في الموت والكلام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن لشهب
    أديب وكاتب
    • 10-08-2014
    • 654

    في الموت والكلام

    في الموت والكلام

    بدون سابق إنذار سكنت البيت المهجور فوق التلة المطلة على القرية . بيت نسجت حوله حكايات من نسيج خيال عاشقي الكلام وتسيد جلسات السمر ...
    وقتها فغر من شاهدها فاه مندهشا ، لم يعتد الناس رؤية كائن بهذه الضخامة في بلدة تعاني الفقر ونقص التغذية . تتحرك مثل محاربي رياضة السومو ،حركات متثاقلة لمسافة قصيرة وسرعان ما يتصبب جبينها عرقا تتلاحق أنفاسها كأنها توشك على الهلاك ...فتبادر النسوة لنجدتها ومساعدتها على الجلوس بأقرب مكان ...
    مع مرور الأيام احتلت المرأة موقعها بين الناس وشغل صوتها ما قدر له من مساحة في فضاء القرية بين جميع السكان.
    بعضهم أشفق لحالها واعتبرها طيبة يثير وضعها الشفقة وآخرون اعتبروها ضعيفة حد الرحمة وهي غريبة في كل الأحوال والأولى معاملتها بالحسنى واحترام قواعد الضيافة التي ميزت القرية عبر التاريخ... فاجتهدوا ما استطاعوا لمدها بكميات من الطعام رغم قلة ذات اليد ، أما لدى الكثيرين فهي شريرة تتنفس قدر ما يصدر عنها من شتائم وما تسببه من خصام ومشاحنات على مدار الأيام ، حتى صارت موضوعا للتندر عند الكبار والصغار. يحلو للأطفال إزعاجها و تشبيه ما تحتذيه بسيارتين تحملان دبابة ويستمتع من أراد إيذاءها من الناس فيناديها بالفيلة الهائجة…
    عيناها بالكاد تظهران غارقتين وراء خطين أسودين فوق وجنتين منتفختين، وكلما صوبتهما في اتجاه معين تبدو وكأنها تشحن سلاحا لسحق الهدف الذي أثار حنقها.
    والواقع هو أن كل شيء كان عندها مصدرا للحنق وسببا لغضب ينبعث من صدرها العريض الذي غرق ثدياها بين ثناياه وكتله الدهنية...احتارالناس في معرفة أصلها وفصلها .لكن الحيرة الكبرى تكمن في فهم طبيعة مزاجها واختيار
    أنسب أسلوب لمعاملتها وتجنب تقلباتها المزاجية…
    ينطلق لسانها كالرشاش الأوتوماتيكي يقذف مئات الكلمات في الثانية الواحدة مع ارتجاج ملحوظ لبطنها المنفوخ وانتفاخ لأرنبتي أنفها كمنفاخ ليفسحا المجال لأنفاسها المتدفقة كعجل الكوريدا ..
    وتتكلم...
    تريد أن تتكلم ولا يتكلم أحد ، كأن الكلام غنيمة لها دون كل الناس ...
    تتكلم لتقتل الصمت الذي يحيط بها ، وقد فرغ فضاؤها من كل الناس..تتكلم لسحق رعبها وهلعها من صمت مدمر لروحها الهائجة ، لخنق الخوف الذي يلفها لو صمت العالم ..
    تتكلم لخوفها من الموت
    وربما حتى من الحياة
    ، لا تتذكر من الأصدقاء إلا النساء، فالنساء غاليات
    والأطفال شياطين كاسحة مدمرة ، أما الرجال فمجرد جذوع نخل خاوية ووجوه كالحة للاشمئزاز مثيرة. ولم تعوزها الحكايات لتأكيد ذلك في كل وقت وحين.
    تتكلم حتى لم يعد يأبه لها الناس ، صار صوتها جزءا من ملوثات الفضاء السمعي ، مثله مثل أبواق السيارات ، وحرفيي الحارات ، وأشرطة الأغاني وأصوات الباعة من فوق العربات..
    لحظة اليقظة إعلان حرب على الصمت و السكون ، تفتح فمها كالمسدس ، تترصد كل موجة ضعيفة أو متوسطة لترديها قتيلة، فمها فرن لكلمات تسجنها بالليل ولا تطلقها إلا في الصباح ، ملتهبة حارقة كلهب النابالم ….
    تتحدث مع الزوار والجيران والباعة والمارة :عن البيت ، عن ابن هجرها ، عن زوج غامرت من أجله بحياتها فرماها كخرقة بالية ، تتحدث عن الوجع والوحدة والخوف من الموت وحيدة ،عن الأفلام ، وآخر الوصفات ، عن كتب لم تقرأها مكتفية بما روي عنها ..تعرف أسماء المؤلفين والساسة ورجال المال وكبار المخرجين والشعراء ولاعبي كرة القدم ، تعرف آخر لباس لشاروخان وما روته جريدتا لوموند والإكبريس ولوباريزيان ….
    تعشق الحديث عن نفسها في مواقف شتى مع كبار الأساتذة والساسة حتى .تتحدث عن الصحافة
    والمسرح وتدني الأخلاق والشعر والقيم في المدن والقرى ، عما اختزنه صدرها من حقد على الرجال عن أيام الزمن الجميل الذي انقضى معه كل شيء ….
    تساءل الناس واحتاروا من أين لها كل هذه المعارف وأين تعلمت هذه الأشياء.
    ولم تعد المشكلة في الكلام
    بل في صمتها ، فما أقسى أن يصاب الإنسان بداء الكلام! . وكذلك كان لم تصمت المرأة حتى سقطت ذات يوم جثة هامدة وحيدة ببيتها بلا معين كحيوان مريض أو جثة عافها الأهل وأنكرها المقربون .
    لم يدرك أحد غيابها إلا حينما ساد الصمت وتمكن الأطفال من اللعب دون أن يسمعوا تأنيبها ،لم يكن هناك في ذلك الصباح صخب ولا صياح… وساد حوالي البيت صمت جنائزي فأدرك الناس حقيقة ما جرى ولاح...
    شهدت البلدة جنازة مهيبة لم يتخلف عن حضورها إلا من واجه عائقا لم يكن في الحسبان.
    مع غيابها سادت القرية موجة حزن ووحشة وتألم الناس لغياب امرأة حياتها كانت لغزا وكذلك بعد الوفاة، امرأة شكلت جزءا من حياة كانت تسير على إيقاع الشكوى والكلام.


    حسن لشهب
  • الهويمل أبو فهد
    مستشار أدبي
    • 22-07-2011
    • 1475

    #2
    الأستاذ لشهب:

    لك قدرة عجيبة على الرسم بالكلمات
    وتظهر الصورة واضحة ومتحركة حتى
    في التصوير الكاركتيري الذي يجعل
    القبيح مقبولا. لم أر أحدا يبني الـGrotesque
    بهذا التجسد الناطق

    كانت القراءة ممتعة

    تحياتي

    تعليق

    • حسن لشهب
      أديب وكاتب
      • 10-08-2014
      • 654

      #3
      الأستاذ فهد
      سررت بمرورك وتعليقك المفيد.
      دعني أعترف أيضا أنني لم أكن أعرف أن le grotesque هو تيار فني قائم الذات ، وقد قمت بزيارة للعم غوغل فأفادني بما كان الفضل لك بالإشارة إليه.
      المهم أنا كاتب أجرب كل الأساليب الممكنة للكتابة ، ولا شك أنك تعلم أستاذي الكريم أن كل موضوع يحتاج إلى أسلوب معالجة يلائمه ومن خلاله يحقق الكاتب غرضه.
      شكرا للإفادة.
      احترامي وتقديري .
      كن بخير أستاذي.

      تعليق

      • حسن لشهب
        أديب وكاتب
        • 10-08-2014
        • 654

        #4
        لله في خلقه شؤون

        تعليق

        • نورالدين لعوطار
          أديب وكاتب
          • 06-04-2016
          • 712

          #5
          أهلا بكم أستاذي حسن لشهب

          أعجبتني قصّة هذه السيدة الضخمة
          كما أعجبني قلمك الذي رسمها على الطريقة التي ظهرت بها.
          جاءت وذهبت وتركت القرية يجتاحها الألم
          إمرأة ربما تعبر عن القرية ذاتها حيث الطعام القليل و الصخب الوفير
          رغم أنّني أحس رمزية ما للقصة
          فظاهرها لوحده عالج الكثير من المواقف الحاتية.
          تحيتي

          تعليق

          • فوزي سليم بيترو
            مستشار أدبي
            • 03-06-2009
            • 10949

            #6
            لوحة مرسومة بإتقان كما تفضل أستاذنا الهويمل أبو فهد
            وأضيف إن جاز لي ذلك ، أن تلك " المرأة " هي تاريخ لوطن
            لها ما لها وعليها ما عليها .
            دائما مع أخي حسن لشهب أحلّق
            تحياتي
            فوزي سليم

            تعليق

            • حسن لشهب
              أديب وكاتب
              • 10-08-2014
              • 654

              #7
              أخي نور الدين
              شكرا لاهتمامك ومتابعتك وحسن تقبلك للنص.
              مؤكد أن لكل كتابة قصدية وغاية لا يفصح عنها صاحبها ولكن القاريء أيضا توجهه عناصر تأويلية هامة تغني الكتابة وتعيد بناءها ضمن سياقات معينة.
              شكرا أستاذي وصديقي المحترم

              تعليق

              • حسن لشهب
                أديب وكاتب
                • 10-08-2014
                • 654

                #8
                تحيتي أخي نور الدين
                مؤكد أن لكل كتابة قصدية تتغياها بما أنها تعبير عن وعي ما بالعالم ،وبالتالي لا يمكن إغفال هذه القصدية وشكلها التعبيري بوصفه يندرج ضمن نظام رمزي ما .
                وبالقدر نفسه من الحرية التي للكاتب يحتفظ للناقد بحقه في التأويل والفهم .
                أليس الإنسان كائنا رامزا كما أشار إلى ذلك إرنست كاسيرر وعلى هذا النحو لا نفهم حضوره في العالم إلا بتفسير الانظمة الرمزية التي ينتجها .
                شكرا لحضورك وقراءتك النبيهة .
                كن بخير يا سيدي.
                التعديل الأخير تم بواسطة حسن لشهب; الساعة 27-11-2017, 06:18.

                تعليق

                • حسن لشهب
                  أديب وكاتب
                  • 10-08-2014
                  • 654

                  #9
                  أخي سليم فوزي
                  إذا جاز أن افهم ما ترمي إليه أستاذي المحترم تقصد باللوحة ما يسميه النقاد بالبورتريه ...هذا الأمر يشترك فيه الرسام والنحات والكاتب ولكل أدواته التعبيرية لرسم الشخصية لونا أو مادة نحتية ...أو وصفا بواسطة اللغة وهو ما يهمنا هنا .
                  أشكر لك اهتمامك وكلماتك الطيبة
                  ملحوظة :
                  لي مقالة عن فن البورتريه منشورة بقسم الدراسات النقدية لو أردت معرفة المزيد عن تصوري لهذا الموضوع.
                  كن بخير صديقي

                  تعليق

                  • شيرين حسن يوسف
                    أديب وكاتب
                    • 09-09-2015
                    • 29

                    #10
                    الأديب الراقي حسن لشهب
                    هنا حاولت إلتقاط أنفاسي من بين التفاصيل ولكن روعة الأسلوب والسرد سحبتني بكامل إرادتي لمتابعة الركض خلف حقيقة هذه المرأة وتبقى المرأة هي احجية العالم والإنسانية المراة الحلم والكتاب والمدرسة والمرض والوحشة
                    دمت رائعا ودام قلمك نابضا ً بالإنسانية

                    تعليق

                    • حسن لشهب
                      أديب وكاتب
                      • 10-08-2014
                      • 654

                      #11
                      الأستاذة شيرين
                      سعيد بتقبلك الإيجابي للنص وبكرم مرورك.
                      تحياتي

                      تعليق

                      يعمل...
                      X