كأنه جاء من العدم. ليجد نفسه واقفاً أمام بناية عملاقة بارتفاع شاهق تلامس قمتها غيوم السماء، وعرضها غير محدود على وسع النظر، جدران أسفلها تملأها بقع الرطوبة كالحة ومتأكلة وأيله للسقوط، وما فوقها نظيف ومصبوغ بألوان زاهية، تعلوها طبقات من الكرانيت الفاخر تحتوي على شبابيك واسعة تطل على الخارج.
تضم مداخل متعددة جانبية، تتجمع أمام الأول منها بحيرة واسعة من المياه برائحة نتنة، وتبرز منها أكوام النفايات يغطيها الذباب كأنها جزر عائمة وسط محيط أسود آسن، تابع الناس وهم يخرجون من جميع المداخل ليرموا النفايات فوق تلك المنطقة. غاصت ساقاه في الوحل لحد الركب يدفعه الفضول لمعرفة ما قد يحتويه ذلك المبنى بداخله.
وصل الى مدخل واسع تجري منه المياه للخارج لتكوّن تلك البحيرة في الخارج. قاعة واسعة لا نهاية لحدودها سوداء متأكلة الجوانب عليها كتابات فوق كلمات قديمة ورسومات غريبة مثل سجن كبير، صور لرجال متأنقين مرتدين بدلات رسمية وبعضهم يرتدي العمامة والزي الديني، تظهر على وجوههم ملامح الترف والرخاء، تحمل أسماء وأرقام انتخابية وكتابات وشعارات " المستقبل أفضل، ثروتكم لكم، التغيير قادم" وهو لا يعلم هل هناك مَن قام بتعليقها في هذا المكان من أجل الدعاية الانتخابية، أم جلبها السكان لاستعمالها كأغطية يتجنبون بها ليل الشتاء القارس، ام فراش للأرض، أو لتغطية فتحات الجدران المتأكلة من الرطوبة...!
ضجيج وعويل وأصوات تشبه النواح، بكاء عشرات الأطفال يصم الآذان والجميع وجوههم بائسة ويائسة. رجال بشعر أشعث ولحى طويلة يصل حدود شعرها لحدقات عيونهم، أغلبهم بلا أطراف وبعضهم يجلس على الكراسي المدولبة، ملابسهم رثة وممزقة، أشبه بعائلة كبيرة من المهمشين، المسحوقين، المجانين، متسولين، بائعات الهوى، صباغي الأحذية، ممن اهملتهم الحياة بعد أن امتصت دمائهم وتركتهم مثل الجراد.
لاحظ وجود فتحة كبيرة في السقف تصب فوق رؤوسهم المياه العفنة. غادر ذلك المكان بسرعة وهو كاتم لأنفاسه لكي يتجنب تلك الرائحة التي تدفعه للقيء، كأنه خرج من مغتسل الموتى.
داخل ذلك المدخل الأخر، لا يختلف كثيراً عن السابق تنتشر أمامه أكوام القمامة لكن بكميات أقل. صعد سلم واسع بصعوبة بسبب درجاته المهشمة الحواف وكثرة الفضلات التي تنتشر فوقه، ليصادف باب مكسرة الجوانب لونها رمادي وتحتوي بقع سود تدل على ملايين الأيدي التي مسكته على مر الزمن.
بحجم أبعاد السابقة يدخلها البعض ويخرج برفقته عشرات منهم كأنهم عمال، وجد داخلها الكثير بملابسهم الرثة وقبالتهم مختلف عُدد العمل من معاول كبيرة الحجم، مجارف، عُدد البناء وتسليك المجاري، نساء ببدلات العمل الزرق وبعضهن خلف ماكينات الخياطة. ولاحظ وجود بعض قطع الأثاث من كراسي مكسورة ومربوطة بأسلاك معدنية، ودواليب تقف على قطع من الطابوق، أسرّة وارائك متهالكة ممزقة القماش.
تغطي جدرانها بعض الآيات القرآنية والأدعية ورايات بأشكال وأحجام مختلفة، صور لقديسين وايقونات للسيد المسيح ومريم العذراء، وصور مع كتابات " انتخبوا مرشحكم فلان ومرشحكم علاّن وأخرى لم يستطع التعرف على أصحابها.
شاهد جوقات من النسوة ممزقات الثياب وهن مرتديات السواد، يلطمن مع صرخات مؤلمة ومرعبة أقشعر لها جسده واشعرته بالرهبة، يدرن حول جثث عديدة ملفوفة بعلم الدولة.
لاحظ هناك بعض رجال دين مسيحيين ومسلمين وهم يخطبون بجمع غفير منهم، أصغي السمع لكلماتهم، كانوا يدعون الناس بخطب متشابهة تحثهم التحلي بالصبر وتحمل مأسي الحياة مثلما تكبد الأنبياء أشكال العذاب للفوز بجنات الآخرة، وأن هذه الحياة أيام معدودة ومنتهية مهما طالت لتأتي بعدها الحياة الأبدية الدائمة، حيث النعيم وأنهار الخمر والعسل والجواري والغلمان بجنان الخلد... غادرها بسرعة وأتجه للخارج، دون ان ينتبه لوجوده أحد.
أخذه المدخل لسلم أعلى من الذي تحته حتى وصل لباب قاعة بحجم السابقة لكن عدد سكانها أقل، يقف على جانبيها من الداخل رجال شرطة وهم يحملون العصي، يضربون هذا ويأمرون ذاك. تنتشر فوق جدرانها ايضاً آيات قرآنية وأصحاب الوجوه المترفة. شاهد كاميرات للمراقبة معلقة في السقف بجانبها مكبرات للصوت يصدر منها بين حين وآخر صرخات وأوامر مرفقه بالشتم والسباب والألفاظ النابية، أنتبه لفتحة أنبوب بجانب الجدار تصب المياه الثقيلة، تملأ المكان لتصب من ثقب تصريف وسط أرضيتها.
شاهد دخول أشخاص ممن يرتدون بدلات بسيطة وهم يحملون بأيديهم بعض الأوراق النقدية القليلة لتستقبلهم ابتسامة زوجاتهم وفرحه أبنائهم. والكثير ممن يجلسون خلف مكائن للخياطة وتتجمع تحتهم أكوام القماش وملابس جاهزة، آلات للنجارة وأكداس الخشب، وأخرى يقف خلفها رجال بوجوه بائسة تتجمع قربهم الأحذية والحقائب ورزم كبيرة من الجلود الملونة، واخرون يحملون البضائع والسلع التي قاموا بإنتاجها ويذهبون بها للخارج. صُدم من كل ما راه قبل أن يغادر ذلك المكان.
وجد حارس يقف على الجانب يمنع كل سكان الطبقات السفلى من الدخول، خاف أن يمنعه قبل مروره، وتذكر بأنه لم ينتبه لوجوده أحد داخل هذا المكان الغريب والعجيب، قبل أن يتسلق درجات السلّم الطويل ويتجه للأعلى.
وجد باب واسع من الألمنيوم والزجاج المضلل وشم رائحة عطور منعشة، بنفس حجم القاعات السابقة ويشغلها القليل من السكان، ورجال يجلسون خلف حاسبات نظر لإحداها وجدهم يراقبون بالكاميرات ممن يعملون بالطوابق السفلى...!
أنتبه لوجود بوابات على طول جانبي الصالة، فتح شخص أحدها كانت تحتوي الكثير من الرفوف الطويلة تتكدس فوقها رزم النقود وسبائك الذهب وبراميل لم يستطع التعرف على ما تحتويه. ووجد في الجانب الآخر منها مراحيض نظيفة ومعطرة ومربوطة بأنبوب يتجه للخارج، نظر للسقف وهو يبحث عن فتحة المياه الثقيلة لم تكن موجودة. فقرر مغادرتها ليستكشف بقية الأماكن.
تتجمع عشرات السيارات المضللة في مرآب خاص أمام باب واسعة وجدران رخامية، امامه الكثير من الحراس والحمايات والأمن ونقاط التفتيش على طول الشارع والمنطقة المحيطة، وهم يستخدمون الكلاب البوليسية وأجهزة سونار وكاميرات مراقبة وأجهزة اتصالات لاسلكية للتواصل، ولم يسمحوا لأحد بالدخول إلا بتصريح خاص.... !!
شعر بنبض قلبه يزداد وأطراف يديه تهتز بشكل غريب حتى سالت قطرات عرق فوق جبهته وهو يمر بجانبهم، ولم ينتبه لوجوده احداً منهم دون معرفته السبب.
درج طويل من المرمر الأسود اللامع تنتشر على جانبيه أصص كبيرة من أشجار الزينة مزروع تحتها أزهار ملونة. تعب كثيراً وهو يستمر بالصعود قبل مصادفته بوابة زجاجية الكترونية انفتحت حال ما أصبح أمامها مباشرة، ليشم رائحة العطور المنعشة التي تفوح من ذلك المكان وكأنه داخل مزرعة زهور طبيعية.
انبهر وأصيب بالدهشة حال رؤيته ما بداخلها، كأنه وصل لعالم آخر مختلف تماماً عن كل ما راه في الأسفل، كان داخل منطقة خضراء بالكامل، مساحات واسعة مفتوحة، مسابح يغطي ارضيتها المرمر الأزرق، حدائق أشجار كثيفة يغرد فوق أغصانها مختلف الطيور، مدن للألعاب يستمتع بها الأطفال مع أمهاتهم، مكاتب عديدة يقف خلفها علم الدولة، رجال دين وآخرون ببدلات عسكرية، تزيين أكتافهم نسور وسيوف ذهبية. وبوابات جانبية عرفها دورة مياه تشبه السابقة. خرج مذهولاً من كل ما شاهده.
وصل حيث الأخيرة وكانت أشد غرابة ودهشه مما سبق، لم تكن هناك حراسات مشددة ونقاط تفتيش واجرأت أمنية مكثفة، بل الكثير من رجال الدين، مشايخ، قساوسة بأزياء مختلفة، معممين مرتقين المنابر، ويحيط بهم الاف الناس وهم جالسين على الأرض.
شعر بالتعب الشديد وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يصعد السلم الذي يبدو بلا نهاية، قبل وصوله لباب غريبة كأنها شفافة، مكتوب فوقها " المدير" وبجانبها قطعة كبيرة مدون عليها " ممنوع الدخول لغرفة المدير إلا لمن يجرؤ. وصلت حيث نهاية البداية وبداية النهاية، حيث الأول بلا قبل، والآخر بلا بعد، هو كان بكل مكان وبلا مكان، وصلت حيث لا يبخله الحاح الملحين ولا يغتاظ سؤال الاخرين، حيث الجود بلا نقصان، من هذا الباب تأتي واليه تعود بلا رجعة. قد تجد نفسك ضمن إحدى الطبقات السفلى، إما تحاول الصعود فترقى أو تبقى بطبقتك، أو تنزل للتي أسفلك، وكل الأمر من صنع يدك، السلم خلفك يعود بك من حيث ما أتيت، هي النهاية. مَن يدخل لا يمكنه العودة مجدداً ".
صفّن طويلاً وهو يتأمل تلك الكلمات ويحاول تفسير كل ما تحتويه من معاني، وقع وسط بحر الحيرة والارتباك، يدفعه المد للمغادرة والرجوع، ويسحبه الجزر للمضي والدخول لكشف أسراره العميقة.
كانت رغبة غريبة بنفسه تدفعه للولوج داخل المدخل الذي لا يعرف ما يحتويه، فهناك أسئلة مصيرية تحدد طريق سيره ونهج معيشته وطريقة تفكيره، ولدت معه وقضى كل حياته وهو يبحث عن إجابات شافية ووافية عنها، ردود تقنعه، وخصوصاً بعد كل ما راه بهذه البناية وسر تقسيم السكان بحسب طبقاتها، يبحث عن المساواة بين جميعهم، وهل المساواة عدالة.... !!.
لامست يده الباب وحاول دفعها بقوة قبل أن يتوقف وأخذ يفكر.... ما الذي يدريه بأنه قد يجد إجابات عن كل اسئلته هنا، ربما يفقد حياته ويعود للعدم مثلما جاء، وبحسب ما مكتوب على القطعة دون سعيه لتغيير شيء يعتبره خاطئاً بوجهة نظره. ربما هو نظام تسير به طريقة العيش بهذه البناية، والجميع مقتنع بما يؤديه من دور بهذه الحياة حسب وجوده ضمن تلك الطبقة التي يجد نفسه فيها دون علمه أو رغبته. ربما تنزرع بذرة البحث والتقصي عن الحقيقة عند البعض، تدفع أصحابها لمحاولة التغيير والمطالبة بالحقوق المغتصبة ليس له فقط بل لكل الساكنين معه في تلك البناية، ويأخذهم معه ليرتقي بهم لطبقة أعلى يستحقونها...
ربما هم يستحقون المكان الذي يتواجدون فيه بحسب موقعهم، والعمل على اخذهم للأعلى قد يضر بالأساسات الهشة والمتأكلة ولم تتحمل اوزانهم الإضافية، ويقوم بتدمر كل النظام الذي يعمل وفقه جميع السكان منذ الأزل، ويتسبب بانهياره فوق رؤوس الجميع...!
نزل درجات السلم بسرعة فهو يعلم أن النزول أسهل بكثير من الصعود في كل شيء. عاد للطابق الأسفل، وشرع بالصراخ بأعلى صوته والتلويح بكلتا يديه، وانبرى يتحدث معهم عن وجود طبقات فوقهم في البناية وتتسع للجميع، أفضل بكثير من معيشتهم هنا وسط كل هذا البؤس والأوحال والامر لا يحتاج سوى الأدراك والسعي والمحاولة المستمرة. ثم أخذ يحاول جر بعضهم لتنبيهه. وأيقاظ النائمين منهم بالضرب على وجوههم وسحلهم من أرجلهم، جرب أقناع شبابهم بأن يتبعوه ولم يفلح، أخذ يصرخ بعصبية وتعيد جدران القاعة صدى صوته. لم ينتبه لصراخه ألا بعض الأطفال، واخذوا يتجمعون بقربه ويتضاعف عددهم شيئاً فشياً وهم يستمعون لكلماته.
ساعات طويلة وهو يحدثهم عن وجود طبقات في الأعلى تسع للجميع يمكنهم العيش فيها مع بقية سكانها كونها أجمل بكثير من هذا المكان المزري، والحياة يعيشها الانسان لمرة واحدة فقط لذلك عليه ان يعيشها بعزة وكرامة، وعليه تغيير هذا الواقع ومحاسبة كل المسؤولين عنه، حتى وإن لم يستطع تغير شيء في النهاية، فسوف يخسر حياته وهو يحاول.
اخذوا يحدثون ذويهم بكل ما سمعوه وهم يشيرون بأصابعهم الصغيرة نحوه، وكأنهم لم يتمكنوا من رؤيته. اومأ للأطفال وأشار لهم بالخروج وهم يسحبون بإيادي عوائلهم دون فائدة، قبل أن يتركوهم ويلحقوا به ويركضون خلفه حتى خرج معه كل أطفال الطابق السفلي بألاف، أخذهم معه ووزعهم على جميع مداخل البناية، إلا المدخل المكتوب فوق بابه " المدير".
تضم مداخل متعددة جانبية، تتجمع أمام الأول منها بحيرة واسعة من المياه برائحة نتنة، وتبرز منها أكوام النفايات يغطيها الذباب كأنها جزر عائمة وسط محيط أسود آسن، تابع الناس وهم يخرجون من جميع المداخل ليرموا النفايات فوق تلك المنطقة. غاصت ساقاه في الوحل لحد الركب يدفعه الفضول لمعرفة ما قد يحتويه ذلك المبنى بداخله.
وصل الى مدخل واسع تجري منه المياه للخارج لتكوّن تلك البحيرة في الخارج. قاعة واسعة لا نهاية لحدودها سوداء متأكلة الجوانب عليها كتابات فوق كلمات قديمة ورسومات غريبة مثل سجن كبير، صور لرجال متأنقين مرتدين بدلات رسمية وبعضهم يرتدي العمامة والزي الديني، تظهر على وجوههم ملامح الترف والرخاء، تحمل أسماء وأرقام انتخابية وكتابات وشعارات " المستقبل أفضل، ثروتكم لكم، التغيير قادم" وهو لا يعلم هل هناك مَن قام بتعليقها في هذا المكان من أجل الدعاية الانتخابية، أم جلبها السكان لاستعمالها كأغطية يتجنبون بها ليل الشتاء القارس، ام فراش للأرض، أو لتغطية فتحات الجدران المتأكلة من الرطوبة...!
ضجيج وعويل وأصوات تشبه النواح، بكاء عشرات الأطفال يصم الآذان والجميع وجوههم بائسة ويائسة. رجال بشعر أشعث ولحى طويلة يصل حدود شعرها لحدقات عيونهم، أغلبهم بلا أطراف وبعضهم يجلس على الكراسي المدولبة، ملابسهم رثة وممزقة، أشبه بعائلة كبيرة من المهمشين، المسحوقين، المجانين، متسولين، بائعات الهوى، صباغي الأحذية، ممن اهملتهم الحياة بعد أن امتصت دمائهم وتركتهم مثل الجراد.
لاحظ وجود فتحة كبيرة في السقف تصب فوق رؤوسهم المياه العفنة. غادر ذلك المكان بسرعة وهو كاتم لأنفاسه لكي يتجنب تلك الرائحة التي تدفعه للقيء، كأنه خرج من مغتسل الموتى.
داخل ذلك المدخل الأخر، لا يختلف كثيراً عن السابق تنتشر أمامه أكوام القمامة لكن بكميات أقل. صعد سلم واسع بصعوبة بسبب درجاته المهشمة الحواف وكثرة الفضلات التي تنتشر فوقه، ليصادف باب مكسرة الجوانب لونها رمادي وتحتوي بقع سود تدل على ملايين الأيدي التي مسكته على مر الزمن.
بحجم أبعاد السابقة يدخلها البعض ويخرج برفقته عشرات منهم كأنهم عمال، وجد داخلها الكثير بملابسهم الرثة وقبالتهم مختلف عُدد العمل من معاول كبيرة الحجم، مجارف، عُدد البناء وتسليك المجاري، نساء ببدلات العمل الزرق وبعضهن خلف ماكينات الخياطة. ولاحظ وجود بعض قطع الأثاث من كراسي مكسورة ومربوطة بأسلاك معدنية، ودواليب تقف على قطع من الطابوق، أسرّة وارائك متهالكة ممزقة القماش.
تغطي جدرانها بعض الآيات القرآنية والأدعية ورايات بأشكال وأحجام مختلفة، صور لقديسين وايقونات للسيد المسيح ومريم العذراء، وصور مع كتابات " انتخبوا مرشحكم فلان ومرشحكم علاّن وأخرى لم يستطع التعرف على أصحابها.
شاهد جوقات من النسوة ممزقات الثياب وهن مرتديات السواد، يلطمن مع صرخات مؤلمة ومرعبة أقشعر لها جسده واشعرته بالرهبة، يدرن حول جثث عديدة ملفوفة بعلم الدولة.
لاحظ هناك بعض رجال دين مسيحيين ومسلمين وهم يخطبون بجمع غفير منهم، أصغي السمع لكلماتهم، كانوا يدعون الناس بخطب متشابهة تحثهم التحلي بالصبر وتحمل مأسي الحياة مثلما تكبد الأنبياء أشكال العذاب للفوز بجنات الآخرة، وأن هذه الحياة أيام معدودة ومنتهية مهما طالت لتأتي بعدها الحياة الأبدية الدائمة، حيث النعيم وأنهار الخمر والعسل والجواري والغلمان بجنان الخلد... غادرها بسرعة وأتجه للخارج، دون ان ينتبه لوجوده أحد.
أخذه المدخل لسلم أعلى من الذي تحته حتى وصل لباب قاعة بحجم السابقة لكن عدد سكانها أقل، يقف على جانبيها من الداخل رجال شرطة وهم يحملون العصي، يضربون هذا ويأمرون ذاك. تنتشر فوق جدرانها ايضاً آيات قرآنية وأصحاب الوجوه المترفة. شاهد كاميرات للمراقبة معلقة في السقف بجانبها مكبرات للصوت يصدر منها بين حين وآخر صرخات وأوامر مرفقه بالشتم والسباب والألفاظ النابية، أنتبه لفتحة أنبوب بجانب الجدار تصب المياه الثقيلة، تملأ المكان لتصب من ثقب تصريف وسط أرضيتها.
شاهد دخول أشخاص ممن يرتدون بدلات بسيطة وهم يحملون بأيديهم بعض الأوراق النقدية القليلة لتستقبلهم ابتسامة زوجاتهم وفرحه أبنائهم. والكثير ممن يجلسون خلف مكائن للخياطة وتتجمع تحتهم أكوام القماش وملابس جاهزة، آلات للنجارة وأكداس الخشب، وأخرى يقف خلفها رجال بوجوه بائسة تتجمع قربهم الأحذية والحقائب ورزم كبيرة من الجلود الملونة، واخرون يحملون البضائع والسلع التي قاموا بإنتاجها ويذهبون بها للخارج. صُدم من كل ما راه قبل أن يغادر ذلك المكان.
وجد حارس يقف على الجانب يمنع كل سكان الطبقات السفلى من الدخول، خاف أن يمنعه قبل مروره، وتذكر بأنه لم ينتبه لوجوده أحد داخل هذا المكان الغريب والعجيب، قبل أن يتسلق درجات السلّم الطويل ويتجه للأعلى.
وجد باب واسع من الألمنيوم والزجاج المضلل وشم رائحة عطور منعشة، بنفس حجم القاعات السابقة ويشغلها القليل من السكان، ورجال يجلسون خلف حاسبات نظر لإحداها وجدهم يراقبون بالكاميرات ممن يعملون بالطوابق السفلى...!
أنتبه لوجود بوابات على طول جانبي الصالة، فتح شخص أحدها كانت تحتوي الكثير من الرفوف الطويلة تتكدس فوقها رزم النقود وسبائك الذهب وبراميل لم يستطع التعرف على ما تحتويه. ووجد في الجانب الآخر منها مراحيض نظيفة ومعطرة ومربوطة بأنبوب يتجه للخارج، نظر للسقف وهو يبحث عن فتحة المياه الثقيلة لم تكن موجودة. فقرر مغادرتها ليستكشف بقية الأماكن.
تتجمع عشرات السيارات المضللة في مرآب خاص أمام باب واسعة وجدران رخامية، امامه الكثير من الحراس والحمايات والأمن ونقاط التفتيش على طول الشارع والمنطقة المحيطة، وهم يستخدمون الكلاب البوليسية وأجهزة سونار وكاميرات مراقبة وأجهزة اتصالات لاسلكية للتواصل، ولم يسمحوا لأحد بالدخول إلا بتصريح خاص.... !!
شعر بنبض قلبه يزداد وأطراف يديه تهتز بشكل غريب حتى سالت قطرات عرق فوق جبهته وهو يمر بجانبهم، ولم ينتبه لوجوده احداً منهم دون معرفته السبب.
درج طويل من المرمر الأسود اللامع تنتشر على جانبيه أصص كبيرة من أشجار الزينة مزروع تحتها أزهار ملونة. تعب كثيراً وهو يستمر بالصعود قبل مصادفته بوابة زجاجية الكترونية انفتحت حال ما أصبح أمامها مباشرة، ليشم رائحة العطور المنعشة التي تفوح من ذلك المكان وكأنه داخل مزرعة زهور طبيعية.
انبهر وأصيب بالدهشة حال رؤيته ما بداخلها، كأنه وصل لعالم آخر مختلف تماماً عن كل ما راه في الأسفل، كان داخل منطقة خضراء بالكامل، مساحات واسعة مفتوحة، مسابح يغطي ارضيتها المرمر الأزرق، حدائق أشجار كثيفة يغرد فوق أغصانها مختلف الطيور، مدن للألعاب يستمتع بها الأطفال مع أمهاتهم، مكاتب عديدة يقف خلفها علم الدولة، رجال دين وآخرون ببدلات عسكرية، تزيين أكتافهم نسور وسيوف ذهبية. وبوابات جانبية عرفها دورة مياه تشبه السابقة. خرج مذهولاً من كل ما شاهده.
وصل حيث الأخيرة وكانت أشد غرابة ودهشه مما سبق، لم تكن هناك حراسات مشددة ونقاط تفتيش واجرأت أمنية مكثفة، بل الكثير من رجال الدين، مشايخ، قساوسة بأزياء مختلفة، معممين مرتقين المنابر، ويحيط بهم الاف الناس وهم جالسين على الأرض.
شعر بالتعب الشديد وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يصعد السلم الذي يبدو بلا نهاية، قبل وصوله لباب غريبة كأنها شفافة، مكتوب فوقها " المدير" وبجانبها قطعة كبيرة مدون عليها " ممنوع الدخول لغرفة المدير إلا لمن يجرؤ. وصلت حيث نهاية البداية وبداية النهاية، حيث الأول بلا قبل، والآخر بلا بعد، هو كان بكل مكان وبلا مكان، وصلت حيث لا يبخله الحاح الملحين ولا يغتاظ سؤال الاخرين، حيث الجود بلا نقصان، من هذا الباب تأتي واليه تعود بلا رجعة. قد تجد نفسك ضمن إحدى الطبقات السفلى، إما تحاول الصعود فترقى أو تبقى بطبقتك، أو تنزل للتي أسفلك، وكل الأمر من صنع يدك، السلم خلفك يعود بك من حيث ما أتيت، هي النهاية. مَن يدخل لا يمكنه العودة مجدداً ".
صفّن طويلاً وهو يتأمل تلك الكلمات ويحاول تفسير كل ما تحتويه من معاني، وقع وسط بحر الحيرة والارتباك، يدفعه المد للمغادرة والرجوع، ويسحبه الجزر للمضي والدخول لكشف أسراره العميقة.
كانت رغبة غريبة بنفسه تدفعه للولوج داخل المدخل الذي لا يعرف ما يحتويه، فهناك أسئلة مصيرية تحدد طريق سيره ونهج معيشته وطريقة تفكيره، ولدت معه وقضى كل حياته وهو يبحث عن إجابات شافية ووافية عنها، ردود تقنعه، وخصوصاً بعد كل ما راه بهذه البناية وسر تقسيم السكان بحسب طبقاتها، يبحث عن المساواة بين جميعهم، وهل المساواة عدالة.... !!.
لامست يده الباب وحاول دفعها بقوة قبل أن يتوقف وأخذ يفكر.... ما الذي يدريه بأنه قد يجد إجابات عن كل اسئلته هنا، ربما يفقد حياته ويعود للعدم مثلما جاء، وبحسب ما مكتوب على القطعة دون سعيه لتغيير شيء يعتبره خاطئاً بوجهة نظره. ربما هو نظام تسير به طريقة العيش بهذه البناية، والجميع مقتنع بما يؤديه من دور بهذه الحياة حسب وجوده ضمن تلك الطبقة التي يجد نفسه فيها دون علمه أو رغبته. ربما تنزرع بذرة البحث والتقصي عن الحقيقة عند البعض، تدفع أصحابها لمحاولة التغيير والمطالبة بالحقوق المغتصبة ليس له فقط بل لكل الساكنين معه في تلك البناية، ويأخذهم معه ليرتقي بهم لطبقة أعلى يستحقونها...
ربما هم يستحقون المكان الذي يتواجدون فيه بحسب موقعهم، والعمل على اخذهم للأعلى قد يضر بالأساسات الهشة والمتأكلة ولم تتحمل اوزانهم الإضافية، ويقوم بتدمر كل النظام الذي يعمل وفقه جميع السكان منذ الأزل، ويتسبب بانهياره فوق رؤوس الجميع...!
نزل درجات السلم بسرعة فهو يعلم أن النزول أسهل بكثير من الصعود في كل شيء. عاد للطابق الأسفل، وشرع بالصراخ بأعلى صوته والتلويح بكلتا يديه، وانبرى يتحدث معهم عن وجود طبقات فوقهم في البناية وتتسع للجميع، أفضل بكثير من معيشتهم هنا وسط كل هذا البؤس والأوحال والامر لا يحتاج سوى الأدراك والسعي والمحاولة المستمرة. ثم أخذ يحاول جر بعضهم لتنبيهه. وأيقاظ النائمين منهم بالضرب على وجوههم وسحلهم من أرجلهم، جرب أقناع شبابهم بأن يتبعوه ولم يفلح، أخذ يصرخ بعصبية وتعيد جدران القاعة صدى صوته. لم ينتبه لصراخه ألا بعض الأطفال، واخذوا يتجمعون بقربه ويتضاعف عددهم شيئاً فشياً وهم يستمعون لكلماته.
ساعات طويلة وهو يحدثهم عن وجود طبقات في الأعلى تسع للجميع يمكنهم العيش فيها مع بقية سكانها كونها أجمل بكثير من هذا المكان المزري، والحياة يعيشها الانسان لمرة واحدة فقط لذلك عليه ان يعيشها بعزة وكرامة، وعليه تغيير هذا الواقع ومحاسبة كل المسؤولين عنه، حتى وإن لم يستطع تغير شيء في النهاية، فسوف يخسر حياته وهو يحاول.
اخذوا يحدثون ذويهم بكل ما سمعوه وهم يشيرون بأصابعهم الصغيرة نحوه، وكأنهم لم يتمكنوا من رؤيته. اومأ للأطفال وأشار لهم بالخروج وهم يسحبون بإيادي عوائلهم دون فائدة، قبل أن يتركوهم ويلحقوا به ويركضون خلفه حتى خرج معه كل أطفال الطابق السفلي بألاف، أخذهم معه ووزعهم على جميع مداخل البناية، إلا المدخل المكتوب فوق بابه " المدير".
تعليق