في الموت والكلام
بدون سابق إنذار سكنت البيت المهجور فوق التلة المطلة على القرية . بيت نسجت حوله حكايات من نسيج خيال عاشقي الكلام وتسيد جلسات السمر ...
وقتها فغر من شاهدها فاه مندهشا ، لم يعتد الناس رؤية كائن بهذه الضخامة في بلدة تعاني الفقر ونقص التغذية . تتحرك مثل محاربي رياضة السومو ،حركات متثاقلة لمسافة قصيرة وسرعان ما يتصبب جبينها عرقا تتلاحق أنفاسها كأنها توشك على الهلاك ...فتبادر النسوة لنجدتها ومساعدتها على الجلوس بأقرب مكان ...
مع مرور الأيام احتلت المرأة موقعها بين الناس وشغل صوتها ما قدر له من مساحة في فضاء القرية بين جميع السكان.
بعضهم أشفق لحالها واعتبرها طيبة يثير وضعها الشفقة وآخرون اعتبروها ضعيفة حد الرحمة وهي غريبة في كل الأحوال والأولى معاملتها بالحسنى واحترام قواعد الضيافة التي ميزت القرية عبر التاريخ... فاجتهدوا ما استطاعوا لمدها بكميات من الطعام رغم قلة ذات اليد ، أما لدى الكثيرين فهي شريرة تتنفس قدر ما يصدر عنها من شتائم وما تسببه من خصام ومشاحنات على مدار الأيام ، حتى صارت موضوعا للتندر عند الكبار والصغار. يحلو للأطفال إزعاجها و تشبيه ما تحتذيه بسيارتين تحملان دبابة ويستمتع من أراد إيذاءها من الناس فيناديها بالفيلة الهائجة…
عيناها بالكاد تظهران غارقتين وراء خطين أسودين فوق وجنتين منتفختين، وكلما صوبتهما في اتجاه معين تبدو وكأنها تشحن سلاحا لسحق الهدف الذي أثار حنقها.
والواقع هو أن كل شيء كان عندها مصدرا للحنق وسببا لغضب ينبعث من صدرها العريض الذي غرق ثدياها بين ثناياه وكتله الدهنية...احتارالناس في معرفة أصلها وفصلها .لكن الحيرة الكبرى تكمن في فهم طبيعة مزاجها واختيار
أنسب أسلوب لمعاملتها وتجنب تقلباتها المزاجية…
ينطلق لسانها كالرشاش الأوتوماتيكي يقذف مئات الكلمات في الثانية الواحدة مع ارتجاج ملحوظ لبطنها المنفوخ وانتفاخ لأرنبتي أنفها كمنفاخ ليفسحا المجال لأنفاسها المتدفقة كعجل الكوريدا ..
وتتكلم...
تريد أن تتكلم ولا يتكلم أحد ، كأن الكلام غنيمة لها دون كل الناس ...
تتكلم لتقتل الصمت الذي يحيط بها ، وقد فرغ فضاؤها من كل الناس..تتكلم لسحق رعبها وهلعها من صمت مدمر لروحها الهائجة ، لخنق الخوف الذي يلفها لو صمت العالم ..
تتكلم لخوفها من الموت
وربما حتى من الحياة
، لا تتذكر من الأصدقاء إلا النساء، فالنساء غاليات
والأطفال شياطين كاسحة مدمرة ، أما الرجال فمجرد جذوع نخل خاوية ووجوه كالحة للاشمئزاز مثيرة. ولم تعوزها الحكايات لتأكيد ذلك في كل وقت وحين.
تتكلم حتى لم يعد يأبه لها الناس ، صار صوتها جزءا من ملوثات الفضاء السمعي ، مثله مثل أبواق السيارات ، وحرفيي الحارات ، وأشرطة الأغاني وأصوات الباعة من فوق العربات..
لحظة اليقظة إعلان حرب على الصمت و السكون ، تفتح فمها كالمسدس ، تترصد كل موجة ضعيفة أو متوسطة لترديها قتيلة، فمها فرن لكلمات تسجنها بالليل ولا تطلقها إلا في الصباح ، ملتهبة حارقة كلهب النابالم ….
تتحدث مع الزوار والجيران والباعة والمارة :عن البيت ، عن ابن هجرها ، عن زوج غامرت من أجله بحياتها فرماها كخرقة بالية ، تتحدث عن الوجع والوحدة والخوف من الموت وحيدة ،عن الأفلام ، وآخر الوصفات ، عن كتب لم تقرأها مكتفية بما روي عنها ..تعرف أسماء المؤلفين والساسة ورجال المال وكبار المخرجين والشعراء ولاعبي كرة القدم ، تعرف آخر لباس لشاروخان وما روته جريدتا لوموند والإكبريس ولوباريزيان ….
تعشق الحديث عن نفسها في مواقف شتى مع كبار الأساتذة والساسة حتى .تتحدث عن الصحافة
والمسرح وتدني الأخلاق والشعر والقيم في المدن والقرى ، عما اختزنه صدرها من حقد على الرجال عن أيام الزمن الجميل الذي انقضى معه كل شيء ….
تساءل الناس واحتاروا من أين لها كل هذه المعارف وأين تعلمت هذه الأشياء.
ولم تعد المشكلة في الكلام
بل في صمتها ، فما أقسى أن يصاب الإنسان بداء الكلام! . وكذلك كان لم تصمت المرأة حتى سقطت ذات يوم جثة هامدة وحيدة ببيتها بلا معين كحيوان مريض أو جثة عافها الأهل وأنكرها المقربون .
لم يدرك أحد غيابها إلا حينما ساد الصمت وتمكن الأطفال من اللعب دون أن يسمعوا تأنيبها ،لم يكن هناك في ذلك الصباح صخب ولا صياح… وساد حوالي البيت صمت جنائزي فأدرك الناس حقيقة ما جرى ولاح...
شهدت البلدة جنازة مهيبة لم يتخلف عن حضورها إلا من واجه عائقا لم يكن في الحسبان.
مع غيابها سادت القرية موجة حزن ووحشة وتألم الناس لغياب امرأة حياتها كانت لغزا وكذلك بعد الوفاة، امرأة شكلت جزءا من حياة كانت تسير على إيقاع الشكوى والكلام.
حسن لشهب
بدون سابق إنذار سكنت البيت المهجور فوق التلة المطلة على القرية . بيت نسجت حوله حكايات من نسيج خيال عاشقي الكلام وتسيد جلسات السمر ...
وقتها فغر من شاهدها فاه مندهشا ، لم يعتد الناس رؤية كائن بهذه الضخامة في بلدة تعاني الفقر ونقص التغذية . تتحرك مثل محاربي رياضة السومو ،حركات متثاقلة لمسافة قصيرة وسرعان ما يتصبب جبينها عرقا تتلاحق أنفاسها كأنها توشك على الهلاك ...فتبادر النسوة لنجدتها ومساعدتها على الجلوس بأقرب مكان ...
مع مرور الأيام احتلت المرأة موقعها بين الناس وشغل صوتها ما قدر له من مساحة في فضاء القرية بين جميع السكان.
بعضهم أشفق لحالها واعتبرها طيبة يثير وضعها الشفقة وآخرون اعتبروها ضعيفة حد الرحمة وهي غريبة في كل الأحوال والأولى معاملتها بالحسنى واحترام قواعد الضيافة التي ميزت القرية عبر التاريخ... فاجتهدوا ما استطاعوا لمدها بكميات من الطعام رغم قلة ذات اليد ، أما لدى الكثيرين فهي شريرة تتنفس قدر ما يصدر عنها من شتائم وما تسببه من خصام ومشاحنات على مدار الأيام ، حتى صارت موضوعا للتندر عند الكبار والصغار. يحلو للأطفال إزعاجها و تشبيه ما تحتذيه بسيارتين تحملان دبابة ويستمتع من أراد إيذاءها من الناس فيناديها بالفيلة الهائجة…
عيناها بالكاد تظهران غارقتين وراء خطين أسودين فوق وجنتين منتفختين، وكلما صوبتهما في اتجاه معين تبدو وكأنها تشحن سلاحا لسحق الهدف الذي أثار حنقها.
والواقع هو أن كل شيء كان عندها مصدرا للحنق وسببا لغضب ينبعث من صدرها العريض الذي غرق ثدياها بين ثناياه وكتله الدهنية...احتارالناس في معرفة أصلها وفصلها .لكن الحيرة الكبرى تكمن في فهم طبيعة مزاجها واختيار
أنسب أسلوب لمعاملتها وتجنب تقلباتها المزاجية…
ينطلق لسانها كالرشاش الأوتوماتيكي يقذف مئات الكلمات في الثانية الواحدة مع ارتجاج ملحوظ لبطنها المنفوخ وانتفاخ لأرنبتي أنفها كمنفاخ ليفسحا المجال لأنفاسها المتدفقة كعجل الكوريدا ..
وتتكلم...
تريد أن تتكلم ولا يتكلم أحد ، كأن الكلام غنيمة لها دون كل الناس ...
تتكلم لتقتل الصمت الذي يحيط بها ، وقد فرغ فضاؤها من كل الناس..تتكلم لسحق رعبها وهلعها من صمت مدمر لروحها الهائجة ، لخنق الخوف الذي يلفها لو صمت العالم ..
تتكلم لخوفها من الموت
وربما حتى من الحياة
، لا تتذكر من الأصدقاء إلا النساء، فالنساء غاليات
والأطفال شياطين كاسحة مدمرة ، أما الرجال فمجرد جذوع نخل خاوية ووجوه كالحة للاشمئزاز مثيرة. ولم تعوزها الحكايات لتأكيد ذلك في كل وقت وحين.
تتكلم حتى لم يعد يأبه لها الناس ، صار صوتها جزءا من ملوثات الفضاء السمعي ، مثله مثل أبواق السيارات ، وحرفيي الحارات ، وأشرطة الأغاني وأصوات الباعة من فوق العربات..
لحظة اليقظة إعلان حرب على الصمت و السكون ، تفتح فمها كالمسدس ، تترصد كل موجة ضعيفة أو متوسطة لترديها قتيلة، فمها فرن لكلمات تسجنها بالليل ولا تطلقها إلا في الصباح ، ملتهبة حارقة كلهب النابالم ….
تتحدث مع الزوار والجيران والباعة والمارة :عن البيت ، عن ابن هجرها ، عن زوج غامرت من أجله بحياتها فرماها كخرقة بالية ، تتحدث عن الوجع والوحدة والخوف من الموت وحيدة ،عن الأفلام ، وآخر الوصفات ، عن كتب لم تقرأها مكتفية بما روي عنها ..تعرف أسماء المؤلفين والساسة ورجال المال وكبار المخرجين والشعراء ولاعبي كرة القدم ، تعرف آخر لباس لشاروخان وما روته جريدتا لوموند والإكبريس ولوباريزيان ….
تعشق الحديث عن نفسها في مواقف شتى مع كبار الأساتذة والساسة حتى .تتحدث عن الصحافة
والمسرح وتدني الأخلاق والشعر والقيم في المدن والقرى ، عما اختزنه صدرها من حقد على الرجال عن أيام الزمن الجميل الذي انقضى معه كل شيء ….
تساءل الناس واحتاروا من أين لها كل هذه المعارف وأين تعلمت هذه الأشياء.
ولم تعد المشكلة في الكلام
بل في صمتها ، فما أقسى أن يصاب الإنسان بداء الكلام! . وكذلك كان لم تصمت المرأة حتى سقطت ذات يوم جثة هامدة وحيدة ببيتها بلا معين كحيوان مريض أو جثة عافها الأهل وأنكرها المقربون .
لم يدرك أحد غيابها إلا حينما ساد الصمت وتمكن الأطفال من اللعب دون أن يسمعوا تأنيبها ،لم يكن هناك في ذلك الصباح صخب ولا صياح… وساد حوالي البيت صمت جنائزي فأدرك الناس حقيقة ما جرى ولاح...
شهدت البلدة جنازة مهيبة لم يتخلف عن حضورها إلا من واجه عائقا لم يكن في الحسبان.
مع غيابها سادت القرية موجة حزن ووحشة وتألم الناس لغياب امرأة حياتها كانت لغزا وكذلك بعد الوفاة، امرأة شكلت جزءا من حياة كانت تسير على إيقاع الشكوى والكلام.
حسن لشهب
تعليق