تمـــــــــــــــثال وبندقية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    تمـــــــــــــــثال وبندقية

    تمثال وبندقية

    ساحة مكتظة بالصراخ، نظرات عشوائية يوزعها المارة عليه، هناك أمام مسرح المدينة يقف بشموخه المعهود متحديا ضوضاء وضجيج المدينة.
    ريح ثرثارة، وأعجاز نخل مرتبة بملل على الرصيف.
    وسرب أطفال يعبثون بالقرب منه، غير مبالين به، يحملون ألواحا خشبية، يصوبونها نحو بعضهم، يتخيلونها أسلحة.
    هو الآخر يحمل سلاحا إسمنتيا، يعبث به أحيانا ولكنه مطلقا لم يتخل عنه.
    بثبات وثقة كان ينظر بعيدا، يثقب بنظراته الجدران والطرقات، كمن يبحث عن سر خلفها وربما يفكر في قضية تؤرقه.
    يركض الأطفال حوله، وهم يحدثون أصواتا حربية بأفواههم الطرية، يتخيلون المكان ساحة لمعركة قاسية، هو الآخر يخوض معركته مع ذاكرته.
    للأماكن ذاكرة قوية، وحدها من تحفظ حماقاتنا.
    انتبه لطفل اختبأ خلفه، وهو يطلق رصاصاته نحو أصدقائه، لوهلة كاد يساعده، يشبه هذا الفتى صديقه عمار، عمار صديق البطولات والكفاح.
    خلفهم كان فتى آخر يتسلل نحوهما.
    أراد أن ينبهه:
    -خلفك.
    كيف لطفل أن يسمع تمثالا؟
    -إنه يلقم بندقيته.
    كيف لألواح خشبية أن تحدث ضجيج أسلحة، فيسمعها طفل برئ.
    -عمار، خلفك العدو...
    هناك في المعركة كان جنود الاحتلال أمامهما، خلف الأشجار يختبئان من رصاصات العدو، ولأنهما يعرفان المكان جيدا فقد اختارا جيدا مكان المعركة.
    دوما تتحالف الأماكن مع أصحابها ضد الدخلاء، للأماكن ذاكرة قوية ووفاء نادر.
    واصل الطفل المقاومة وهو يتصيد خصومه، يتساقطون أمامه.
    عمار أيضا كان قناصا بارعا، وهو يقتنص جنود العدو ببراعة.
    كيف للحياة أن تنصب له كمينا آخر ضد ذاكرته، وهي تختبر صبره الاسمنتي.
    -إنه يصوب بندقيته نحوك.
    الطفل في خياله يعبث، وخلفه تعبث الحياة به، وهي تحضر كمينا صادما.
    يتعثر التمثال في ذاكرته، عندما رآى صديقه عمار مصابا في ظهره برصاصة غادرة، بحث عن الماسورة التي أطلقت حقدها نحو ظهر صديقه.
    -العدو دوما يختبئ في الأماكن الآمنة، خلفك تماما حيث يستند ظهرك.
    تفادى الطفل الرصاصة الأولى برشاقة، والثانية كانت قريبة من رأسه، ولكنها أصابت التمثال في قدمه.
    مرة أخرى تستيقظ أحزانه، عندما سقط صديقه بين يديه، وهو يتألم، كان ألما عميقا، لأنه كان في ظهره.
    أراد أن يسدد نحو الطفل الذي كان يتسلل نحوهما، ولكنه مرة أخرى عجز عن إنقاذ عمار.
    تتكرر المأساة في الحياة بطريقة غريبة ومؤلمة.
    انطلقت الرصاصة الثالثة بسرعة فائقة، حامت فوقهما، سخرت قليلا منه، وهي تتجهز لاختراق جسد الطفل.
    حاول حمايته، كاد يكسر الاسمنت، ولكنه عجز، لأن من صنع تمثاله كان غبيا، وربما ماكرا حتى ينجز مشهدا متكررا لمأساته.
    عندما نريد التخلص من بطل نصنع له تمثالا، أو نطلق اسمه على ميدان فيضيع في زحمة الحياة.
    وربما يصبح مجرد نقبا تذكاريا، يلتقط عنده السياح الصور، وفي أحسن الحالات يمارس عنده العشاق حماقاتهم.
    مزقت الرصاصة جسد الطفل، سقط عند قدميه، سقوطه كان مدويا في ذاكرته.
    -عمار.
    عمار لم يقل إلا: سننتصر عندما نتخلص من الخونة..
    -هل رأيته؟
    - إنه الوهم والخرافة يا صديقي.
    -أخبرني أرجوك
    -الجهل والخوف الذي يعشش فينا.
    -عمار، عمار....عمار لا ترحل..
    أراد أن ينحني ليحمل الطفل ولكنه دوما يعجز في مهامه.
    عجز مع عمار، وعجز عندما قبلته رصاصة طائشة من رصاصات العدو، عجز أن يعلن رفضه لنصبه تمثالا في وسط المدينة.
    واليوم يعجز في إنقاذ طفل، ويعجز في إقامة جنازة تليق به.
    قام الطفل وهو يبتسم في وجه صديقه: ماكر حقا أنت.
    خبأ الأطفال أسلحتهم قرب التمثال وانصرفوا نحو منازلهم.
    وحده هناك بقي بثباته المعهود يحرس المكان، وهو يحضر للغد؛ للمعركة، ربما يرسم معالمها عكس ذاكرته.
    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها
  • عمار عموري
    أديب ومترجم
    • 17-05-2017
    • 1300

    #2
    من أروع ما قرت للقاص عبد الرزاق بسباس
    قصة لها إسقاطات رمزية صائبة
    سرد وأسلوب متحكم فيهما بدقة عالية.

    تعليق

    • حسن لشهب
      أديب وكاتب
      • 10-08-2014
      • 654

      #3
      اهلا بالأستاذ بسباس
      جميل هذا الحكي المتنامي بسلاسة وهذا الإسقاط الذكي للماضي على الحاضر ، ماضي الطفولة لقراءة واقع الاحتلال
      والحاجة للمقاومة وتكريس قيم التضحية والشجاعة.
      شكرا لإبداعك الجميل

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        من أجمل ماقرأت ل بسباس
        الله كم كنت عملاقا هنا اليوم
        رائع هذا النص بكل معنى للكلمة
        أحسست وكأني أنا كنت التمثال الواقف بكل صمود كما في أرض المعركة
        أنت أديب رائع بسباس
        وهذه الجملة أرهبتني
        لأنها حكت قصة الحقيقة والأماكن
        دوما تتحالف الأماكن مع أصحابها ضد الدخلاء، للأماكن ذاكرة قوية ووفاء نادر.
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • أميمة محمد
          مشرف
          • 27-05-2015
          • 4960

          #5
          تقمص دور التمثال لإسقاط الوضع على التماثيل البشرية التي لا تستطيع فعل شيء لافت!
          في النص إسقاط بديع لعجز تعيشه أصنامنا! حين تتوقف الحياة ويتقلص النمو، فتتعايش كالتمثال المسمر في الساحة مع الوضع بالقرب من مسارح المدينة ومشاهدها المتكررة ولما يتكلم لا يسمعه أحد

          "عندما نريد التخلص من بطل نصنع له تمثالا، أو نطلق اسمه على ميدان فيضيع في زحمة الحياة.
          وربما يصبح مجرد نقبا تذكاريا، يلتقط عنده السياح الصور،..."
          يعجبني اختزالك للأفكار في تعابير منمقة وقوية.. وبالإضافة لقدرتك الأدبية حمّلت النص قراءة للأحداث المتداعية.. وهذا إنجاز
          شكرا لك الأديب بسباس عبدالرازق.

          تعليق

          • البكري المصطفى
            المصطفى البكري
            • 30-10-2008
            • 859

            #6
            جميل هذا النص ؛بحمولته الرمزية؛ وكثافة معناه ؛وطريقته في تصوير المشاهد السردية التي تجعل القارئ يعقد الصلة بين الشهد الحربي في عالم الاطفال والمشهد الواقعي المنسي في عالم الكبار؛ المنحوث في الذاكرة برمز التمثال؛ لكن لمَ كانت الثماثيل العربية كلها عنترية ؟ الذاكرة العربية ذات ترسيب لمعاني البطولة الحربية؛ وفي الخلفية بطولات منسية ؛ بطولات الإبداع ؛ والاختراع ؛ والقفز العلوي في مسار العلوم ... لعل النكبات زادت طعم التشويق الى العنترية ؛ لكن التحدي له فجاج منسية قد لا تخطر على بال..
            أخي بسباس كنت موفقا في تحريك المعاني

            مودتي.

            تعليق

            • بسباس عبدالرزاق
              أديب وكاتب
              • 01-09-2012
              • 2008

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عمار عموري مشاهدة المشاركة
              من أروع ما قرت للقاص عبد الرزاق بسباس
              قصة لها إسقاطات رمزية صائبة
              سرد وأسلوب متحكم فيهما بدقة عالية.
              أستاذي الراقي عمار العموري
              سعيد أن النص نال من ذائقتك

              تشجيع يدفعني قدما نحو الأفضل إن استطعت
              محبتي
              السؤال مصباح عنيد
              لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25791

                #8
                لم أر هنا أكثر من براءة الصغار
                التي أهدرت كبرياء التماثيل و عرت بطريقتها العفوية
                بؤس الماضي و ضلالاته
                الأطفال أكثر صدقا و تعرية
                و بلا منطق وتفلسف تصل اللب و ما يحوي !

                نص يحمل انقلابة في الوعي
                ربما تطورا أو اهدارا .. سيان الأمر
                لكن الأيام على قدر ما تعطي تأخذ
                و الوعي على قدر اكتماله يعطي قبولا أو رفضا و ربما اسقاطا !

                هو من نصوصك الجميلة
                فرحت به كثيرا حين قرأته هناك
                لأعود لقراءته هنا ... شكرا صديقي الحبيب !
                sigpic

                تعليق

                • فوزي سليم بيترو
                  مستشار أدبي
                  • 03-06-2009
                  • 10949

                  #9
                  هي حالة أنسنة للتمثال
                  لا ليست أنسنة إنه بالفعل عائش ، الذي يموت فداء للوطن
                  لا يموت ، تظل ذكراه حاضرة وملهمة .
                  أستاذ بسباس أحسنت وشكرا لك
                  فوزي سليم

                  تعليق

                  • عبير هلال
                    أميرة الرومانسية
                    • 23-06-2007
                    • 6758

                    #10
                    نص بديع
                    جعلني أشعر أننا كلنا تماثيل
                    نتفرج على الواقع المؤلم
                    بل نحملق ولا نتحرك قيد أنملة
                    من مكاننا لنسعف الموقف..
                    لو تحركنا بيد واحدة
                    بوحدة وطنية واحدة
                    بروح متألفة مع المحبة العميقة
                    بعيدا عن كل المصالح
                    فمن سيقدر علينا؟
                    من سيخيفنا ؟
                    نعم نحن قولبنا أنفسنا وجعلنا الجبن
                    والمصالح تتغلب علينا حتى غلبنا
                    ولا زالت الهزائم تطاردنا
                    لمواقفنا السلبية..
                    علنا نتعلم الدرس قبل فوات الاوان

                    دمت بابداع ينهمر كالغيث
                    sigpic

                    تعليق

                    • بسباس عبدالرزاق
                      أديب وكاتب
                      • 01-09-2012
                      • 2008

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة حسن لشهب مشاهدة المشاركة
                      اهلا بالأستاذ بسباس
                      جميل هذا الحكي المتنامي بسلاسة وهذا الإسقاط الذكي للماضي على الحاضر ، ماضي الطفولة لقراءة واقع الاحتلال
                      والحاجة للمقاومة وتكريس قيم التضحية والشجاعة.
                      شكرا لإبداعك الجميل
                      الأستاذ السي حسن لشهب

                      كثيرا اسعدني رايك بالنص
                      وردك الدافئ

                      تقديري ومحبتي
                      السؤال مصباح عنيد
                      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                      تعليق

                      • بسباس عبدالرزاق
                        أديب وكاتب
                        • 01-09-2012
                        • 2008

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                        من أجمل ماقرأت ل بسباس
                        الله كم كنت عملاقا هنا اليوم
                        رائع هذا النص بكل معنى للكلمة
                        أحسست وكأني أنا كنت التمثال الواقف بكل صمود كما في أرض المعركة
                        أنت أديب رائع بسباس
                        وهذه الجملة أرهبتني
                        لأنها حكت قصة الحقيقة والأماكن
                        دوما تتحالف الأماكن مع أصحابها ضد الدخلاء، للأماكن ذاكرة قوية ووفاء نادر.
                        شكرا أيتها الرائعة عائدة

                        نعم الجغرافية حصن الضعفاء عندما يخون الكبار أوطانهم
                        تمنحهم فرصة الحياة
                        فهم أكثر الناس قربا منها
                        تعرفهم وكل صباح يتبادلون التحية
                        وكثير من أمور

                        شرفني كثيرا رأيك بالنص

                        تقديري
                        السؤال مصباح عنيد
                        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                        تعليق

                        • ناريمان الشريف
                          مشرف قسم أدب الفنون
                          • 11-12-2008
                          • 3454

                          #13
                          القول الوحيد ل عمار فيه الحقيقة
                          عمار لم يقل إلا: سننتصر عندما نتخلص من الخونة..
                          نعم هذا سيحصل إن تخلصنا من الخونة
                          أقصوصتك رائعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى
                          أجدت وأبدعت
                          تحية
                          sigpic

                          الشـــهد في عنــب الخليــــل


                          الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                          تعليق

                          • ريما ريماوي
                            عضو الملتقى
                            • 07-05-2011
                            • 8501

                            #14
                            فعلا هنا تجلى الابداع بأجمل صوره، فهو أنطق الحجر الصلد حتى يضع إصبعه في عين عجزنا.
                            الخيانة والخونة السبب في تداعي الثقة بيننا.


                            استمتعت وتألمت مع التمثال وسعدت أن حرب الأطفال كانت وهميّة، تقديري.


                            أنين ناي
                            يبث الحنين لأصله
                            غصن مورّق صغير.

                            تعليق

                            • بسباس عبدالرزاق
                              أديب وكاتب
                              • 01-09-2012
                              • 2008

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة أميمة محمد مشاهدة المشاركة
                              تقمص دور التمثال لإسقاط الوضع على التماثيل البشرية التي لا تستطيع فعل شيء لافت!
                              في النص إسقاط بديع لعجز تعيشه أصنامنا! حين تتوقف الحياة ويتقلص النمو، فتتعايش كالتمثال المسمر في الساحة مع الوضع بالقرب من مسارح المدينة ومشاهدها المتكررة ولما يتكلم لا يسمعه أحد

                              "عندما نريد التخلص من بطل نصنع له تمثالا، أو نطلق اسمه على ميدان فيضيع في زحمة الحياة.
                              وربما يصبح مجرد نقبا تذكاريا، يلتقط عنده السياح الصور،..."
                              يعجبني اختزالك للأفكار في تعابير منمقة وقوية.. وبالإضافة لقدرتك الأدبية حمّلت النص قراءة للأحداث المتداعية.. وهذا إنجاز
                              شكرا لك الأديب بسباس عبدالرازق.
                              كالشمس تكون القراءة وهي ترسل بنورها على المناطق المكشوفة حتى تلك المناطق المحجوبة يصلها ضوء القراءة بفعل انعاكاسات الوعي

                              كثيرا سرني ردك ورؤيتك

                              تقديري أستاذتي أميمة
                              السؤال مصباح عنيد
                              لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                              تعليق

                              يعمل...
                              X