
وردة المساء المُريبة
اندفعتْ مرام غاضبة إلى داخل غرفتها : "ماذا تفعلين !!؟ ألم أمنعكِ
من دخول غرفتي دون علمي !!؟ هيا اخرجي بسرعة! اخرجي
قبل أن أقتلكِ! " هربت جيداء ذات السبع سنوات من أختها التي
تكبرها بعشرة أعوام، فأختها المُدللة تعيش سنوات مراهقتها، تحب أن
تشعر بشيء من الاستقلالية، لها غرفتها الخاصة رغم كثرة أخواتها في
البيت، لا تسمح لأحد بأن يمس حاجياتها، هي الآن الأخت
الأكبر هنا، وتسمح لنفسها بأن تتحكم بأخواتها الأصغر سناً.
كان ذاك المشهد يتكرر بين فترة وأخرى، وذاتَ مساءٍ في تمام الساعةِ
العاشرة، كانت مرام غاضبة جداً من أختها لأنها دخلتْ غرفتها، ووجدتْ
بين يديها شيئاً من أغراضها الخاصة، فجُنَّ جنونها وتسرَّعت ضربات قلبها
وهجمت على جيداء، فارتعبت من منظر أختها الحسناء التي تتحوّل إلى
مخلوق آخر كلما اعتراها الغضب، ركضت الصغيرة إلى خارج المنزل هذه
المرّة، فتحت الباب الخارجي بيدها الضعيفة، تتبعها صرخات مرام:
" تعالي إلى هنا! سأريكِ عندما تقعينَ بينَ يديّ ...." .
آثرتْ جيداء الخروج، فقد كان خوفها من أختها يفوق خوفها من العتمة،
ولكنّها حالما خرجتْ من باب الشقة إلى الشارع اصطدمتْ بشيءٍ ما....
رفعتْ رأسها ونظرت إلى الأعلى مذهولة، لترى أمامها امرأة فارعة الجسم،
بيضاء البشرة، ترتدي تنورة طويلة وعريضة، وجلباب واسع لا يُبدي إلا
وجهها، أسودٌ بأسود، ملامحها جامدة، تحملُ بيدها سلةً مملوءَةً
بشقائق النعمان الحمراء، حمراء كالدم..
وراء جيداء كانت تقف مرام بعلامات استفهام كثيرة تدور
في رأسها أنستْها غضبها الذي حلَّ محلّهُ الخوف.
"ماذا تفعلين يا ابنتي في هذا الوقت المتأخر من الليل!؟" قالت المرأة.
ردّتْ الصغيرة شاكية : "أختي تلحق بي تريد ضربي...و...."
" أما حرامٌ عليكِ أن تتصرفي هكذا مع أختك !؟ " قالت لمرام.
مرام لم تنطق بكلمة، حدقتاها المتسعتان كانتا تُفسّرا كل ما بداخلها.
توجّهتْ المرأة إلى الصغيرة قائلة: " تفضّلي يا ابنتي " والتقطتْ من سلّتها
وردة وقدّمَتْها إليها. أخذتْ جيداء الوردة وركضتْ هي وأختها
شاعرتين بالخوف الشديد مما حصل معهما..
هبطَ الصمتُ عليهما بضعة ثوانٍ بعد دخولهما للمنزل،
حتى عزمتا على إلقاء نظرة أخيرة إلى الشارع سويّاً.
"ما من أحد هنا" قالتْ مرام. "لقد اختفتْ.." ردّتْ جيداء.
عادتْ الصغيرة لاهثة إلى حيث تجلس أمها وإخوتها، التقطتْ أنفاسها ثم سردتْ
لهم ما حصل معها، وصفتْ لهم طول المرأة الغريب ولباسها الأسود الواسع
ووجها الأبيض الجامد وسلة الورود التي في يدها، ومرام تشاركُها في الوصف.
سيطر الخوف على جميع أفراد العائلة، قالتْ مرام لأمها: "هذا شيء غريب،
لِمَ ستمشي امرأة في هذا الوقت وتحمل وروداً؟ ، وأية امرأة بهذا الطول؟!
بل كيف ظهرتْ واختفتْ فجأة ؟! لماذا أعطت لجيداء وردة !؟؟ "
حاولتْ جيداء أن تستنشق عبير الزهرة لكنها لم تجدْ لها رائحة.
صرختْ مرام في وجهها: "أبعديها عن أنفك".
"أخشى أن الوردة مسحورة" قالتْ الأم "دعونا نتخلّص منها"
نادتْ جيداء خائفة: "أرجوكم! أنا لا أريد هذه الوردة، خذوها من يدي"
ابتعدَ الجميع!
"مرام أخبريني ماذا أفعل بها" ابتعدتْ مرام قائلة : "أبقيها في يدك قليلاً"
تابعتْ قائلة: " أين أضعها !!؟؟ حسناً، سأرميها في سلة القمامة "
" لا .. لن تفعلي" قالت مرام " يجب أن نتخلّص منها تماماً، إلى خارج المنزل،
تعالَيْ معي " قادتْ مرام أختها إلى الشرفة وقالتْ: "ارميها من هنا" فرمتها
دون تردّد، ثم نظرتا كلتاهما لتريا أين سقطتْ. "مساكين جيراننا، لقد سقطت
في منزلهم" قالتْ مرام. مشتْ الأختان ودخلتا البيت، ومرّتْ الأيام.
عائلات عديدة استأجرتْ ذاك البيت حيث سقطت الزهرة،
في البداية تزوجَ رجل وامرأة هناك، المرأة لم تنجب
أطفالاً على مدى أربع سنوات، زوجها كان عنيفاً، كان يضربها دائماً
ويهددها بالطلاق، بقيا على هذه الحال إلى أن طلقها وتزوّجَ بأخرى، الأُخرى
أيضاً لم تنجب أطفالاً، سنوات قليلة وكان مصيرها الطلاق، شاء القدر
أن ينتقل لبيت جديد ويتزوج بثالثة، حدث بعدها أن رُزِقَ بأطفالٍ كُثر!
اليوم ... مرام وجيداء لا تُحدّثان بعضهما، علاقتهما مقطوعة منذ
بضع سنوات، مرام لم تعد أختاً مخلصة لجيداء، تغيّرتْ كثيراً،
وأشياء كثيرة أدخلتْ الغيرة إلى قلبها وانتهى حبّها لأختها وخوفها عليها.
مازالت جيداء تتساءل إن كان ما استنشقته من الزهرة سبباً في
مآسيها! إن كانت تلك المرأة حقيقة كما رأتها، أم هي شيء آخر!؟ أم أنَّ
كل تلك الأمور هي مجرّد أوهام يحاول المرء أن يبرر بها ما لم يفهمْهُ من القدر !!
تعليق