء والعلماء السومريون أن يستعيدوا تاريخ بلادهم القديم. فكتب الشعراء قصصاً عن بداية الخلق ، وعن جنة بدائية، وعن طوفان مروع غمر هذه الجنة وخربها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين . وتناقل البابليون والعبرانيون قصة هذا الطوفان وأصبحت بعدئذ جزءاً من العقيدة المسيحية. وبينما كان الأستاذ َولي ينقب في خرائب أور عام 1929 إذ كشف على عمق عظيم من سطح الأرض، عن طبقة من الغرين سمكها ثمان أقدام، رسبت - إذا أخذنا بقوله - على أثر فيضان مروع لنهر الفرات ظل عالقاً بأذهان الأجيال التالية ومعروفاً لديهم باسم الطوفان، وصفها الشعراء فيما بعد بأنها العصر الذهبي لتلك البلاد.



    - الملوك :
    وحاول الكهنة المؤرخون في هذه الأثناء أن يخلقوا ماضياً يتسع لنمو جميع عجائب الحضارة السومرية. فوضعوا من عندهم قوائم بأسماء ملوكهم الأقدمين، ورجعوا بالأسر المالكة التي حكمت قبل الطوفان إلى 000ر432 عام ، ورووا عن اثنين من هؤلاء الحكماء وهما تموز وجلجامش من القصص المؤثرة ما جعل ثانيهما بطل أعظم ملحمة في الأدب البابلي. أما تموز فقد انتقل إلى مجمع الآلهة البابليين، وأصبح فيما بعد أدونيس اليونان. ولعل الكهنة قد تغالوا بعض الشيء في قدم حضارتهم ولكن في وسعنا أن نقدر عمر الثقافة السومرية تقديراً تقريبياً إذا لاحظنا أن خرائب نيبور تمتد إلى عمق ست وستين قدما ًوأن ما يمتد منها أسفل آثار سرجون ملك أكد يكاد يعدل ما يمتد فوق هذه الآثار إلى أعلى الطبقات الأرضية (أي إلى بداية القرن الأول من التاريخ الميلادي).

    وإذا حسبنا عمر نيبور على هذا الأساس رجع بنا إلى عام 5262 ق.م. ويلوح أن أسراً قوية من ملوك المدن مستمسكة بعروشها قد ازدهرت في كش حوالي عام 4500 ق.م وفي أور حوالي 3500 ق.م.

    وإنا لنجد في التنافس الذي قام بين هذين المركزين الأولين من مراكز الحضارة القديمة أول دور من أدوار النزاع بين السامية وغير السامية، وهو النزاع الذي يكوَّن في تاريخ الشرق الأدنى مأساة دموية متصلة تبدأ من عظمة كش السامية وتستمر خلال فتوح الملكين الساميين سرجون الأول وحمورابي إلى استيلاء القائدين الآريين قورش والإسكندر على بابل في القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وإلى اصطراع الصليبيين والمسلمين لامتلاك قبر المسيح، وإلى التسابق التجاري، وتمتد إلى هذا اليوم الذي يحاول فيه البريطانيون جاهدين أن يسيطروا على الأقوام الساميين المنقسمين على أنفسهم في الشرق الأدنى وينشروا السلام في ربوعه.



    -

    عصر أور الذهبي :

    وبعد عام 3000 ق.م تروى السجلات المكونة من ألواح الطين التي كان الكهنة يحتفظون بها، والتي وجدت في خرائب أور، قصة دقيقة دقة لا بأس بها عن قيام ملوك المدائن وتتويجهم وانتصارهم غير المنقطع وجنائزهم الفخمة في مدن أور ولكش وأرك وما إليها. وما أكثر ما غالى المؤرخون في هذا الوصف، لأن كتابة التاريخ وتحيز المؤرخين من الأمور التي يرجع عهدها إلى أقدم الأزمان.


    - أوروكاجينا الملك المُصلح والمستنير وأحكامه :
    وكان واحد من هؤلاء الملوك ، وهو أوروكاجينا ملك لكش ، ملكاً مُصلحاً ومُستبداً مُستنيراً، أصدر المراسيم التي تحرم استغلال الأغنياء للفقراء واستغلال الكهنة لكافة الناس. و ينص أحد هذه المراسيم على أن الكاهن الأكبر يجب "ألا يدخل بعد هذا اليوم إلى حديقة الأم الفقيرة ويأخذ منها الخشب أو يستولي على ضريبة من الفاكهة". وخفضت رسوم دفن الموتى إلى خمس ما كانت عليه، وحرم على الكهنة وكبار الموظفين أن يقتسموا فيما بينهم ما يقربه الناس قرباناً للآلهة من أموال أو ماشية. وكان مما يباهى به الملك أنه "وهب شعبه الحرية". وما من شك في أن الألواح التي سجلت فيها مراسيمه تكشف عن أقدم القوانين المعروفة في التاريخ وأقلها ألفاظاً وأكثرها عدلا.

    - خاتمة تاريخ أور :
    واختتمت هذه الفترة الواضحة من تاريخ أور كما تختتم في العادة مثيلاتها من الفترات على يد رجل يدعى لوجال- زجيزي ، غزا لكش وأطاح بأوروكاجينا ونهب المدينة وهي في أوج عزها ورخائها، وهدم معابدها وذبح أهلها في الطرقات، وساق أمامه تماثيل الآلهة أسيرة ذليلة.

    - أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو :
    ومن أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة كتبتْ على لوح من الطين لعل عمرها يبلغ 4800 سنة يرثى فيها الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو نّهاب إلهة لكش ويقول فيها :

    "وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على المدينة وعلى الكنوز
    وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على مدينتي جرسو "لكش" وعلى الكنوز
    إن الأطفال في جرسو المقدسة لفي بؤس شديد
    لقد استقر "الغازي" في الضريح الأفخم
    وجاء بالملكة المعظمة من معبدها
    أي سيدة مدينتي المقفرة الموحشة متى تعودين ؟ "



    ولا حاجة بنا إلى الوقوف عند السفاح لوجال- زجيزي وغيره من الملوك السومريين ذوي الأسماء الطنانة الرنانة أمثال لوجال- شجنجور، ولوجال- كيجوب- تدودو، وننيجي- دبتي، ولوجال- أندرنوجنجا...

    - مملكة أكاد تُحرر أور السومرية بقيادة سرجون الأعظم :


    وفي هذه الأثناء كان شعب آخر من الجنس السامي قد أنشأ مملكة أكد بزعامة سرجون الأول، واتخذ مقر حكمه في مدينة أجاد على مسيرة مئتي ميل أو نحوها من دول المدن السومرية من ناحية الشمال الغربي. وقد عثر في مدينة سومر على أثر ضخم مكون من حجر واحد يمثل سرجون ذا لحية كبيرة تخلع عليه كثيراً من المهابة، وعليه من الثياب ما يدل على الكبرياء وعظيم السلطان.
    ولم يكن سرجون هذا من أبناء الملوك: فلم يعرف التاريخ له أباً، ولم تكن والدته غير عاهرة من عاهرات المعابد. ولكن الأساطير السومرية اصطنعت له سيرة روتها على لسانه شبيهة في بدايتها بسيرة موسى.

    فهو يقول: "وحملت بي أمي الوضيعة الشأن، وأخرجتني إلى العالم سراً ووضعتني في قارب من السل كالسلة وأغلقتْ علىَّ الباب بالقار". وأنجاه أحد العمال، وأصبح فيما بعد ساقي الملك، فقربه إليه، وزاد نفوذه وسلطانه. ثم خرج على سيده وخلعه وجلس على عرش أجاد، وسمى نفسه "الملك صاحب السلطان العالي" وإن لم يكن يحكم إلا قسما صغيراً من أرض الجزيرة.

    ويسميه المؤرخون سرجون "الأعظم" لأنه غزا مدناً كثيرة، وغنم مغانم عظيمة، وأهلك عدداً كبيراً من الخلائق. وكان من بين ضحاياه لوجال- زجيزي نفسه الذي نهب لكش وانتهك حرمة إلهتها، فقد هزمه سرجون وساقه مقيداً بالأغلال إلى نيبور. وأخذ هذا الجندي الباسل يخضع البلاد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فاستولى على عيلام وغسل أسلحته في مياه الخليج الفارسي العظيم رمزاً لانتصاراته الباهرة، ثم اجتاز غرب آسية ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط ، وظل يحكمها خمساً وخمسين سنةً، وتجمعت حوله الأساطير فهيأت عقول الأجيال التالية لأن تجعل منه إلهاً. وانتهى حكمه ونار الثورة مشتعلة في جميع أنحاء دولته.

    -

    نارام سين :

    وخلفه ثلاثة من أبنائه كل منهم بعد أخيه. وكان ثالثهم نارام - سِنْ بنَّاء عظيماً وإن لم يبق من أعماله كلها إلا لوحة تذكارية تسجل انتصاره على ملك خامل غير ذي شأن. وقد عثر ده مورجان على هذه اللوحة ذات النقش البارز في مدينة السوس عام 1897، وهي الآن من كنوز متحف اللوفر، وتمثل نارام- سِنْ رجلاً مفتول العضلات، مسلحاً بالقوس والسهام، يطأ بقدميه في خيلاء الملوك أجسام من ظفر بهم من أعدائه. ويدل مظهره على أنه يتأهب لأن يرد بالموت العاجل على توسل أعدائه المنهزمين واسترحامهم. وصور بين هؤلاء الأعداء أحد الضحايا وقد أصابه سهم اخترق عنقه فسقط على الأرض يحتضر، وتطل على هذا المنظر من خلفه جبال زغروس. وقد سجل انتصار نارام- سِنْ على أحد التلال بكتابة مسمارية جميلة. وتدل هذه اللوحة على أن فن النحتْ قد توطدت وقتئذ قواعده وأصبحتْ له تقاليد مرعية طويلة الأمد.



    -

    جوديا المستنير:
    على إن إحراق مدينة من المدن لا يكون في جميع الأحوال من الكوارث الأبدية التي تبتلى بها، بل كثيراً ما يكون نافعاً لها من الناحيتين العمرانية والصحية.
    وهذه القاعدة تنطبق على لكش في ذلك العهد، فقد ازدهرت هذه المدينة من جديد قبل أن يحل القرن السادس والعشرون قبل الميلاد، وذلك في عهدملك آخر مستنير يدعى جوديا ، تعد تماثيله القصيرة المُكتنزة أشهر ما بقى من آثار فن النحت السومري.

    وفي متحف اللوفر تمثال له من حجر الديوريت يمثلهُ في موقف من مواقف التقوى، ورأسه ملفوف بعصابة ثقيلة كالتي نشاهدها في التماثيل المقامة في مسرح الكولوسيوم، ويداه مطويتان في حجره، وكتفاه وقدماه عارية، وساقاه قصيرتان ضخمتان يغطيهما ثوب نصفي مطرز بطائفة كبيرة من الكتابة المقدسة. وتدل ملامحه القوية المتناسبة على أنه رجل مفكر، عادل، حازم، دمث الأخلاق. وكان رعاياه يجلونه، لا لأنه جندي محارب، بل لأنه فيلسوف مفكر أشبه ما يكون بالإمبراطور ماركس أوريليوس الروماني، يختص بعنايته الشؤون الدينية والأدبية والأعمال النافعة الإنشائية، شاد المعابد، وشجع دراسة الآثار القديمة بالروح التي تدرسها بها البعثات التي كشفت عن تمثاله، ويحد من سلطان الأقوياء رحمة بالضعفاء. ويفصح نقش من نقوشه التي عثر عليها عن سياسته التي من أجلها عبده رعاياه واتخذوه إلهاً لهم بعد موته: "في خلال سبع سنين كانت الخادمة نداً لمخدومتها، وكان العبد يمشي بجوار سيده، واستراح الضعيف في بلده بجوار القوي".


    - أور الكلدان :
    وفي هذه الأثناء كانت "أور مدينة الكلدان" تنعم بعهد من أكثر عهودها الطوال رخاءً وازدهاراً، امتد من عام 3500 ق.م "وهو على ما يلوح عهد أقدم مقابرها" إلى عام 700 ق.م وأخضع أعظم ملوكها أور- انجور جميع بلاد آسيا الغربية ونشر فيها لواء السلام وأعلن في جميع الدولة السومرية أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم. وفي ذلك يقول: "لقد أقمتْ إلى أبد الدهر صرح العدالة". ولما زادت ثروة أور بفضل التجارة التي انصبت إليها صبا عن طريق نهر الفرات فعل فيها ما فعل بركليز بأثينا من بعده فشرع يجملها بإنشاء الهياكل، وأقام فيها وغيرها من المدائن الخاضعة له أمثال لارسا وأوروك ونبور كثيراً من الأبنية. وواصل ابنه دنجى طوال حكمه الذي دام ثمانية وخمسين عام أعمال أبيه، وحكم البلاد حكماً عادلاً حكيماً، جعل رعاياه يتخذونه من بعد موته إلهاً، ويصفونه بأنه الإله الذي أعاد إليهم جنتهم القديمة.
    لكن سرعان ما أخذ هذا المجد يزول، فقد انقض على أور التي كانت تنعم وقتئذ بالرخاء والفراغ والسلم أهل عيلام ذوو الروح الحربية من الشرق، والعموريون الذين علا شأنهم وقتئذ من الغرب، وأسروا ملكها، ونهبوها ودمروها شر تدمير. وأنشأ شعراء أور القصائد التي يندبون فيها انتهاب تمثال إشتار أمهم الإلهة المحبوبة التي انتزعها من ضريحها الغزاة الآثمون. ومن الغريب أن هذه القصائد التي صيغت في صيغة المتكلم، وأسلوبها مما لا تسر منه الأدباء السفسطائيين، ولكننا على الرغم من هذا نحس من خلال الأربعة آلاف من السنين التي تفصل بيننا وبين الشاعر السومري بما حل بالمدينة وأهلها من خراب وتدمير. يقول الشاعر:

    لقد انتهك العدو حرمتي بيديه النجستين ؛
    انتهكت يداه حرمتي وقضى على من شدة الفزع.
    آه، ما اتعس حظي! إن هذا العدو لم يظهر لي شيئاً من الاحترام،
    بل جرّدني من ثيابي وألبسها زوجه هو،
    وانتزع مني ُحليي وزين بها أخته،
    وأنا "الآن" أسيرة في قصوره- فقد أخذ يبحث عني
    في ضريحي- واحسرتاه. لقد كنت ارتجف من هول اليوم الذي اخرج فيه،
    فقد أخذ يطاردني في هيكلي، وقذف الرعب في قلبي،
    هناك بين جدران بيتي ؛ وكنت كالحمامة ترفرف ثم تحط
    على رافدة، أو كالبومة الصغيرة اختبأت في كهف،
    وأخذ يطاردني في ضريحي كما يطارد الطير،
    طاردني من مدينتي كما يطارد الطير وأنا أتحسر وأنادي
    إن هيكلي من خلفي، ما أبعد المسافة بينه وبيني
    وهكذا ظلت بلاد سومر خاضعة لحكم العيلاميين والعموريين مائتي عام تبدو لأعيننا كأنها لحظة لا خطر لها.





    - الملك حمورابي العظيم من بابل يستعيد أوروك وإيسين :
    ثم أقبل من الشمال حمورابي العظيم ملك بابل واستعاد من العيلاميين أوروك وإيسين، وظل ساكناً ثلاثاً وعشرين سنة غزا بعدها بلاد عيلام، وقبض على ملكها، وبسط حكمه على عمور وأشور النائية، وأنشأ إمبراطورية لم يعهد لها التاريخ من قبل لها مثيلاً في قوتها، وسن لها قانوناً عاماً نظم شئونها. وظل الساميون بعد ذلك الوقت قروناً كثيرة يحكمون ما بين النهرين حتى قامت دولة الفرس، فلم نعد نسمع بعدئذ شيئا عن السومريين إذ طويت صحفهم القليلة في كتاب التاريخ.



    2- الحياة الاقتصادية
    الزراعة - الصناعة - التجارة - طبقات الناس - العلوم

    - التوارث الحضاري من سومر وأكاد إلى بابل وآشور :
    انقضى عهد السومريين، ولكن حضارتهم لم ُيقض عليها، فقد ظلت سومر وأكد تُخرجان صناعاً وشعراء وفنانين وحكماء ورجال دين، وانتقلتْ حضارة المدن الجنوبية إلى الشمال على طول مجرى نهر الفرات ودجلة حتى وصلت إلى بلاد بابل وأشور، وكانت هي التراث الأول لحضارة بلاد الجزيرة.

    - نظام الري السومري :
    وكان أساس هذه الثقافة وتربة الأرض التي أخصبها فيضان النهرين السنوي، وهو الفيضان الناشئ من سقوط الأمطار الشتوية. وكان هذا الفيضان ضاراً ونافعاً، فقد هدا السومريين إلى أن يجروا ماءه جرياناً أميناً في قنوات للري تخترق البلاد طولاً وعرضاً؛ وقد خلدوا أخطاره الأولى بالقصص التي تتحدث عن فيضان عظيم طغى على الأرض ثم انحسر عنها آخر الأمر ونجا الناس من شره. وكان نظام الري المحكم الذي يرجع عهده إلى أربعة آلاف سنة ق.م من أعظم الأعمال الإنشائية في الحضارة السومرية، وما من شك في أنه كان أيضا الأساس الذي قامت عليه. فقد أخرجت الحقول التي عنوا بريها وزرعها محصولات موفورة من الذرة والشعير والقمح والبلح والخضر الكثيرة المختلفة الأنواع، وظهر عندهم المحراث من أقدم العصور تجره الثيران كما كانت تجره في بلادنا حتى الأمس القريب. وكان يتصل به أنبوبة مثقوبة لبذر البذور. وكانوا يدرسون المحاصيل بعربات كبيرة من الخشب ركبت فيها أسنان من الظران تفتت القش ليكون علفاً للماشية، وتفصل منه الحب ليكون طعاماً للناس.



    - الصناعة والتجارة السومرية :


    كانت هذه الثقافة بدائية من نواحٍ كثيرة فقد كان السومريون يستخدمون النحاس والقصدير، وكانوا يخلطونهما في بعض الأحيان ليصنعوا منهما البرونز، وبلغ من أمرهم أنهم كانوا من حين إلى حين يصنعون من الحديد آلات كبيرة. ولكن المعادن مع هذا كانت نادرة الوجود قليلة الاستعمال؛ وكانت كثرة الآلات السومرية تتخذ من الظران، وبعضها، كالمناجل التي يقطع بها الشعير، يصنع من الطين؛ أما الدقيق منها كالإبر والمثاقب فكان يصنع من العاج والعظام. وكانت صناعة النسيج واسعة الانتشار يشرف عليها مراقبون يعينهم الملك على أحدث طراز من الإشراف الحكومي على الصناعات عرف حتى الآن. وكانت البيوت تبنى من الغاب تعلوه لبنات من الطين والقش تعجن بالماء وتجفف بالشمس. ولا يزال من اليسير العثور على منازل من هذا الطراز في الأرض التي كانت من قبل بلاد سومر، وكان لهذه الأكواخ أبواب من الخشب تدور في أوقاب منحوتة من الحجارة، وكانت أرضها عادة من الطين، وسقفها مقوسة تصنع من الغاب المثنى إلى أعلى، أو مستوية مصنوعة من الغاب المغطى بالطين المبسوط فوق دعامات من الخشب. وكانت البقر والضأن والخنازير تجول في المساكن في رفقة الإنسان البدائية وكان ماء الشرب يؤخذ من الآبار.

    وأكثرما كانت تنقل البضائع بطريق الماء. ولما كانت الحجارة نادرة الوجود في بلاد سومر فقد كانت تنقل إليها من خارج البلاد عن طريق الخليج الفارسي أو من أعالي النهرين، ثم تحمل في القنوات إلى أرصفة المدن النهرية.

    لكن النقل البري أخذ ينمو وينتشر، وشاهد ذلك ما كشفته بعثة أكسفورد في كش من مركبات هي أقدم ما عرف من المركبات ذات العجلات في تاريخ العالم . وقد عثر في أماكن متفرقة على أختام يستدل منها على وجود صلات تجارية بين سومر وبين مصر والهند. ولم تكن النقود قد عرفت في ذلك الوقت، ولهذا كانت التجارة تتبادل عادةً بطريق المقايضة، ولكن الذهب والفضة كانا يستعملان حتى في ذلك الوقت البعيد لتقدير قيم البضاعة، وكانا يقبلان في العادة بدلاً من البضائع نفسها - إما على هيئة سبائك وحلقات ذات قيم محدودة وإما بكميات تقدر قيمتها حسب وزنها في كل صفقة تجارية. وكانت الطريقة الثانية أكثر الطريقتين استعمالاً. وإن كثيراً من ألواح الطين التي وصلت إلينا وعليها بعض الكتابات السومرية لهي وثائق تجارية تكشف عن حياة تجارية جمة النشاط. ويتحدث لوح من هذه الألواح في لغة تدل على الملل والسآمة عن "المدينة التي تعج بضوضاء الإنسان". وكان لديهم عقود مكتوبة موثقة يشهد عليها الشهود، ونظام للائتمان تقرض بمقتضاه البضائع والذهب والفضة، وتؤدي عنها فوائد عينية يختلف سعرها من 15% إلى 33% في السنة.ولما كان استقرار المجتمع يتناسب إلى حد ما تناسباً عكسياً مع سعر الفائدة فإن لنا أن نفترض أن التجارة السومرية كانت كتجارتنا يحيط بها جو من الارتياب والاضطراب الاقتصاديين والسياسيين.

    وقد وجدتْ في المقابر كميات كبيرة من الذهب والفضة منها ما هو حلي ومنها ما هو أوانٍ وأسلحة وزخارف، بل إن منها ما هو عدد وآلات. وكان أهل البلاد الأغنياء منهم والفقراء ينقسمون إلى طبقات ومراتب كثيرة، وكانت تجارة الرقيق منتشرة بينهم وحقوق الملكية مقدسة لديهم.

    - طبقات الناس في المجتمع السومري :
    ونشأتْ بين الأغنياء والفقراء طبقة أفرادها من صغار رجال الأعمال وطلاب العلم والأطباء والكهنة. وقد علا شأن الطب عندهم فكان لكل داء دواء خاص ، ولكنه ظل يختلط بالدين و يعترف بأن المرض لا يمكن شفاءه إلا إذا طردت الشياطين من أجسام المرضى، لأن الأمراض إنما تنشأ من تقمصها هذه الأجسام. وكان لديهم تقويم، لا نعرف متى نشأ ولا أين نشأ، تقسم السنة بمقتضاها إلى اثنا عشر شهراً قمرياً يزيدونها شهراً في كل ثلاثة أعوام أو أربعة حتى يتفق تقويمهم هذا مع فصول السنة ومع منازل الشمس. وكانت كل مدينة تسمي هذه الأشهر بأسماء خاصة .


    3- نظام الحكم
    الملوك - الخطط الحربية - أمراء الإقطاع - القانون
    - الملوك السومريون :
    والحق أن كل مدينة كانت شديدة الحرص على استقلالها، تعض عليه بالنواجذ، وتستمتع بملك خاص بها تسميه باتيسى أو الملك - الكاهن تدل بهذه التسمية نفسها على أن نظام الحكم كان وثيق الاتصال بالدين. وما وافى عام 1800 ق.م حتى نمت التجارة نمواً جعل هذا الانفصال بين المدن أمراً مستحيلاً، فنشأت منها جميعاً "إمبراطوريات" استطاعت فيها شخصية قوية عظيمة أن تخضع المدن والملوك- الكهنة لسلطانها، وأن تؤلف من هذه المدن وحدة سياسية واقتصادية. وكان هذا الملك الأعظم صاحب السلطان المطلق يحيط به جو من العنف والخوف شبيه بما كان يحيط بالملوك في عصر النهضة الأوربية. ذلك بأنه كان معرضاً في كل وقت إلى أن ُيقضى عليه بنفس الوسائل التي قضى بها على أعدائه وارتقى بها عرشه. وكان يعيش في قصر منيع له مدخلان ضيقان لا يتسع الواحد منهما لدخول أكثر من شخص واحد في كل مرة. وكان عن يمين المدخل وشماله مخابئ يستطيع من فيها من الحراس السريين أن يفحصوا عن كل زائر أو ينقضوا عليه بالخناجر. بل إن هيكل الملك كان هو نفسه مكاناً سرياً مختفياً في قصره يستطيع أن يؤدي فيه واجباته الدينية دون أن تراه الأعين، أو أن يغفل أداءها دون أن يعرف الناس شيئا عن هذا الإغفال.


    - الخطط الحربية السومرية :
    وكان الملك يخرج إلى الحرب في عربة على رأس جيش مؤلف من خليط من المقاتلين مسلحين بالقسى والسهام والحراب. وكانت الحرب تشن لأسباب صريحة هي السيطرة على طرق التجارة والاستحواذ على السلع التجارية؛ فلم يكن يخطر لهم ببال أن يستروا هذا الغرض بستار من الألفاظ يخدعون بها أصحاب المثل العليا. من ذلك أن منشتوسو ملك أكد أعلن في صراحة أنه يغزو بلاد عيلام ليستولي على ما فيها من مناجم الفضة، وليحصل منها على حجر الديوريت لتصنع منه التماثيل التي تخلد ذكره في الأعقاب- وتلك هي الحرب الوحيدة في التاريخ التي تخوضها الجيوش لأغراض فنية. وكان المغلوبون يباعون ليكونوا عبيداً، فإذا لم يكن في بيعهم ربح ذبحوا ذبحاً في ميدان القتال. وكان يحدث أحياناً أن يقدم عشر الأسرى قرباناً إلى الآلهة المتعطشة للدماء، فيقتلوا بعد أن يوضعوا في شباك لا يستطيعون الإفلات منها. وقد حدث في هذه المدن ما حدث بعد إذ في المدن الإيطالية في عصر النهضة، فكانت النزعة الانفصالية التي تسود المدن السومرية حافزاً قوياً للحياة والفن فيها، ولكنها كانت كذلك باعثاً على العنف والنزاع الداخلي، فأدى هذا إلى ضعف الدويلات جميعها وإلى سقوط بلاد سومر بأكملها.



    - النظام الإقطاعي وأمرائه في المجتمع السومري :
    وكان نظام الإقطاع وسيلة حفظ النظام الاجتماعي في الإمبراطورية السومرية. فقد كان الملك عقب كل حرب يقطع الزعماء البواسل مساحات واسعة من الأرض ويعفيها من الضرائب. وكان من واجب هؤلاء الزعماء أن يحافظوا على النظام في إقطاعاتهم، ويقدموا للملك حاجاته من الجند والعتاد. وكانت موارد الحكومة تتكون من الضرائب التي تجبى عيناً وتخزن في المخازن الملكية وتؤدى منها مرتبات موظفي الدولة وعمالها.
    وكان يقوم إلى جانب هذا النظام الملكي الإقطاعي طائفة من القوانين تستند إلى سوابق كثيرة من عهد أور- أنجور ودنجى اللذين جمعا قوانين أور ودوناها.

    - الشرائع السومرية :
    فكانت هي المعين الذي استمد منه حمورابي شريعته الذائعة الصيت. وكانت تلك الشرائع أبسط وأكثر بدائية من الشرائع اللاحقة، ولكنها كانت أيضا أقل منها قسوة. مثال ذلك أن الشرائع السامية تقضي بقتل الزوجة إذا زنت، أما الشريعة السومرية فكل ما تجيزه أن تسمح للزوج بأن يتخذ له زوجة ثانية، وأن ينزل الزوجة الأولى منزلة أقل من منزلتها السابقة. والقانون السومري يشمل العلاقات التجارية كما يشمل العلاقات الزوجية والجنسية بوجه عام، وينظم شئون القروض والعقود، والبيع والشراء، والتبني والوصية بكافة أنواعها. وكانت المحاكم تعقد جلساتها في المعابد وكان معظم قضاتها من رجال الدين؛ أما المحاكم العليا فكان يعين لها قضاة فنيون مختصون.
    وخير ما في القانون كله هو النظام الذي وضعه لتجنب التقاضي : ذلك أن كل نزاع كان يعرض أولاً على محكم عام واجبه أن يسويه بطريقة ودية دون أن يلجأ المتنازعون إلى حكم القانون ، فها هي ذي مدينة بدائية يجدر بنا أن نتلقى منها درسا نصلح به مدينتنا.




    4- الدين والأخلاق
    مجمع الآلهة السومرية - طعام الآلهة - الأساطير - التعليم - صلاة
    سومرية - عاهرات المعابد - حقوق المرأة - أدهنة الشعر والوجوه

    -

    مجمع الآلهة السومرية :
    نشر أور- أنجور في البلاد شرائعه باسم الإله الأعظم شمش، ذلك أن الحكومة سرعان ما رأتْ ما في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية. فلما أن أصبح الآلهة ذوي فائدة من هذه الناحية تضاعف عددهم مراراً حتى أصبح لكل مدينة، ولكل ولاية، ولكل نوع من النشاط البشري، إله موح مدبر. وكانت عبادة الشمس قد تقادم عهدها حين نشأت بلاد سومر، وكان مظهرها عبادة شمس "نور الآلهة" الذي كان يقضي الليل في الأعماق الشمالية حتى يفتح له الفجر أبوابه فيصعد في السماء كاللهب ويضرب بعربته في أعماق القبة الزرقاء. ولم تكن الشمس إلا عجلة في مركبته النارية .

    وشيدت مدينة نيبور المعابد العظيمة للإله إنليل ولصاحبته ننهيل، وأكثر ما كانت تعبد أوروك إلهة أنينى العذراء إلهة الأرض والمعروفة لدى أهل أكد الساميين باسم إستير، والتي تشبه عند أهل الشرق الأدنى أفرديتى- دمتر الفاجرة الغمليجة عند الغربيين. وعبدت مدينتا كش ولكش أمّاً لهما حزينة هي الإلهة ننكر ساج التي أحزنها شقاء البشر فأخذت تشفع لهم عند الآلهة الذين كانوا أشد منها قسوة ؛ وكان ننجرسو إله الريّ و"ربّ الفيضانات". وكان أبو أو تموز إله الزرع؛ وكان سِنْ إله القمر، وكانوا يمثلونه في صورة إنسان يعلو رأسه هلال أشبه شيء بالهلالات التي تحيط برؤوس القديسين في العصور الوسطى؛ وكان الهواء كله في زعمهم مملوءً بالأرواح- منها ملائكة خيرين لكل سومر ملك منهم يحميه، ومنها أرواح خبيثة أو شياطين تعمل جاهدة لطرد الروح الخيرة الواقية وتقمص جسم الآدمي وروحه.

    - طعام الآلهة :
    وكانت كثرة الآلهة تسكن المعابد حيث يقرب لها المؤمنون القرابين من مال وطعام وأزواج، وتنص ألواح جوديا على الأشياء التي ترتاح لها الآلهة وتفضلها عن غيرها، ومنها الثيران، والمعز، والضأن، واليمام، والدجاج، والبط، والسمك، والبلح، والتين، والخيار، والزبد، والزيت، والكعك . ولنا أن نستدل من هذا الثبت على أن الموسرين من أهل البلاد كانوا يتمتعون بالكثير من أصناف الطعام؛ ويلوح أن الآلهة كانوا في بادئ الأمر يفضلون لحم الآدميين فلما ارتقى أخلاق الناس لم يجدوا بدا من الاقتناع بلحم الحيوان.


    - التعليم – الصلاة :
    وقد عثر في الخرائب السومرية على لوح نقشت عليه بعض الصلوات وجاءت فيها هذه النذر الدينية الغريبة: "إن الضأن فداء للحم الآدميين، به افتدى الإنسان حياته" ، وأثرى الكهنة من هذه القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً وأعظمها قوة في المدن السومرية، وحتى كانوا هم الحكام المتصرفين في معظم الشئون، حتى ليصعب علينا أن نحكم إلى أي حد كان الباتيسى كاهنا- وإلى أي حد كان ملكاً.

    فلما أسرف الكهنة في ابتزاز أموال الناس نهض أوروكاجينا كما نهض لوثر فيما بعد، وأخذ يندد بنهمهم وجشعهم، ويتهمهم بالرشوة في توزيع العدالة، وبأنهم يتخذون الضرائب وسيلة يبتزون بها من الزراع والصيادين ثمرة كدهم. وأفلح وقتا ما في تطهير المحاكم من هؤلاء الموظفين المرتشين الفاسدين، وسن قوانين لتنظيم الضرائب والرسوم التي تؤدى للمعابد، وحمى الضعفاء من ضروب الابتزاز، ووضع الشرائع التي تحول دون اغتصاب الأموال والأملاك. لكن العالم كان قد عمر حتى شاخ، وتأصلت فيه الأساليب القديمة التي غشاها الزمان بشيء من التبجيل والتقديس.

    واستعاد الكهنة سلطانهم بعد موت أورو- كاجينا كما استعادوا سلطانهم في مصر بعد موت إخناتون؛ ذلك أن الناس لا يترددون في أن يؤدوا أغلى الأثمان لكي يعودوا إلى ما خطته لهم أساطيرهم؛ وكانت جذور الأساطير الدينية حتى في ذلك العهد السحيق قد أخذت تتأصل في العقول. ومن حقنا أن نفترض أن السومريين كانوا يؤمنون بالحياة الآخرة، لأن الطعام والأدوات كانت تدفن مع الموتى في القبور، ولكنهم كانوا يصورون الدار الآخرة، كما صورها اليونان من بعدهم، عالماً مظلماً تسكنه الأطياف التعسة ويهوى إليه الموتى أياً كان شأنهم من غير تمييز بينهم.

    - الجنة والنار والنعيم الدائم والعذاب المخلد :
    ولم تكن فكرة الجنة والنار والنعيم الدائم والعذاب المخلد قد استقرت بعد في عقولهم ، ولم يكونوا يتقدمون بالصلاة والقربان طمعا في "الحياة الخالدة"، بل كانوا يتقدمون بهما طمعاً في النعم المادية الملموسة في الحياة الدنيا.

    وتصف إحدى الأساطير المتأخرة كيف علمت إي إلهة الحكمة أدابا حكيم إريدو جميع العلوم، ولم تخف عنه من أسرارها إلا سراً واحداً- هو سر الحياة الأبدية التي لا تنتهي بالموت. وتقول أسطورة أخرى أن الآلهة خلقت الإنسان منعما سعيدا، ولكنه أذنب وارتكب الخطايا بإرادته الحرة، فأرسل عليه طوفان عظيم عقاباً له على فعله، فأهلك الناس كافة ولم ينج منه إلا رجلاً واحد هو تجتوج الحائك، وأن تجتوج هذا خسر الحياة الخالدة والعافية لأنه أكل فاكهة شجرة محرمة.

    - الأساطير :
    وكان الكهنة يعلمون الناس العلوم ويلقنونهم الأساطير، وما من شك في أنهم كانوا يتخذون من هذه الأساطير سبيلاً إلى تعليم الناس ما يريدونه هم، وإلى حكمهم والسيطرة عليهم. وكانت تلحق بمعظم الهياكل مدارس يعلم فيها الكهنة الأولاد والبنات الخط والحساب، ويغرسون في نفوسهم مبادئ الوطنية والصلاح، ويعدون بعضهم للمهنة العليا مهنة الكتابة. ولقد بقيت لنا من أيامهم الألواح المدرسية وعليها جداول للضرب والقسمة، والجذور التربيعية والتكعيبية، ومسائل في الهندسة التطبيقية .ويستدل من أحد الألواح المحتوية على خلاصة لتاريخ الإنسان الطبيعي على أن ما كان يتلقاه أطفال ذلك العهد من هذا العلم لم يكن أسخف كثيرا مما تلقاه أبناؤنا في هذه الأيام. فقد جاء في هذا اللوح: "إن الإنسان في أول خلقه لم يكن يعرف شيئاً عن خبز يؤكل أو ثياب تلبس، فكان الناس يمشون منكبين على وجوههم، يقتلعون الأعشاب بأفواههم ليقتاتوا بها كما تقتات بها الأغنام، ويشربون الماء من حفر في الأرض".

    - الدين السومري أول الأديان التي عرفها التاريخ:

    ومن أعظم الشواهد الناطقة بما بلغه من هذا الدين- وهو أول الأديان التي عرفها التاريخ- من نبل في التعبير والتفكير، ذلك الدعاء الذي يتضرع به الملك جوديا للإلهة "بو" راعية لكش ونصيرتها:

    " أي ملكتي، أيتها الأم التي شيدت لكش
    إن الذين تلحظينهم بعينيك ينالون العزة والسلطان،
    والعابد الذي تنظرين إليه تطول حياته؛
    أنا ليس لي أُم- فأنت أمي،
    وليس لي أب- فأنت أبي... ؛
    أي إلهتي بو؟ إن عندك علم الخير،
    وأنت التي وهبتني أنفاس الحياة،
    وسأقيم في كنفك أعظّمك وأمجّدك،
    واحتمي بحماك يا أُمّاه "


    - عاهرات المعابد :
    وكان يتصل بالهياكل عدد من النساء منهن خادمات، ومنهن سراري للآلهة أو لممثليهم الذين يقومون مقامهم على الأرض؛ ولم تكن الفتاة السومرية ترى شيئا من العار في أن تخدم الهياكل على هذا النحو، وكان أبوها يفخر بأن يهب جمالها ومفاتنها لتخفيف ما يعتري حياة الكاهن المقدسة من ملل وسآمة؛ وكان يحتفل بإدخال ابنته في هذه الخدمة المقدسة، ويقرّب القرابين في هذا الاحتفال، كما كان يقدم بائنة ابنته إلى المعبد الذي تدخله .



    - حقوق المرأة :



    كان الزواج قد أصبح وقتئذ نظاماً معقداً تحوطه شرائع كثيرة. فكانت البنت إذا تزوجت تحتفظ لنفسها بما يقدمه أبوها من بائنة ، ومع أن زوجها كان يشترك معها في القيام بهذه البائنة، فقد كان لها وحدها أن تقرر من يرثها بعد وفاتها . وكان لها من الحقوق على أولادها ما لزوجها نفسه، وإذا غاب زوجها ولم يكن لها ابن كبير يقيم معها كانت تدير هي المزارع كما تدير البيت. وكان لها أن تشتغل بالأعمال التجارية مستقلة عن زوجها ، وأن تحتفظ بعبيدها أو أن تطلق سراحهم. وكانت تسمو أحياناً إلى منزلة الملكة كما سمت شوب- آد وتحكم مدينتها حكماً رحيماً رغداً قوياً. غير أن الرجل كان هو السيد المسيطر في الأزمات جميعها وكان من حقه في بعض الظروف أن يقتل زوجته أو يبيعها أمة وفاء لما عليه من الديون. وكان الحكم الأخلاقي على الرجل يختلف عن الحكم الأخلاقي على المرأة حتى في ذلك العهد السحيق، وكان ذلك نتيجة لازمة لاختلافهما في شئون الملكية والوراثة. فزني الرجل كان يعد من النزوات التي يمكن الصفح عنها، أما زني الزوجة فكان عقابه الإعدام ، وكان ينتظر منها أن تلد لزوجها وللدولة كثيرا من الأبناء؛ فإذا كانت عاقرا جاز طلاقها لهذا السبب وحده، أما إذا كرهت أن تقوم بواجبات الأمومة، فكانت تقتل غرقاً. ولم يكن للأطفال شئ من الحقوق الشرعية، وكان للآباء إذا تبرءوا منهم علناً أن يحملوا ولاة الأمور على نفيهم من المدينة .

    -

    أدهنة الشعر والوجوه :

    غير أن نساء الطبقات العليا كن يحيين حياة مترفة، وكان لهن من النعم ما كاد يعدل بؤس أخواتهن الفقيرات، شأنهن في هذا شأن النساء في جميع الحضارات. فالأدهان والأصباغ والجواهر من أظهر العاديات في المقابر السومرية وقد كشف الأستاذ ولي في قبر الملكة شوب- آد عن مدهنة صغيرة من دهنج أزرق مشرب بخضرة، وعلى دبابيس من ذهب رؤوسها من اللازورد، كما عثر أيضا على مثبنة عليها قشرة من الذهب المخرم. وقد وجد في هذه المثبنة التي لا يزيد حجمها على حجم الخنصر ملعقة صغيرة لعلها كانت تستخدم في أخذ الصبغة الحمراء من المدهنة. وكان فيها أيضا عصا معدنية يستعان بها على ملوسة الجلد، وملقط لعله كان يستعمل لتزجيج الحاجبين أو لنزع ما ليس مرغوبا فيه من الشعر. وكانت خواتم الملكة مصنوعة من أسلاك الذهب وكان أحدها مطعما بفصوص من اللازورد، وكان عقدها من الذهب المنقوش واللازورد. وما أصدق المثل القائل أنه لا جديد تحت شمس وأن الفرق بين المرأة الأولى والمرأة الأخيرة ليتسع له اسم الخياط.




    5- الآداب والفنون
    الكتابة - الأدب - الهياكل والقصور - صناعة التماثيل -
    صناعة الفخار - الحلي - كلمة موجزة عن المدينة السومرية

    - الكتابة المسمارية السومرية :


    الكتابة أروع ما خلفه السومريون، ويبدو هذا الفن عندهم فناً عظيم الرقي صالحاً للتعبير عن الأفكار المعقدة في التجارة والشعر والدين. والنقوش الحجرية أقدم ما عثر عليه من النقوش، ويرجع عهدها إلى عام 3600 ق. م ؛ وتبدأ الألواح الطينية في الظهور حوالي 3200 ق. م. ويلوح أن السومريين قد بدءوا من ذلك الوقت يجدون في هذا الكشف العظيم ما ترتاح له نفوسهم وما يفي بأغراضهم. ولقد كان من حسن حظنا أن سكان ما بين النهرين لم يكتبوا بالمداد السريع الزوال على الورق السريع العطب القصير الأجل، بل كتبوا على الطين الطري ونقشوا عليه ما يريدون نقشه بسن آلة حادة كالإسفين. وكانوا في ذلك جداً مهرة، فاستطاع كتابهم بفضل هذه المادة اللينة أن يحتفظوا بالسجلات، ويدونوا العقود و المشارطات، ويكتبوا الوثائق الرسمية، ويسجلوا الممتلكات والأحكام القضائية والبيوع، ويخلقوا من هذه كلها حضارة لم يكن القلم فيها أقل قوة من السيف. وكان الكاتب إذا أتم ما يريد كتابته جفف اللوح الطيني في النار أو عرضه لحرارة الشمس، فجعله بذلك مخطوطا أبقى على الدهر من الورق، ولا يفوقه في طول العمر إلا الحجر وحده. وكانت نشأة هذه الكتابة المسمارية وتطورها أعظم ما للسومريين من فضل على الحضارة العالمية.



    وتُقرأ الكتابة السومرية من اليمين إلى اليسار ؛ والبابليون على ما نعلم هم أول من كتب من اليسار إلى اليمين. ولعل الكتابة في سطور كانت نوعاً من العلامات والصور التي جرى بها العرف والتي كانت تصور أو تنقش على الأواني الخزفية السومرية البدائية . وأكبر الظن أن الصور الأصلية قد صغَّرت وبسطت في خلال القرون الطويلة وبسبب الرغبة في سرعة كتابتها، حتى أضحت شيئاً فشيئاً علامات تختلف في شكلها اختلافاً تاما عن الأشياء التي كانت تمثلها، فصارت بهذا رموزاً للأصوات لا صوراً للأشياء. ولنضرب لهذا مثلاً من اللغة العربية يوضح هذه الطريقة وهو صورة العين. فإذا افترضنا أن صورة العين قد صغرت وبسطت وصورت حتى لم يعد معناها العين نفسها بل كان هو الصوت الخاص الذي تمثله مع حركتها "وهو الفتحة في هذه الحالة" والذي ينطق به مع حروف أخرى في كلمات مختلفة كالعَسَل مثلاً، كان هذا شبيهاً بما حدث في اللغة السومرية .

    ولم يخط السومريون الخطوة التالية في هذا التطور فيجعلوا الرسم ممثلاً للحرف وحده دون الحركة عنه حتى يمكن استخدام العلامة الدالة على العين في ألفاظ مثل عنب وعُرقوب ومعمل تختلف حركة العين فيها عن الفتحة. وظلت هذه الخطوة التي أحدثت انقلاباً عظيماً في طرق الكتابة حتى خطاها قدماء المصريين .

    ويغلب على الظن أن الانتقال من الكتابة إلى الأدب تطلب عدة مئات من السنين. فقد ظلت الكتابة قروناً عدة أداة تستخدم في الأعمال التجارية لكتابة العقود والصكوك، وقوائم البضائع التي تنقلها السفن، والإيصالات ونحوها ؛ ولعلها كانت بالإضافة إلى هذا أداة لتسجيل الشؤون الدينية، ومحاولة للاحتفاظ بالطلاسم السحرية، والإجراءات المتبعة في الاحتفالات والمراسم، وبالأقاصيص المقدسة، والصلوات والتراتيل، حتى لا تبيد أو يدخل عليها المسخ والتغيير. ومع هذا فلم يحل عام 2700 ق. م.
    حتى كان عدد كبير من دور الكتب العظيمة قد أنشئ في المدن السومرية. فقد كشف ده سرزاك في مدينة تلو مثلاً، وفي أنقاض عمائر معاصرة لعهد جوديا، مجموعة مؤلفة من ثلاثين ألف لوح موضوعة بعضها فوق بعض في نظام أنيق منطقي دقيق.

    وبدأ المؤرخون السومريون من عام 2000 ق. م. يكتبون ماضيهم ويسجلون حاضرهم ليخلفوه لمن يجئ بعدهم. ووصلت إلينا أجزاء من هذه السجلات ولكنها لم تصل إلينا في صورتها الأصلية بل جاءتنا مقتبسة في تواريخ المؤرخين البابليين. على أن من بين ما بقى من هذه الكتب في صورته الأصلية لوحاً عثر عليه في نيبور كتب عليه الأصل السومري البدائي لملحمة جلجامش التي سندرسها فيما بعد في الصورة التي تطورت إليها عند البابليين .
    وتحتوي بعض الألواح المحطمة على مراثٍ ذات قوة لا بأس بها في أسلوب أدبي خليق بالتقدير. وفي هذه الألواح تبدأ خاصة التكرار اللفظي الذي تمتاز به أغاني الشرق الأدنى، فترى ألفاظاً بعينها تتكرر في بداية السطور، كما ترى كثيراً من الجمل تكرر المعنى الذي ذكر في جمل سابقة أو توضحه. وفي هذه الأثناء التي نجت من عوادى الأيام ترى النشأة الدينية للأدب في الأغاني والمراثي التي يرددها الكهنة. فلم تكن القصائد الأولى إذن أراجيز أو أناشيد غزلية بل كانت صلوات وأدعية دينية.
    وما من شك في أن قروناً طويلة من النماء والتطور في سومر وفي غيرها من البلاد قد سبقت هذه البدايات الثقافية الظاهرة؛ فهذه الثقافات لم يبتدعها السومريون في هذه الحقبة بل نمت عندهم وتطورت. وكما يبدو في الكتابة أن السومريين قد ابتدعوا الخط المسماري، كذلك يبدو في العمارة أنهم ابتدعوا الأشكال الأساسية للمنازل والهياكل والأعمدة والقباب والعقود.

    ويخيل إلينا أن الفلاح السومري كان أول الأمر ينشئ كوخه بأن يغرس الأعواد على هيئة مربع أو مستطيل أو دائرة، ويثني أعلاها حتى يجتمع، ثم يربطها حتى يتكون منها قوس أو عقدة أو قبة. فكان ذلك هو البداية البسيطة أو المظهر الأول المعروف لهذه الأشكال الهندسية المعمارية. وقد عثر المنقبون في خرائب نيبور على مجرى مائي معقود أنشئ منذ خمسة آلاف من السنين، وعثر في مقابر أور الملكية على عقود يرجع تاريخها إلى عام 3500 ق. م. وكانت المداخل المعقودة مألوفة في أور منذ عام 2000 ق. م. وكانت عقودها عقوداً حقه أي أن أحجارها كانت صِنجِية الرص- كل حجر منها على هيئة إسفين يتجه طرفه الرفيع إلى أسفل محكم الوضع في مكانه.



    - الهياكل والقصور :

    أما الأغنياء من أهل المدن فكانوا يشيدون قصوراً يقيمونها على ربُى تعلو عن أرض السهل بنحو أربعين قدماً في بعض الأحيان، وكانوا يجعلونها منيعة لا يمكن الوصول إليها إلا من طريق واحد، وبذلك يستطيع كل عظيم سومري أن يتخذ قصره حصناً له. وإذ كانت الحجارة نادرة الوجود في تلك البلاد فقد كان أغلب هذه القصور يُبنى من الآجر، وكانت الجدران الحمراء تغطى بحليات من الآجر نفسه ذات أشكال مختلفة- منها لوالب، ومقرنصات ومثلثات، ومنها معينات أو مشجرات. وكانت الجدران الداخلية تغطى بالجص وتنقش نقشاً بسيطاً. وكانت الحجرات والمرافق تقام حول فناء يقي البيت وهج شمس البحر الأبيض وحرّها. ولهذا السبب عينه مضافاً إليه رغبة القوم في الأمن من الأعداء كانت الحجرات تطل على هذا الفناء الداخلي بدل أن تطل على العالم الخارجي. أما النوافذ فكانت من الكماليات أو لعلهم كانوا في غير حاجة إليها. وكانت المياه تؤخذ من الآبار، وكان ثمة نظام واسع للمجاري وتصريف الفضلات من الأحياء المأهولة في المدن. وكان أثاث البيوت قليلاً بسيطاً. ولكنه لم يكن يخلو من طابع الفن والذوق، وكانت بعض الأسِرَّة تطعم بالمعادن أو بالعاج، وكانت لبعض الكراسي السائدة أحياناً أرجل تنتهي بما يشبه مخالب السباع على النحو الذي نشاهده في كراسي المصريين الأقدمين.

    أما الهياكل فكانت تستورد لها الحجارة من الأقطار النائية وكانت تزين بأعمدة وأفاريز من النحاس مطعمة بمواد شبيهة بالحجارة الكريمة. وكان هيكل ناتاو في أور طرازاً تحتذيه سائر هياكل أرض الجزيرة فكانت جدرانه مغطاة من الخارج بالقرميد الأزرق الشاحب، أما من الداخل فكانت تكسوه ألواح من الأخشاب النادرة، كخشب الأرز والسرو تطعم بالرخام والمرمر والعقيق الظفري واليماني والذهب. وكان أعظم هيكل في المدينة يقام عادةً فوق ربوة يعلوه برج من ثلاث طبقات أو أربع أو سبع في بعض الأحيان، يحيط به سلم لولبي ذو بسطة عن كل مقلب. وكانت هذه الأبراج أعلى صروح في المدائن السومرية، ومساكن أعظم آلهتها، كان في وسع الحكومة أن تجد فيها آخر حصن روحي وطبيعي يعصمها من الثوار أو الغزاة.

    وكانت الهياكل تزينها أحيانا تماثيل للآلهة وللحيوان وللأبطال من بني الإنسان. وكانت هذه التماثيل ساذجة وغير جميلة في صناعتها، تمثل القوة والعظمة ولكن ينقصها الصقل والأناقة والدقة الفنية. ومعظم ما بقي منها يمثل الملك جوديا.

    - صناعة التماثيل :
    وهي منحوتة من الحجر الديوريت الصلب نحتاً واضح المعارف ولكنه مع ذلك فج ساذج. وقد عثر في خرائب تنتمي إلى العهد السومري الأول على تمثال صغير من النحاس على شكل ثور عدى عليه الدهر ولكنه لا يزال يفيض حيوية وهمة ثورية. وفي مدينة أور عثر المنقبون على رأس بقرة مصنوع من الفضة في قبر الملكة شب- آد وهو آية فنية تشهد بما وصل إليه الفن من رقي عظيم، وإن كان الدهر قد عدا عليها حتى لم يعد في وسعنا أن نقدرها التقدير الذي هي خليقة به. وأن هذا الحكم ليؤيده ما بقي من النقوش المحفورة تأييداً لا يكاد يترك مجالاً للشد فيه كذلك تظهر خشونة الفن السومري في "لوحة الصقور" التي أقامها إينا- نوم ملك لكش، واسطوانة إبنشـــــــار المصنوعة من الرخام السماقي والصور الهزلية "وهي بلا شك هزلية" التي تمثل أور- نينا ، وبخاصة في "لوحة النصر" التي أقامها نارام- سِنْ، ولكنها مع ذلك تنم عن حيوية قوية في الرسم والنحت لا تكاد تترك مجالاً للشك في وجود فن ناشئ سائر في طريق الازدهار.



    - صناعة الفخار – الحلي :
    أما صناعة الخزف فليس في وسعنا أن نحكم عليها هذا الحكم السهل الذي أصدرناه على صناعة النحت ولعل عوادي الزمن من أسباب الخطأ في هذا الحكم، فقد لا يكون ما بقي لنا من آثار هذه الصناعة إلى أقلها شأنا. ولعل هؤلاء الناس كانت لديهم قطع منه لا تقل في إتقانها عن الأواني المنحوتة من المرمر التي عثر عليها في أريدو ، ولكن معظم الخزف السومري- وإن كانت عجلة الفخراني قد استخدمت فيه- لا يعدو أن يكون آنية ساذجة من الفخار لا تسمو إلى مستوى مزهريات عيلام.

    وأما صناعة الذهب فقد بلغت مستوى رفيعا كما يدل على ذلك ما وجد في أقدم مقابر أور التي يرجع تاريخ معظمها إلى عام 4000 ق.م من أوانٍ من الذهب تنم عن ذوق راقٍ ومصقولة أجمل صقل. وفي متحف اللوفر مزهرية من الفضة ضخمة كجسم جوديا ولكنها مزينة بطائفة كبيرة من صور الحيوانات المنحوتة نحتاً جميلاً . وأجمل ما وجد من هذه القطع الفنية غمد من الذهب وخنجر مطعم باللازورد قد عثر عليها المنقبون في أور . وإذا كان لنا أن نحكم على هذه الآية الفنية من صورها الشمسية حق لنا أن نقول إن الفن يكاد يسمو فيها إلى ذروة الكمال. وقد كشف في هذه الخرائب عن عدد كبير من الأختام الأسطوانية معظمها مصنوع من المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة، وعليها نقوش منحوتة فيما لا يزيد على بوصة مربعة أو بوصتين. ويلوح أن السومريين كانوا يستخدمون هذه الأختام فيما نستخدم فيه نحن الإمضاءات، وكلها تشهد بما بلغته الحياة والأخلاق في تلك الأيام من رقي وتهذيب ينقض ما لدينا من فكرة ساذجة عن تقدم الإنسان المتواصل من ثقافات الأيام الخوالي المنحوسة إلى ثقافات هذه الأيام التي بلغت الحد الأقصى من الكمال!

    كلمة موجزة عن المدينة السومرية :
    ويمكن أن نلخص الحضارة السومرية تلخيصاً موجزا في هذا التناقض بين خزفها الفج الساذج وحليها التي أوفت على الغاية في الجمال والإتقان. لقد كانت هذه الحضارة مزيجاً مركباً من بدايات خشنة وإتقان بارع في بعض الأحيان. وفي تلك البلاد - على قدر ما وصل إليه علمنا في الوقت الحاضر- نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات، وأول نظم الري، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام للائتمان، وأول كتب القوانين، وأول استخدام للكتابة في نطاق واسع، وأول قصص الخلق والطوفان، وأول المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأول أصباغ التجميل والحلي، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول استعمال للمعادن في الترصيع والتزيين. وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأول القباب؛ وهنا كذلك تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع: يظهر الرق والاستبداد وتسلط الكهنة وحروب الاستعمار. لقد كانت الحياة في تلك البلاد متنوعة، مهذبة، موفورة النعم، معقدة. وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج حياة جديدة من الدعة والنعيم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس. وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من اختلافات يخطئها الحصر.


    (اعتمدنا هذا الموضوع من موقع http://www.a-olaf.com/~olaf/research...er/Sumer.htm#3)

    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

    تعليق

    • منيره الفهري
      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
      • 21-12-2010
      • 9870

      #3
      موضوع قيم يستحق منا المتابعة..ككل مواضيعك أستاذي الباحث التونسي الكبير حاتم سعيد أبو هادي...
      شكرا لهذا الإثراء و التألق ..
      تحياتي و كل التقدير و الامتنان

      تعليق

      • سامر بوغانمي
        أديب وكاتب
        • 06-02-2014
        • 103

        #4
        الأستاذ حاتم سعيد
        هنيئا للمنتدى وجودك فيه
        موضوع أعجبني كثيرا

        تعليق

        • حاتم سعيد
          رئيس ملتقى فرعي
          • 02-10-2013
          • 1180

          #5
          أستسمحكم اخوتي الأعزاء في نقل خبر جديد وفريد من نوعه عن الحضارة القرطاجيّة في تونس فقد تم الاعلان عن اكتشاف هامّ:
          بعد حفريات تونسية ألمانية دامت سنوات وبتكلفة تقارب مليارا ونصفا: فتح «حي ديدون» بقرطاج أمام الزوار

          مدير المعهد الألماني للآثار بروما : اعتمدنا تقنيات حديثة تؤكد أن البنايات المكتشفة بحي ديدون تعود للعهد البوني المبكر





          لأول مرة يقع اكتشاف البيوت القرطاجنية الأولى المردومة تحت الأحياء الرومانية
          تم رسميا تدشين «حي ديدون» بموقع قرطاج الأثري بعد سنوات من الحفريات والبحث والتنقيب قادت إلى اكتشافات هامة ودالة تاريخيا... فقد توصلت الحفريات التونسية -الألمانية بنهج ابنشباط بقرطاج درمش إلى اكتشاف المنازل البونية العتيقة التي يعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن التاسع قبل الميلاد. وهي المرة الأولى التي يقع فيها نفض الغبار عن هذه المنازل التي تقع مسافة ثمانية أمتار ونصف (8,5) تحت الأرض وفق البعثة الألمانية التي تتكون من خبراء وباحثين ينتمون للمعهد الألماني للآثار بتونس. وهي منازل ظلت طيلة هذه الفترة مردومة تحت التراب وقد بني فوقها الرومان بعد انتصارهم على قرطاج حيّا سكنيا رومانيا كاملا وهو حي فخم كانت تقطنه على ما يبدو من آثاره شخصيات مهمة أو بالأحرى قادة رومان مهمون وفق تأكيد كل من الدكتور كريستوف فلوجال والدكتور رالف بوكمان وكلاهما شارك في الحفريات التي أدت إلى هذه الاكتشافات...
          كانت الحفريات قد انطلقت أواسط الثمانينات بالقرن الماضي وانقسمت إلى مرحلتين. مرحلة تواصلت إلى سنة 1997 ومرحلة ثانية انطلقت من 2009 واستمرت إلى 2012. وقد تكلف المشروع -وفق الدكتور رالف بوكمان الذي اشتغل بالموقع كما سبق وذكرنا وهو مهتم بتاريخ قرطاج وأعد رسالة دكتوراه حول قرطاج في الفترة فيما بين نهاية العهد الروماني وبداية العهد البيزنطي - حوالي 500 ألف أورو أي ما يقربمن ثلاثة أضعاف المبلغ بالدينار التونسي (ما يقارب مليارا ونصفا) وقد موّلت إحدى المؤسسات الألمانية المختصة في البحوث التاريخية الحفريات في حين مولت وزارة الخارجية الألمانية عملية تأهيل المعلم... جدير بالذكر أن المشروع هو ثمرة تعاون بين تونس وألمانيا وهو بالخصوص نتيجة ضم جهود الباحثين بكل من المعهد الوطني للتراث والمعهد الألماني للآثار بروما. وقد حضر مدير معهد التراث فوزي محفوظ حفل التدشين معلنا ضم المنتزه إلى موقع قرطاج الأثري كما حضرت الحفل عدة شخصيات ثقافية تونسية إلى جانب البعثة الألمانية وسفير ألمانيا ببلادنا وممثلين عن وزارة الثقافة...
          حي سكني يعود إلى تاريخ تأسيس قرطاج على يد الأميرة عليسة
          ولنا أن نشير إلى أن الموقع مهيأ بشكل جيد فهو محاط بسياج من جميع الجهات خاصة وأنه يقع وسط المنازل وعلى بعد خطوات من معهد قرطاج درمش والمدرسة الأساسية.. وقد علمنا أن البحوث أشارت إلى أن الحي الأثري به ما يشير إلى أنه كان يمتد إلى الشارع الكبير (شارع الحبيب بورقيبة بقرطاج اليوم). وقد جهّز بسلالم تمكن من النزول إلى الأسفل واكتشاف المباني التي كانت مردومة تحت البنايات الرومانية الأمر الذي مكنها أن تبقى إلى اليوم شاهدة على التاريخ.
          ويتوقع أن يكون «حي ديدون» قبلة الزوار من تونس ومن العالم وأن يكون قبلة الباحثين خاصة وأن الاكتشافات الجديدة ذات قيمة تاريخية هامة ذلك أنه يعتقد أن الاكتشافات تعود إلى فترة تأسيس قرطاج على يد الأميرة عليسة التي يحمل الموقع اسمها «ديدون»..
          بالإضافة إلى البيوت القديمة تم اكتشاف العديد من القطع الأثرية الهامة عرض البعض منها في الموقع الجديد. ومن بين هذه القطع أختام طينية وآثار أختام بردية ومنحوتات وهي ذات قيمة تاريخية مهمة جدا...
          أما عن خصوصيات البيوت في العصر البوني المبكر فهي وكما علمنا من محدثينا تكون غرف صغيرة يتوسطها فناء كما أن أغلبها يتكون من عدة طوابق ولها أسقف مسطحة أما المادة المعتمدة في البناء فهي الحجر الجيري والطوب.. وعن سر اهتمام علماء الآثار الألمان بموقع قرطاج الأثري وبتاريخ قرطاج أكد لنا الباحثان (الأستاذان بوكمان وفلوجال) أن فهم تاريخ قرطاج التي عرفت شهرة وازدهارا كبيرين في العالم في فترة من تاريخ الإنسانية مهم جدا لفهم تاريخ منطقة المتوسط ككل وفهم التاريخ يقود آليا لفهم الثقافات والحضارات المختلفة والعقليات التي أفرزتها هذه الحضارات.
          بعثة أثرية ألمانية بتونس
          وحول نوعية التجربة والاحتكاك مع الخبراء التونسيين أوضح لنا الدكتور رالف بوكمان أن تجربة العمل ضمن البعثة الأثرية الألمانية بموقع قرطاج تعتبر ثرية جدا بالنسبة لأنها جمعت بين مدرستين مختلفتين في مجال الآثار وهما المدرسة الألمانية والمدرسة الفرنسية التي يتأثر بها التونسيون كثيرا. وإذا ما كانت المدرسة الفرنسية تولي القيمة التاريخية مكانة كبيرة فإن المدرسة الألمانية تهتم أكثر بالهندسة وبنوعية البناء وبالتالي فإن الفريقين يتكاملان وهو يعتقد أن النتيجة كانت بالأحرى إيجابية... ولعله وجب التذكير بأن قرطاج كانت قد تأسست (وفق الأسطورة المنتشرة) سنة 814 قبل الميلاد على يد الأميرة عليسة وعرفت ازدهارا كبيرا على مختلف المستويات قبل أن تخوض العديد من الحروب التي انتهت بتدميرها وسيطرة الرومان عليها... ومن بين أبرز الشخصيات القرطاجنية التي عرفت بعبقريتها في الحرب وبجرأتها وشجاعتها نذكر القائد حنبعل... أما الموقع الأثري بقرطاج فهو من ابرز المواقع الأثرية الوطنية والعالمية وهو مسجل على لائحة اليونسكو للتراث العالمي منذ سنة 1979.


          أكد الدكتور أورثوين دالي ORTHWIN DALLY مدير المعهد الألماني للآثار بروما شريك المعهد الوطني للتراث في الحفريات ب»حي ديدون»أنه تم اعتماد تقنيات العلوم الطبيعية الكربون المشع 14 C للتعرف على التاريخ الحقيقي للبيوت البونية المكتشفة حديثا في الموقع (الموقع الأثري بنهج ابن شباط بقرطاج درمش). والكربون يوجد طبيعيا في المواد العضوية ويستخدم في التعرف إلى عمر الأشياء القديمة والآثار التي قد يبلغ عمرها 10.000 عام أو أكثر . ومكنت هذه الطريقة من تحديد تاريخ البيوت المكتشفة في «حي ديدون» وهي تعود إلى الفترة البونية المبكرة وقال محدثنا أن هذه الاكتشافات تعتبر هامة جدا لأنها تعرفنا إلى الفترة الأولى في مرحلة تأسيس قرطاج كذلك على القرطاجنيين الأوائل وقد مثلت الاكتشافات مفاجأة سارة بالنسبة لنا لأنها تقدم مزيدا من الأضواء على تاريخ قرطاج وعلى خصوصيات السكان في مختلف المجالات من بينها مجال العمارة... وقال مدير المعهد الألماني للآثار أن عمل البعثة الألمانية بالتعاون مع التونسيين في موقع «ماغون» مكن من الوصول إلى اكتشاف هام أيضا يتمثل في أساسات «الحائط البوني الكبير» الذي كان يحيط بالبحر لحماية المدينة من تقدم البحر... أما عن بدايةتعاون الألمان مع التونسيين في مجال الآثار فيعود إلى أواسط الثمانينات بالقرن الماضي أي مع بداية«حملة» اليونسكو لفائدة موقع قرطاج الأثري الذي تم ضمه إلى لائحتها للتراث العالمي في أواخرالسبعينات من القرن العشرين. أما عن وجود معهد الآثار بروما فقد أكد السيد أورثوين دالي أن اهتمام علماء الآثار الألمان في البداية كان منصبا على التاريخ الروماني القديم ثم توسعت دائرة اهتمام المعهد واليوم لدينا مشاريع تعاون مع العديد من البلدان من بينها تونس والجزائر وغيرها... ورغم شهرة موقع قرطاج واهتمام المؤرخين والباحثين في الآثار بها فإن هذا التاريخ لم يفصح عنه بالكامل بعد وفق محدثنا والدليل على ذلك الاكتشافات الأخيرة (البيوت البونية العتيقة) ويرى مدير معهدالآثار الألماني أن هذا الموقع سيوسع دائرة الاهتمام بموقع قرطاج سيدي بوسعيد عموما وخاصة للباحثين عن معرفة أدق التفاصيل المتعلقة بتاريخ وبتاريخ مؤسسة قرطاج الملكة ديدون... ——حس






          من أقوال الامام علي عليه السلام

          (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
          حملت طيباً)

          محمد نجيب بلحاج حسين
          أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
          نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

          تعليق

          • زحل بن شمسين
            محظور
            • 07-05-2009
            • 2139

            #6
            السلام عليكم يا كرام:::
            ولنا اضافة متواضعة ....


            لوحة مسمارية من الالف الثاني قبل الميلاد
            تتغنى ببطولات الجيش العراقي الباسل
            من روائع الادب البابلي


            البـــــــــــــــــــــداية:

            قد يتساءل الفرد كيف نشأت هذه الاداب والملاحم والشعر ،، الفكر والفكرة ؟ هل فجأة نزلت كما الوحي ينزل على الانبياء ...ام انها وُلدت بالتدرّج من حالة دنيا الى حالة عليا بالارتقاء بالبشري ؟!
            يقول الاستاذ السومري لتلاميذه بحصة دراسية : بان الانسان الاول كان كما الحيوان يعيش بالبرية ويأكل الحشيش ويمشي بعض المرات على اربعة حتى يشرب ويتناول غذاؤه كما الوحوش الكاسرة ؟!...كم كان الفكر عند السومريون متقدم عن فكرنا الحالي ؟! وسنرى هذا بالبرهان القاطع بالملحمة ... عندما ارسل جلجامش امرأة حسناء ومعها مرافقها صياد ليأتون بانكيدو من بين قطيح الحيوانات البرية؟؟؟ لو ابتدأنا من هذه النقطة نقدر ان نقول بان الفكر والاداب وحتى الاديان كلها والمهن اتت بالتجربة عبر مئات السنين بل الاف الاعوام وليس دفعة واحدة واشترك بهذا الجهد الجبار كل بني البشر حتى الحيوان؟؟؟!!
            اذا كان الانسان مثل بقية الحيوانات يعني كل شيء بدأ معه من الصفر،
            اذا كانت الغريزة تحركه ببداية النشوء والارتقاء ، فمع تطوره نما عنده الفكر وظهرت لاول مرة الفرح والحزن وردة الفعل لهم بالافكار والشعر والغناء والنواح ... الخ. ولهذه الحالتين انفعالات منها الضحك ومنها البكاء ومع الضحك والبكاء نشأ تعبيرات لما يختلج بالنفس البشرية من حزن ومن فرح وكان المرادف للحزن هو النواح ومعه بعض من ردات الندب على الميت او الفقيد ...وكذلك الفرح وكان معه مرادف الغناء وبهجة النغم ؟! الفكرة هي ردة الفعل للواقع المؤلم والمفرح المادي , حتى الحيوانات تحزن لفقيدها؟!
            وهكذا كانت الفكرة وولد عنها البدايات الاؤلى للشعر الا وهو الندب والغناء و معهم صفير الرياح وتغريد الطيور ....الخ ضمن ريتم او نغم يستسيغه صاحب القول ويقبله السامعون؟!

            ومع الاف السنين تطورت هذه الفكرة : الغناء والندب الى اصناف من الاقوال : منها الخطابة للتكلم مع الاخرين والغناء للفرح بالاخرين والشعر
            للتعبير عن النفس امام الاخرين ، وهكذا نمت الفنون وظهرت فنون جديدة مع الزمن والتطور المادي للبشرية ...
            وملحمة جلجامش هي المرجع لنا وللشعر العربي ,,لان هذا الشعر الموزون - المعلقات -- الذي ظهر بالصحراء فجأة قبل الاسلام كان موجودا منذ الاف السنين...الصحراء لاتنبت قمحا الا اذا سقاه الماء من رب العالمين ...ومعظم شعراء الجاهلية كان مسرحهم بلاد الرافدين وبلاد الرافدين هي حضارة بابل وآشور وما عندها من اسرار اللاهوت والناسوت بارض شنعار مهبط الوحي والاسرار ...وقد ُذكرت بالكتب المقدسة و بالقرآن بالعلم ب هاروت وماروت ... وبالحكمة بلقمان الحكيم وغيرهم؟!
            من ملحمة جلجامش سنكتشف الاصول الاؤلى للشعر والادب والدين واللاهوت والتاريخ والفكر .. للبشرية جمعاء وخاصة الاديان السماوية الثلاثة ؟؟؟!!! الفكر والفكرة وما يعبر عنها بقول او كلام او حكم او بغناء او بدندنة او نواح اي حزن هو ردة الفعل للشعور داخل الكائن البشري ؟! حتى ال 27 مجلد للاهوت اليهودي مسروق من مخزون بابل الادبي والشعري والفلسفي والملحمي ...حتى تثنية التشريع للنبي موسى هي منسوخة عن شريعة حمورابي ، فشريعة حمورابي الاولى وشريعة موسى هي التثنية أي الثانية ...كما نرى ملحمة جلجامش لها وجود بالكتب المقدسة بكثير من الاوجه بالسور والآيات.. ولكن الشعر يبقى هو الشاهد على الجذور لفكرنا وهنا سنتلوا عليكم مقطوعة فريدة من نوعها من الادب البابلي يرجع ل الفين سنة قبل الميلاد تقريبا ؟؟

            لوحة مسمارية من الالف الثاني قبل الميلاد
            تتغنى ببطولات الجيش العراقي الباسل
            من روائع الادب البابلي



            نورد ادناه مقتطفات من هدْا الرقيم المسماري العراقي القيم

            ويقولون: لمن المُلكُ اوَ لغيرنا؟ أوهكدْا باتوا يهزلون>>
            ولكني سمعتهم. .سمعت ادْنيَ كل شئ>>
            لقد الهبت الافقَ الانوارُ هيا استعدوا ايها الابطال>>
            كنتم ابدا في الجفون ...
            وقسما فأن بطولاتكم ستعيد ايام الوفرة التي كانت تنعم فيها البلاد (…)>>
            هيا عرِ جسدك من مجوهراتك!
            حُليكَ.. ضعها جانبا>>
            هودْا ... قادم من الجبال خاطفك. .مهددا بحقده>>
            ليكن قلبكَ اكثر حزما من شفتيك...

            وليكن قلبكَ اعظم يقظة من خطاك>>


            لقد دقت ساعة نزال الابطال....
            وغدا سترفع أكد رايةالقتال>>
            اليوم سنحتفل بعيد المنية...

            وسيرتفع العويل وستتحنى الجباه والخدود بالدماء>>
            تراهم نصبوا العماد في ساحات الوغى...
            وترى جهنم فاتحة ابوابها من كل حدب وصوب>>
            اه ما اسعد البشير، غدا، حاملا بشرى الانتصار>>
            الا اضرب العدو! اخز سلاحه.. اسحق عدونا.. اطحنه>>
            لقد حمت الملائكة ديارنا وامدت جيوشنا بالخير والسعة>>
            وحينها ساسعد بحضرتك ايها الملك ....
            وساهزج بمناقبك ارددها بصوت جهور منشدا عظمتك>>
            جيلا بعد جيل سيسبحون بحمدك ...
            واربعون الف صنديد من الجنود بقلب واحد يهتفون باسمك>>
            هؤلاء الرجال المصطفون ألويةً تعداد كل منها الافا ثلاثة..
            هؤلاء القادة المدرعين بصدريات دْهبية>>
            هؤلاء الرجال، اشداء همُ!
            كالفولادْ في الواجهة، البارعون في الخطط الحربية!>>
            > >


            همُ الاطهار يعجنون الحيلة بالشجاعة في القتال

            =============================


            تعليق

            • محمد نجيب بلحاج حسين
              مدير عام
              • 09-10-2008
              • 619

              #7
              موضوع عملاق يستحق المتابعة بالفعل
              أبدعت يا أستاذ حاتم سعيد
              مازلت في المتصفح
              [align=center]محمد نجيب بلحاج حسين
              الميدة - تونس[/align]

              تعليق

              • حاتم سعيد
                رئيس ملتقى فرعي
                • 02-10-2013
                • 1180

                #8
                السلام عليكم ورحمة الله
                سادتي الكرام أساتذتي الأعزاء
                أشكر لكم مروركم بهذا المتصفّح الخاص بالحضارات.
                أخي الرائع زحل ذكرتني في مداخلتك بالتالي:
                - ج - نشأة اللغة:

                شغلت مسألة نشأة اللغة وأصلها معظم العصور، فكانت على امتداد الحضارات القديمة والحديثة عنوانا بارزا يحاول الإجابة عنه علماء اللغة والفلاسفة وحتّى رجال الدين:"
                - من أين جاء الإنسان بهذه القدرة على الكلام؟
                - كيف نشأت اللغة؟
                - هل يوجد لهذه اللغات أصل ثابت؟
                من كتاب المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي في الفصل الثاني (نشأة اللغة الإنسانية) للمؤلف رمضان عبد التواب نشرته مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة 1997، نجد التقرير التالي:(((نحب أن نؤكد في بداية هذا الفصل، أن العلماء والمفكرين، لم يختلفوا في شيء من مسائل علم اللغة، كما اختلفوا حول موضوع نشأة اللغة. وقد تنوعت آراؤهم، واختلفت مذاهبهم، ومع ذلك لم يصلوا في بحثهم إلى نتائج يقينية، بل كان جل آرائهم يصطبغ بالصبغة الشخصية، ولم يتجاوز مرحلة الفرض المبني على الظن والحدس))).
                وفي ذلك يقول العالم "ماريو باي": "فيما يختص بنشأة اللغة وطبيعتها، لدينا مصادر تعتمد على الأساطير والحديث المنقول، والمناقشات الفلسفية، ولكن تنقصنا الحقائق العلمية في هذا الصدد".
                ومع ذلك نجد بعضهم، يحاول أن يعرض نظرياته في هذا الموضوع، ملبسا إياها ثوبا علميا، ومحاولا الدفاع عنها في صلابة وإصرار. غير أن بعض المعتدلين من علماء اللغة، سخروا حتى من مجرد التفكير في إدراج هذا الموضوع، ضمن بحوث علم اللغة، فقرّروا على غرار الجمعية اللغوية في باريس، عدم مناقشة هذا الموضوع نهائيا، أو قبول أي بحث فيه لعرضه في جلساتها، ومنهم الكثير من العلماء ذوي الشهرة الذائعة، والقدم الثابتة في علم اللغة، أمثال: "بلوم فيلد" Bloomfield و"فورث" Forth لم يتعرضوا لدراسة هذا الموضوع بشكل علمي، أو بصورة تنبئ عن أهمية البحث فيه. قام "فورث" بتناوله باختصار شديد، باعتبار أن الكلام فيه، نوع من الفلسفة اللغوية، التي قد يكون من المفيد إلمام طالب علم اللغة به))).

                حاول الكثير من العلماء تفسير نشأة اللغة وقد ذهبت هذه النظريّات والآراء إلى عدّة مذاهب منها:
                ۩- مذهب الوحي والإلهام:
                يسمّيه ابن فارس اللغوي (مذهب التوقيف)، ويتلخص هذا المذهب، في أن الله سبحانه وتعالى، لما خلق الأشياء، ألهم آدم عليه السلام، أن يضع لها أسماء فوضعها.
                أصحاب هذا المذهب يستندون، إلى أدلة نقليّة مقتبسة من الكتب المقدسة، فاليهود والنصارى يستدلون بما ورد في التوراة من قولها: "وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية، وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم، ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية، فهو اسمها، فسمى آدم جميع البهائم، وطيور السماء وجميع حيوانات البرية".
                أمّا أصحاب هذا المذهب، من علماء العرب فيوردون قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} وشرح ابن عباس للآية حيث يقول: "علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس، من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"، لكن العالم "ابن جني"، تصدى لشرحه وردّ عليه، فقال: "وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها".
                ۩:مذهب المواضعة والاصطلاح :
                وهذا المذهب ذكره ابن جني، فقال: "إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء، فيضعوا لكل منها سمة، ولفظا يدل عليه، ويغني عن إحضاره أمام البصر. وطريقة ذلك أن يقبلوا مثلا على شخص، ويومئوا إليه قائلين: إنسان! فتصبح هذه الكلمة اسما له، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أو رأسه أو قدمه، أشاروا إلى العضو وقالوا: يد، عين، رأس، قدم ... إلخ.
                ويسيرون على هذه الوتيرة، في أسماء بقية الأشياء، وفي الأفعال والحروف، وفي المعاني الكلية، والأمور المعنوية نفسها، وبذلك تنشأ اللغة العربية مثل، ثم يخطر بعد ذلك لجماعة منهم كلمة: "مرد" بدل إنسان، وكلمة: "سر" بدل رأس، وهكذا فتنشأ اللغة الفارسية".
                وليس لهذا المذهب، أي سند عقلي أو نقلي أو تاريخي، بل كلّ ما يقرّره يتعارض مع النواميس العامة، التي تسير عليها النظم الاجتماعية، التي لا ترتجل ارتجالا، ولا تخلق خلقا، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها.
                يتوقّف التواضع في كثير من مظاهره، على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون، ولكن القائل بهذه النظريّة لا يفسّر لنا كيفيّة نشأة اللغة الصوتيّة، وهو ما يجعل منشأ اللغة، يتوقف بنفسه على وجودها من قبل.
                ۩-مذهب المحاكاة:
                ويتلخّص في أن الإنسان قد سمّى الأشياء بأسماء مقتبسة من أصواتها، أو بعبارة أخرى أن تكون أصوات الكلمة، نتيجة تقليد مباشر لأصوات طبيعية صادرة عن الإنسان أو الحيوان أو الأشياء، وتسمى مثل هذه الكلمات عند علماء الغرب(Onomatopoeia).
                قال العالم الإسلامي ابن جني: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونغيق الغراب، وصهيل الفرس ... ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد".
                وعقّب على هذا الرأي قائلا: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل".
                وأول من دافع عن هذا المذهب، من علماء الغرب بالتفصيل العالم الألماني "هردر" Harderفي كتابه "بحوث في نشأة اللغة" Abhandlungen uber den Ursprung der Sprache الذي نشره سنة 1772م.

                ومما قد يؤيد هذه النظرية، ما نجده في بعض الأحيان، من اشتراك في بعض الأصوات، في الكلمات التي تحاكي الطبيعة مثل "همس" بالعربية، غير أن اشتراك اللغات في الكلمات المحاكية للطبيعة، على هذا النحو، أمر نادر. ولو كانت هذه النظرية صحيحة، للاحظنا اشتراكا بين اللغات في الكلمات التي تحاكي الطبيعة؛ مثل: الشق، والدق، والقطع، والصهيل، والعواء، والمواء، وما إلى ذلك.
                ويرى بعض العلماء بناء على هذه النظرية، أن مناسبة اللفظ للمعنى مناسبة حتمية، بمعنى أن اللفظ يدل على معناه دلالة وجوب، لا انفصام فيها. وممن نادي بهذا الرأي: "عباد بن سليمان الصيمري" من المعتزلة؛ فقد ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية، حاملة للواضع على أن يضع هذه اللفظة أو تلك، بإزاء هذا المعنى أو ذاك.
                لكن هذا المذهب، لا يبين لنا كيف نشأت الكلمات الكثيرة، التي نجدها في اللغات المختلفة، ولا نرى فيها محاكاة لأصوات المسميات، ويتضح ذلك بوجه خاص في أسماء المعاني، كالعدل، والمروءة، والكرم، والشجاعة، وغير ذلك.
                وقد دعا هذا النقص، العلامة "هردر" المدافع الأول عن هذه النظرية، إلى العدول عنها في أخريات حياته، كما سخر منها "ماكس مولر" Max Muller اللغوي الألماني المشهور. ومع ذلك فإن لأصحاب هذه النظرية، الفضل في أنها فتحت للباحثين، باب البحث الفلسفي في نشأة اللغة، كما أنها لا تبعد كثيرا في إرجاعها نشأة اللغة، في بعض الأحيان، إلى ملاحظة خاصة.
                ۩- نظرية التنفيس عن النفس:
                ويذهب أصحاب هذا الرّأي إلى القول، أن مرحلة الألفاظ، قد سبقتها مرحلة الأصوات الساذجة التلقائية الإنبعاثية، التي صدرت عن الإنسان، للتعبير عن ألمه أو سروره أو رضاه أو نفوره، وما إلى ذلك من الأحاسيس المختلفة، فهذه الأصوات الساذجة، قد تطورت على مر الزمن، حتى صارت ألفاظا.
                ويشرح "فندريس" تصور أصحاب هذه النظرية، لكيفية نشأة اللغة، فيقول: "عند هذا السلف البعيد، الذي لم يكن مخه صالحا للتفكير، بدأت اللغة بصفة انفعالية محضة. ولعلها كانت في الأصل مجرد غناء، ينظم بوزنه حركة المشي، أو العمل اليدوي، أو صيحة كصيحة الحيوان، تعبر عن الألم، أو الفرح وتكشف عن خوف أو رغبة في الغذاء. بعد ذلك لعل الصيحة اعتبرت، بعد أن زودت بقيمة رمزية، كأنها إشارة قابلة لأن يكررها آخرون. ولعل الإنسان وقد وجد في متناول يده هذا المسلك المريح، قد استعمله للاتصال ببني جنسه، أو لإثارتهم على عمل ما أو لمنعهم منه ... هذا الفرض تبدو عليه مخايل الصدق، وإن لم يكن مما يمكن البرهان عليه".
                وتختلف هذه النظرية عن سابقتها بأنها تعتبر اللغة الإنسانية نتاجا لدوافع ذاتيّة، تتصل بالشعور الوجداني الإنساني، وبالحاجة إلى التعبير عما يجيش بصدر الإنسان، من انفعالات وأحاسيس. أما النظرية السابقة، فترجع نشأة اللغة الإنسانية إلى ملاحظة مظاهر الطبيعة ومحاكاتها في ابتكار الأسماء الدالة عليها، ولذلك كانت هذه النظرية، خطوة أخرى في اتجاه جديد، نحو البحث عن حل لمشكلة نشأة اللغة، الذي عجزت النظرية السابقة، عن شرحه.
                وبقيت هذه النظرية ناقصة وغامضة، يعوزها الاستدلال حول منشأ الكلمات الكثيرة، التي لا يمكن ردها إلى أصوات انفعالية، ولأنها لا تشرح لنا السر في أن تلك الأصوات الساذجة الانفعالية كيف تحولت إلى ألفاظ أو أصوات مقطعية، وهو ما يفسّر سخرية بعض اللغويون منها والانصراف عنها.
                ۩- نظرية الملاحظة:
                برهن العالم الألماني: "جيجر" Geiger، على أن أقدم ما أمكنه الوصول إليه، من الأصوات اللغوية الأولى، يعبر عن أعمال أو إشارات إنسانية، فإن مشاهدة الإنسان لغيره، وهو متلبس بعمل من الأعمال الهامة، أو متأثر بحال انفعالية قاسية، يؤدّى إلى الانتباه والإهتمام، فيتأثر به تأثرا آليا، بطريق المحاكاة العكسية.
                وقد أقبل "جيجر" على كثير من الكلمات المستعملة في اللغات الأوربية، وأرجعها إلى أصول "إغريقية، سنسكريتية"، تدل على عمل من أعمال الإنسان، مثال ذلك:
                الأصل الإغريقي، الذي معناه: "الكشط" أو "السلخ"، اشتقت منه كلمات معانيها:
                الجلد والخشب والشجر. وهنا نرى العلاقة واضحة بين هذه الفروع وأصلها، فإن الجلد هو ما يسلخ، والخشب شجر كشط لحاؤه، والشجر ما يكشط ليؤخذ منه الخشب.
                وبالطريقة عينها انحدرت الكلمة الإنجليزية: Night بمعنى: "ليل" من أصل سنسكرتي هو: ang أو ungo بمعنى: "الصبغ باللون الأسود".
                ومما قد يؤيد هذا المذهب، أن جميع أسماء الآلات تقريبا، مشتقة من كلمات تدل على أعمال إنسانية. وإنك لترى هذه الحقيقة ماثلة في لغتنا العربية، فلدينا مثلا: المنشار، والمفتاح، والمقراض، والمقص، والمخرز، وكلها مشتقات من أصول يدل كل واحد منها، على عمل من أعمال الإنسانية الهامة.
                ومع أن وضع هذه النظرية، تعد خطوة أخرى في سبيل حل المشكلة، فإنها لم تستطع أن توضح لنا، بأسلوب مفهوم معقول، كيف وضعت تلك الأصول العامة الأولى، التي يقول صاحب النظرية، إنها تتعلق بأعمال الإنسان أو إشاراته، والتي يعدها الكلمات الأولى، التي اشتقت منها غيرها من الكلمات. على أنه من المتعذر، إرجاع جميع الكلمات التي تتكون منها اللغات كلها، إلى تلك الأصول العامة.
                ۩- نظرية التطور اللغوي:
                تأثر واضعو هذه النظرية، بنظرية التطور العام، التي أذاعها "دارون"Darwin وحاول أن يبرهن على أثرها في جميع النواحي بعامة، وفي حياة الفرد والنوع الإنساني بخاصة. وقد أدت دراسة النمو اللغوي عند الطفل، إلى ادعاء أصحاب هذه النظرية، بأن هذا النمو يشبه تطور لغة النوع الإنساني. وهم يزعمون أن لغة الإنسان الأول، سلكت مراحل فطرية متعددة، متماشية مع مراحل نموه العقلي.
                وتمتازهذه النظريّة بعدة أمور:
                *الأول: أنه يخضع نشأة اللغة وتطورها، إلى سنة التطور العام، شأنها في ذلك شأن كل كائن حي، ينشأ صغيرا ساذجا، ثم ينمو شيئا فشيئا، بحكم طبيعته، والبيئة التي ينشأ فيها. وما اللغة إلا ظاهرة اجتماعية، تخضع لما تخضع له الظواهر الاجتماعية من عوامل التطور.
                *الثاني: أنه يشرح لنا السر في نمو اللغة، من حيث متنها وأساليبها. ويعزو ذلك إلى سلوك الإنسان مسلك التقدم والرقي، في جميع مقومات حياته الخاصة، وظروفه الاجتماعية، وإلى حاجته الماسة إلى تنمية لغته، لتساير حياته، ولتسعفه حين يريد التعبير عن أفكاره أو رغباته المتزايدة على الدوام.
                *الثالث: أنه لا يمنع أن يكون هناك أكثر من عامل واحد في نشأة اللغة وتطورها، فمن الجائز، بل يكاد يكون من المحقق -في نظر أصحاب هذا المذهب- أن يكون الإنسان، قد تأثر في إصدار الأصوات الساذجة أو المكيفة، بما سمع من أصوات الحيوان، أو الظواهر الطبيعية، وأن بعض تلك الأصوات، كان تعبيرا تلقائيا عن آلامه ورغباته وانفعالاته وعواطفه. هذا إلى أن هذا المذهب، لا ينكر أثر الاشتقاق والوضع، في تنمية متن اللغة، وتوسيع نطاقها.
                ولكن.. هذا المذهب الأخير، على الرغم مما يبدو فيه من ثوب علمي، فإن فيه كذلك عيبا خطيرا، وهو أنه يتخذ الطفل أساسا، لتطبيق مراحل نمو اللغة عند الإنسان الأول، مع أن هناك فارقا مهما بين لغة الطفل، ولغة هذا الإنسان الأول، ذلك لأن الطفل يكتسب هذه اللغة من أبويه، والمحيطين به، وهم لا يملون من ترديد المقاطع التي يتفوه بها الطفل، ويصلحون له أخطاءه، حتى يصل إلى مرحلة النضج اللغوي، ولم يكن هذا أمرا متيسرا للإنسان الأول، الذي كان يسير على غير هدى في لغته، لا يجد أمامه من يردد مقاطعه وجمله، ليحاكيها ويصل بها إلى مراحل النضج والإحكام.
                وفي ذلك يقول "ماريو باي": كان من الطبيعي أن يلجأ الباحثون إلى دراسة تطور مهارة الكلام عند الطفل منذ مولده، إبان محاولتهم إلقاء الضوء على نشأة اللغة وتطورها. وعندما أجريت هذه التجارب على أطفال أسوياء، في ظروف طبيعية، انتهت -فيما يتعلق بنشأة اللغة وتطورها- إلى نتائج غير مقنعة، فكل ما دلت عليه هذه التجارب، هو أن الطفل يحاكي حديث الكبار في المجتمع الذي يعيش فيه.

                ب- النتيجة:

                لقد توصّل أبرز أعلام اللغة المعاصرين من أمثال العالم الايطالي "ماريوباي" الذي قال عنه الدكتور أحمد مختار عمر في مقدّمة ترجمته لكتابه (INVITATION TO LINGUISTICS) الذي أسماه "أسس علم اللغة":
                (يعد "ماريوباي" من أعلام اللغة المعاصرين، كما أنّه يعدّ من أشهر من نادوا بتبسيط علم الللغة، والبعد به عن التعقيدات. ونظريات الرياضة التي تضرّه أكثر ممّا تنفعه. ولم يكتف ماريوباي بالدعوة إلى هذه الفكرة والترويج لها، بل طبقها في كثير من كتبه حتى صارت طابعا مميّزا له، وأصبح اسم ماريوباي يعني البساطة والوضوح، وإن لم يكن ذلك على حساب الدقّة والعمق المطلوبين. وبذلك جذب ماريو باي إلى ميدان علم اللغات فئات من القرّاء كانت بعيدة عنه، ووفّق في تقريب هذه المادّة إلى المختصّين وغير المختصّين على السواء... ويقول في أحد ملاحق الكتاب الذي يحمل عنوان((اقتراحات قليلة))-يقول:"وهناك اتجاه ظهر لبعض الوقت في علم اللغة الوصفي وهو الميل نحو الإبهام والغموض. وإنّ النزول بعلم اللغة الوصفي إلى مستوى القضايا والنظريات الرياضية...فيما سمّي بالتحليل شبه الرّياضي للغة لا يحقق أي منفعة لا لعلم اللغة ولا للرّياضة. إن موضوع علم اللغة هو اللغة، وإذا عجز علم اللغة عن أن يجعل نفسه واضحا ومفيدا في أبحاثه وموضوعاته التي يتناولها من غير الاستعانة بعلم لا توجد بينهما علاقة واضحة، فقد فشل في أداء مهمّته"...(ا ه)

                ج- )- مدخل مبسّط للغة ونشأتها:

                كيف نشأت اللغة وما هي أسباب تعدّد اللهجات والألسن التي نطقت بها الأمم السابقة ويتواصل نطق العديد منها إلى اليوم، هو موضوع يشغل تفكير الإنسان المعاصر الذي يبحث عن معادلة جديدة للتواصل بين شعوب الأرض، وعن العلاقة التي يمكن أن تجمع بين هذه اللغات بعضها البعض من حيث التأثّر والتأثير والأخذ والعطاء. وبقطع النظر عما يقوله الدارسون، فبالإمكان تصوّر وتخمين الاحتمالات التي قد تشغل بالهم للانطلاق في الإجابة عن هذه الإشكالية:

                د اللغة نتاج بشريّ خالص:

                بدأ بالتخاطب عن طريق الإشارات والرّموز وبعض الصّيحات التي لا تختلف عن تلك التي تطلقها الحيوانات للتجمع أو التفرّق أو التعبير عن الفزع، لأنّ الإنسان الأوّل برأيهم لم يكن يختلف في شيء عن تلك الأجناس من الحيوانات التي حوله إلا بالعقل المفكّر(ويمكننا تبين هذا الرأي من كتابُ (أصلُ الأنواع) ونظريّةُ "النشوءُ والارتقاء"، التي أرسى دعائمَها العالم (داروين).. والتي تفترضُ أنَّ الأنواعَ كلَّها قد تطوّرت من أصلٍ واحد، من خليّةٍ حيّةٍ نشأت في يومٍ ما من ملايينِ السنينَ في ماءِ البحر، ودفعتْها الظروفُ المحيطةُ والطفراتُ الوراثيّةُ للتكيّفِ والتطوّر.. وهو ما يُفضي إلى الاستنتاجُ أنَّ الإنسانَ قد تطوّرَ من أقربِ الكائناتِ شبهًا به،وهي القرودِ العليا.. وبذلك انتزعَ (داروين) من الإنسانَ ما كان يشعر به من تفرّد على غيره، وجعلهُ في النهايةِ حفيدَ القرود.. ذلك الإنسان البدائي)، ولكنّه تمكّن من التطوّر باكتشاف قدرات ذاتيّة هائلة تتيح له التحكّم في أطرافه السفليّة والعلويّة ويكفيه أن يأمرها بفعل أي شيء لتلبّي ما فكّر فيه بدقّة متناهية يعجز عنها غيره وهو ما أهله لأن يكون مبدعا فاستغلّ تلك القدرات ليرسم على جدران الكهوف حياته اليوميّة التي اعتمدت على الصّيد وشرح كيفيّته ليقدّم خبرته إلى غيره ويمارس الحياة واكتشف النار ثم المعادن ثمّ الفلاحة وغير ذلك.
                واستمرّ اكتشاف الإنسان لإمكانياته اللغويّة ليقلّد تلك الأصوات التي يسمعها حوله بشفتيه وحلقه و يقوم بتكرار ما تصدره ليعبّر عن ذلك الشيء فإذا صاح كالديك أو الدجاجة فهو يعني ذلك الحيوان، وإذا صفّر مثلا فتلك هبّة الريح وغير ذلك ممّا يسمعه...إلى أن تطوّر الأمر ليكتشف عديد الحروف التي بإمكانه أن يردّدها فاخترع لهجته الأولى التي عبّرت عن حاجته لإيجاد لغة للتواصل ولا نعلم بالتأكيد كم من الوقت تطلب هذا الاكتشاف.. وتواصل الارتقاء بهذه الأداة .. فجعل لكل حرف ينطقه رسما وهو ما سمح بظهور الكتابة في مراحل متقدّمة.

                من أقوال الامام علي عليه السلام

                (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                حملت طيباً)

                محمد نجيب بلحاج حسين
                أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                تعليق

                • حاتم سعيد
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 02-10-2013
                  • 1180

                  #9



                  لوح الطوفان من ملحمة جلجامشالأكادية


                  تعد ملحمة جلجامش الرافدية، أهم وأكمل عمل إبداعي أسطوري شعري، كتبت سطوره منذ العهد السومري في المرحلة الواقعة بين (2750و2350) قبل الميلاد عن الملك جلجامش الذي عاش في مدينة أوروك «الوركاء» الواقعة في وادي الرافدين على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وقد تشكلت حول شخصه باقة من الحكايات الأسطورية والبطولية، التي تسرد أخبار أعماله الخارقة، وسعيه المستميت إلى معرفة سر الحياة الخالدة.
                  لقد تطورت هذه الملحمة في إبداعات شعرية كُتبت على الرقم الكتابية المسمارية منذ العهد السومري، ثم تلتها محاولات في العهود الأكادية والحثية والبابلية والحورية، وكان ظهورها بشكل كامل في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، وهي الصيغة التي كشفتها أعمال التنقيب الأثري من مكتبة قصر الملك «آشور بانيبال» في مكتبة نينوى.
                  لقد كتب عن هذه الملحمة دراسات لا تعد ولا تحصى، وأُشبعت نقداً وتمحيصاً ومعالجة، ومع ذلك مازلنا نتابع بين الحين والآخر دراسات جديدة عنها، ونقرأ روايات وقصص ومعالجات إبداعية مستمدة من وحيها، وأعتقد أن السّر في هذا الاهتمام والإعجاب يعود إلى أن هذه الملحمة مازالت متلفَّعة بغطاء الخيال، ومعتمرة طاقية الأسطورة، وتشخّص واقع الإنسان ومشكلاته الأبدية، التي يتمحور حولها السؤال الأزلي: ما الغاية من الحياة؟! ولماذا نموت بعد أن جئنا إلى ساحة الحياة ومشينا في دروبها ؟! وهذه الأسئلة لا إجابة قاطعة حولها.. الأدب الحقيقي هو الذي يعالج ما يعجز عنه العلم، ويواجه أزمات الإنسان النفسية، ويداوي آلامه، ويضيء آماله.. من هنا يمكننا أن نعرف سر هذا الاهتمام العالمي بملحمة جلجامش التي تحلّق بنا في فضاءات بعيدة عن الواقع المأساوي، إلى عالم مثالي زاخر بالخير والحق والجمال...
                  لقد مزجت هذه الملحمة الحقيقي بالأسطوري، والواقع بالخيال، وكانت واقعيتها مزخرفة بالحكمة، وخيالها متسربل بالرمزية.. هي واقعية من حيث تناول الإنسان حياة وموتاً، وهي رمزية لأن أحداثها المفرطة ذات دلالات عميقة، وأسطورتها ذات مرامٍ بعيدة، حول هذه الفكرة يقول الدكتور علي القاسمي: «جَزَعُ جلجامش بعد موت صديقه الحميم أنكيدو، هو شعور ينتاب كل إنسان لدى فقدان عزيز عليه.. أما إطاحة جلجامش للأسوار الحصينة، ونزاله مع الثور السماوي الهائج، وصراعه مع الجنّي «خمبابا» الذي اعترض طريقه في غابة الأرز، إنمّا ترمز إلى هدم الإنسان للحواجز التي تعيق تواصله مع أخيه الإنسان، وإلى الصراع بين الخير والشر».
                  يعتقد أن النسخة الأكادية من الملحمة التي تم العثور عليها مستندة على نسخة سومرية يرجع تاريخها إلى 2100 سنة قبل الميلاد. بعد سنوات من اكتشاف الألوح 11 تم العثور على لوحة أخرى يعتبرها البعض تكملة للملحمة والبعض الأخر يعتبره عملا مستقلا وقصة أخرى لأنه كتب بأسلوب اخر وفيه لايزال أنكيدو على قيد الحياة. تم ترجمة الملحمة لأول مرة إلى الإنكليزية في سنوات تلت عام 1870 من قبل جورج سميث الذي كان عالم آثار متخصص في المرحلة الأشورية في التاريخ القديم والذي توفي عام 1876.
                  الملحمة


                  نص ملحمة جلجامش. للقراءة، اضغط على الصورة.
                  الديمقراطية والحرية

                  بعد هذه المقدمة نبدأ بالدخول إلى روح الملحمة، الروح الحية التي تجذبنا إليهاـ رغم البعد الزمني الكبير بينناـ وسندخل من باب الحرية والديمقراطية التي كانت سائدة في ذلك العصر، وحتى يمكننا فهم طبيعة الحكم في اورك نتناول مسألة تتعلق بحياة الناس العامة، وكيفية اتخاذ القرارات بشكل جماعي فيما يتعلق بمستقبل المجتمع، إن كانت تلك الإجراءات المقترحة تتفق أو تتعارض سياسة الحاكم أو الملك، ونستطيع القول أن هناك نظام ديمقراطي وجد في مدينة اورك، تمثل في مجلس شيوخ (الحكماء) ومجلس شباب (المحاربين)، وكانا يعقدان الاجتماعات للنظر في أمر (أجا) حاكم مدينة كيش الذي أرسل مبعوثين إلى اورك، يحملون معهم إنذارا نهائيا لتسليم اورك للملك الغازي، وكان قرار الشيوخ وتسليم المدينة، ولكن مجلس الشباب اجتمع وبحث الأمر ولم يوافق على التسليم، وقد أثبت قرارهم تاريخياً.

                  إن رسل (أجا) بن (أنميبارا جيسي)
                  ساروا من كيش إلى جلجامش في اوراك
                  وقال لهم
                  علينا إلا نذعن لبيت كيش ولنحارب بالسلاح
                  لكن مجلس شيوخ المدينة المنعقد أجاب جلجامش
                  لنذعن إلى بيت كيش ولا نحارب بالسلاح
                  إن جلجامش سيد كللاب مرة أخرى
                  عرض الأمر على محاربي مدينه وطلب القرار
                  فأجاب مجلس المحاربين المنعقد جلجامش
                  لن نذعن لبيت كيش ولنضربه بالسلاح

                  أن هذا الأسلوب الديمقراطي كان سمة ذلك العصر، ولم يكن لحاكم أن يتصرف بمصير الشعب كما يشاء، وكان مثل هذه الاجتماعات تتكرر كلما تطلب الأمر، وها هو مجلس الشيوخ في اورك يجتمع للنظر في سفر جلجامش وانكيدو إلى غابة الأرز،

                  في الساحة العامة اجتمع الشيوخ
                  أنت شاب، والشباب كثير الحماسة
                  أنت طموح وطموحك ذهب بك بعيدا
                  سمعنا بان خمبابا لا كسائر الخلائق
                  أسلحته ثقيلة لا تقهر
                  لخمبابا زئير كهدير الطوفان
                  النار تنبعث من فمه، يتنفس موتا
                  لا احد يجرؤ على الوقوف في وجهه

                  نجد هنا المعارضة من الشيوخ بكل عنفوانها، فهم يخاطبون الملك بكلمات حادة " أنت شاب ... كثير الحماسة وطموحك ... بعيدا" وهذا يؤكد حرية الاختلاف وحرية الرأي وحرية المعارضة، وهذه المعارضة مبنية على حجج ومعلومات، وليس فقط لمجرد الاختلاف والمعارضة، فكان الخوف على جلجامش باني مدينة اورك وسيدها، من دفعهم لمثل هذا الكلام الغليظ، وجعلهم يذكرون أمامه معلوماتهم عن حارس الغابة ـ خمبابا ـ، الذي يمتلك قوة كبيرة تتجاوز قوة البشر بكثير.
                  هذا الحضور لمجلس الشورى في اورك يجعلنا نفتخر ونشعر بالارتياح لما كنا عليه، ويجعلنا نندفع أكثر للمطالبة بهذا الفعل الاجتماعي ـ حرية الرأي ـ الذي يحمي الأمة من كافة الأخطار والتهديدات والمشكلات الداخلية والخارجية، ونندهش تماما عندما نفكر بهذه المدينة التي مارست فعل الديمقراطية قبل أكثر من 4700 عام، ونحن في هذا الزمن ـ العربي ـ مازلنا عاجزين وخائفين عن التقدم خطوة نحوه، وها هم الغربيون إلى غاية هذه الساعة ما زالوا يفتخرون بمجلس شيوخ روما، الذي تواجد في حدود 500 ق م، ونحن أصحاب مجلس الشيوخ والشباب قبلهم ب 2200، لا نذكر تاريخنا الديمقراطي المشرف، ولا نعرف عنه شيئا.
                  هذا على صعيد الديمقراطية في الحكم أو الشورى، أما في حالة النفور الشعبي من الحاكم، فكان يسمح للناس أن يشكوا همهم وطرح مشاكلهم ويتحدثوا عن سلبيات الحاكم بكل حرية وبدون أية ضغوطات أو تهديد، وهذا ما تخبرنا به الملحمة.

                  أشراف اوروك كئيبون في منازلهم
                  طغيانه لا يكبح إن بالنهار أو الليل
                  نواحهم أناتهم بلغت مسامع الآلهة في السماء

                  من خلال هذه النصوص التاريخية يتأكد لنا نحن سكان الهلال الخصيب أننا أول الشعوب التي مارست حق المعارضة وإبداء الرأي بكل حرية وبدون خوف، ونحن أول من استخدم النظام الديمقراطي أو الشورى في العالم، فنحن السباقون في هذا المضمار، ونحن من علم الآخرين الديمقراطية.
                  المقدس

                  بعد الحديث عن الديمقراطية تنقلنا الملحمة إلى حديث آخر شيق ويمثل المحرمات والمحضورات التي لا يمكن التكلم عنها ابدا، لكن في أجواء من الحرية والتفهم للآخر التي سادت في بلادنا، استطاع كاتب الملحمة تناول هذه المحضورات والمحرمات دون خوف من حساب أوعقاب السلطة، وهذا جانب إضافي للحرية التي تمتع بها سكان الهلال الخصيب في الماضي، وهو ما لم يكن متاح للآخرين الحديث عنه أو فيه أو حتى الإشارة إليه لا من قريب أو بعيد، وهنا دلالة قوية على استمرار الروح المتمردة والرافضة التي سادت في العصور الحضارية القديمة، وكذلك تأكيد على حرية الرأي وانفتاح العقل على كافة المسائل العقائدية والايدولوجية، فإذا سمح لنا عصر السومريين ومن جاء بعدهم بتناول المسائل العقائدية والفكرية وما يتبعها من عبادات بطريقة التحليل وإعادتها إلى المنطق العقلاني، فما بالنا نحن اليوم نغض بصرنا وبصيرتنا عن كثير من الأمور التي لم تعد تصلح لشيء، عند عرضها أمام المنطق ووضعها أمام التحليل والتفسير!. أن الملحمة تؤكد المسار الرافض الذي لا يمكن أن يسلم للعادة أو للأفكار التقليدية السائدة، وتطرح فكرة التمرد، وتطالبنا بالفض والكف عن اخذ واعتناق واحترام المقدسات إذا خالفت وتعارضت مع فكر الإنسان، فهي ترفض أن يكون هناك شيء غامض على الإنسان، وتسعى إلى كشف الغموض وإزالة الغباش، وتريد أن تجعل من الإنسان موازيا وبمستوى القدسية، ذو هالة ومكانة رفيعة، من هنا تخبرنا الملحمة بأنه لا يوجد من هو أعظم من الإنسان الفاعل الذي يبحث عن التغير، واضعا كل الأفكار المثبطة وراء ظهره، ساعيا بكل عزيمة وإصرار نحو هدفه، وها هو جلجامش يصل إلى اوتنابشتم الخالد، ويخاطبه بهذا الشكل:

                  قال جلجامش له اوتنبشتم
                  ها أنذا جئت له لاوتنبشتم
                  الذي يلقبونه بالبعيد
                  طفت جميع البراري والقفار
                  اجتزت الجبال الشاهقة
                  عبرت جميع البحار
                  لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء
                  قتلت الدب والضبع والأسد والنمر
                  والأيل والوعل وجميع حيوان البر
                  أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا

                  بداية اللقاء بين جلجامش واوتنابشتم الحاصل على الخلود من الآلهة كانت حاسمة، بدلا من ذكر أمجاد ومآثر اوتنبشتم المخلد يتكلم جلجامش عن أمجاده وبطولاته، متجاهلا الخالد وكأنه احد العامة الضائعين بين المجموع، أو ـ بحالة افضل ـ يتماثل معه في المكانة أن لم يكن اقل منه، جاءت كلمات جلجامش فيها العظمة لنفسه وتحمل السخرية أو الاستهتار لاوتنابشتم، وفحوى الكلمات "أنا البطل عبرت الجبال وبحر الظلمات وصرعت الأسود والوحوش وشاهدت المخلوقات العجيبة فمن هو اعظم مني؟، أنت يا اوتنابشتم البعيد وصلت إليك فأي منا العظيم؟"، وبعد هذه الكلمات يحاول اوتنابشتم أن يظهر حكمته أمام جلجامش فيتحدث عن مسار الحياة على الأرض، وكيف أن كل من عليها فان:

                  إن يبني بيوتا تدوم إلى الأبد؟
                  من يقطع عهدا يدوم إلى الأبد
                  الناس يرثون، يقتسمون، فأي ارث يدوم إلى الأبد
                  البغضاء، حتى البغضاء، أتبقى إلى الأبد؟

                  ولكن جلجامش يرف هذه الحقائق ولا يريد من احد أن يذكره بها، ولهذا جاء إلى البعيد اوتنابشتم ليحصل منه على سر الخلود، فقد سمع الكثير عن استحالة الخلود، من بداية رحله إلى أن تمكن من مقابلة الخالد اوتنابشتم، ولهذا كان رد جلجامش قاسيا مدويا، يحمل الألم والرغبة والإصرار والانفعال معا:

                  انظر إليك يا اوتنابشتم
                  شكلك عادي، واراك مثلي
                  نعم شكلك عادي، واراك مثلي
                  قد صورك لي جناني بطلا على أهبة القتال
                  لكن ها أنت مضجع على جنبك أو قفاك

                  لو اطلعنا على كافة الأدب القديم، لما وجدنا صورة تصغير للعظماء بهذا الشكل، فهذا الخالد يتلقى كلمات جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعية لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكررة "شكلك عادي واراك مثلي" لتوحي لنا بان اوتنابشتم أصيب بالاندهاش من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد، وحتى لو كان هذا التفضيل صادر عن الآلهة، فهو مرفوض، ويجب إعادته إلى طريق الصواب، وحسب رغبة البشر، وهناك مطلب آخر لجلجامش يتمثل بان يكون التميز ـ أن وجد ـ على أساس القدرات والإرادة الفاعلية، وليس على أساس إرادة وثنية لا تفرق بين الفاعل والنائم.
                  من هنا نستطيع القول بان جلجامش أول من طالب بازلة التفرقة بين البشر، وان يكونوا متساوين في كل شيء، ولكي يثير جلجامش اوتنابشتم، خاطبه بكلمات هجاء مستخدما الحالة الراكدة والساكنة التي وجد بها اوتنابشتم، ولكي يزيل الهالة والهيبة التي يتمتع بها اوتنابشتم، وهذا ما تم فعلا، من خلال الاستغراب الذي أظهره جلجامش لمشاهدته ذلك الخالد مستلقيا على قفاه باستكانة، وإذا وضعنا الكلمات التي تحدث بها جلجامش عن أمجاده، مع ما خاطب به اوتنابشتم، نفهم منها الاتي ( أنا جلجامش الذي قام بأعمال البطولة الخارقة واستطعت الوصول إليك أيها الخالد البعيد، لكي أسالك عن سر الحياة، أجدك أدنى مني منزلة ) ولهذا كان استغراب جلجامش على الكيفية التي حصل بها على الخلود، مع انه اقل منه فاعلية وإرادة، ولهذا ألغى سؤاله عن سر الحياة لأنه وجد اوتنابشتم اقل من أن يعرف سر الحياة والموت، وسأله عن الكيفية التي حصل بها على الخلود:

                  قل لي كيف دخلت زمرة الآلهة وفزت بالخلود؟

                  هذا انقلاب كامل في مفهوم جلجامش عن الآلهة والنظام الذي تفرضه على البشر، وعلى اختيارها للنخب الخالدة، وهذا السؤال بمثابة رفض و تمرد و ثورة على القرارات التي تتخذها، فقد جاء التحول في موقف جلجامش وكأنه صفعة للآلهة ولاوتنابشتم أيضا، وإذا عدنا إلى النص الملحمي نجد جلجامش أكثر حضورا واقناعا من اوتنابشتم، وهذا عامل إضافي يضاف إلى الحيوية الفكرية التي تطرحها الملحمة، فهي كانت تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين، متجاوزة القديسين وبقاءهم في حالتهم الساكنة بدون فاعلية أو تأثير، ونعتقد بان كاتب النص الملحمي يريدنا أن لا نهتم كثيرا بالقصص والبطولات التي تم انجازها في غابر الزمن، فنحن قادرون على تحقيق ما هو أعظم منها بكثير، إذا امتلكنا عقلية جلجامش المتمردة وإرادته الصلبة، وهذا ما تم للإنسان جلجامش الذي تفوق على الخالد اوتنابشتم من خلال انجازاته وبطولاته.
                  الآلهة

                  بعد الحديث عن المقدسين، تنقلنا الملحمة صعودا نحو الأعلى، إلى حديث آخر أكثر جرأة وحساسية، عن الكائنات التي يجب الحديث عنها ـ بشكل دائم ـ بكل إجلال واحترام، لقد كان وما زال تناول المسائل الدينية يحمل الحفيظة والحساسية للجميع، والتطرق إليها بالنقد والتجريح يولد النفور وربما العداء، إلا أن جلجامش لا يعرف حدودا للمحرمات، وكل من يخطيء يجب محاسبته، ومواجهته بكل جرأة، وان لا نترك هذا الخاطيء يمر مرور الكرام، واقفين ساكنين أمام أخطائه وزلاته، حتى لو كانوا من الالهة، وها هو جلجامش يقابل الربة عشتار بالتجريح والشتائم والضرب، لأنها حاولت الإيقاع بالإنسان لأهوائها ورغباتها:

                  تعال يا جلجامش وكن عريس
                  هبني ثمارك هدية
                  كن زوجا لي وأنا زوجا لك
                  سأمر لك بعربة من ألازورد، وذهب
                  عجلاتها من ذهب وقرونها من كهرمان
                  تشد إليها عفاريت العاصفة بغلا عظيمة
                  وملفوفا بشذى الأرز بيتا
                  قبلت المنصة قدميك والعتبة
                  وانحنى لك الملوك والحكام والأمراء
                  يضعون غلة السهل والجبل أمامك، تقدمة
                  ستحمل عنزاتك توائم ثلاثة، ونعاجك مثنى
                  سيبز حمارك أثقال البغال
                  وخيولك تطبق الآفاق شهرة جريها
                  أما ثيرانك فلن يكون لها تحت النير نظير

                  قد لا يجد القارئ بهذا الاقتباس أية اهانة أو تصغير للربة عشتار، ولكن إذا أمعنا النظر جيدا، نجد في كلماتها التي قالتها ـ ربة معبودة من البشر ـ تطالب بمتعة دنيوية زائلة، نجد فيها ما هو أكثر من اهانة وتصغير، إن الطرح الذي قامت به عشتار أدنى من أن يقدم علية إنسان يحمل أدنى شيئا من الكرامة، فما بالنا بكائن معبود؟ ،فمطلبها الاقتران بجلجامش هو دليل واضح على إنها وجدت في الإنسان شيئا غير موجود عند الآلهة، وهو يمتلك أشياءً لا تملكها الآلهة نفسها، وهذا أعطى الإنسان مكانة تفوق مكانة الآلهة، وما أثار حفيظة جلجامش أنها جاءت تتحدث عن مصالح مادية فقط، ولم يحمل كلامها أية فضائل أو مواقف أخلاقية، وهذا أظهرها من صغار البشر، فقد كان الأجدر بها أن تذكر الفضائل الأخلاقية وسماتها وهيبتها المقدسة، وليس مصالح يجنيها جلجامش، فقد كان تفكير عشتار منصباً فقط على متعة جنسية ومادية فقط، أما جلجامش فلم تكن له أي اهتمام بهذه الإغراءات و الامتيازات، وكذلك لم تكن ذات قيمة في نظره مطلقا، وهي ذات ثروة عظيمة في نظرها، وهنا تأتي المفارق بين الإنسان ومن هو أعلى منه مكانة، أن عشتار التي تريد أن تشتري جلجامش بتلك البضاعة الغالية ـ في نظرها ـ، مقابل أن يدفع جلجامش سعرا زهيدا جدا ـ الاقتران بها ـ هذا الموقف جعل من جلجامش عظيما ومن عشتار الدنيئا.
                  كان من مصلحة جلجامش المادية الموافقة على طلبها، إلا أن عظمة الإنسان تحول دون الإقدام على هذا الأمر، فجلجامش وجد عشتار قد سقطت إلى المنزلة السفلى، من خلال إغوائها وتقديمها الإغراءات والمكاسب المادية فقط، وهذا الفعل الدنيء لن يمر دون حساب وعقاب، خاصة إذا كان القاضي جلجامش الذي لا يعرف المهادنة أو المجاملة، وهو الذي وجد ليدافع عن الإنسان، ويواجه الآلهة التي تجاوزت حدودها، ومن هنا جاء عقاب جلجامش شديدا صارما مهينا لعشتار، متناسبا مع مكانتها، فكلما كان المخطئ كبيرا كلما كان الجرم اكبر، ولذا وجب العقاب والردع ومتناسبا مع حجم الخطأ، والآن لنقرأ معا رد جلجامش:

                  وأنا ما الذي اجنيه أن تزوجتك
                  أقدم لك زيتا، ثيابا فاخرة
                  خبزا طعاما
                  أنت كباب البيت الخارجي لا يصد ريحا
                  لا يمنع عاصفة
                  كقصر عظيم أنت، كقصر يتحطم فيه الأبطال
                  كفيل عظيم يرمي عنه حليه
                  كالقطران أنت يلوث يد حامله
                  كقربة ماء أنت تبلل من يحملها
                  كحذاء تزل به قدم منتعله

                  في البداية رد عليها جلجامش بعين الأسلوب ـ المصلحة المادية ـ الذي عرضت بضاعتها الرخيصة به، فتحدث بالمنطق الذي تفهمه، مكاسب وإغراءات مادية ومعنوية، وبعد ذلك مباشرة يبدأ في قذفها بسيل من الشتائم وكلمات التحقير والتصغير بأسلوب هجائي رائع، حتى تعي رداءة وقبح الكلمات التي تقدمت بها أمام جلجامش، إن الأوصاف التي نعتها جلجامش، تعبر عن موقفه العنيد والحازم اتجاه عشتار، ويتبين منه امتلاكه الصلابة وسرعة وقوة الرد على من يهبط بمسلكه ومكانته إلى الحضيض، أن وصف عشتار بالباب هو اهانة لها، فكيف إذا كان هذا الباب لا يصد ريحا؟، وهنا كانت الإهانة مزدوجة، أولا هي باب، والباب تعبير يحمل التصغير والتحريف لمكانتها، وثانيا هي لا تقدم الفائدة المرجوة من وظيفتها ـ صد ومنع الريح من الدخول.
                  وبعد هذا الوصف، يقول جلجامش "أنت قصر عظيم"، وهنا يتوقف عن الكلام، حتى تفقد عشتار اندهاشها وصدمتها من الجملة الأولى، ولترجع إلى التفكير بالمكانة والهيبة التي نسيها جلجامش، ويكمل عليها الجملة "يتحطم فيه الأبطال"، ونجده هنا يعرف كيف يعاقب ويؤنب الخطأ، يعظم عشتار ثم ينزل بها إلى أسفل السافلين، حتى يكون وقع الكلمات عليها شديد التأثير ويعيدها إلى جادة الصواب.
                  ويكمل جلجامش هجومه فيصفها بالفيل، وهنا إهانة أخرى لها، ويزيد عليها عندما يذكرها بان هذا الفيل ترك حليه ولم يعد يستفاد منه، وبدأ يخرب ويدمر، بدل أن يخدم الناس. ويستمر جلجامش في قذف الكلمات الجارحة في وجه عشتار المخطئة، فيصفها "بالقطران"، وهنا نجد تصعيد الهجوم الذي بدأ بكلمة "الباب" ويصفها بهذه الاهانة المركبة، أولا وصفها بشيء قبح، لونه يشير إلى السواد والشؤم، وثانيا توسخ يد من يتعامل به، فمن يريد أن يمسك بالوعاء الذي فيه القطران!.
                  ويتابع جلجامش هجومه اللاذع ويصغها "بالقربة" وأي قربة، المثقوبة التي تبلل كل من يحملها، ولا تلبي الغاية التي وجدت من اجلها، ولهذا هي تضيع الماء الذي تعبنا في جلبة وأيضا تبللنا، فأذية القربة المثقوبة مزدوجة، وآخر هجوم جلجامش كان وصفها "بالحذاء" البالي الذي يتعثر به منتعله، وهذه من اشد الشتائم التي تستخدم في حالة الغضب والاحتقان الشديد، فهي حذاء، وحذاء بالي أيضا.
                  وإذا أمعنا النظر بالاهانات التي وجهها جلجامش لعشار نجد القسم الثاني منها اشد وقعا وأكثر إيلاما من القسم الأول، وكما أن الجملة الواحدة كانت تحمل اهانتين معا وليس اهانة واحدة، وهنا يتبين لنا المسافة الشاسعة بين جلجامش الإنسان وعشتار الربة التي تطالبه بالاقتران.
                  وبعد هذا الكلام الجارح ينتقل جلجامش إلى نوع آخر من المفاهيم التي تفسر وتوضح هذا الموقف الذي يحمله اتجاه الربة عشتار:

                  أي من عشاقك الكثر أخلصت له الحب
                  أي راع قدر أن يرضيك
                  أصغي إلي أقص عليك خبر عشاقك
                  لن تستطيعي أن تنكري الخبر
                  هذا تموز، الشاب الوسيم زوجك الأمين
                  أمرت النادبات والنائحات
                  أن يندبنه، وينحن عليه سنة بعد سنة
                  وقعت في حب الطائر الشقران، الطائر
                  المرقش ذي الريش الجميل فماذا حدث له
                  كسرت جناحه، هام في البساتين
                  يئن صارخا يا لجناحي يا لجناحي
                  ثم ماذا؟ أحببت الأسد حفرت له سبع حفر
                  أحببت الحصان لكنك أخضعته للسوط والمهماز
                  حكمت عليه بالجري ساعات وساعات
                  قضيت أن ينضح بالعرق
                  عشقت راعي القطيع الراعي الذي جمع أكياس الفحم
                  ليشوي لك الجداء فماذا صنعت به
                  مسخته ذئبا تطارده كلاب القطيع
                  أحببت فلاح النخيل عند أبيك، ايشولانو
                  فماذا صنعت به؟ تنظرين إليه بشهوة، تقولين
                  تعال مد يدك إلى خصري، ضمني، متعني
                  بقوتك العجيبة يا ايشولانو
                  يجيب المسكين: أمي خبزت وأكل من خبزها
                  لماذا أكل خبز الشر والعهر

                  هذا الجزء من مكاشفة عشتار يمثل أهم جزء في كلام جلجامش، وذلك لأنه يمس وبشكل مباشر مكانة عشتار الدينية في المجتمع، وبمكن أن يكون هذا الجزء قد وضع لهدف عقائدي بحت، يهدف العزف وترك عبادة عشتار والتقرب منها، لأنها ترمز وتمثل الشر والعذاب الذي يقع على أي مخلوق تقترب منه، فهي في الأساطير القديمة تمثل الحب والخصب، ولكنها في الحقيقة التي أوضحها جلجامش لا تمثل سوى الموت والعذاب والألم والغدر.
                  وإذا انتقلنا إلى المعتقدات الدينية القديمة نجد هناك أسطورة تتحدث عن نزول تموز إلى العالم السفلي بأمر من عشتار، ونتيجة هذا العمل الظالم بحق تموز أصاب الأرض الجدب والجفاف، ومن ثم الحق الضرر بالإنسان بسبب نزول تموز إلى العالم السفلي.

                  وهناك كان دموزي يجلس بجلال في مجلسه،
                  مرتديا ثيابا جليلة
                  قأمسك به الشياطين من...
                  وهجم عليه السابع من...
                  فلم يعد الراعي يعزف النايولا المزمار
                  وصوبت (انانا) نظراتها إليه (دموزي): نظرات موت
                  ونطقت بكلمة ضده: كلمة سخط
                  ونطقت صرخة ضده: صرخة إثم (وقالت)
                  خذوه
                  وهكذا أعطت أنانا المقدسة دموزي الراعي بيديهم
                  أما الذين صاحبوه
                  صاحبوا دموزي
                  فقد كانوا مخلوقات لا تعرف الطعام، لا تعرف الماء
                  فهي لا تأكل طحينا مبثوثا
                  ولا تشرب ماء مسكوبا
                  وتخطف الابن من حضن أبيه
                  فقد سلمتني إلى العالم السفلي بديلا عنها

                  أن عشتار التي قامت بهذا العمل الرديء لا يمكن عبادتها، أو حتى احترامها، وإنما يجب محاسبتها ومعاقبتها، وهذا العقاب كان بتجريدها من الهالة المقدسة التي حولها، ومن ثم إبقائها كائنا منبوذا يكون عبرة للخاطئين، وما قامت به من خيانة اتجاه أحبتها وخاصة تموز الذي خانته وغدرت به يمثل ذروة غدرها وخيانتها، وما كان ليرسل إلى العالم السفلي ليأكل الطين ولا يرى النور أبداً، دون خيانتها ثم أمرها للشياطين بان يأخذوه.
                  ونعتقد أن عملية المس بالمعتقد الديني ووضعه أمام ـ المنطق العقلي نسبيا ـ يمثل الهاجس الذي يحرك أحداث الملحمة، وان كاتبها كان يعي ما يكتب، ويدفع بالمتلقي في ذلك العصر، إلى إعادة تكوين أفكاره الدينية ومعتقداته الفكرية، وما جاء تذكير القارئ أو المستمع للنص بخيانة عشتار لأحبتها، وتركهم مقهورين منكسرين بعد اخذ حاجتها منهم، إلا ليؤكد أن المقدسات بحاجة بشكل دائم ومستمر للخضوع للامتحان وتجديدها فكريا لتتناسب مع منطق الإنسان، ومن هنا جاءت التفاصيل الدقيقة لعملية الغدر والخيانة، لتدفع بالمتلقي نحو الاتجاه النقيض لما هوسائد.
                  وسنحاول الآن تشريح وتوضيح الحاجات والرغبات التي أخذتها عشتار من عشاقها، فبعد أن حصلت على رغبتها الجنسية من تموز أرسلته إلى الموت، وطائر الشقراق بعد أن استمتعت بصوته المغرد وتمتعت بمنظر ريشه الجميل قامت بكسر جناحه، أما الأسد فنعتقد بان حاجة عشتار منه تتمثل في استخدام جلده فقط ولهذا حفرت الحفر السبع له، والحصان ينقل الأمتعة والحاجات الثقال والمتاع ولكن بعد هذه الأعمال قامت عشتار بضربه بالسوط وإجباره على العمل بالمهماز، أما الراعي الذي يقدم لها اللحوم الطازجة والمشوية، فبعد أن شبعت من الطعام اللذيذ قامت بمسخه إلى ذئب، والفلاح الذي قدم أشهى إنتاجه من البلح قامت بإزالة عضوه الذكري، هذه تفاصيل الخيانة التي قامت بها عشتار، ولهذا هي كائن يبحث عن حاجاته ورغباته الغريزية فقط، ولا يهتم بغير ذلك، فالطعام والشراب والملبس والجنس وحمل الأثقال كلها حاجات بشرية لا تمت إلى الربة عشتار لا من قريب أو من بعيد، ولهذا من المنطق ترك عبادتها وهجرها هجرا جميلا، وهنا طرح كاتب النص على لسان جلجامش أفكارا تتعارض مع تلك التي يعتنقها المجتمع، وفلا يمكن عبادة من يقوم بخيانة الآخرين وتركهم محطمين بعد اخذ الحاجة منهم.
                  وبعد سماع عشتار هذا الرد من جلجامش تصعد إلى السماء وتطلب (انو) أبو الإلهة أن يقتص لها من جلجامش، وطالب منه أن يخلق لها ثوراً سماوياً لينتقم من جلجامش، ولكن انيكدو صديقه يمسك الثور من قرنيه وجلجامش يضع السيف في جسده، وهكذا تفشل عشتار أمام الإنسان، وتأخذ في الصراخ والعويل على ثورها المقتول، وخلال هذه الأحداث يتم قذفها بسيل من الشتائم على لسان انكيدو الذي ضربها بفخذ الثور أيضا،

                  لكن انكيدو رمى بفخذ الثور وجه عشتار
                  آة لو امسك بك
                  لفعلت بك ما فعلته بالثور
                  لربطت عنقك بمصران الثور

                  بعد هذه التفاصيل الفكرية المتعلقة بعشتار وإستنتاج بعدم شرعية عبادتها، تنقلنا الملحمة إلى دفعة جديدة من التوجيه الفكري ضد عشتار، فبعد أن كانت الحرب بين عشتار وجلجامش فكرية فقط، تطورت لتصبح حرباً حقيقية، فقتل الثور السماوي من قبل جلجامش وانكيدو ثم ضربها وتوجيه التهديد لها، تصبح هناك حرباً طاحنةً لا تبقي ولا تذر، وما عملية قتل الثور السماوي الذي اوجد بناء على رغبة عشتار، إلا عملية قتل إله، ولهذا كان قرار مجمع الإلهة هلاك احد الاثنين، انكيدو أو جلجامش.
                  وتأتي أهمية النص الذي يتحدث عن عشتار بهذه الحدة وهذا الصدام، عندما نقابلها مع تلك التي تتحدث عنها بصورة صديقة ورحيمة نحو الإنسان، فموقفها المتعاطف أثناء الطوفان وبكاؤها على البشر الغرقى يمثل التلاحم والتعاضد مع الناس،

                  عشتار سيدة الإلهة تنتحب عاليا
                  الأيام الماضية، أواه، استحالت إلى طين
                  صرخت عشتار كامرأة في المخاض
                  ناحت سيدة الإلهة ذات الصوت العذب

                  لقد تم ذكر معبد عشتار في الملحمة أكثر من خمس مرات، ونعتقد أن المراد من ذلك، إعطاء صورة عشتار وهي مع الإنسان يتم احترامها وتقديرها وتشييد المعابد لها، والصورة الأخرى وهي تريد احتواء الإنسان فيتم الاقتصاص منها بكل السبل والوسائل المتاحة، ففي الموقف الثاني نجدها تتبع أهواءها وشهواتها، وما طلبها من جلجامش للاقتران به إلا أحد تلك المواقف التي جعلتها صغيرة، ورفض جلجامش جعله أكثر احتراما وإجلالا منها.
                  الجنس

                  حرية عصر الدويلات السومرية لم تقتصر على المسائل السياسية والفكرية وحسب، بل تعدتها إلى مسائل أخرى، لكي تنير لهم طريق الحرية وتزيل بقع الجهل وعدم المعرفة، فكان من حقهم طرح الكثير من القضايا المحرمة في مجتمعنا، والتي لم يأتي تحريمها من باب الحرص على المجتمع وقضايا الأمة، ولكن من باب القمع والاضطهاد ومصادرة الرأي الآخر بكل الطرق والسبل، فعصر أورك كان يسمح للأفراد أن يتحدثوا عن هذه المحرمات بكل حرية وبدون أي مضايقات، فمادام الفعل أنسانياً ويتعلق بالإنسان فما المانع بالحديث عنه؟، كان الوضع في أوراك عصرا ذهبيا بالنسبة لنا، لما تم تحقيقه من الحرية واحترام فكر الإنسان.
                  لقد تطرقت الملحمة إلى الفعل الإنساني الخلاق ـ الجنس ـ في أربعة مواضع، وجاء حديثها في البداية بكل صراحة ووضوح عن الجنس، وعن الكيفية التي يتم بها هذا الفعل الإنساني، والأثر الذي يتركه على من يقوم به وخاصة الذكور، ثم عن المتعة واللذة التي يحصل عليها من يقوم بهذا الفعل، ومع أن هناك إشارة واحدة في الملحمة، حول دور ونتائج هذا الفعل في إبقاء وإستمرار الحياة الإنسانية على الأرض، إلا أنها تبقى أهم مصدر تاريخي تحدث عن الجنس بهذا الإسهاب والوضوح، ونصوص الملحمة تزيل تلك الطوطمية عن الفعل الإنساني وتجعل منه كائناً بسيطاً يحبه جميع الناس ولا يخافونه مطلقا، فهناك نصوص تتحدث عن انكيدو الوحش الذي يخرب مصائد الصيادين وينقذ الطرائد من شباكهم، بحيث لم يعد الصيادون قادرون على الصيد من الغابة، ويعود احد الصيادين خائفا مرتعبا، يخبر أباه بما حصل في الغابة وما شاهد من أعمال وأفعال الوحشي انكيدو، فيخبره الأب بضرورة التوجه إلى جلجامش وإعلامه بما شاهده في الغابة، وعندما يعلم جلجامش بالأمر يوصي بإرسال بغيا مع الصياد إلى الغابة لكي تغوي الوحش انكيدو، وهنا يتم التطرق أول مرة إلى فعل الجنس في الملحمة والأثر الذي يتركه على من يقوم به.

                  وسله يا صياد أن يبعث مومسا معك
                  فإنها تروضه وتغلبه
                  وعندما يجيء مورد الماء
                  ليسقي السوام
                  فتخلع الثوب الذي عليها
                  فذلك يخلبه
                  تكشف جسمها عن المفاتن العظام
                  فانه إذا رأتها عينه ... أتى إليها
                  لأنها ستجذه
                  دعها تكسر شكيمته، بقوة تفوق قوته

                  هذا الحديث الناري عن القوة ـ الجنسية ـ التي تملكها المرأة، وأثرها على الرجل، ولا ندري من أين حصل السومريون على هذه المعلومات حول اثر الجنس على الرجل، أم أرادوا من ذلك القول بان الرجل بعد الزواج يكون أكثر تحضرا ومدنية منه قبل الزواج؟. أم هو نوع من الخيال الأدبي أراد كاتب الملحة إضفاءه عليها؟، وبعد ذلك تخبرنا الملحمة عن فعل الجنس، بخلع المرأة ثوبها لتظهر مفاتنها أمام الوحش انكيدو، وكيف سينجذب إليها مسحورا بمفاتنها الجسدية، وكيف ستوقظ غريزته النائمة، في هذا الوصف تقول لنا الملحمة أن قوة المرأة تتفوق على قوة الوحش الرهيب، وكذلك نجد فيها تأكيداً على احترام المرأة من قبل المجتمع السومري.
                  لكن الملحمة لا تكتفي بهذا الحديث عن الجنس بل تريد التوغل أكثر، فتصف كل إحداثيات الفعل، إلى أن ينهي تماما.

                  أخلعي ردائك أيتها البغي
                  اكشفي عن صدرك لتبن مفاتنك
                  اغويه إسحريه شان المرأة بالرجل
                  ها هو ذا أيتها المرأة
                  عري نهديك
                  أسفري عن مفاتنك
                  حتى ينال كفايته منك
                  لا تحجمي
                  حركي فيه الرغبة، علميه وظيفة المرأة
                  وافتحي ثوبك حتى يرقد عليك
                  وسيلتصق صدره بصدرك

                  هكذا تحدث الصياد للمرأة عندما شاهد الوحش انكيدو، فيطلب منها القيام بإغراء انكيدو، وإذا تتبعنا الكلمات نجدها خارج الحشمية وبعيدة عن الحب العذري والعاطفية الرومانسية، ويكاد الإقتباس السابق أن يكون مدرسة في الإباحية، فأمام قوة انكيدو الجبارة كان لا بد من استخدام هذا الفعل الذي يوازي قوة الوحش أن لم يتفوق عليها، ولهذا جاءت الكلمات واضحة وبهذه القوة، لكي تقنع القارئ أو السامع بوجود توازن قوى بين الوحش والمرأة، وقد يبدو أن المواجهة غير عادلة ـ الوحش والمرأة ـ ولكن الملحمة تريد أن تعطينا الحدث بصورة أسطورية مضخمة، لكي تقنعنا بما ذهبت إليه من الأحداث، ومن حسن حظ كاتب الملحمة انه كتبها قبل أن يأتي علية عصر الرقابة والممنوعات المعاصرة، الذي يحد ويحجب الكثير من الأفكار والأطروحات، فهذه النصوص الجريئة تمثل تعدياً وتجاوزا صريحا لقانون المطبوعات والنشر، ولهذا لم يجرؤ احد من المترجمين للنص الملحمي، أن يستخدم الكلمات التي استخدمها الكاتب قبل 4700 عام، وجاءت الترجمات فيها من الحشمة والرقابة الذاتية ما حد من صراحتها ووضوحها واباحيتها، وهذا ما تم الإشارة إليه من قبل فراس السواح، الذي وضع حاشية تتحدث عن الترجمة الفاضحة،

                  هو ذا يا فتاة البهجة حرري ثديك
                  عري صدرك يقطف ثمرك

                  يقول السواح في حاشية، "ترجم البعض الشطرة الأولى من هذا البيت بشكل مختلف، افتحي ساقيك، عرضي فرجك" السواح ص 98، من هنا جاءت ترجمة الغرب للنص أكثر تماثلا وانسجاما مع النص الأصلي، ولهذا تم اقتباس جزءاً من النص لكتاب الجنس في العالم القديم لبول فريشارو، هذا هو وضع الترجمة المحافظة أو الخائفة من الرقابة في عصرنا ـ العربي ـ، أما عصر أورك فكانت الحرية فيه تحلق راياتها عاليا، متجاوزة عصرنا بكثير، فقد سمحت أن تكتب عما يجول في نفس الإنسان من مشاعر ورغبات دون قيد أو رقيب، أما عصرنا فانه قابض على روح الإنسان، لا يسمح لها أن تنطلق وتبدي ما فيها من أفكار ومفاهيم يمكن أن تغير مسار الحياة كليا.
                  لقد استمرت الملحمة في الحديث عن الجنس، وها هي المرأة تفعل ـ المحرم ـ أمام الصياد

                  فتاة البهجة حررت ثديها، عرت صدرها
                  فقطف ثمارها
                  لم تخجل، أخذت إليها دفأه
                  طرحت ثوبها انحنى عليها
                  علمت الرجل الوحش وظيفة المرأة
                  وها هو واقع في حبها

                  لم تكتفي الملحمة بالحديث عن المرأة، وكيفية إغوائها لانكيدو على لسان الصياد، بل استمرت في حديثها عن تلك المضاجعة الجنسية، بين قوتين ـ الوحش البدائي انكيدو وقوة المرأة العاطفية ـ ولا نريد هنا الحديث عن المنازلة بينهما، إلا أن النص أوضح لنا وضوح الشمس ما تم بينهما من فعل، إلا أننا نريد الإشارة إلى ترجمة سطر واحد من النص وهو "فقطف ثمرها" هذا السطر ترجم حسب الحاشية التي وضعها السواح، أن الوحش وضع ـ عضوه ـ بين ساقي الفتاة، واعتقد أن قمة الإباحية والفحش تم تناولها في عصر أورك، والنص الملحمي يعطينا صورة عن الحرية التي سادت على هذه الأرض في الزمن الماضي، وكيف نظر أسلافنا إلى الجنس، الفعل الذي يقوم به كل من هو على وجه الأرض، من هنا تطرقت الملحمة إليه على لسان البشر والقديسين وحتى الآلهة، بدون أي خجل أو تحفظ. لقد تم الحديث عن الجنس على لسان سيدوري صاحبه الحانة المقدسة، حينما أرادت أن تثني جلجامش عن طريقه وتعيده إلى أورك، فتكلمت عن نتائج فعل الجنس بالنسبة للمرأة وما يتبع ذلك من شعور ولذة:

                  اتخذ زوجة ونم بسلام على كتفها
                  أنها تجد المسرة في أحضانك
                  وانظر إلى الصغير على يدك

                  من خلال حديث المرأة عن الجنس نعرف كيف تنظر إليه وما يسبب لها من مشاعر وأحاسيس وكذلك نتائج هذا الفعل عليها، فيمكن أن لا يعرف الرجل أن المرأة تشعر باللذة كما يشر بها، ولهذا جاء حديث صاحبة الحانة لتؤكد على العلاقة والمتعة واللذة المتبادلة التي يحصل عليها كل من يقوم بفعل الجنس، وقد تم التطرق إلى نتائج الجنس هو الطفل الصغير، هذا الناتج عن الفعل الإنساني فهو يجلب أيضا الفرح والسعادة لوالديه وللآخرين، فكل من يشاهد الطفل يشعر بالفرح والسعادة حتى لو لم يكن من الصلب أو الاقارب، إذاً الجنس فعل أنساني له أهميته في استمرار الحياة، كما أنه يسبب الفرح واللذة التي تدفع بالإنسان ليعشق ويرغب أكثر في الحياة، ولإعطاء المزيد حول أهمية الجنس بالنسبة للأنثى تتحدث عشتار الأم سيدة الكون عنه قائلة:

                  هلم إلي يا جلجامش وكن عشيقي
                  امنحني بذرة من جسدك
                  دعني أصبح زوجتك وتكون زوجا لي

                  الطلب الذي تطلبه عشتار من جلجامش يؤكد الحاجة الجنسية لكل كائن حي فالملحمة لم تقتصر هذا الفعل على البشر وحدهم بل تعدى فعله إلى الآلهة، من هنا نجد فعل الجنس ذو أهمية، وجعلت منه الملحمة يسمو على بقية الأفعال الأخرى، وهناك حديث آخر لعشتار تطالب فيه فلاح النخيل لكي يمتعها برجولته:

                  تعال، مد يدك إلى خصري، ضمني، متعني

                  تطلب الربة عشتار بشكل واضح وصريح بفعل الجنس، ومع أنها صاحبة الجلالة وسيدة الكون في المعتقدات القديمة، إلا أنها تطالب بالحصول على هذا فعل، ونعتقد في هذه الفقرة تم التركيز على من يقوم بفعل الجنس أكثر من الفعل ذاته، وهذا الأمر يشير إلى فهم ومعرفة ودراية القدماء بكل ما يتعلق بالجنس، والملحمة بهذا تخبرنا أن الجنس حيوي وذات أهمية بالغة للبشر ليس للحفاظ على الحياة البشرية وحسب، بل وكذلك ليمنحنا اللذة والسعادة والتي بدورها تعطينا دفعة لنستمر في الكدح ومواجهة المشاق والصعاب. في نهاية الحديث عن الجنس نقول أن حرية الرأي في المجتمع السومري أعطت كاتب الملحمة هذا المقدار من الحرية ليكتب عن الجنس، ولهذا استطاع السومريون أن يكتشفوا ويتحدثوا عن أهميته، وان يكشفوا كل خفاياه دون خوف أو خجل، مما جعلهم يزيلوا عنه كل الغموض والجهل الذي أنيط به، كما أعطت الملحمة فعل الجنس دور المهذب والمؤنس، فمن خلاله استطاع الوحش انكيدو أن يتخلص من بدائيته وينتقل إلى كائن بشري كامل، والمتعمق في النص الملحمي يستطيع الاستنتاج أن فعل الجنس مسيطر علية، ويتحكم به الإنسان حسب ما يراه مناسبا، ولم يكن الفعل هو المسيطر على الإنسان، ولهذا كانت هناك محطات تم فيها القيام بالفعل بكل طواعية وهناك محطات رفض وإحجام على القيام به، وذلك يعتمد على تقدير الموقف من قبل الإنسان، وبهذا جعلت الملحمة من الجنس فعلاً أنسانياً واضحاً بعيدا عن التحريم والطوطمية.
                  البغي والوحش انكيدو

                  بعد الحديث عن الحرية وتناول الكيفية التي حكم بها السومريون، وكيف تحدثوا عن القديسين والآلهة والجنس، ندخل إلى أقسام الملحمة وتفاصيلها، ونبدأ من المغامرة، التي تعج بها الملحمة، فهناك أكثر من مغامرة ذكرت فيها، وسنحاول التركيز على المعاني والأفكار التي أريد من ورائها، كما سنذكر بالتقنية الإبداعية والجمالية لهذه الأحداث، ونبدأ الحديث حسب التسلسل الملحمي، مغامرة الوحش والبغي وما هي مقدمتها، فبعد أن بنى جلجامش أسوار أورك ومعابدها وشوارعها، لم ترتح نفسه وبقيت في اضطراب مما دفعه إلى الدخول على الزوجات قبل الأزواج:

                  لا يترك جلجامش بكرا لامها

                  هذا الظلم دفع الناس إلى الدعاء والاستنجاد بالآلهة، ويتم الاستجابة لطلبهم من قبل الربة آرورو، فتخلق انكيدو ليكون ندا لجلجامش، فأخذت اورور شيئا من الطين ورمته في الأرض فكان انكيدو يأكل مع الحيوان ويتصرف كأحد حيوانات القطيع، فهو ينتمي إلى كائنات الغابة وهو جزء منها، ويدافع عن بيئته أذا تعرضت للخطر، الوحش ينقذ رفاقه إذا تعرضوا للخطر، الذي تمثله حفر الصيد والشباك التي ينصبها، وكان يفشل كل محاولات الصيادين، من خلال تخليص الحيوانات من الشباك وحفر الصيد، وهذا العمل ـ إنقاذ الحيوانات ـ يقلب أو يوقف نظام الطبيعة التي تجعل من الإنسان سيدا ومتحكما بالحيوانات، فهو ينقذ الحيوان الضعيف من الإنسان، أما هيأته فتترك الهلع والرعب على من يشاهده:

                  لا يعرف الناس ولا البلدان، عليه ثياب كسوموكان
                  يرد الماء مع الحيوان
                  رآه الصياد فامتقع وجهه هلعا
                  كان خائفا مشلولا ساكن الحركة
                  في قلبه اضطراب وعلى محياه اكتئاب
                  وقد سكن الروع افقه
                  فوجهه كمن مضى في سفر طويل

                  النص يوضح صورة الوحش صاحب الشعر الطويل المرتدي جلود الحيوانات، فهو بدائي متوحش لا يعرف الحياة البشرية والاجتماع الإنساني، وهو بهذا الوصف وهذه الصفات مرعب لكل من يشاهده، حتى أن الصياد القوي وصاحب الخبرة والمهارة في التعامل مع الحياة الغابة، لم يجرؤ على الاقتراب منه، ولنمعن بما أصاب الصياد عندما شاهد الوحش، غم وجهه من شدة الهلع وأصابه الخوف، حتى انه لم يقوى على الحركة، هكذا بدا وضع الصياد، أما نفسيته فأصبحت مضطربة، والاكتئاب سيطر عليه والرعب يعيش داخله.
                  ومن هنا نجحت الملحمة في وصف حالة الصياد الظاهرة ـ الشكلية ـ وغير الظاهرة ـ النفسية ـ وهذا الأمر يشير إلى تطور فنية الكتابة عند السومريين، التي تهتم بإبراز الانفعالات والهواجس عند شخوص الملحمة، مما يجعلها أكثر إقناعا وتماسكا في أحداثها. إذن هناك مخلوق متوحش يمتلك هيئة مرعبة وقوة عظيمة، ولا يمكن لأي رجل عادي أن يتصدى له، من هنا كان لا بد من وجود شخص قادر على مواجهة الوحش، لا يرتعب من هيئته المخيفة، ويمتلك من القوة ما تمكنه من إيقافه والسيطرة عليه، فمن تكون تلك القوة؟. إذا تسلسلنا بسرد القصة وتوقفنا عند وضع الصياد يتبادر إلى ذهننا بان هناك قوة كبيرة مكونة من مجموعة من الرجال الأشداء والمدججين بالسلاح ستقف أمام وحش الغابة، إلا أن الملحمة تفاجئنا بصاحب القوة الذي تستطيع السيطرة على الوحش وإخضاعه والتي تكمن بأضعف مخلوق بشري ـ المرأة ـ، المرأة هي التي تستطيع الوقوف أمام الوحش، وهذا المنطق في استخدام قوة المرأة يعطي تأكيدا على العبقرية التي وصل إليها المجتمع السومري، وأيضا المقدرة الفنية على مفاجأة القارئ أو السامع للأحداث الملحمة. ونعود إلى الصياد المرتعب، لنكمل معه المغامرة، يعود الصياد إلى الأب وهو في حاله المزرية:

                  أي أبت قد هبط أرضك رجل فريد
                  أقوى من الفلاة ذو باس عظيم
                  دوما يطوف أرجاء أرضك
                  خفت ولم أجرؤ منه اقترابا
                  ردم حفري التي حفرت
                  بعونه فرت من يدي طرائد البر وحيوانه

                  الأسطر السابقة تحدث فيها الصياد لأبيه عن وهن حالته، وعن الوحش الذي يقف وراء تغير الأحوال، فنجد في كلامه تأليب الأب على الوحش، فاستخدام الصياد كلمة "أرضك" ولم يستعمل كلمة أرضنا، لكي يعطي الشكوى وقعا اكبر في نفس الأب، ومن ثم يأخذ بالحديث عن أعمال الوحش التي أصبحت العقبة أمام الاستفادة من الأرض وما عليها، الأب يطلب من الصياد الذهاب إلى جلجامش ويطلب منه بغيا، لتذهب معه إلى الغابة، البغي تذهب في صحبة الصياد إلى المكان المحدد.
                  الدور الذي أنيط بالمرأة للسيطرة على الوحش، جاء ليقلب المفاهيم المتعلقة بالمرأة وبالصراع مع الوحش، فقد تم استخدام قوة الجنس بدلا من القوة الجسدية والعضلية، وهنا أعطت الملحمة المرأة دورا أقوى من دور الرجل الذي لم يستطع مواجهة الوحش، بينما واجهته المرأة وانتصرت عليه، فالمرأة في هذا الجزء من الملحمة كانت أقوى من الرجل وأكثر فاعلية منه، فهي تمتلك من القوة النفسية ـ عدم خوفها من الوحش ـ الشيء الكثير، كما تمتلك من القوة ـ العاطفة ـ ما تجعل من الوحش يتأنسن.
                  المشهد السابق يؤكد على أن السومريين كانوا يعظمون المرأة ويعتبرونها من عناصر المجتمع الفاعلة، فهي كائن فاعل له دور في الحياة، هذا الدور للمرأة جعل الملحمة تخرج عن المألوف والمنطقي، فبدلا من مواجهة القوة بالقوة جاءت المواجهة بين القوة المتوحشة وقوة العاطفة.
                  يجلس الصياد والبغي ثلاثة أيام وهما ينتظران قدوم الوحش، يأتي الوحش ليشرب مع القطيع وهناك تخرج المرأة بفتنتها الساحرة فتنتصر على الوحش:

                  فتاة البهجة حررت ثديها، حررت صدرها
                  فقطف ثمارها
                  لم تخجل، أخذت إليها دفأه
                  علمت الرجل الوحش وظيفة المرأة
                  وها هو واقع في حبها

                  استخدام المرأة مفاتنها لإثارة العاطفة عند انكيدو المتوحش ومن ثم انجذابه إليها وبقوة، وبعد هذا الوقوع في حبها أو الحاجة إلى تلك العاطفة، فقد منحت انكيدو شيئا جديداً لم يحصل عليه خلال وجوده مع الحيوانات، الحب والجنس أمران جديدان على انكيدو، الذي لم يعرف منهما شيئا قبل التعرف على الغانية، الذي يمتلك مفاتيح الحب والجنس هو المرأة وبهذا المفتاح استطاعت المرأة أن تكسب ود المتوحش، ومن خلال حاجته إليها أصبحت قادرة على الوصول إلى داخله، وبهذا خرج انكيدو من مجتمعه ـ البرية وحيواناتها:

                  رأته حيوانات البرية مع البغي
                  أنكرته، جفلت، نفرت عنه

                  النتيجة الأولى الحب فقدان انكيدو للحياة التي عاشها وعرفها ـ الغابة ـ فهروب الحيوانات منه رغم انه كان حاميها يعد تغير جذري، فالمجتمع الذي عاش فيه انكيدو نبذه ولم يعد يأنسه، من هنا كانت ردة الفعل الطبيعية عند انكيدو هو اللحاق بذلك المجتمع؟

                  تمهل خلفها، ثقيلا كان جسمه
                  خائرة كانت ركبتاه، ورفاقه ولت بعيدا
                  تعثر انكيدو في جريه، صار غير الذي كان

                  والنتيجة الثانية فقدان انكيدو قواه، فهروب الحيوانات منه معناه فقدان المجتمع الذي لم يعرف سواه، من هنا جاء اندفاعه نحو ذلك المجتمع واللحاق به، فلما لم يستطع فعل ذلك، وأصبح بعيدا عنه ـ جغرافيا ونفسيا ـ أصبح حقيقة في مصيدة المرأة الكائن الجديد الذي عرفة، وكأن الملحمة تقول لنا بان الحيوانات مثل المرأة لا تقبل مشاركة الغير لها أبدا، من هنا يجب الإخلاص لها حتى تكون لنا ونكون لها. إذن أصبح انكيدو أسير الصياد بدون أن يعي ذلك، المرأة تقوم بتقيد صيدها بشيء غير ملموس، جعله عاجز عن الحركة، وهذا الوثاق أو القيد غير معروف عند انكيدو بعد، والصياد المرأة يعي تماما ذاك الوثاق الذي أوثق به الطريد انكيدو، من هنا أصيب انكيدو بحالة من الكآبة:

                  فاغتم انكيدو وضعفت قواه
                  إلفه فارقه، اغتم وحزن

                  الوضع النفسي السيئ وهو نتيجة عدم المقدرة على ممارسة الدور السابق لانكيدو، وفقدان المجتمع الذي يعرف، والضعف الذي أصبح فيه، وهذا بداية الوعي عند انكيدو ـ معرفته لواقع جديد ـ فهو يعرف معنى الأسر والابتعاد عن الرفاق، من خلال الحيوانات التي كان ينقذها ويحررها من الأسر، وهنا أصبح انكيدو يتوسط مجتمعين ـ الغابة وحيواناتها من جانب والمرأة وعاطفتها من جانب آخر، فبعد ابتعاد المسافة الجغرافية والعاطفية عن المجتمع الأول كان لا بد من التوجه إلى المرأة الأقرب والأثبت جغرافيا على اقل تقدير.

                  قفل عائدا إلى المرأة جلس عند قدميها
                  رافعا بصره إليها

                  صورة انكيدو يبدو فيها ضعيفا مستسلما أمام الصياد المرأة، التي استطاعت بتلك القوة الخفية أن توصله إلى هذه الحالة من الضعف، الوحش القوي المخيف يجلس أمام المرأة الصياد بصره مرفوعا إليها طالبا العون والرحمة مما هو فيه، فكأنه يتوسل الخلاص بهذه الوضعية، وتبدو المرأة في وضعية المسيطرة المتحكم تماما بصيده، صورة الطريد انكيدو والصياد المرأة تجعلنا نعلم القوة الكامنة فيها. بعد أن تجد المرأة الثمرة قد نضجت وحان قطافها، تنتقل إلى الخطوة الثانية، وهي الذهاب بصيدها إلى مكان جديد، لكي تستكمل عملية التغير للوحش ويصبح شيئا غير الذي كان عليه سابقا، فبعد استطاعتها إبعاده عن حياته السابقة وإضعاف قدراته، وانهيار حالته النفسية أصبح باستطاعتها أن تعبئ انكيدو بما تريد من مفاهيم وأفكار جديدة.

                  أنت عاقل يا انكيدو، أنت شبه إله
                  لماذا تجول مع القطيع
                  تعال تجول معي أخذك إلى مدينة مسورة
                  أقودك إلى أوراك إلى المعبد المقدس
                  تتعرف إلى جلجامش القوي الجبار
                  إنه يطغى ويجور. كثور وحشي هو

                  بدأت المرأة حديثها مع انكيدو حول حياته السابقة، إنها تعرف نفسية الوحش وكيف يفكر، تريد أن تفتح له بابا جديدا عوضا عن الباب الذي سد في وجهه، وبهذا أكملت حديثا عن العالم الجديد الذي ينتظر انكيدو، مفصله له ماهية هذا العالم، فيه معابد وأسوار لم يسمع بها من قبل، وفي نهاية حديثها أخذت تثير فيه غريزة إنقاذ المظلومين، وتقول له هناك شخص ـ جلجامش ـ يجور ويظلم، وهناك مظاليم هم بحاجة إلى حمايتك، انكيدو الذي ساعد الحيوانات الضعيفة وإنقاذها من الإنسان القوي، ما زال يحب ويريد أن يقوم بعملية إنقاذ الضعفاء ومواجهة الأقوياء، وهذه الغريزة عرفتها المرأة في انكيدو ولهذا جاء حديثها عن جلجامش أكثر شيء تأثر به انكيدو، وهذا التأثير انعكس في رد انكيدو عما سيفعل بعد وصوله إلى أوراك:

                  تعالي فخذيني أيتها المرأة
                  إلى المعبد المقدس مسكن آنو وعشتار
                  حيث عظيم البأس جلجامش
                  الظاهر فوق جميع الرجال كثور حشي
                  سأناديه وأكلمه بجرأة
                  سيجلجل صوتي في أوراك أنا الأقوى
                  نعم أنا من سيغير نظام الأشياء
                  من ولد في البراري هو الأقوى وعنده البأس العظيم

                  جاء حديث انكيدو عن تصوره لهذا العالم الجديد بسطر واحد فقط، تحدث فيه عن المعابد، وستة اسطر عن تلك الشخصية التي جذبته، وهذا يشير إلى أن المرأة استطاعت أن تعرف كيف يفكر والوحش ومن ثم قدمت له طعما جديدا، لتسوقه إلى المكان الذي ينتظره. إذا أمعنا التدقيق في كلمات انكيدو عن جلجامش نجد فيها الاعتراف بقوة جلجامش، وثقة بالنفس عند انكيدو، وكذلك الشوق والاندفاع لملاقاة الخصم والحديث معه، إذن هناك دوافع الإنقاذ ومواجهة جلجامش والشوق للحديث معه، والمرأة تكون بذلك قد نجحت في اسر انكيدو وهكذا ستكمل معه الطريق بحديثها أولا وبعملها ثانيا:

                  كان كلام البغي في نفس انكيدو موقع حسن
                  فشقت البغي رداءها شطرين
                  بواحد كست جسده العريان
                  وبالآخر جسدها هي
                  وكما تقود الأم طفلها
                  قادته بيده إلى مائدة الرعاة
                  قدموا له خبرا لكنه لا يعرف الخبز
                  احتار في أمره لم يمد يده
                  قالت البغي: كل خبزا يا انكيدو
                  الخبز مادة الحياة
                  اشرب خمرا إنها عادة أهل البلاد
                  فمد يده وأكل خبزا وشبع
                  وشرب سبع كؤوس من الشراب القوي
                  فانشرح صدره وبرقت أساريره
                  غسل جسمه بالزيت، صار بشرا
                  وضعوا عليه رداء صار كإنسان
                  أخذ أسلحة الرعاة ليهاجم الأسد
                  فيأمن الرعاة شره، يناموا باطمئنان

                  بعد أن سلم أنكيدو نفسه للمرأة واخذ بكلامها، بدأت تظهر عليه ملامح الإنسان المتحضر العاقل، وأول تلك التغيرات في هيئته ارتداء الثياب لستر العورة، وهذا الأمر يذكرنا بستر عورة آدم وحواء بعد أكلهما من الشجرة المحرمة، ونجد هنا ستر العورة جاء كفعل نبيل متحضر وليس نتيجة خطيئة، ففي ارتداء الملابس يكون الإنسان قد تجاوز عصر البدائي وتقدم إلى عصر التحضر والاستقرار والإنتاج.
                  فبعد ارتداء الثياب أصبح انكيدو يمتلك جزءاً من الحياة الجديدة التي اخذ يسعى إليها، وبعد اللباس جاء التعامل مع أفراد المجتمع الجديد، فكان اللقاء مع بني البشر، وفي هذا اللقاء كان يتعلم منهم عاداتهم وسلوكهم، وهنا يتلقى انكيدو درسا جديدا من هذا المجتمع، فيتعين عليه أكل الخبز وشرب الخمر، هذا الطعام الجديد غير ذاك الذي كان يتناوله في الغابة، والشراب ـ الخمر ـ غريب عليه، وهنا يريد كاتب الملحمة أن يقول لنا بان من سمات المجتمع المتمدن أن يرتدي الثياب وان يأكل طعاما مصنعا وليس طعاما بدون تصنيع، فنجد الثياب من الضرورة أن تكون مصنعة وهذه الفكرة ـ التحضر وربطها بالإنتاج من الأفكار المتقدمة التي طرحتها الملحمة.
                  وهكذا يجد انكيدو هذا الخبز وهذا الشراب طيبا، ويشعر بنشوة الفرح بعد ذلك الشراب، وبهذا يتقدم انكيدو خطوة أخرى نحو الانسنة والتحضر، وبعد هذا يأتي دور العمل استكمالا لشكل وهيئة انكيدو، ليكون إنسانا كاملا، ويتم تطهير انكيدو بوضع الماء والزيت على جسمه ليدخل عالم الإنسان نظيفا طاهرا من كل النجاسات.
                  من خلال تطرق الملحمة لفكرة الماء والزيت نجد هذا الأمر من الأمور الأساسية لكي يقبل أي إنسان في جماعة دينية، فعند المسيحيين يجب أن يعمد الإنسان الذي يدخل المسيحية بالماء، وفي الإسلام عليه أن يغتسل بالماء ليدخل الإسلام، فكأن الاغتسال هنا لا يطهر الجسد وحسب بل الروح والعقل أيضا، من هنا نقول بان فكرة الاغتسال والتطيب لها جذور دينية منذ أن أرسل الله الأنبياء والرسل للبشر.
                  وبعد التطهر يأتي دور العمل الذي سيكمل به انكيدو طريقة نحو الانسنة الكاملة، فيأخذ أسلحة الرعاة ويقوم بعملهم، وهكذا أصبح انكيدو إنسانا كاملا، لا يختلف عن بقية الناس إلا بقوته الجبارة، وبهذا يكون قد انضم إلى المجتمع البشري من خلال المرأة التي نجحت في مهمتها واستطاعت أن تسيطر على الوحش وتقوده كما تقود الأم طفلها ثم تعلمه السلوك الإنساني.
                  في نهاية هذا الفصل نريد أن نشير إلى الأفكار التي تناولتها الملحمة، خاصة ما يتعلق منها بطبيعة المرأة، فهي ذات قدرة على القيام بالأعمال التي لا يستطيع الرجل القيام بها، وهذا الكائن ـ الضعيف ـ في نظر البعض يمتلك من القدرات الشيء الكبير، وهذه القدرات من أساسيات الوجود الإنساني على الأرض، فهي التي تهذب الإنسان وتخلصه من البداية نحو التحضر والاجتماع، فالمرأة صاحبة دور أساسي في إيجاد الحياة الإنسانية على الأرض، وهناك إشارة إلى الجنس على انه فعل أنساني يتميز به الإنسان عن بقية المخلوقات، فإذا كان الإنسان يتكون نتيجة فعل الجنس فان انكيدو الوحش تأنسن من خلال الجنس، وكأن الجنس لا بد منه ليكون هناك إنسان حتى لو كان المخلوق كاملا مثل انكيدو، كما تظهر لنا الملحمة بان الانسنة لا بد لها أن تمر من خلال المرأة وبواسطتها أيضا، والإشارة " تقوده كما تقود الأم طفلها " جاءت لتوحي للقارئ بان دورة نمو للإنسان سيمر بها كل البشر حتى لو كانت غير منتظمة كما هو الحال مع انكيدو.
                  انكيدو في أوراك

                  قبل الحديث عن دخول انكيدو إلى حياة المدينة نريد توضيح بعض المسائل المتعلقة بانكيدو وجلجامش، فحاكم المدينة جلجامش يمتلك من القوة الشيء العظيم بحيث لا يجد مكاناً أو طريقة لتفريغ هذه الطاقة الكامنة فيه.

                  يرى كل شيء، يرى تخوم الدنيا
                  حكيم عليم، يعرف كل شيء
                  يخترق حالك الظلام بثاقب نظره
                  يدرك الأسرار، يعرف ما يخفي على الناس
                  جاء بأخبار الأولين، بأخبار ما قبل الطوفان
                  جال في الأرض طويلا، أضناه التعب
                  وعلى لوح من حجر دون ما فعله وما رآه
                  بنى أسوار أرك، هيكلها المقدس
                  بنى أسوارا عجيبة لم يبنى مثلها الناس
                  هيكلا لآنو، كبير الآلهة، هيكلا لعشتار
                  تسلق أسوار أرك، تفحص آجرها
                  أساساتها، هل ترى بناء أعجب منه؟
                  الآلهة العظيمة خلقت جلجامش كأعجوبة
                  طوله أحد عشر ذراعا، عرض صدره تسعة أشبار
                  الشمس وهبته الحسن والجمال
                  و"هدد" الشجاعة والإقدام
                  ثلثاه إله، وثلثه الباقي إنسان
                  أسلحته فتاكة، ألقى الرعب في قلوب الناس

                  أننا أمام إنسان خارق للقدرة الجسدية، مقاتل جبار، يحسب له ألف حساب، ذو موهبة على البناء والتعمير، باني للمدن بطريقة جديدة فيها من الجمال والقوة والإتقان ما يجعل بناءه فريدا، صاحب معرفة وعلم كبير، سائح ورحال في العديد من المدن والأماكن، مما أعطاه معرفة وعلم ورجاحة العقل معا، هذا الكائن مزيج بين البشر والآلة معا، من هنا تأتي فرادة جلجامش عن الآخرين.


                  بغى وظلم، لم يترك ابنا لأبيه
                  لكنه راعي أرك، فهو راعينا
                  لم يترك فتاة لحبيبها، ولا ابنة جندي
                  ولا خطيبة لنبيل، بغى وظلم فضج الناس البشر


                  الكائن الخارق القوي المعمر والبناء والحامل للناس، لم يعد قادرا على السيطرة على القوى العديدة والمتنوعة الكامنة فيه، فأخذ يقوم بأعمال لا تليق بحاكم عظيم، أهل أوراك عرفوا جلجامش القوى المدافع عنهم والحامي لهم، تفاجئوا بأعماله غير السوية، فهو في حقيقة الأمر لم يكن سيئاً أبدا، لكن بعد أن أنجز ما أنجز من العمران والبناء ووصوله إلى المعارف ومن ثم الحكمة، تجواله في مشارق الأرض ومغاربها، لم تلبي كل هذه الأعمال والأفعال وحجم المعرفة طموحه، وجدها أدنى من جلجامش، وكأن الملحمة هنا تطرح فكرة أن الإنسان لا يمكن يتوقف عند حد معين في طموحه، فهو كائن يبحث وباستمرار وبشكل مضطرد عن الجديد والبعيد، فهو ساعي باستمرار للحصول على المعرفة، فجلجامش يبحث عن شيء مبهم لم يحدد معالمه بعد، ولا يعرف تفاصيله أيضا، لكن هناك هاجس أو قوة خفية تدفع به إلى هكذا أعمال، من هنا كانت أعماله غير منطقية ولا مقبولة من الناس في أوراك، وإذا دخلنا إلى نفسه سنجدها تبحث عن شيء ولا تجده، من هنا لم يتردد ابداً في التعرف على الكائن القوي المتوحش انكيدو، فعندما سمع بان هناك مخلوقا غريبا في الغابة أرسل البغي مع الصياد لتجلبه إلى أوراك، المخلوق البدائي اخذ حيزاً من تفكير جلجامش، فهو لا يعرف ماهية هذا المخلوق، يحس انه سيفتح له طريقاً لتفريغ ما بداخله من قدرات، وهذا التفكير بالمخلوق انعكس في أحلام جلجامش، الحلم الأول والثاني، كانا بمثابة فتح أبواب جديدة من المعرفة وإفراغ القدرات الكامنة فيه.
                  والآن سنحاول تحليل نصوص الملحمة لتوضيح بعض الأمور المتعلقة بجلجامش

                  هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا
                  هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء
                  سيد الحكمة الذي بكل شيء تعمق

                  هو الذي رأى كل شيء، أبصر كل الأشياء حتى انه وصل إلى آخر الدنيا، فهو ذو مقدرة خارقة، وصاحب معرفة وحكمة، كما يمتلك من القدرة الجسدية والإرادة الشيء الكثير، ومن هنا كانت معرفته وحكمته مقرونة بقوة جسده وإرادته معا، فهو يمتلك من القوة والإرادة ما تؤهله للوصول إلى أي مكان يريد، وهنا نجد القدرات العديدة التي يتمتع بها جلجامش ـ الجسد، الإرادة، حب المعرفة، وهذه القدرات العديدة تجعله قادراً على تحمل مشاق السفر، والإرادة التي يتمتع بها تجعل كل الصعاب والمعيقات هينة أمامه، ومعرفته تساعده للوصول إلى مبتغاه.
                  فبعد أن استطاع مشاهدة العديد من البلدان والأراضي البعيدة والأشياء العجيبة، تشكل لديه معرفة نادرة ثم تحولت تلك المعرفة إلى حكمة، فالتسلسل الذي تعطيه الملحمة، مشاهدة ومعرفة وحكمة هو تسلسل منطقي تماما ويتفق مع العلم الحديث الذي يؤكد هذا الترتيب للوصول إلى الحكمة أو الفلسفة، فكاتب النص الملحمي يعطينا فكرة السومريين ومن جاءوا بعدهم بفهمهم العميق والمنطقي للوصول إلى ذروة المعرفة ـ الحكمة ـ الاقتباس السابق يوضح لنا طبيعة جلجامش الذي وصل إلى أعلى درجات المعرفة ـ الحكمة ـ وهذا يجعله محصنا ضد الجهل، أو الإقدام على أعمال بلهاء، لذلك أفعاله الظالمة لأهل أوراك على أنها حالة من تراكم الطاقة لم يعد صاحبها يستطيع السيطرة عليها، فهي التي تتحمل ما لحق بأهل أوراك من ظلم وليس جلجامش، فالنص الملحمي في حقيقة الأمر يريد أن يقول لنا بان جلجامش يتنزه عن الإقدام على الأفعال والأعمال الهوجاء، وهو غير مسؤول عنها، والمشكلة تكمن في القوة والطاقة التي في داخله وهي التي تدفع به ـ مرغما ـ ليقوم بها،

                  مضى في سفر طويل وحل به الضنى والإعياء
                  رفع الأسوار لأورك المنيعة
                  ومعبد إيانا المقدس العنبر المبارك
                  انظر فجداره الخارجي يتوهج كالنحاس
                  انظر فجداره الداخلي ماله من شبيه
                  تقرب فإيانا مقام عشتار
                  لا يأتي ملك، من بعد،ولا إنسان
                  أعل سور أوراك، إمش عليه
                  إلمس قاعدته تفحص صنعه آجره
                  أليست لبناته من آجر مشوي؟

                  جلجامش ذو الطاقات والقدرات الكبيرة قام بسفر طويل حتى أضناه التعب، ليحصل على المعرفة، كما قام بتشيد المدينة المحصنة (أوراك) بنى أسوارها المنيعة ومعابدها المقدسة " آنو وعشتار" فهذه المدينة جاء حضورها في بداية النص الملحمي وفي نهايتها لأنها كانت تحتل مكانة مرموقة في العهد السومري، وهذا الأمر يشير إلى اهتمام السومريون ببناء المدن وكذلك على أهمية المدينة التي كانت في ذلك العصر تشكل احد أهم انجازات الإنسان القديم.
                  كما أن الملحمة تعطينا صورة جلجامش الباني لأوراك والمهتم بالمعابد وهذه الأعمال ـ رغم أهميتها ـ لا تكفي ليكون جلجامش فريدا في انجازه وأفعاله عمن سواه، ولا تكفي لكي تخرج الكم الهائل من الطاقات والقدرات الكامنة فيه، ولهذا جاءت الأسطر أللاحقة لتوضح لنا ماهية هذا البناء، فهو ليس بناءا عاديا كبقية الأبنية، بل في غاية الروعة والإتقان، فجودة البناء وجماله سمة ملازمة لكي يكون مميزا، ولهذا جاء الطلب ممن لا يعرف أهمية هذا البناء أن يتفحصه ويختبر جودته وصلابته، وهذه إشارة إلى الثقة والاتفاق في عملية البناء، وبهذا أخبرتنا الملحمة بان السور لن يكون له مثيل. بعد الحديث عن أعمال جلجامش العمرانية تنقلنا الملحمة إلى هيئة جلجامش وصورته.

                  الآلهة العظيمة خلقت جلجامش كأعجوبة
                  طوله أحد عشر ذراعا، عرض صدره تسعة أشبار
                  الشمس وهبته الحسن والجمال
                  وهدد الشجاعة والإقدام
                  ثلثاه إله وثلثه الباقي إنسان

                  جلجامش هو خلق نادر للآلهة، فلم تخلقه كبقية البشر، بل مميز ليس له نظير، فهو يمتلك الجمال "الذي وهبته الشمس"والشجاعة والقوة من"هدد" فكانت هيئته توحي بالعظمة، طول في الجسم وعرض في الأكتاف وكأنه احد مصارعين اليوم، فالأوصاف الشكلية والصفات الخلقية تجعل من جلجامش كائن فريد ليس له نظير أبدا، جزء منه إنسان وجزء منه اله، فهو إنسان في همومه وطموحه، وإله في شكله ومقدرته الخارقة.
                  الملحمة من خلال تناولها طبيعة جلجامش وما يتمتع به من قدرات وطاقات كانت وكأنها تريد أن تبرر لنا الأعمال وأفعال التي قام بها اتجاه أهل أوراك، الشجاعة التي يمتلكها و تمتعه بقوة كبيرة والمعرفة والحكمة التي حصل عليها نتيجة السفر المضني والطويل، كل هذا يؤهله ليكون بعيداً عن التهور والانزلاق إلى الأعمال الرديئة وغير السوية، وآخر هذه التبريرات التي يطرحها النص الملحمي حينما وصفه بان ثلثيه اله، فما يراد من وضع السطر الأخير ليؤكد بان جلجامش له أن يفعل ما يريد، حيث انه يتمتع بقدرات الآلهة فله أن يفعل ما يحلو له دونما حساب، والمتتبع للنص الأسطوري والملحمي القديم يجد أن من حق الآلهة أن تفعل ما تشاء إن كان فعلها منطقياً أم لا؟، عادلاً أم دون ذلك؟، فهي صاحبة الفعل المطلق.
                  بعد هذه المقاطع الثلاثة التي تناولت جلجامش وما يتعلق به، جاء الحديث عن أفعاله اتجاه أهل أوراك

                  ثار أهل أوراك في بيوتهم
                  لا يترك جلجامش ابنا لأبيه
                  ماضي في مظالمه ليل نهار
                  هو راعي لأوروك المنيعة
                  هو راعينا القوي الوسيم الحكيم

                  أهل أوراك بهذه الحالة لا يطالبون بإزالة جلجامش من مدينتهم، ولا يعترضون عليه شخصيا، بل على أفعاله الأخيرة التي قام بها تحديدا، وإذا قارنا فحوى الكلمات التي رفعها الناس نجد الشكوى مقرونة بالمديح، وهناك تسوي في عدد اسطر الشكوى والمديح، إذن هل أورك يريدون جلجامش صاحب البطولة والمجد والحكمة والباني والمدافع والحامي، وصاحب الهيئة الجملية، ولا يريدونه أن يستمر في أفعاله الشاذة الأخيرة. نعود إلى الحدث الجديد والمخلوق الذي يرعب الصيادين ويقوض عملهم، وكيف استطاع هذا المخلوق أن يشكل هاجساً عند جلجامش

                  سر يا صيادي الأمين أصطحب معك بغيا

                  هذه الكلمات قالها جلجامش للصياد، وهي أول حديث مباشر له في الملحمة، فكل الأسطر السابقة كانت على لسان الراوي أو على لسان أهل أوراك، الكلمات جاءت هادئة ليس فيها عنف أو انفعال، وجاءت كطلب مؤدب وبطريقة لبقة، تنم عن الحكمة التي يتمتع بها جلجامش، فالطلب جاء وكأنه من صديق يطلب من صديقه وليس من حاكم لمحكوم، وهذا الأمر يشير إلى الحكمة واللباقة التي تمتع بها جلجامش، وكأن كاتب النص الملحمي يريدنا أن نصطف إلى جانب أهل ورواك في موقفهم من جلجامش، فهذا الكلام اللطيف يجعلنا نتريث قليلا لنعرف سبب الأفعال والأعمال ـ غير السوية ـ التي أقدم عليها، فمن يتكلم بهذه الكيفية وهذه اللباقة لا يمكن أن يكون سيئاً.
                  الكلمات التي قالها جلجامش يستدل منها على حبه لمعرفة ما هو جديد، فهو يعشق المعرفة كما يعشق المغامرة، فهو يفكر بهذا المخلوق الذي يشعر بأنه سيلبي طموحه ويستطيع به ومن خلاله أن يفرغ القوة والطاقة الكامنة فيه، وهذا الشعور جاء مستندا على أقوال الصياد عن الوحش ثم على الحدس عند جلجامش، ونستطيع أن نقول بان الوحش أصبح يشكل هاجساً عند جلجامش من خلال أحلامه.

                  أماه رأيت في البارحة حلما
                  كانت السماء حاشدة بالنجوم
                  وكشهاب آنو الثاقب واحد منها انقض علي
                  رمت رفعه فثقل علي
                  حاولت إبعاده فصعب علي
                  تحلق حوله أهل أوراك
                  نجم السماء هذا نظير لك
                  هو رفيق عتي يعين الصديق عند الضيق
                  أقوى من الفلاة ذو بأس عظيم
                  متين العزم كشهاب آنو الثاقب
                  وهذا يعني أنه لن يتخلى عنك قط

                  لقد وجد جلجامش الشيء الذي يبحث عنه، وها هي أمه تخبره بحقيقة الخبر، فجلجامش الذي سعى إلى شيء لا يعرف ماهيته حصل على بعض المعالم عنه، فهو إنسان صديق قوي جدا ، وصاحب عزيمة ويتميز بالإخلاص والتضحية في سبيل من يحب ، وجاء الحلم الثاني ويحمل نفس المضامين.

                  في أوروك المنيعة، فأس مطروحة، تجمعوا عليها
                  تحلق أهل أوروك حولها
                  أحاط أهل أوروك بها
                  تدافع الناس إليها

                  من خلال الحلم الأول والثاني نستنتج بأن جلجامش كان يشعر في قرارة نفسه [أن أهل أوروك مظلومين ، ولهذا جاء حديثه عن الحلم الأول والثاني يتحدث عن الناس في أوروك، ولنمعن النظر في الكلمات التي استخدمها "في أوروك المنيعة" هذا يعني أنها محصنة، ولا يمكن لأي دخيل أن يدخلها، "فأس مطروحة" لم تكن هذه الفأس عادية بل فأس غير التي نعرفها، أو هي شيء يشبه الفأس، هي رمز لشيء عظيم، ولهذا كان ذلك التجمع عليها، ثم يضيف جلجامش كلمة "تحلق حولها" وهنا لنحصل على استمرارية الفعل ولتعبر عن اهتمام الناس بهذه الفأس، ويستمر حديثه عن الفأس مشيرا إلى الأهمية التي يرى بها أهل أوروك هذه الفأس فيقول مكملا حديثه "أحاط" وهذا يعطي مفهوم التجمع من كافة الجهات حول هذه الفأس، وبعد أن اقترب منها الناس اخذوا بالتدافع لمشاهدتها، وهنا نجد التنافس بين الناس لتقرب أكثر من هذه الفأس، وهذا الوضع يؤكد بان جلجامش كان يشعر بالأحوال السيئة التي يعيشها أهل أوروك، وإذا عدنا إلى الحلم الأول نجد نفس المضامين لفكرة "النجم" فهناك كلمات استخدمها جلجامش يروي بها حلمه مثل "تحلق" "تجمهر" "أحاط" . ومن خلال ما تقدم نستطيع أن الجزم بان اهتمام جلجامش بأهل أوروك كان حقيقة واقعية وليس تفسير أحلام، وهذا القول تأكد بعد موقف جلجامش من عشبة الخلود فأول كلمة قالها بعد أن خرج من الماء.

                  سأحملها معي ألي أوروك المنيعة وأعطيها للشيوخ يقسمونها
                  ولسوف أكل منها أيضا فأعود إلى شبابي

                  لقد كان جلجامش فعلا حامياً لأوروك ولأهلها، ولم يكن أبدا ذلك الظالم المتغطرس، ولهذا حينما حصل على العشبة ولم يفكر في نفسه، بل بأهل أوروك أولا، وهذا ما جعله يحتفظ بالعشبة ولا يأكل منها، مثل هذه المواقف لا تكون ألا عند من هم يضحون بأنفسهم في سبيل المجموع. وسنكمل الحديث عن العشبة وجلجامش حينما نصل ألي الحديث عن الحلم ألإنساني، والآن نعود إلى حلم جلجامش وكيف تفسر أمه ننسون هذا الحلم.

                  الفأس التي رأيت، رجل
                  معنى ذلك رفيق عتي، يعين الصديق عند الضيق

                  وحينما سمع جلجامش هذه البشرى من أمه مرة أخرى ونطق بكلمات.

                  قال جلجامش هل حظي حن لا فوز
                  بمثل هذا القوى الوفي

                  بداية الوصول إلى طرف الخيط تبدأ، وهذا الوصول بدأ فكريا أولا، حيث أن جلجامش يفكر بهذا المخلوق الذي سيكون الصديق الوفي، ويمتلك قوة تعادل قوته، إذن نستطيع القول بأن هناك دوافع واضحة عند جلجامش للتعرف على هذا الرجل الذي سمع عنه من أمه، وهناك رغبة وشوق للقائه بعد هذه البشائر التي سمعها.
                  ننتقل للحديث عن أنكيدو، أنكيدو الإنسان الذي ما زال يحمل غريزة الدفاع عن الضعفاء أيا كانوا وأينما كانوا، ومواجهة الأشداء والتصدي لهم، وإذا عدنا إلى حديث المرأة مع أنكيدو، نجد هناك تحريضا من المرأة على جلجامش، لكن هذا التحريض لم يكن باتجاه الصراع الدموي بل باتجاه إيقاف جلجامش عن ظلمه، وأنكيدو كان يثق بقوته الجبارة، وكان يعتبر نفسه أقوى الرجال جميعا، ولا يوجد من هو أقوى منه، وهذه الثقة ظهرت من خلال حديثه مع المرأة.

                  سأناديه وأكلمه بجرأة
                  سيجلجل صوتي في أوروك أنا الأقوى
                  نعم أنا من سيغير نظام الأشياء

                  انكيدو مندفع غريزيا لمواجهة جلجامش، ليثبت من خلالها انه الأقوى، ثم يغير من خلال حسم المواجهة لصالحة، النظام السائد القديم، ظلم أهل أوراك من قبل جلجامش، ومن خلال الكلمات السابقة نجد تشبثه بالدفاع والوقوف إلى جانب الضعفاء، وكأنه وجد للدفاع عنهم، أن كان في الغابة ـ مساعدة الحيوانات ـ أم في المدينة ـ وإذا عدنا إلى علاقة انكيدو في الغابة مع الحيوانات من جهة، والصياد جهة ثانية، نجد عمله اقتصر فقط على إنقاذ الحيوانات دون الحاجة إلى اللجوء للصراع مع الصياد، وهذا يشير إلى انه لا يسعى إلى صراع دموي قاتل، وهو لا يرغب بمثل هذا الصراع، بل يسعى إلى صراع ودي يثبت من خلاله أنه الأقوى ثم يغير النظام بعد الفوز بالنزال، وهذا ما نطق به انكيدو قبل الشروع والذهاب إلى أورك:

                  نفسي تود أن تتحدث إليه، خذيني

                  من خلال ما تقدم نستطيع القول بان هناك دوافع ورغبات عند انكيدو للقاء جلجامش، وهناك أيضا رغبات مماثلة عند أهل أوراك للخلاص من ظلم حل بهم، وبعد هذا الحديث عن انكيدو ننتقل إلى الحديث عن أهل أوراك عندما شاهدوا انكيدو:

                  دخل انكيدو أوراك ذات الشوارع العريضة
                  تجمهر الشعب حوله
                  تزاحم الناس وتحدثوا قائلين
                  انه توأم جلجامش
                  لكنه أقصر منه
                  إنه أضخم عظما

                  الناس تتجمع حول هذا المخلوق، ينظرون إليه بتعجب وأمل في آن واحد، ينتظرون منه تخليصهم من ظلم جلجامش، أهل أوراك الذين عرفوه حامي مدينتهم، يتكلمون عن المخلوق الجديد انكيدو ويقارنوه بجلجامش، فهم لم يعرفوا أحدا بقوته ولا بهيئته، ولهذا اخذوا يقارنوا انكيدو بجلجامش، فهو توأمه وهذه إشارة إلى تشابه الهيئة بينهما، إلا أن هناك فوارق بينهما، تكون في صالح انكيدو مرة ولصالح جلجامش في الثانية، الطول لصالح جلجامش، والصلابة لصالح انكيدو، وبعد ذلك تنقلنا الملحمة إلى الحديث عن مشاعرهم اتجاه انكيدو:

                  فرحوا صاحوا الآلهة خلقت ندا لجلجامش

                  الشعور بالفرح سمة لكل من يقع عليه الظلم فهو يبحث عن الخلاص من القادم، مهما كان، المهم عند المظلوم هو رفع الظلم عنه، وهذا الأمر ـ فرح الناس ـ يؤكد على أن المجتمع العراقي القديم يهتم بالمجتمع كما يهتم بالفرد، فهنا نجد احترام الملحمة لمشاعر الناس، وجاءت تصور مشاعرهم حتى لو كانت هذه المشاعر لا تتوافق مع نهج وسلوك الحاكم، ونعتقد بان هذا الأمر يتجاوز عصر الدويلات العربية بكثير، وبعد هذا تتقدم الملحمة إلى الأمام وتأخذ بنشر أفكار سياسية عن الوضع الجديد الذي يؤمل أن يكون واقعيا على الأرض:

                  فرح الناس
                  رأت بطلا قد ظهر
                  الآن وجد جلجامش نده
                  سيجد العظيم الذي يعادله

                  أن إصرار كاتب الملحمة على ذكر أحوال الناس قبل وبعد ظهور المخلص انكيدو وبهذه التفاصيل الدقيقة، وما يتبع ذلك من مشاعر وانفعالات وما يتبعها من كلمات، هو تأكيد على التطور الحضاري الذي وصله السومريون القدماء، وكذلك تأكيد على احترام مشاعر الإنسان والاهتمام بما يشعر به أيضا، فمهما كان موقفه من الأحداث، ضد أو مع. وإذا كانت الملحمة في فكرتها تتحدث عن الإنسان الفرد "جلجامش" إلا أنها لم تهمل مشاعر العامة، ولهذا تم التطرق إلى الحديث المكثف عن الناس وما يشعرون به، وهذا يؤكد على النظرة المتكاملة للفرد والمجتمع معا، فلم يتم إهمال أي منهم، وكأن الملحمة كتبت لتنسجم في طرحها مع المدرسة الواقعية الاشتراكية ومدرسة الفن للفن.
                  الطوفان
                  الصورة التي ذكر فيها الطوفان تجعل القارئ يشعر بالرعب لما فيها من دقة الوصف لذلك الطوفان، فعبارة "لاح في الصباح" يكون الناس نيام أو في بداية الاستيقاظ، الصباح يحمل معنى يوم جديد أملاً جديداً، ولا حمل معنى الدمار والخراب والموت، في بداية هذا الصباح ظهرت الغيوم السوداء قادمة نحو هدفها ـ الأرض ـ، وكان يسمع الرعد الذي يصدره الإله هدد، وجاء الذكر لهذا الإله هدد ليعطي فعل الرعد الرهبة، فلفظ – هدد ـ يحمل بين مخارجه فعل المدمر، هذا الإله هو صاحب نزول المطر وما يتبعها من برق ورعد، ونجد بانه صفاته تتناسب مع لفظ اسمه، وهو في الاساطير البابلية والكنعانية لا يمكن مقاومته ويحمل القوة والجبروت معا، وبعد ذلك ينتقل الحديث إلى إزالة الحواجز أمام المياه السفلية والسدود أمام المياه السطحية ، وهذا أعطى صورة الهول الذي حل بالأرض، فان المياه تنزل من السماء وتخرج من السدود والبحار والانهيار وتخرج من باطن الأرض مع نار البرق وصوت الرعد المدوي، كل هذه تحدق بالأرض وتخطف الأبصار، فتخفي الرؤيا تماما وتكون الظلمة هي السائدة فلم يعد هناك شيء يرى، الإنسان لا يرى الإنسان، والآلهة لا ترى الإنسان ، وهذه الكارثة التي حلت على الإنسان والأرض معا جعلت الآلهة ترتعب وتهرب صاعدة إلى السماء، إذا كانت الآلهة ارتعبت وهربت صاعدة إلى السماء، فكيف سيكون حال الإنسان؟.
                  الملحمة تخبرنا بعد ذلك أن عشتار أخذت في النحيب لهذا الوضع الذي لا يحتمل، عشتار التي كانت موافقة على الطوفان تراجعت عن موقفها وأخذت الموقف النقيض وليس المعارض فقط، فأخذت تطالب بوقف الطوفان:

                  ستة أيام وست ليالي تنفخ الرياح.
                  الطوفان وعاصفة الجنوب يغمران الأرض.
                  الأعاصير والعواصف ثارت كالحشود المتحاربة.
                  ومع فجر اليوم السابع هدأت عاصفة الجنوب.
                  هدأ البحر سكن الإعصار وتوقف الطوفان.

                  العودة إلى وصف الطوفان جاء ليعيد الهول الذي تركه هذا الطوفان على الارض ومن عليها، فقد استمر ستة أيام وست ليال كاملة، لم يترك ما هو حي على وجه الأرض باستثناء ما حمل معه أوتنبشتم في سفينته، وبعد هذا الهدوء للإعصار تتركز الأحداث على السفينة وما عليها ، يشاهد أوتنبشتم النور ثم جبلا وعلى ظهر هذا الجبل تستقر السفينة وتبقى راسية عليه مدة ستة أيام وفي اليوم السابع يرسل اوتنبشتم حمامه إلا أنها لا تجد مكانا تحط عليه، فتعود إلى السفينة، ثم يخرج سنونو فلا يجد هو الآخر مكانا يحط عليه، فيعود إلى السفينة، ثم يخرج غرابا لا يعود إلى السفينة، فيعرف اوتنبشتم بان المياه انحسرت، فيأخذ في إخراج الكائنات التي معه وتبدأ الحياة من جديد على الأرض، لقد جاءت الملحمة حاقدة بشكل واضح على الآلهة وخاصة الإله انليل في أكثر من موقع في الملحمة وجاء هذا الموقف منه واضح في نهاية الملحمة ولتأكيد هذا الأمر حول هذا الإله انليل قالت الملحمة عنه:

                  ليجتمع كل الآلهة حول الذبيحة.
                  ولكن لا تدعوا انليل يقترب منها.
                  ولما وصل انليل.
                  رأى السفينة فثارت ثائرته.
                  اخذ ينفث غضبه على الآلهة أهل السماء.
                  ليس لأي بشري أن ينجو من الفناء.

                  هذا الموقف الشاذ الذي يقفه الإله انليل من الإنسان هو موقف الحاقد المتسلط ، ومع أننا لا ندري عن السبب الذي دفع انليل لمثل هذا الموقف، إلا انه يبقى موقف متشنج، وهذا تأكيد آخر من الملحمة على ظلم الآلهة التي تتحكم بمصير الإنسان حسب أهوائها، فهي تفعل كل شيء ضد الإنسان، وهي من تكون الخاطئة وليس الإنسان، وهذا واضح من خلال موافقتها على الطوفان الذي أزال الحياة من الأرض، فجاءت الملحمة وكأنها عبارة عن صراع الإنسان مع قرارات الآلهة المدمرة.
                  وتأتي أهمية ذكر هذه الأسطورة لتكررها في التوراة، وإذا قارناها مع تلك التي ذكرت في التوراة نجد بان هناك التشابه الكبير بين الحدثين من حيث سبب ذلك الطوفان وحجم السفينة وأقسامها والذين دخلوا فيها وعدد الأيام التي استمر فيها الطوفان ورسوخها على الجبل وإطلاق الحمامة والغراب كل ذلك جاء ليؤكد بان الأسطورة الملحمية هي السابقة عن تلك التوراتية بألف وخمسة عام، وهذا يعطي الأهمية التاريخية لهذه الملحمة، وأخيرا نستطيع القول بان هذه الأرض هي أول من علم العالم الإرادة، وكيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحلم " الهدف أدنى من الإرادة ، مهما كان هذا الهدف صعباً وحتى مستحيلاً، فاسع إلى الهدف أيها الإنسان " وكان جلجامش يطالبنا بعدم التسليم لكل ما نحن نرفضه أن كان أشخاص أو أماكن أو الآلهة هذا جلجامش المعلم لكل الرافضين في العالم، يقول بعدم الاستسلام للواقع أبد، اوهو مازال حيا خالدا كما أراد أن يكون ورغم مرور ما يقارب خمسة آلاف عام على رحيله إلا انه ما زال يعيش بيننا ويعلمنا تلك الفلسفة التي كانت أداة من أدوات الحرب التي خاضها، فجلجامش المعلم ما زال حياً خالدا وسيبقى حتى نهاية الكون كذلك.

                  من أقوال الامام علي عليه السلام

                  (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                  حملت طيباً)

                  محمد نجيب بلحاج حسين
                  أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                  نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                  تعليق

                  • حاتم سعيد
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 02-10-2013
                    • 1180

                    #10
                    قبل أن نصل إلى حضارة مصر القديمة
                    ما رأيكم أن نستعرض حضارات أخرى مجهولة...
                    1. حضارة كاتال هيوك : واحدة من أقدم الحضارات العديدة التي وجدت في جنوب تركيا ، يرجع تاريخها ل9000 عام ، وهي حضارة منفردة في تصميم مبانيها عن الحضارات القديمة ، فقد صممت المدينة بشكل خلية النحل ، ولا يوجد بالمدينة شوارع على الإطلاق ، ولكن كان سكان المدينة يستخدمون السلالم على الأسقف للانتقال من مكان لأخر ، وكانت مداخل المباني تتمثل بفتحة السقف العلوية ، ويعتبر شعب حضارة كاتال هيوك أول الشعوب التي استخدمت الجماجم في تزيين المنازل .
                    2. حضارة أنجكور : ترجع شهرتها لمعبد أنجكور السياحي في كامبوديا ، وهذا المعبد يعد جزء من حضارة عظيمة قديمة وجدت في مدينة أنجكور ، والتي كانت عاصمة للأمبراطورية الخمرية ، وكان يسكنها عدد كبير من السكان بلغ ما يقارب المليون نسمة ، ويرجع العلماء اندثار حضارة الأنجكور للكوارث الطبيعية التي ضربت المدينة .
                    3. حضارة نيا : عمرها يرجع لمدة 1600 سنة ، اكتشفها العلماء بالصدفة في صحراء الصين ، بعد العثور على كنوز ثمينة كثيرة ، وأخشاب منازل قديمة ، وتدل الآثار القديمة لحضارة نيا على التقدم العلمي ، والثقافي لشعوب حضارة نيا ، وقد عرفها التجار ، ورجال الدين نظرا لوجودها في الطريق الآوسط بين آسيا ، وأوروبا ، وأفريقيا .
                    4. حضارة كاهوكيا : حضارة قديمة نشات في وسط أمريكا الجنوبية ، اشتهرت بوجود كثير من الأهرامات الترابية التي تحيط بالمدينة ، والتي بنتي لمراقبة حركة النجوم ، ودراسة علم الفلك ، كما تقدمت في فن العمارة والبناء ، إلا أنها انتهت بسبب الأوبئة والأمراض التي اصابت السكان في تلك الحقبة .
                    5. حضارة جبل الفيروز : يشكل العلماء أنها حضارة مدينة جبل الفيروز بالعاصمة الأفغانية القديمة التي اندثرت من مئات السنين ، ولم تترك لهذه احضارة أي آثار أو دليل سوى تمثال عملاق يتميز بدقته الفريدة يوجد في صحراء أفغانستان ، كما اشتهرت هذه الحضارة بوجود عدة طوائف دينية بها مثل الإسلام ، والمسيحية ، واليهودية .
                    6. حضارة نبتة بلايا : حضارة مصرية قديمة نشأت في صحراء مصر قبل 7000 سنة ، ولم يثبت أي علاقة بينها وبين الحضارة المصرية الفرعونية ، استخدمت مياه الأمطار الموسمية للزارعة ، وتربية الأبقار والماشية ، ولكنها اختفت بعد ذلك دون أي أُثر .
                    7. حضارة وادي السند : هي الحضارة التي ربطت بين الهند ايران ، وافغانستان ، وتعد المعلومات الخاصة بها قليلة نوعا ما ، ويقدر سكان هذه المدينة بخمسة ملايين نسمة ، في الوقت الذي كان عدد سكان العالم 50 مليون نسمة ، وقد تركت هذه الحضارة مباني متعددة الطوابق ، ومحلات تجارية متخصصة في المعادن ، وتميزت هذه المباني بنظام تصريف معقد ، ويظن أن المدينة غرقت قبل 3000 عام نتيجة للأمطار الغزيرة ، والسيول .
                    8. حضارة كوبيك تيبي : من أقدم الحضارات التي عرفها البشر ، إذ يرجع تاريخها لعشرة آلاف عام قبل الميلاد ، يرجح علماء الآثار أنها حضارة بلاد الرافدين ، ولكن ذلك لم يثبت بشكل قاطع ، وتعتبر آثار حضارة كوبيك تيبي من أقدم التماثيل الموجودة على الأرض .
                    9. حضارة جزيرة الفصح : من أقدم الحضارات ، اشتهرت ببناء التماثيل الضخمة المشابهة للآثار المصرية القديمة ، تعكس هذه التماثيل تقدم هذه الحضارة في البناء ، والنحت ، وبالرغم من وجود هذه الآثار إلا أن تاريخ بداية ونهاية حضارة جزيرة الفصح لا يزال غير معلوم لعلماء الآثار .
                    10. حضارة المايا : من أشهر الحضارات القديمة في أمريكا الوسطى ، ولاتزال آثارها موجودة حتى الآن ، ويرجع البعض نشأتها للألفية الأولى بعد ميلاد المسيح عليه السلام ، تميزت حضارة المايا القديمة في الطب ، والرياضيات ، والأدب ، والهندسة ، وعمارة المباني والمدن ، وتركت المايا عدد من الأهرامات المدرجة ، يرجع الخبراء وعلماء التاريخ زوال شعوب المايا للتغيرات المناخية المفاجأة ، والحروب التي خاضها دفاعا عن أراضيه الواقعة بين المكسيك ، وجواتيمالا .

                    من أقوال الامام علي عليه السلام

                    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                    حملت طيباً)

                    محمد نجيب بلحاج حسين
                    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                    تعليق

                    • زحل بن شمسين
                      محظور
                      • 07-05-2009
                      • 2139

                      #11
                      كل عام وانتم المعرفة واهلها ،، عام خير وبركة عليكم

                      القرطاجيون والايمان بالله ........كانوا على درجة عالية باللاهوت ووحدانية الخلق...
                      اليكم كتاب قرطاج المقدس:::

                      كتاب قرطاج المقدس ، لتاريخ مضى اكثر 2500 سنة.

                      كتاب قرطاج المقدس ، كان اللاهوت القرطاجي الذي يفسر للناس العرفان بخالق الاكوان …انه وثيقة تاريخية شاهدة على احداث الشرق القديم.؟!
                      ولكنه اختفى من متحف روما بالحرب العالمية الثانية 1945 ،، كان مكتوب على الواح من الرصاص واختفاؤه له ، انعكاس خطير على الوضع العالمي الحالي ؟؟!
                      ويُشك بان الصهيونية هي من سرقته؟! واخفته .؟!


                      1.1 ما اللذي كان، قبل أن يكون كل شئ ؟ من خلق ولم يخلق؟ من كان بلا سبب أو بداية؟ أزلي هو وأبدي لا يعرف نهاية.
                      2.1 ما اللذي يؤثر في الكل، ما حقيقة الوجود والحياة، قوة كل شئ حي. هو الوحيد فوق كل شئ، من يقرر كل شئ.
                      3.1 هو ليس برب واحد، لا يملك اسما ولا جسما، هو ليس واحدا بل اثنين.

                      4.1 هما الهين اثنين، قوة الهية مذكرة ومؤنثة، خالقة كل شئ وموجودة في كل مكان، لا يسعها الكون.
                      5.1 في البدء لم تكن الساعات والأيام و الشهور، لم يكن الزمن، لم يكن أرض أو ماء أو هواء، لم يكن المكان.لم يكن نور وظلمة، حر أو برد، لم تكن المخلوقات، لم يكن أعلى وأسفل، لم يكن هنا و هناك، لم يكن صوت ولا صمت.

                      6.1 كان فقط ما لا يتسع له الإدراك.
                      7.1 وعلى اللاإدراك رفرفت الآلهة غير عالمة بنفسها وقوتها، مذكرة ومؤنثة.
                      8.1 في ذاك الأزل، كانت أيضا النفحات المفتقدة للضوء المحتاجة للحياة، فيها شكلها اللذي سيخرج لاحقا الى النور.
                      9.1 لكن ما من شئ كان يعرف ذاته، يعرف بالشجر أو الورود و الأخاديد، ما من شئ كان يعرف بسمك الماء و طيور الهواء، لا بألأيليو والأينجي، ولا بالشياطين.
                      10.1 رفرفت الآلهة في كل مكان، تلك القوى القادرة على كل شئ في دورات اللازمان الأبدي.
                      11.1 قبل البدء كان الكل في نوم عميق، غير عالم بذاته وبما سيؤول اليه.
                      12.1 الآلهة وحدها رفرفت على سطح بحر اللاوجود.
                      13.1 لأن الواحد هو الكل وهذا الكل موجود في كل مكان، هو النسمة والإعصار، المنبثق من الذات الإلهية.
                      14.1 ولأن أحد هذه النفحات المفتقدة للضوء والمجئ للحياة، طال انتظاره كثيرا فبدأ بالتموج.
                      15.1 وهكذا جاء المتموج بذاته الشبيه بالالهة، اللذي فيه الذات الالهية.
                      16.1 وهو أيل اللذي كان عليه أن يصبح الأيل رب الأعالي.
                      17.1 لأن الالهة المؤنثة والمذكرة اجتمعت في شخصه و توحدت بذاته.
                      18.1 وهكذا كان البدء.
                      19.1 ومع وحدة الاثنين نشأت فوضى كبيرة، وولدت أشياء كثيرة، منها الخير والنور كذلك الشر والظلمات.

                      20.1 نتيجة ذاك كله كان النور و الظلام، النار والجليد، القبول والرفض، المكان والزمان.
                      21.1 وحدث أن ظهرت احدى النفحات المفتقدة للنور، نفحة مميزة حصلت على الحياة نتيجة كل ذلك، تلك النفحة كانت أيل.
                      22.1 هو من أصبح الإله.
                      23.1 من اتحاد القوتين العلويتين شرب أيل القوة والنور، امتص في ذاته ما يمكن امتصاصه.
                      24.1 منذ تلك اللحظة كان الوحيد اللذي يمتلك المجد الالهي، هو الوحيد اللذي صار الها.
                      25.1 ولما تركته القوى العلوية، كي تكمل الدوران في رحلتها الأبدية.
                      26.1 بقي أيل إلها وحيدا على كل ما كان وسوف يكون؟
                      27.1 وهكذا كانت إلوهية أيل مأخوذة من القوى العلوية الغير محددة و الأزلية.
                      28.1 وفيها ترتاح إلى الأبد الإلوهية اللامتحولة، التي لا اسم لها، التي هي من ذاتها، وذاتها لا فناء له.
                      29.1 وما أن صار لأيل بصيرة، ورأى أنه صار الله ، حتى بدأ ينظم ما حوله؛
                      30.1 فصل المواد الخالصة المليئة بالنور إلى جهة، والماد الخشنة المظلمة إلى الجهة الأخرى، نظم الأشياء، جرب قوته الإلهية، وأصبح خالقا.
                      31.1 وخلق الله مملكة النور على مثاله.
                      32.1 عندما جرى ما جرى، وكل الأشياء التي لم تناسب مملكة الرب، جرى رميها خلف حدود اللاوجود الموجود،
                      33.1 أخذ الله كل النفحات المفتقدة للضوء إليه، نفخ فيها من ذاته الإلهية لتفيق.
                      34.1 وهكذا أعطى الله مملكته الحياة، أدخل كل خلقه ملكوته، وأعطاهم ما يلائم نوره الإلهي، كل الصفاء والخير والجمال.

                      35.1 انبثقت الحياة في ربوع ملكوت الله، نبات وحيوان، الأيليو و الأينجي – من الأينجي سيصير الإنسان ذات يوم- وتمتعوا بوعيهم المكتسب، والله كان راضيا عن كل شئ.
                      36.1 الشياطين وحدها تركت الملكوت الى اللامعلوم.
                      _________________

                      جاءتك الحروف ، فقالت لك : قل للأنس ،
                      جاءتك الحروف ، فقالت لك : قل للجن .
                      جاءتك الحروف ، فقالت لك : قل للملائكة .
                      وجاءتك الحروف، فقالت لك : قل لله ،
                      قل للحروف : إنما أنت
                      نص أيليو عشيرة
                      حرر الصفح
                      التعديل الأخير تم بواسطة زحل بن شمسين; الساعة 02-01-2018, 21:25.

                      تعليق

                      • حاتم سعيد
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 02-10-2013
                        • 1180

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة زحل بن شمسين مشاهدة المشاركة
                        القرطاجيون والايمان بالله ........كانوا على درجة عالية باللاهوت ووحدانية الخلق...
                        اليكم كتاب قرطاج المقدس:::

                        كتاب قرطاج المقدس ، لتاريخ مضى اكثر 2500 سنة.

                        كتاب قرطاج المقدس ، كان اللاهوت القرطاجي الذي يفسر للناس العرفان بخالق الاكوان …انه وثيقة تاريخية شاهدة على احداث الشرق القديم.؟!
                        ولكنه اختفى من متحف روما بالحرب العالمية الثانية 1945 ،، كان مكتوب على الواح من الرصاص واختفاؤه له ، انعكاس خطير على الوضع العالمي الحالي ؟؟!
                        ويُشك بان الصهيونية هي من سرقته؟! واخفته .؟!
                        حرر الصفح
                        مرحبا أخي العزيز
                        أشكرك جزيل الشكر على هذه المداخلة الرائعة..
                        سرق التاريخ ...هذا صحيح..
                        على مرّ العقود يقوم الغالبون في الحروب بإحراق المكتبات أو نهب محتوياتها لفسخ الذاكرة..وهذا ما حدث لقرطاج.
                        تحياتي

                        من أقوال الامام علي عليه السلام

                        (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                        حملت طيباً)

                        محمد نجيب بلحاج حسين
                        أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                        نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                        تعليق

                        يعمل...
                        X