ما وظيفةُ اللُّغة
يظُنُّ القارئُ أنَّ جوابَ هذا السؤال، أمرٌ بديهيٌّ محسوم.
ويقولُ في ثِقة، إنَّها أداةُ التواصُلِ والتخاطُبِ بين البشر.
والواقعُ، أنَّ هذا آخِرُ ما تُفكرُ فيهِ اللغة.
فالتخاطُبُ والتواصُلُ يمكِنُ تحقيقُهُما بوسائلٍ أُخرى، كالأصواتِ والشارات.
وهَذا ما كانَ عليهِ أسلافِنا، وما وَجدوا مُشكلةً في ذَلك.
لكن نتيجةَ التطور الفكري والمعرفي والاجتماعي للإنسان.
ظهرَت حاجةٌ مُلحَّةٌ بينَ الأفرادِ والمجتمعات.
تُقدِّمُ لهم ما هو أهمُّ من التخاطُبِ والتواصُل.
وهوَ نقلُ المعلومةَ والخبر، والوصْفُ والتصوير.
والتباهي والغزَلُ والعبادة.
وما سوى ذلك من النشاطاتِ الفكرية والعاطفيةِ والعقائدية للإنسان.
كُلُّ هذا يندرجُ تحتَ عنوانٍّ واحد، هو إثباتُ الذّات.
أولاً:
الإنسانُ مهْما عَلا وسَمَا، تُصَفِّدُهُ غرائِزُه.
وغريزةُ إثباتُ الذاتْ، هي أهَمُّها.
إنَّ جَدَّنا المسكين، الذي عاشَ في العصرِ الحجري.
كانَ يشعرُ بالحِنْقِ والغضب.
كُلَّما عادَ بغنِيمتهِ إلى التي تنتظرهُ في كهفِهما المشترك.
لأنهُ كانَ عاجزاً عن إخبارِها كيفَ كانَت رِحلتَه.
وكيفَ فَتَكَ بالحِمْلان وطارَدَ الغُزْلان، وكيفَ تَسَلَّقَ الأشجار وغاصَ في مياهِ الأنْهار.
وقطعَ رؤوسَ الافاعي، ولعِبَ مع السحالي، وكيفَ صارعَ الكواسر وسَطاْ على بيضِ الجوارح.
ولَو كانت معه، لَرأت كُلَّ هذا بأُمِّ عينيها.
كانَ يَتمنَّى دائماً أن يعبِّرَ لها عن قوَّتهِ وشجاعتهِ ورجُولته، وأنَّهُ جديرٌ بها.
لكنه لاَ يجدُ إلا أن يرمِي الغنِيمَةَ أمامَها، ويقعُدُ زافراً يائس.
وهيَ بدورِها لا يَسعُها سوى أن تمْسَحَ لهُ وجهَهُ وتنفُضُ الغُبارَ عن بدنِه.
وتبْتسمُ لهُ بِودٍّ وإعجاب.
وإلى الآن، بعدَ ملايين السنين.
يأتي رجلُ اليوم، ولا يجدُ أيَّ طَعْمٍّ أو لذَّة
في أيِّ إنجازٍ حقَّقَهُ او انتصارٍ صنعَه.
ما لَم تجلُس أمامَ قدمَيه، تدلِّكُ لهُ ساقَيهِ وفَخذَيه.
وتُغنِّي قِصَّةَ انجازاتَهُ العظيمة.
وسَطَعَتْ بجلاءٍ غريزةُ إثباتِ الذات.
لمَّا قامَ الإنسانُ بكتابَةِ رسالةٍ على قرصٍ مضغوط.
وأطلقَها لتهيمُ في فضاءِ الكون.
عَسى أن تلتقطُها مَخلوقاتٌ أخرى، افتَرَضَ وجودَها.
فقَطْ ليقولْ، نحنُ هنا، أو رُبما نحنُ كُنَّا هنا.
كُلُّ الرُّقَم والمَخطوطات التي خَطَّها أسلافُنا.
هم في الواقعِ كتَبوها لنا، وإن ظَهَرَ خِلافُ ذلك.
ونحنُ بِدورِنا، نكتبُ ونُوَّثِّقُ ونُدَوِّنُ ونُسَجِّل، لأقوامٍّ لاحقين.
ثانيا:
اللُّغَةُ هي منتج العقلُ البشريُّ الجمعي.
تتطورُ وترتقي، بتطورهِ وارتقائه.
وهيَ لم تكتفي بمسايرتهِ في هذا.
بَل أخذَت تُساهِمُ في عمليةِ التطور.
ضمنَ علاقةٍ تفاعُلية، رَوائزُها الإدراكُ والاكتشافُ والتعلُّم.
وكما الإنسان، تُوْلَدُ اللُّغَةُ وتكْبرُ وتهرم، ثُمَّ تموت.
مؤديةً دورَها في سياقِ زمانِها ومكانِها، على أكمله.
اللغةُ هيَ الفنُّ والمشاعرُ والأحاسيس.
ومِنَ الإجحافِ وضعَها في إطارِ التواصلِ والتخاطُب.
هيَ مَن تثيرُ الضحِكَ والبكاء، وتؤجِّجُ الفرحَ والغضب.
هي من تُشعِرُنا بالأمانِ وتحدونا بالخوف.
إنها تُلْهِبُ الحماسة، وتحْشُدُ الجيوش.
هي مَن تأخذَكَ لدارِ الأمان، أو تُرديكَ في التهلُكَة.
ثالثاً:
الفصاحةُ.
أولُ دليلٍ على ارتقاءِ اللغة.
الفصاحةُ بكلمةٍ واحدة، هي التصوير، هي تماماً كالرسم.
كُلَّما كانَ الرسامُ مُتَّقَناً في رَسمِ الصورة.
كان الفصيحُ مُحسِناً في صياغةِ العِبارَة.
الرسمُ فن، والفصاحةُ فن، كِلاهُما يصبو لذاتِ الهدف.
وكما تنطِقُ لوحاتُ دافِنشي بعشراتِ المَعاني.
في إبداعٍ متناه.
ترسُمُ قصائدُ المتنبي ، عشراتِ الصوَّرِ في إبداعٍ متناهٍ أيضا.
ونأتي نحنُ، لنقرأَ اللوحة، ونُشاهدَ القصيدة.
رابعاً:
البلاغةُ والإيجاز.
هما آخِرُ درجَةً مِن سِلَّمِ تطورِ اللغة.
أدركت اللغاتُ المخضرمة، صاحبةُ الخِبرَةَ الطويلة.
أنه كُلَّما قَلَّتْ مفرداتُ العِبارة، وأُحسِنَت صياغتُها.
كُلَّما عَبَّرَتْ بجلاءٍ ووضوح، عن مُرادِ صاحبِها.
تماماً، كعدسةِ المُصوِّرة، أو ريشةِ الرسّام.
كُلَّما أهتمَّت بالخطوطِ والألوان، جاءَت الصورَةُ مقارِبَةً للواقع.
وتسعى التقانَةُ حثيثاً لاستنباطِ مُصوِّرةً ثُلاثِيَّةَ الأبعاد.
كَذَلكَ اللغة، دَيدَنُها صياغةُ عِبارةً ثُلاثِيَّةَ الأبعاد.
أبعادُها المُفردةُ، والصيغةُ، والمعنى.
وبما أنَّ اللغةَ العربيةَ بلغَت مِنَ العمرِ عِتِياً، فقد حَوَت جُعبتها ألافَ المفردات.
مِنَ الأسماءِ والأفعالِ والصِفات، التي اهتمَّت بأدقِ التفاصيل.
فالسَيفُ في لُغتِنا الجميلة يمتلكُ عشراتَ الأسماء.
تِبعاً لنوعهِ وشكْلِهِ ووزنِه، وطريقةَ صنْعِهِ ومَنشَئِه.
والحِصانُ أيضاً، يتغيرُ اسمُهُ باختلافِ شكلهِ وحجمِهِ ولونِهِ وسرعته.
والأدلةُ على براعةِ اللُّغةِ العربية، في البلاغةِ والإيجاز كثيرة، تملأُ الكتُبَ والدواوين.
أمسَكَ مِقبَضَ السيف، وأخرجَهُ من غِمدِهِ، ورفعَهُ عالياً، عِبارةٌ لاَ غُبارَ عليها.
لَكنَ عربيَّتُنا الفصحى أوجَزَتْها في كلمتين: أِمتشَقَ السيف.
قفَزَ وجلَسَ على ظهرِ الحِصان، هيَ نفسُها: أمتطَى الحِصان.
المرأةُ الطاعِنةُ في السِنِ الَّتي خالَطَ البياضُ لَونَ شَعرِها، هيَ العَجوزُ الشَمطاء.
إنَّ الحِكَمَ والأمثالَ هما أيضاً من ضُروبِ البلاغةِ والإيجاز.
إنَّهُما يختزلان أحداثاً وحكايات، ومَعاركاً وسِجَالات.
ويَستقْطِران منِهُم العِبَر، ويصوغان عِبارةً لاَ تتعَدَّى كلِماتُها أصابع اليد.
خامساً:
عَرَفنا أنَّ اللغةَ العربيَّةَ بلَغَت آخِرَ درجةٍ من سِلَّمِ التطور.
ها هي الأنَ تنحدرُ بشيخوختها إلى النهاية.
تَفْقُدُ بِاطِّرادٍ مئاتُ المَعاني والمفردات.
التي خرجَت عَن نطاقِ التداولِ والاستعمال.
ولَم يعُد لها أيَّ قيمةٍ أو مدلولٍ في هَذا العَصِر.
فكُلُّ أسماء السِيف، لَم تَعُد تُعْوِّزُ أحد.
لأنَّ صاحبَها نفسُه، اختَفى وانقرَض.
إلا من بعضِ المَتاحفِ ومسارحِ الرقصِ العربي.
بعدَ أن كانَ رمزُ القوة، وعنوانُ الرجولة، وصانعُ النَصر.
أمّا الحِصانُ والجوادُ والمَهرُ والفَرسُ والأبلَقُ والأشهَبُ والأغَرُّ والمِكْرارُ والسَرحانُ والرَهَوان.
فلَم نعُد نَراهُم، إلا في حلباتِ السِباق.
بَعدَ أنْ كانوا في الماضي، ضرورةٌ من ضروراتِ الحياة.
وقليلٌ مَن يَذكُرُ آخِرَ مرَّة نَطَقَ بِكلمةِ تَنُّور، أو طاحونْ، أو يَراع.
ونادِرٌ مَن يعرفُ مَن هوَ الجَعظَريُّ الجَوّاظ.
قد يقولُ قائِل، هَذا أمرٌ طبيعي، اللغةُ العربيةُ كسائرِ اللغات.
تفْقُدُ الكثيرَ مِنَ المُفردات، وفي المُقابلِ تَكسَبُ أضعافاً غيرَها.
وأقولُ على قَولِه، نَعَم هَذا صحيح.
لَكنْ ما تَكسَبَهُ من مُفرداتٍ اليوم، هيَ سَواقي، وليسَت روافِد.
وصحيحٌ أيضاً، إنَّها كسائِرِ اللغاتِ التي سَبقَتْها إلى الاندثار.
وهيَ الآنَ معَ غيرهِا ينتظرونَ مَصيرَهُم المَحتُوم.
وقد يقولُ آخر، بأنَّ كُتُبَ الأديان كفيلةٌ بحفظِ اللغةِ التي كُتِبَت بها.
وهذا أيضاً غيرُ صحيح.
وما نراهُ اليومَ لاَ يدعمُ هَذا القول.
والمعاجمُ والقواميسْ، لاَ غِنَى عنها لفهمِ النصوصِ في الكتُبِ المُقدَّسَة.
وهَذا يعني الفصلُ بينَ لُغةِ هَذهِ الكتُب، واللغةُ المتداوَلَةُ التي يفهمُها الجميع.
إنَّ الكُتبَ المُقدَّسَة، لاَ تحافِظُ إلّاَ على نصوصِها ولُغتِها ومُفرداتِها فقط.
والدليلُ، أنَّهُ ثمَّةَ كُتُبٍ مُقدَّسةٍ ما زالَت تُقرأُ بلُغاتٍ تَكادُ تندَثِر كالآراميَّةِ مثلاً.
إنَّ عُمْرَ اللُّغةُ طويلٌ جدّاً، أمامَ عُمْرِ الإنسان.
تجعلَهُ يعتقدُ أنَّها ما دامَت لُغَتهُ ولُغةُ أجدادِه، وعلى ما يبدُو ستكونُ لُغةَ أحفادِه.
فهيَ إذاً لُغةٌ خالدة، وهَذا ما قالَهُ أسلافَهُ، أصحابَ اللُّغاتِ البائِدَة.
يُعَدُّ ظهورَ المعاجم والقواميسْ، المؤشِرُ الأوَّلُ على مرضِ اللُّغة.
وجاءَ انتشارُ اللهجات، ليُدخِلها المَشفَى.
أمّا لهجاتُ اللهجات، فحوَّلَتْها للعِنايةِ المُشدَّدَة.
عزيزي القارئ:
لاَ تحزَن على موتِ لُغَتِنا الجميلة.
فمِن رحِمِ الموتِ تُوْلَدُ الحياة، والحضاراتُ قامَت على انقاضِ حضارات.
ستلِدُ لنا العربيةُ لُغَةً أكفأَ منها.
وأقْدَرُ على احتواِءِ مُستجِداتِ المَعاني في هَذا الزمان.
فنحنُ بصراحةٍ وَواقعية، لَم نعُد بحاجةٍ لأسماءِ السَّيف والخَيل.
بَل بحاجةٍ إلى تِقنيةٍ لُغَويَّةٍ جديدة.
تضَعُ مُفرداتٍ نَنْطُقُها كما هيَ في لُغَتِها الأصليَّة، في إطارِ عروبَتِنا.
وتُخلِّصُنا من عَناوينٍّ سَمِجَةٍ، كَدَّرَت بريقَ لُغَتِنا.
كالأعجميُّ والدخيلُ والشاذُُّ والمعربُ والمقاسُ والمُسقَط.
وهَذا ليسَ بمقدورِ أحد.
إنَّما هو نتيجةٌ لتطورٍ اجتماعيٍّ ومعرفيٍّ وحضاري، رَغِمَ أنفُ الجميع.
يظُنُّ القارئُ أنَّ جوابَ هذا السؤال، أمرٌ بديهيٌّ محسوم.
ويقولُ في ثِقة، إنَّها أداةُ التواصُلِ والتخاطُبِ بين البشر.
والواقعُ، أنَّ هذا آخِرُ ما تُفكرُ فيهِ اللغة.
فالتخاطُبُ والتواصُلُ يمكِنُ تحقيقُهُما بوسائلٍ أُخرى، كالأصواتِ والشارات.
وهَذا ما كانَ عليهِ أسلافِنا، وما وَجدوا مُشكلةً في ذَلك.
لكن نتيجةَ التطور الفكري والمعرفي والاجتماعي للإنسان.
ظهرَت حاجةٌ مُلحَّةٌ بينَ الأفرادِ والمجتمعات.
تُقدِّمُ لهم ما هو أهمُّ من التخاطُبِ والتواصُل.
وهوَ نقلُ المعلومةَ والخبر، والوصْفُ والتصوير.
والتباهي والغزَلُ والعبادة.
وما سوى ذلك من النشاطاتِ الفكرية والعاطفيةِ والعقائدية للإنسان.
كُلُّ هذا يندرجُ تحتَ عنوانٍّ واحد، هو إثباتُ الذّات.
أولاً:
الإنسانُ مهْما عَلا وسَمَا، تُصَفِّدُهُ غرائِزُه.
وغريزةُ إثباتُ الذاتْ، هي أهَمُّها.
إنَّ جَدَّنا المسكين، الذي عاشَ في العصرِ الحجري.
كانَ يشعرُ بالحِنْقِ والغضب.
كُلَّما عادَ بغنِيمتهِ إلى التي تنتظرهُ في كهفِهما المشترك.
لأنهُ كانَ عاجزاً عن إخبارِها كيفَ كانَت رِحلتَه.
وكيفَ فَتَكَ بالحِمْلان وطارَدَ الغُزْلان، وكيفَ تَسَلَّقَ الأشجار وغاصَ في مياهِ الأنْهار.
وقطعَ رؤوسَ الافاعي، ولعِبَ مع السحالي، وكيفَ صارعَ الكواسر وسَطاْ على بيضِ الجوارح.
ولَو كانت معه، لَرأت كُلَّ هذا بأُمِّ عينيها.
كانَ يَتمنَّى دائماً أن يعبِّرَ لها عن قوَّتهِ وشجاعتهِ ورجُولته، وأنَّهُ جديرٌ بها.
لكنه لاَ يجدُ إلا أن يرمِي الغنِيمَةَ أمامَها، ويقعُدُ زافراً يائس.
وهيَ بدورِها لا يَسعُها سوى أن تمْسَحَ لهُ وجهَهُ وتنفُضُ الغُبارَ عن بدنِه.
وتبْتسمُ لهُ بِودٍّ وإعجاب.
وإلى الآن، بعدَ ملايين السنين.
يأتي رجلُ اليوم، ولا يجدُ أيَّ طَعْمٍّ أو لذَّة
في أيِّ إنجازٍ حقَّقَهُ او انتصارٍ صنعَه.
ما لَم تجلُس أمامَ قدمَيه، تدلِّكُ لهُ ساقَيهِ وفَخذَيه.
وتُغنِّي قِصَّةَ انجازاتَهُ العظيمة.
وسَطَعَتْ بجلاءٍ غريزةُ إثباتِ الذات.
لمَّا قامَ الإنسانُ بكتابَةِ رسالةٍ على قرصٍ مضغوط.
وأطلقَها لتهيمُ في فضاءِ الكون.
عَسى أن تلتقطُها مَخلوقاتٌ أخرى، افتَرَضَ وجودَها.
فقَطْ ليقولْ، نحنُ هنا، أو رُبما نحنُ كُنَّا هنا.
كُلُّ الرُّقَم والمَخطوطات التي خَطَّها أسلافُنا.
هم في الواقعِ كتَبوها لنا، وإن ظَهَرَ خِلافُ ذلك.
ونحنُ بِدورِنا، نكتبُ ونُوَّثِّقُ ونُدَوِّنُ ونُسَجِّل، لأقوامٍّ لاحقين.
ثانيا:
اللُّغَةُ هي منتج العقلُ البشريُّ الجمعي.
تتطورُ وترتقي، بتطورهِ وارتقائه.
وهيَ لم تكتفي بمسايرتهِ في هذا.
بَل أخذَت تُساهِمُ في عمليةِ التطور.
ضمنَ علاقةٍ تفاعُلية، رَوائزُها الإدراكُ والاكتشافُ والتعلُّم.
وكما الإنسان، تُوْلَدُ اللُّغَةُ وتكْبرُ وتهرم، ثُمَّ تموت.
مؤديةً دورَها في سياقِ زمانِها ومكانِها، على أكمله.
اللغةُ هيَ الفنُّ والمشاعرُ والأحاسيس.
ومِنَ الإجحافِ وضعَها في إطارِ التواصلِ والتخاطُب.
هيَ مَن تثيرُ الضحِكَ والبكاء، وتؤجِّجُ الفرحَ والغضب.
هي من تُشعِرُنا بالأمانِ وتحدونا بالخوف.
إنها تُلْهِبُ الحماسة، وتحْشُدُ الجيوش.
هي مَن تأخذَكَ لدارِ الأمان، أو تُرديكَ في التهلُكَة.
ثالثاً:
الفصاحةُ.
أولُ دليلٍ على ارتقاءِ اللغة.
الفصاحةُ بكلمةٍ واحدة، هي التصوير، هي تماماً كالرسم.
كُلَّما كانَ الرسامُ مُتَّقَناً في رَسمِ الصورة.
كان الفصيحُ مُحسِناً في صياغةِ العِبارَة.
الرسمُ فن، والفصاحةُ فن، كِلاهُما يصبو لذاتِ الهدف.
وكما تنطِقُ لوحاتُ دافِنشي بعشراتِ المَعاني.
في إبداعٍ متناه.
ترسُمُ قصائدُ المتنبي ، عشراتِ الصوَّرِ في إبداعٍ متناهٍ أيضا.
ونأتي نحنُ، لنقرأَ اللوحة، ونُشاهدَ القصيدة.
رابعاً:
البلاغةُ والإيجاز.
هما آخِرُ درجَةً مِن سِلَّمِ تطورِ اللغة.
أدركت اللغاتُ المخضرمة، صاحبةُ الخِبرَةَ الطويلة.
أنه كُلَّما قَلَّتْ مفرداتُ العِبارة، وأُحسِنَت صياغتُها.
كُلَّما عَبَّرَتْ بجلاءٍ ووضوح، عن مُرادِ صاحبِها.
تماماً، كعدسةِ المُصوِّرة، أو ريشةِ الرسّام.
كُلَّما أهتمَّت بالخطوطِ والألوان، جاءَت الصورَةُ مقارِبَةً للواقع.
وتسعى التقانَةُ حثيثاً لاستنباطِ مُصوِّرةً ثُلاثِيَّةَ الأبعاد.
كَذَلكَ اللغة، دَيدَنُها صياغةُ عِبارةً ثُلاثِيَّةَ الأبعاد.
أبعادُها المُفردةُ، والصيغةُ، والمعنى.
وبما أنَّ اللغةَ العربيةَ بلغَت مِنَ العمرِ عِتِياً، فقد حَوَت جُعبتها ألافَ المفردات.
مِنَ الأسماءِ والأفعالِ والصِفات، التي اهتمَّت بأدقِ التفاصيل.
فالسَيفُ في لُغتِنا الجميلة يمتلكُ عشراتَ الأسماء.
تِبعاً لنوعهِ وشكْلِهِ ووزنِه، وطريقةَ صنْعِهِ ومَنشَئِه.
والحِصانُ أيضاً، يتغيرُ اسمُهُ باختلافِ شكلهِ وحجمِهِ ولونِهِ وسرعته.
والأدلةُ على براعةِ اللُّغةِ العربية، في البلاغةِ والإيجاز كثيرة، تملأُ الكتُبَ والدواوين.
أمسَكَ مِقبَضَ السيف، وأخرجَهُ من غِمدِهِ، ورفعَهُ عالياً، عِبارةٌ لاَ غُبارَ عليها.
لَكنَ عربيَّتُنا الفصحى أوجَزَتْها في كلمتين: أِمتشَقَ السيف.
قفَزَ وجلَسَ على ظهرِ الحِصان، هيَ نفسُها: أمتطَى الحِصان.
المرأةُ الطاعِنةُ في السِنِ الَّتي خالَطَ البياضُ لَونَ شَعرِها، هيَ العَجوزُ الشَمطاء.
إنَّ الحِكَمَ والأمثالَ هما أيضاً من ضُروبِ البلاغةِ والإيجاز.
إنَّهُما يختزلان أحداثاً وحكايات، ومَعاركاً وسِجَالات.
ويَستقْطِران منِهُم العِبَر، ويصوغان عِبارةً لاَ تتعَدَّى كلِماتُها أصابع اليد.
خامساً:
عَرَفنا أنَّ اللغةَ العربيَّةَ بلَغَت آخِرَ درجةٍ من سِلَّمِ التطور.
ها هي الأنَ تنحدرُ بشيخوختها إلى النهاية.
تَفْقُدُ بِاطِّرادٍ مئاتُ المَعاني والمفردات.
التي خرجَت عَن نطاقِ التداولِ والاستعمال.
ولَم يعُد لها أيَّ قيمةٍ أو مدلولٍ في هَذا العَصِر.
فكُلُّ أسماء السِيف، لَم تَعُد تُعْوِّزُ أحد.
لأنَّ صاحبَها نفسُه، اختَفى وانقرَض.
إلا من بعضِ المَتاحفِ ومسارحِ الرقصِ العربي.
بعدَ أن كانَ رمزُ القوة، وعنوانُ الرجولة، وصانعُ النَصر.
أمّا الحِصانُ والجوادُ والمَهرُ والفَرسُ والأبلَقُ والأشهَبُ والأغَرُّ والمِكْرارُ والسَرحانُ والرَهَوان.
فلَم نعُد نَراهُم، إلا في حلباتِ السِباق.
بَعدَ أنْ كانوا في الماضي، ضرورةٌ من ضروراتِ الحياة.
وقليلٌ مَن يَذكُرُ آخِرَ مرَّة نَطَقَ بِكلمةِ تَنُّور، أو طاحونْ، أو يَراع.
ونادِرٌ مَن يعرفُ مَن هوَ الجَعظَريُّ الجَوّاظ.
قد يقولُ قائِل، هَذا أمرٌ طبيعي، اللغةُ العربيةُ كسائرِ اللغات.
تفْقُدُ الكثيرَ مِنَ المُفردات، وفي المُقابلِ تَكسَبُ أضعافاً غيرَها.
وأقولُ على قَولِه، نَعَم هَذا صحيح.
لَكنْ ما تَكسَبَهُ من مُفرداتٍ اليوم، هيَ سَواقي، وليسَت روافِد.
وصحيحٌ أيضاً، إنَّها كسائِرِ اللغاتِ التي سَبقَتْها إلى الاندثار.
وهيَ الآنَ معَ غيرهِا ينتظرونَ مَصيرَهُم المَحتُوم.
وقد يقولُ آخر، بأنَّ كُتُبَ الأديان كفيلةٌ بحفظِ اللغةِ التي كُتِبَت بها.
وهذا أيضاً غيرُ صحيح.
وما نراهُ اليومَ لاَ يدعمُ هَذا القول.
والمعاجمُ والقواميسْ، لاَ غِنَى عنها لفهمِ النصوصِ في الكتُبِ المُقدَّسَة.
وهَذا يعني الفصلُ بينَ لُغةِ هَذهِ الكتُب، واللغةُ المتداوَلَةُ التي يفهمُها الجميع.
إنَّ الكُتبَ المُقدَّسَة، لاَ تحافِظُ إلّاَ على نصوصِها ولُغتِها ومُفرداتِها فقط.
والدليلُ، أنَّهُ ثمَّةَ كُتُبٍ مُقدَّسةٍ ما زالَت تُقرأُ بلُغاتٍ تَكادُ تندَثِر كالآراميَّةِ مثلاً.
إنَّ عُمْرَ اللُّغةُ طويلٌ جدّاً، أمامَ عُمْرِ الإنسان.
تجعلَهُ يعتقدُ أنَّها ما دامَت لُغَتهُ ولُغةُ أجدادِه، وعلى ما يبدُو ستكونُ لُغةَ أحفادِه.
فهيَ إذاً لُغةٌ خالدة، وهَذا ما قالَهُ أسلافَهُ، أصحابَ اللُّغاتِ البائِدَة.
يُعَدُّ ظهورَ المعاجم والقواميسْ، المؤشِرُ الأوَّلُ على مرضِ اللُّغة.
وجاءَ انتشارُ اللهجات، ليُدخِلها المَشفَى.
أمّا لهجاتُ اللهجات، فحوَّلَتْها للعِنايةِ المُشدَّدَة.
عزيزي القارئ:
لاَ تحزَن على موتِ لُغَتِنا الجميلة.
فمِن رحِمِ الموتِ تُوْلَدُ الحياة، والحضاراتُ قامَت على انقاضِ حضارات.
ستلِدُ لنا العربيةُ لُغَةً أكفأَ منها.
وأقْدَرُ على احتواِءِ مُستجِداتِ المَعاني في هَذا الزمان.
فنحنُ بصراحةٍ وَواقعية، لَم نعُد بحاجةٍ لأسماءِ السَّيف والخَيل.
بَل بحاجةٍ إلى تِقنيةٍ لُغَويَّةٍ جديدة.
تضَعُ مُفرداتٍ نَنْطُقُها كما هيَ في لُغَتِها الأصليَّة، في إطارِ عروبَتِنا.
وتُخلِّصُنا من عَناوينٍّ سَمِجَةٍ، كَدَّرَت بريقَ لُغَتِنا.
كالأعجميُّ والدخيلُ والشاذُُّ والمعربُ والمقاسُ والمُسقَط.
وهَذا ليسَ بمقدورِ أحد.
إنَّما هو نتيجةٌ لتطورٍ اجتماعيٍّ ومعرفيٍّ وحضاري، رَغِمَ أنفُ الجميع.
تعليق