عليسة وتأسيس قرطاج-وجهات نظر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    عليسة وتأسيس قرطاج-وجهات نظر

    "عليسة وتأسيس قرطاج" بقلم محمد حسين فنطر المختص في التاريخ القديم والآثار الفينقية البونية وتاريخ الأديان
    تتظافر الوثائق التاريخية والأثرية لتثبت أن تأسيس قرطاج يعود الى نهاية القرن التاسع قبل ميلاد المسيح ولا شيء يحول دون قبول الرواية القائلة بأنّها أسّست قبل الألعاب الأولمبية الأولى بثمان وثلاثين سنة مع العلم أنّ الألعاب الأولمبية الأولى نظمت سنة ستّ وسبعين وسبعمائة ق.م.
    وبتأسيس قرطاج تخلّى الفينيقيون عن سياسة المصارف الوقتية وتوخوا سياسة جديدة تقوم على المستوطنات القارّة والحضور الدائم ودون ما دخول في التفاصيل حول الأسباب والأهداف التي أدت إلى تأسيس قرطاج، فثابت أنّ ما صنّف حول الأميرة عليسة يمتّ الى الخيال بخيوط وله نصيب من الواقع المعيش إذ هي قصة خيالية من وحي الواقع شأنها في ذلك شأن الأساطير جميعها على أنّ الذين أوردوها وتناقلوها لم يتردّدوا في إثرائها بعناصر اقتبسوها من محيطهم ومما تميّزت به عصورهم والأجيال المتعاقبلة. كذلك فعل ورجليوس Virgile وأثراها يوستنوس Justin والسابقون واللاحقون. أمّا الأسطورة فهذه خلاصتها.

    عليسة بنت متّن ملك صور أميرة فينيقية أوصي لها بالعرش ولأخيها بجمليون ولكن، بعد وفاة الملك، تنكّر الشعب لتلك الوصيّة وقضى أن يستأثر بجمليون بالعرش وقد تمّ ذلك فعلا. فلم يكن للأميرة إلاّ قبول الأمر الواقع هذا وزفّوها لخالها زكربعل وكان رئيس كهنة معبد ملقرت إله صور وحامي حماها.

    ولمّا كان لزوج عليسة ثروة طائلة مغرية تسيل اللّعاب وكان من ذوي الحضور الملحوظ عند أهل الحلّ والعقد في صور، فلا غرو أن يثير الحسد والريبة لدى ملك حسود جشع حقود ممّا جعله لم يتردد في اغتيال خاله وزوج أخته مخترقا حدود الدّين وصلة الرّحم للسطو على ثروته، فلمّا ترملت عليسة ولم يكن لها سند لجأت إلى حيلة حمتها من جشع أخيها الملك وإجرامه فباتت تغالطه مقنعة إيّاه أنّها تبغي العيش في القصر الملكي، بعيدا عن أطياف الموت التي ما انفكّت تحوم في بيت زوجها وتقوّض مضجعها وحاكت خطة هروبها بمساعدة ثلة من بعول المدينة وكبار التجار الذين كانوا يخافون جبروت الملك وأمرت عليسة بترتيب كل شيء تحت طيّ الخفاء.
    ولمّا حان الوقت، أقلع الأسطول واندّس في عرض البحر حتّى أصبح بعيدا لا تطوله يد الملك وتمكنت عليسة من السيطرة على عيونه وخدمته، فما أن أبحر الأسطول حتى بادرت الأميرة المهاجرة بإلقاء أكياس في البحر قالت إنّها تحتوي على كنوز زوجها الشهيد، وقد رمتها في اليمّ قربانا لروحه الطّاهرة حتّى تطمئن وتشملها السكينة وفي ذلك رسالة الى من قد يريد التمرّد للاستيلاء على الكنوز المندسّة في بطون السفن، فما بقي للجميع إلاّ مواصلة الرحلة نحو شاطئ السلامة.
    وقبل أن يوجه الأسطول الجؤجؤ نحو غربي المتوسط، ألقى مراسيه في جزيرة قبرص وفيها عقدت الأميرة معاهدة مع رئيس الكهنوت في معبد آلهة الجمال عشترت، وهي آلهة الخصب والحب للأحياء وحماية الموتى في قبورهم وفي عبورهم الى مدينة الأرواح وتحيط بعنايتها من في البحر ومن في الحرب وساحة الوغى.
    فبمقتضى اتفاق تمّ الوصول اليه بعد مفاوضات جادّة، انضم رئيس كهنوت عشترت وبيته الى رفاق الأميرة كما انضافت اليهم فتيات تمّ اختطافهن على شاطئ الجزيرة حيث كنّ يؤدين شعيرة البغاء المقدّس كما تقتضيه طقوس الآلهة عشترت، وهي شعيرة تحدّث مؤرخون كثيرون عنها، وهي من الشعائر المعروفة لدى عديد الشعوب.

    استقبل القبارصة عليسة بحفاوة وسخرّوا لها ولرفقائها وسائل الرّاحة والاستجمام، ولمّا حان الرحيل أبى الكاهن الا أن يشاطر الأميرة عناء السفر فانضمّ الى ركبها صحبة زوجته وأبنائه بعد أن تأكد من بقاء الكهانة في قدس عشترت له ولبنيه. هذا وقد أخذت عليسة ثلّة من الفتيات اللاتي كن يهبن بتولتهن إلى الآلهة وينوس Vénus وهي آلهة الحب والخصب عند الرومان، وقد أطاق يوستينوس هذا الثيونيم Théonyme الروماني على الآلهة الفينيقية عشترت، على أنّه يسميها تارة يونو Junon وطورا وينوس Vénus وهما في الواقع آلهتان مختلفتان، ومعنى ذلك أنّ لعشترت خصائص تقرّبها من يونو وخصائص أخرى تقربها من وينوس حتى أنّها تجمع بين وظائف هذه وتلك.
    أمّا فيما يتعّلق بالفتيات اللاتي يهبن بتولتهنّ الى عشترت، فتلك معتقدات معروفة في الشرق القديم من ضفاف دجلة الى سواحل البحر المتوسط، فقد كانت معروفة لدى الايلوميين Elymes وهم قوم يعيشون في غربيّ صقلية ولهم قدس للإلهة وينوس تمارس فيه شعيرة البغاء المقدس، ومضمونها أنّ تقيم الفتيات العذارى في المعبد أو علي شاطئ البحر ويزاوجن من يتقدم إليهن فتلك هي الشعيرة التي يسميها المؤرخون البغاء المقدّس la prostitution sacrée، وقد وصلتنا عنها أصداء كثيرة في كتب القدماء ويبدو أ هذه الشعيرة كانت تمارس في سقّة Sicca، وهي التي أصبحت تسمّى بعد الغزو الروماني Sicca Veneria إشارة إلى علاقتها بوينوس وهي التي سمّا الادريسي "شق بنارية"، وخلفتها مدينة الكاف في الشمال الغربي التونسي.
    وأوضح ما لدينا حول هذا الموضوع، نص ورد في الفصل التاسع والتسعين بعد المائة من السفر الأول من تاريخ هيرودوتس وهو كالتالي: «إن أكبر المخزيات في بابل شعيرة تقليدية مضمونها أن تقيم كل امرأة في معبد افروديت مرّة في حياتها وتجامع غريبا أيّا كان. كثيرات هنّ اللاتي يفخرن بالثراء ويعتبرن من غير اللائق بهنّ الاحتكاك بالنساء الأخريات، فتراهن يتوجهن إلى المقدس على متن عربات مغطاة ويمكثن هناك ومعهنّ حشد من الوصيفات والخدم، وأغلبهنّ يتوخّين السلوك التالي: يجلسن في حرم أفروديت المقدّس وعلى رؤوسهنّ تيجان من حبال وهنّ جماعات مقبلات وجماعات مغادرات وبين امرأة وأخرى ممرّات تحدّها حبال من كلّ الجهات، ويشقّ الغرباء تلك الممرّات ويختار كلّ واحد منهم المرأة التي يريد مزاوجتها، مع العلم أنّ المرأة التي تأتي هذا المكان لا تعود إلى بيتها قبل أن يلقي أحد الغرباء نقودا على ركبتيها، وتزاوجه داخل الفضاء المقدس. وعند القاء النقوط لابدّ له من قراءة الكلمات التالية: أمرك باسم الإلهة موليتّا Mylitta، وموليتّا هو اسم أفروديت عند الأشورييين، ومهما تضاءلت قيمة تلك النقود فلا خوف من أن ترفضها المرأة، فلا يحقّ لها ذلك لأنّها نقود مقدّسة، وعلى المرأة أن تخطو خطى أول من يلقي إليها شيئا دون أن تنفر من أحد.
    وبعد المزاوجة، تكون قد قامت بواجباتها الدينية فتعود الى بيتها ولن يستطيع كسبها بعد ذلك أحد مهما قدّم إليها. فالنّساء اللاتي لهنّ طلعة صبيحة وهيئة مغرية سرعان ما يعدن الى بيوتهنّ. أمّا القبيحات فقد تطول إقامتهن في المعبد قبل أن تتمكّن من القيام بما يقتضيه الواجب، فمن النساء من تبقين ثلاث أو أربع سنوات داخل الحرم.
    لقد أشارت آيات العهد القديم الى شعيرة البغاء المقدس، وقد تفشّى بين قبائل بني إسرائيل تحت تأثير المعتقدات الكنعانية، مع العلم أنّ بني إسرائيل في غالبهم كنعانيون اتبعوا رسالة موسى واعتنقوا ديانته. ومهما يكن من أمر، فآيات التوراة تثبت هي الأخرى وجود البغاء المقدس في يورشليم، فلا يجوز للمؤرخ التشهير ولا التنويه بالشعائر الدينية أيّا كانت اذ لا يحقّ النظر إلى الحضارات القديمة الا من خلال منظارها الخاص ودون حكم لها أو عليها وليس ذلك باليسير.
    وبعد هذا الاستطراد، نعود الى عليسة وسفرها الطويل المرهق المحفوف بالأخطار، فقد أرسى الأسطول في ثغر من ثغور شبه الجزيرة التي ستحتضن المستوطنة الجديدة، وحلّت عليسة ورفاقها بأرض معطاء مستفيدين من كرم يربص، ملك المكسويين الذين كانوا اذاك يعمّرون الربوع الممتدة بين جبل بعل ذي القرنين وخليج تونس.
    ولعل ربوع المكسويّين كانت تغطي ضواحي قرطاج، حلق الواد والكرم. وبعد الترحاب ومراسم تبادل الهدايا كان لابد لعليسة ورفاقها من فضاء يجدون فيه نصيبا من الرّاحة. ولمّا كان الأهليون يخشون مكوث دخلاء غرباء في ربوعهم، لجأت الأميرة الى حيلة جلد الثور وتتمثل في طلب تناء قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها ما يغطيه جلد الثور، مع العلم أن جلد الثور يسمّى باللغة الإغريقية بيرصا Byrsa، وفي اللغة الفينيقية كلمة برصة تعني الأطم أو القلعة، فإستبهلوها واستجابوا لطلبها علّهم كانوا يريدون معرفة ما عساها أن تفعل بأرض تساوي مساحتها ما يغطّيه جلد ثور.
    وما أن تمّ الاتفاق حتى بادرت عليسة بتقطيع جلد الثّور سيرا رقيقا طويلا مكّنها من تسييج مساحة كافية لإقامة مستوطنة فسيحة الأرجاء، ولعلّها بجلد الثور طوّقت الربوة التي ستتخذها أطما يشرف على المستوطنة ويكون لسكّانها ملجأ عند الاقتضاء.
    وممّا تداوله بعض المصنّفين القدامى طرفة حول أسّ المستوطنة مضمونها أنّ المعول أخرج رأس ثور فلم تطمئّن عليسة ورفاقها لما منّت به الأرض بل تشاءموا لأنّ الثور ينبئ بالمشقة والعبوديّة، فهو نير ومحراث، فتركوا ذلك المكان واتجهوا إلى موقع ثان يحفرونه لتهيئة الأسّ، فأبرز معول الحفار رأس حصان، وهو رمز القوّة والطوق الى الحرب، فأقيمت قرطاج في ذلك المكان الميمون وسرعان ما ازدهرت مستوطنة عليسة ونمت أخبارها إلى القبائل، فباتت تتردّد عليه الوفود وأرسلت إليها وتيكة سفارة لتقديم الهدايا ولتهنئة المستوطنين وتشجيعهم على البقاء والاستثمار.
    كان أمراء القبائل يلتقطون الأخبار عن عليسة ومدينتها وكلهم معجبون بجمالها وحذقها، وكان من بينهم يربص Hiarbas وهو ملك قبيلة المكسويين، فما أن بانت الأميرة حتى افتتن بجمالها المشرقي المشرق وأصبح مسكونا بعشقها لا يفكّر إلاّ فيها وفي الزّواج بها، فأرسل الى قرطاج يطلب عشرة من أعيان سكانها، ولمّا مثّلوا بين يديه أعرب لهم عما يخالجه متحدثا عن حبه لعليسة وعن عزمه على الزواج بها، فأدهشهم وما كانوا يتوقعون ذلك ولكن كيف العمل؟
    فإن أجيب الملك بالرفض كانت العاقبة وخيمة، إذ تصبح الحرب حتمية، وقد تذهب المستوطنة الفتية أدراج الرياح، فرجعوا الى ديارهم معتقدين ألاّ سبيل للتخلص من مأزق كهذا إلاّ بواسطة الحيلة. فلما مثلوا بين يدي عليسة لم يخبروها بما جرى، بل قالوا إنّ ملك المكسويين يطلب من أهل قرطاج أن يرسلوا إليها بعض الذين يعلّمونه وشعبه مبادئ الحضارة وأضافوا أنّ ليس من اليسير على المواطن القرطاجي أن يعيش حياة شظف بين أفراد قبيلة خشنة متهورة. فقرّعتهم الملكة وأنكرت عليهم التعالي وحبّ الذّات، فأردوفوا أذاك معربين عما يريده منها يربص، فأجابت وقد وقعت في الفخ أنّها مستعدة للذهاب حيث يناديها مصير قرطاج، وطلبت أن يمهلوها ثلاثة أشهر للنظر في شؤونها وشؤون مدينتها.
    وقد أحسنت المناورة مع البقاء مخلصة لروح زوجها دون أن تستفزّ الملك الذي بات يحاصرها فضلا عن ضغوط رفاقها الذين كانوا يؤيّدون زواجا يرون فيه حماية لمستوطنتهم وازدهارها، ثمّ بعد مماطلة جمعت بين الوعود المغرية والذرائع الماكرة، هيأت الأميرة محرقة مُدعيّة أنها تبغي تقديم قربان حذو مقرّ سكناها، ولمّا تجمع الناس يترقبونها خرجت من بيتها وانبرت على منصّة تشرف على الأطيمة، وقالت إنّها ستلتحق بروح زوجها مخلصة لذكراه، ثمّ جرّدت سيفا وأغمدته في صدرها وارتمت في نار الأطيم المؤججة ضحية مقدّسة لذكرى فقيدها وحرصا على ديمومة مدينتها، وقد سمْتها بكلمتين فينيقيتين قرت حدشت، مع العلم أنّ قرت تعني مدينة وحدشت صفة تفيد الحداثة، فقرت حدشت تعني مدينة حديثة أو جديدة من حيث الزمن ومعنى ذلك أنّها أنشأت بعد جديرة Gadir في اسبانيا ولكشة Lixus في المغرب ووتيكة Utica، ومن حيث الوظيفة ومعنى ذلك أنّها مستوطنة قارة توفّر كل ما يحتاجه بناتها ومعمّروها زمنيّا واقتصاديّا وسياسيا واجتماعيا فهي مسؤولة عن تصريف جميع شؤونها.
    تلك هي اسطورة قرطاج التي ساهمت في نحت ملامحها أجيال مختلفة الزمن والثقافة، ففيها عناصر تعود الى صور وأخرى جاد بها الخيال الإغريقي الروماني الذي عايشها طيلة قرون عديدةن ولعلّها تمتد من ميناندروس الأفسسي Ménandre d'Ephèse وهو من مصنّفي القرن السادس قبل ميلاد المسيح الى الأسقف الاغريقي أوستاثيوس Eustathe الذي عاش خلال القرن الثاني عشر.
    وهكذا نتبيّن أنّ الذين تداولوا اسطورة عليسة في أفواههم وتناقلها حبر أقلامهم تقاسموا ثمانية عشر قرنا لقراءتها ونسخها والتعليق عليها مع ممارسة الحذف والاضافة عن وعي وعن غير وعي شأنها في ذلك شأن الأساطير والملاحم لدى كل الشعوب في مختلف العصور.
    وأيّا كان الأمر، فأسطورة قرطاج لها أصول فينيقية صورية (نسبة لمدينة صور)، ومنها معبد ملقرت وكاهنه الأول ولعله كان يسمّى زكربعل وهو علم معروف لدى الفينيقيين في الشرق والمغرب لاسيما في قرطاج.
    أمّا معبد ملقرت المشار إليه في الأسطورة، فلقد زاره المؤرخ الاغريقي هيرودوتس في القرن الخامس قبل الميلاد أثناء مروره بمدينة صور، ولكم شهادته كما وردت في الفصل الرابع والأربعين في السفر الثاني من تاريخه: «لقد شاهدت ذلك المعبد الممهور بأثمن الهدايا ومنها نصبان، أحدهما من ذهب خالص والآخر من زمرد يشعّ بريقا ساطعا في ظلمة الليل، وتجاذبت أطراف الحديث مع كهنة الاله، وسألت كما زمنا مرّ على إقامة مقدسهم، فتبينت أنّهم لا يتفقون هم أيضا مع الإغريق، وقد أجابوا أنّ هذا المقدس تزامن بناؤه مع تأسيس صور، وصور عامرة منذ ألفين وثلاثمائة سنة» فلا شكّ أنّ هذه المعطيات تلوّح إلى العمق الفينيقي الصوري في نسيج الأسطورة.
    ولمّا تتوقّف سفن عليسة بجزيرة قبرص، توفّرت لحوك الأسطورة عناصر جديدة تثري نسيجها وكأنّها المشهد الثاني في المسرحيّة، فلقد حطّ الأسطول بشاطئ من شواطئ قبرص وتمّ الاتصال بجالية فينيقية الأصول، وقد كشف الغطاء عن بقايا معبد مخصوص لعبادة عشترت في مدينة كانت تسمى قتيون Kition، وهي التي تركت مكانها لمدينة لرنقة Larnaca فمعبد عشترت بمدينة قتيون ينشر شيئا من المصداقية على المرحلة القبرصية من أسطورة عليسة، مع العلم أنّ أقدم أساسات المعبد الفينيقي القبرصي ترقى إلى القرن التّاسع قبل ميلاد المسيح على أن الموقع كان آهلا بالقبارصة قبل نشأة المستوطنة الفينيقية، فالجالية التي خرجت من صور حلّت بقتيون وجدتها آهلة فانتصبت بجوارها وتعايشت مع سكانها دون اقصاء وسمّت قريتها قرت حدشت، ولعلّها سمّيت كذلك بالنسبة لقتيون القبرصية الأصول والتي كانت قبل أن تكون القرية الفينيقية المحدثة.
    وفي قبرص تمّ اختطاف العذارى اللائي كنّ على الشاطئ تبغين إهداء بتولتهنّ الى الربّة عشترت، فهل إهداء البتولة في قبرص من تقاليد الفينيقيين أمّ هي شعيرة من ثوابت الجزيرة؟ فلا شك أنّ قبرص ساهمت في حوك أسطورة عليسة التي غادرت مياه قبرص ومعها جزء منها سيكون له تأثيره في سبك الحضارة البونية في غرب البحر المتوسّط، ثمّ إنّ المجموعة أصبحت بعد مرورها بقبرص متكاملة فيها ما يستوجبه بناء مستوطنة تستطيع البقاء ففيها القدس والحلّ وفيها الأنوثة والرّجولة، فمشروع مدينة متكامل أتى به المهاجرون وكأنّ أسطولهم سفينة نوح تبحث عن شاطئ السلامة لتلقي مراسيها حتى يطمئن من عليها وينتشروا في الأرض.
    ما انفك الأسطول يمخر البحر أياما عديدة بلياليها حتى شقّ أمواج خليج يشرف عليه جبل ذو قرنين، فاقترب من الشاطئ ونزل الجميع وجرّت السفن نحو اليابسة فسرعان ما انتشر خبر وجودهم، وكان الاتصال بالأهليين وأولي الأمر عندهم، ولا شكّ أنّ ظروف اللقاء وملابساته وفّرت للأسطورة خيوطا تساهم في حوكها ومنها عشق الملك يربص لعليسة ولعلّ رأس الثور ورأس الحصان المشار إليهما عند حفر الأساسات من رصيد هؤلاء المزارعين المغرمين بالخيل والفروسية.
    أمّا حيلة جلد الثور، فثابت أنّها من خيال الإغريقي والتّورية الجناسيّة Calembour وذلك على أساس علاقة صوتية بين الكلمة الإغريقية بورصة Bursa وإحدى الكلمتين التاليتين: الأولى بيرصة وهي من معجم اللغة الآرميّة ومعناها القلعة والثانية برصة وقد أثبتها ابن منظور في لسان العرب حيث قال: البرصة بضمّ الباء هيّ البلّوقة بضمّ اللام وجمعها براص بباء مجرورة، وهي أمكنة من الرمل الأبيض ولا تنبت شيئا، فكلا الكلمتين تنسجم مع السياق، ذلك أن حلّت بشاطئ رماله ممتدة تشرف عليه ربوة كالحصن الحصين. هذا وقد فضّل غالب المؤرخين فرضية القلعة.
    وممّا تجدر الإشارة اليه وجود كلمة بأرصة مسطورة على عملة قرطاجية وقد تكون هذه الكلمة البونيّة أساس التورية الجناسية المشار إليها، ومن الذين تناولوا تلك النقود بالدرس وتحليل كلمة بأرصة رأوا أنّها تتركب من حرف ب الذي يحدّد المكان فبكلمة بأرصة يعلن المكلّفين بضرب العملة أنّ النقود التي تحمل تلك العبارة ضربت بأرض الوطن أي بقرطاج نفسها مع العلم أنّ كلمة أرصة تعني الأرض بمعنى الوطن. أمّا إذا اعتبرنا بأرصة كلمة واحدة تتركب من أربعة حروف يجوز اعتبارها منطلق التورية الجناسية التي أوحت بحيلة جلد الثور.
    وخلاصة القول إن أسطورة قرطاج استمدت سداها ولحمتها من مصادر ثلاثة وهي مدينة صور وجزيرة قبرص والسواحل الشرقية من لوبة لكنّها ما انفكت تتجدد أخذا وحذفا من جيل الى جيل ومن فيه إلى فيه ومن قلم إلى قلم حتى وصلت إلينا في زيّها الحالي.
    فكأن كل من رواها اضاف إليها ما كان يريده لها وحذف منها ما يستوجبه سياق روايته أو ملحمته فضلا عمّا تفرضه قراءته للأحداث ورؤيته لتاريخ الفينيقيين وثقافتهم، فلم يتحرج الشاعر اللاتيني ورجليوس Virgile من حشر قصة حبّ بين الأمير الطروادي أنيوس Enée الذي خرج من طروادة هائما على وجهه على متن سفينة عبثت بها الرياح، كادت تلتهمها الأمواج العارمة، ولئن قلت لم يتحرج الشاعر اللاتيني فذلك إشارة إلى البون الشاسع بين زمن انيوس وزمن عليسة، فالأمير الطروادي عاش في نهاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد وقصّة الأميرة عليسة لم تكن قبل نهاية القرن التاسع قبل الميلاد، فبينهما فاصل زمني ينيف عن قرنين.
    هذا وقد تغنى ورجليوس بمغامرة أنيوس الطروادي مع عليسة الفينيقية الصورية في بداية القرن الأول قبل الميلاد وكان ذلك بطلب من الإمبراطور أجوستوس Auguste الذي تبوّأ عرش الامبراطورية الرومانية من سنة 27 قبل الميلاد الى سنة 14 بعد الميلاد وهو الذي أحيا قرطاج بعد موتها عملا بوصية أبيه المتبنّي يوليوس قيصر Jules César.

    أمّا الأسباب والأهداف التاريخية التي أنجبت قرطاج، فقد يستشفّها المؤرخ في الأوضاع التي سيطرت في الشرق والغرب: فشرقا كانت المدن الفينيقية اذ ذاك تعيش خطرا أشوريّا يهدّد كيانها وأموالها: وقد كان ملوك أشور يعبرون الفرات في طريقهم نحو السواحل الكنعانية يغنمون، وفي حولياتهم ما يفيد أنّ أول حملة قام بها الأشوريون نحو البحر وجبال الأرز تعود الى عهد تجلتفليسر الأول (1120 ـ 1074 قبل ميلاد المسيح) وتواصلت الحملات الأشورية ومنها غزوات اشورناصر بعلالثاني (888ـ859 ق. م) وفي حولياته ما يشير إلى ما كانت تعانيه المدن الفينيقية من جبروت ملوك أشور، وثبت أنهم كانوا يردون ضمّها والقضاء على كيانها السياسي واستغلال قدراتها الاقتصادية ووضع ايديهم على كنوزها. فليس من الغريب أن تتوقع المدن الفينيقية هذا التصعيد في سياسة الأشوريين إزاءهم ولا يستغرب أن تفكّر في حل يخلّصها من الملزمة. بات الغول الأشوري يتهيّأ للإجهاز على فريسته وتهشيم هياكلها.

    أليس الحل في الهروب بعيدا حيث لا يستطيع الاشوريون ملاحقة الكنوز الفينيقية؟ تلك هي الظروف القاسية التي سيطرت على حياة صور وصيدا وجبيل وبيريت وارواد وغيرها من مدن السواحل الكنعانية، وقد أصابها الوهن من جراء ذلك ممّا أثر على حضور الفينيقيين في غربي البحر الأبيض المتوسط حيث كانوا أسيادا ينفردون بالكسب والسلطان وقد تزامن الخطر الأشوري مع استفاقة المدن اليونانية والإغريقية من سباتها، وقد استفادت من تجارب الفينيقيين الذين كانوا يترددون عليهم وفي بطون سفنهم بضاعة الشرق وحضارتها الأصلية وكم اينعت فسائل الشرق في ارض الإغريق.
    قد يطول الكلام عمّا يدين به الإغريق الى الفينيقيين وليس المجال هنا لتناول مثل هذه القضايا الخطيرة بل نكتفي بالإشارة إلى الكتابة الأبجدية التي ابتدعوها كما ابتدعوا الانسان الفرد l'individu المؤمن بفرديته وحريته وقدرته على صناعة مصيره بعيدا عن القبيلة والعشيرة دون ما انفصال عنها، بل كفرد حرّ يساهم في بناء مجتمع يتعدى الأواصر الدموية العرقية وينبت المواطنة.
    فالكتابة الأبجدية والفرد المؤمن بفرديته وذاته مكسبان يدين بهما الإغريق إلى أولئك الذين كانوا يأتونهم من السواحل الفينيقية على متن سفن حبلى بروائع البضاعة والحضارة فهم القدميون الذين تحدثت عنهم كتب الاغريق واليونان ورفعت ذكرهم، ولمّا استيقظ الإغريق من سبات دام قرونا طويلة واستفادوا من تجارب القدميين الفينيقيين أضحوا يلاحقونهم ويزاحمونهم في غرب البحر المتوسط بهجرة منظمة تشرف عليها المدينة الدولة، وأخرى غير منظمة يتزعمها مغامرون قادرون على الإغراء والقيادة والقدميّون اسم اشتقه الاغريق من اسم قدموس وهو بدوره مشتق من قدم وهي كلمة كنعانية تعني الشرق فقدموس جذوره مشرقية، فهو الذي أقبل من الشرق، فالقدميّون هم المشارقة الذين يأتون من حيث تشرق الشمس.
    * محاضرة قُدمت بتاريخ 3 ديسمبر 2015 في إطار ندوة علمية نظمتها الجمعية التونسية للتاريخ والتربية على المواطنة حول "المرأة والمجتمع في تونس عبر التاريخ"

    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    #2
    - أسطورة بناء قرطاج:
    يقلم حاتم سعيد
    تبدأ الأسطورة بقدوم أميرة فينيقية قبل 38 سنة من بداية الأولمبياد (ذكره المؤرخ اليوناني "تيمايوس"الذي عاش في القرن 3 ق-م) وقد اعتمد أكثر المؤرخين على هذا التقدير للقول أن ذلك يوافق سنة 814 ق.م ، ولكن من المحتمل جدا أن يكون البحارة الفينيقيون قد أسّسوا محطة توقّف فحسب في ذلك المكان.

    تقول الرواية الكلاسيكية أن الملكة (علّيسة/أليسا) أو "ديدون" كما يسمّيها الرومان قد جاءت إلى سواحل هذه البلاد هاربة من أخيها الذي قام باغتيال زوجها لكي لا يتمكن من الاستحواذ على ثروته.

    يسرد لنا "جوستينوس" (وهو مؤرخ روماني عاش في القرن الثالث أو الرابع ميلادي) تفاصيل هذه الأسطورة فيذكر أن هذه الملكة الجميلة القادمة من بلاد المشرق ، كانت متزوجة من (عمها أو خالها) و يدعى "عاشرباص" وكان صاحب جاه ومنصب ديني، ولكن وبعد وفاة أبيها طمع أخوها بأملاك صهره فقام باغتياله فثارت ثائرة أخته وبقيت في دوامة من الحزن لم تكن لتنتهي إلا بالانتقام منه أو اللحاق بزوجها.
    ذات يوم دعاها للإقامة معه في قصره ممنيا نفسه بالتقرب منها للاستيلاء على أملاكها الكثيرة لكن عليسة أدركت نواياه، فأبدت الموافقة على طلبه والخضوع لرغبته ، عندها قام بإرسال الخدم لمساعدتها في حمل أغراضها ، وعندما ركبوا السفينة، طلبت من الخدم رمي أكياسها المحملة بجميع كنوزها في البحر، فخافوا من ردّة فعل أخيها وعقابه لهم إن هو علم بصنيعهم، فأخبرتهم أن يتكتموا على فعلتها و أن يقولوا له أنه قد تمّ سرقتها ولم يجدوها، ثم أمرت مرافقيها بتغيير الوجهة إلى غرب المتوسط ....
    و فعلا اتجهت السفينة إلى الغرب تشق طريقها في المتوسط بين جزره إلى أن وصلت إلى إحداها فتوقفت فيها بعض الوقت ، و نزلت لمقابلة كاهن معروف لنيل البركة من الآلهة كما اختارت من الجزيرة 80 بنتا لتزويجهن بنفس العدد من الرجال الذين رافقوها.
    عندما وصلت عليسة إلى سواحل افريقيا سعت لإقامة علاقات ودّيّة مع السكان المحليين وأبدت رغبتها في شراء قطعة أرض مقدار ما يغطيه جلد ثور ليكون مكانا خاصاّ بها .
    وافق المستضيفون على هذا العرض ، غير أن عليسة بيّتت حيلة ذكية تتمثل في قص جلد الثور إلى سيور رفيعة جدا لتتمكن من الحصول على مساحة أوسع ، و من هنا يقول المؤرخون يأتي اسم "بيرصا" الذي يعني باليونانيّة الجلد.
    عندها قام سكان أوتيكا بزيارة أبناء وطنهم حاملين معهم الهدايا لتشجيعهم على إعمار ذلك المكان والاستقرار به لطيبة أجواره وتكريمهم لضيوفهم .
    أمرت الملكة مرافقيها بالحفر في تلك الأرض لتأسيس المدينة الموعودة فعثروا على رأس ثور فبدا لهم ذلك نذير شؤم فاختاروا مكانا آخر وحفروا فيه فوجدوا رأس حصان فرأوا فيه مباركة من الآلهة لأن هذا الحيوان يرمز للقوة والشجاعة عندها واصلوا عملهم في ذلك المكان حتى تمّ البناء.
    أقام الفينيقيون ميناءا بسيطا واتفقوا مع أحد ملوك الأفارقة على شراء جميع ما تنتجه مزارع بلاده للمتاجرة بها في أنحاء البحر المتوسط فوافق، وبفضل هذا الاتفاق تمكنوا من ربط علاقات تجارية متبادلة مع كل سكان المنطقة.
    و في مدّة وجيزة تكاثر سكان قرطاج فأصبحت مدينة كبيرة و مزدهرة ومشهورة، ففكّر الملك الأفريقي "هيارباس" الذي أغرم بعليسة الجميلة و الذكية أنه قد حان الوقت ليتقدم لخطبتها، و قام باستدعاء أكابر مدينتها طالبا منهم تزويجه منها مهما يكون الثمن أو تكون الحرب بينهم،كعادة كلّ الملوك، بكت عليسة كثيرا و تذكرت زوجها "عاشرباص" و قالت لأتباعها أنها أمام قرار صعب سيتحدد به مصيرهم جميعا، و بعد مضي ثلاثة أشهر (وهي المهلة المحددة ) ، أقامت عليسة نارا كبيرة عند بوابة المدينة وتوجّهت نحو أهلها و أتباعها قائلة : « هذا هو قراري » ، طعنت نفسها بخنجر وألقت بجسدهها وسط اللهب، فكانت نهايتها المأساويّة و لكن يعلمنا التاريخ أنّ قرطاج بعدها عرفت مجدا لا مثيل له فأصبحت تقريبا سيّدة كل هذه البلاد وصاحبة القوّة في كامل حوض المتوسّط بل و ترسل بحارتها لاكتشاف أقاصي الأرض، ولكن زوالها سيكون تراجيديا و بنفس الطريقة على أيدي الرومان ، محرقة رهيبة لم تترك أثرا يمكن العودة إليه، وحتى كتب مكتبتها لم تسلم من النيران، فكيف يمكن معرفة الحقيقة؟.
    تتكون كلمة قرطاج كما يشير إلى ذلك الباحثون من جزءين (قرت حدشت) أو (قرط حدشت) و تعني حسب رأيهم (القرية الحديثة) وتنسب للكلمة اليونانية (كارشيدون - karchedon) و تكتب (كارتاج) وهذه الاشارة تبدو مبهمة وتحتاج لكثير من التفسير فآخر الكلمة هو معنى واضح لا جدال فيه (طاج/تاج) والتَّاجُ ما يوضع على رؤوس الملوكِ من الذّهب والجواهر، وهذه المدينة بموقعها مثلت تاجا على تلك الربوة فكانت بحصونها و أسوارها شبيهة به .
    "فلماذا لجأ المفسرون إلى اعتباره يعني (الحداثة)؟
    وما الداعي للعودة إلى اللغة اليونانية إذا كان الذين أطلقوا الاسم فينيقيون من أصل كنعاني؟"
    أما (قرط أو قرت) التي ربما تكون تصحيفا لكلمة قرية فيمكن أن تعني أيضا الحلق وهو ما يُعَلَّقُ في شَحْمَة الأُذن من دُرٍّ أَو ذهب أَو فضّة أَو نحوها والمقصود به هو ميناؤها الدّائري الذي يجاورها على الشاطئ .
    فلماذا لا يكون اسم قرطاج المتكون من هاتين الكلمتين (قرط و تاج) يعني بها (قرية التاج) أو (ميناء دائري و قلعة فوق الربوة)؟
    إنّه وصف دقيق لقرطاج فكأنها ملكة تحمل التاج على رأسها و تزيّن أذنها بقرط أو حلقة.
    وقيل أن التسمية (قرية حديثة) اتخذت بسبب مدينة قبلها أسسها التجار الفينيقيون وتسمى (القرية العتيقة) وهي أوتيكا أو (عوتيقا) و تبعد عنها حوالي 30 كم.
    فهل سمّيت أوتيكا (العتيقة) عندما تسمّت قرطاج ؟
    لاشك أن طرح هذا السؤال يبدو ساذجا ، فتسمية أوتيكا كان سابقا قبل معرفة بناتها بأنه ستبنى مدينة أخرى حديثة.
    فما هو الداعي لتسمية (أوتيك) عتيقة إذا كانت هي من أولى المدن الفينيقية في هذه البلاد ، بل كيف استمدّت قدمها و عتاقتها ؟
    من حيث المنهج، هذه التسمية بلا معنى ، لأنّه لا يمكننا أن نقبل هذا التبرير وهذا الربط بين المدينتين، فالعقل البشري المحلل يرفض هذه الاستنتاجات المسقطة من المؤرخين و الباحثين الأجانب ولا يقبل بهذا التسرع في تحديد المفاهيم .
    يمكننا أن نحدّد أن أوتيك هي كلمة تعني في بعدها اللغوي (الإيواء) من الفعل آوى فلانًا إليه أي ضمّه إليه ، وأسكنه وأنزله مطمئنًّا عنده، وأصلها (آوت ك) أي المكان الذي آوى إليه التجار الفينيقيين بعد غربتهم وبعدهم عن مسقط رأسهم ، ورغم أنّ هذا الفعل من اللغة العربية إلاّ أنّ هذا الاستدلال يبدو منطقيا و غير مستبعد، لأن تقارب اللغة الكنعانية و الفينيقية والعبرية والعربية معروف لكل الدارسين ودليلنا على ذلك هو تبنّيهم لفكرة (قرت حدشت التي عني بها قرية حديثة)، والتقارب بين اللغات لم يعد خافيا فقد تناولته الدراسات الحديثة بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة بفضل شبكات المعلومات، حتّى أن هناك من الدراسات من يتبنّى فكرة (اللغة الأم) التي أنجبت جميع اللغات، وهي حسب بعضهم (العربية) لغة القرآن.
    كذلك تسمية (هضبة بيرصا) التي عني بها المكان الذي احتلته قرطاج ، جاءت حوله عديد التفاسير سواء باليونانة أو اللاتينية أو الفينيقية أو العربية فلم يقدّموا لنا معنى واحدا متفقا عليه فذهب بعض المفسرين للقول أنّه يفيد (بئر الأغنام) وكأنها نفس الكلمة العربيّة "(بير أو بئر) (صا /السعي باللغة المحلية/ الأغنام)".
    نحن أمام معطيات متضاربة و أقوال لمؤرخين أثبت التاريخ عدم حياديتهم و بالتالي لا يمكن الوثوق باستنتاجاتهم كثيرا، فتسمية الأماكن تخضع في غالب الأحيان إلى معطيات موضوعيّة تتعلّق بالموقع والتضاريس الطبيعية أو أسماء الملوك و القادة أو شخصيات أخرى يخلّدها التاريخ وفي حالة قرطاج هو اسم محلّي يتعلق بسكان هذه الأرض من الأوائل و أي تغيير في شكله أو نسبته يؤدّي بالضرورة إلى تشويه المعنى و تغييب الحقيقة.
    علينا أن ننطلق من معطيات تاريخية أثبتها العلم وهو اشتراك الفينيقيين مع النوميديين في عديد المعارك و تأدية طقوس دينية مشتركة للاله بعل و الآلهة تانيت ووجود مقابر تجمع الفئتين و تبادل تجاري كثيف لا غبار عليه وهو أدّي إلى مجتمع ديموقراطي متعاون تسوده العدالة وهذا ما كانت عليه قرطاج فلا غرابة أن تكون جذور الفئتين واحدة و أن يكونا من أصل واحد ، وبالتالي فهذا الاسم يجب أن يكون مرتبطا بلغة هؤلاء الشعوب .
    وردت في كتاب العهد القديم العديد من الإشارات إلى المدن الكنعانية الفينيقية، كما نقل إلينا معطيات دينية بحتة عن الآلهة والمعبودات فهو يشير إلى الصوريين الذين ازدانوا باللباس الأرجواني الذي يأتي نتاج صناعة فينيقية - بونية أما المادة الخام، فكانت متوفرة في المناطق البونية مثل جربة وكركوان، والوطن القبلي .
    تسمى لغة النوميديين (البدو الرحّل) في شمال افريقيا (التيفيناغ/التيفيناق) وهي كلمة تبدو ذات دلالة صريحة بأنها تعني الفينيقيين مماّ يمكننا من القول أن الفريقين كانا يملكان نفس الجذور وأن الفاصل بينهما هو سكن الفينيقيين للمدن و اختيار النوميديين لحياة البداوة و الترحال.
    علاقة الفينيقيين بالنوميديين في مراحلها الأولى كانت علاقة تأثر و تأثير مما أنتج لنا شكلا جديدا سمّي البونيقيّة وهو انصهار للنموذجين معا تحكمه مصلحة مشتركة متبادلة تعتمد على البحر(التجارة الفينيقية) والأرض (ما ينتجه الفلاحون النوميديون ).
    ولكنّ هذه العلاقة تاريخيا شابتها منغّصات ساهمت في فك هذه الرّوابط واندلاع الأزمات و الصراعات عندما آثر أحدهما أو كلاهما الاستقلال بنفسه أو أراد أن يكون سيّدا على الثاني و هذا ما سنتوسع في ذكره من خلال ثورة النوميديين و العبيد على تجار قرطاج عند انحطاط هذه الحضارة.
    لم تقدّم المراجع التاريخية علاقة واضحة بين المدن الفينيقية التي أسّسها تجّار صور في بلادنا مع وطنهم ، وحتى في زمن عنفوان قرطاج فقد بدت كل من بنزرت (هيبو) و أوتيك القريبتين منها مدنا شبه مستقلة.

    بقلم حاتم سعيد-كتاب سفر في قساوة الوثيقة والحجارة-

    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

    تعليق

    • حاتم سعيد
      رئيس ملتقى فرعي
      • 02-10-2013
      • 1180

      #3
      الديانة الفينيقية

      لم تكن التركيبة الدينية الفينيقية موحدة بين المدن اذ تعددت الخصوصيات، وكانت الاختلافات كثيرة من مدينة إلى أخرى. أثرت طبيعة السياق السياسي المجزأ باعتماد تقاليد خاصة بكل دويلة، حيث نظمت الطقوس الدينية بشكل مستقل مع آلهتها وأعيادها واحتفالاتها العامة. رغم هذا التباين، تكونت هذه الديانات حول صفة مشتركة في جميع المناطق الحضرية: تنظيم الآلهة في الثلاثيات، والوجود الدائم للإله الأب الذي غالبا ما كان متمثلا بملكارت، والآلهة الأم عشتروت، وثالثا الإله الشاب أدونيس. بالإضافة إلى ذلك، وحسب المدينة، تواجد العديد من الآلهة الأخرى التي كانت أقل أهمية.




      مسلة يحاوميلك
      ملك بيبلوس-جبيل (القرن الخامس ق.م.)
      هيمن الإله إيل أو إل على رأس الثالوث المقدس في جبيل الذي كان يمثل الإله الأعلى على ما كان يرمز له الإله رع عند الفراعنة، وهو ما يعكس بوضوح التأثير المصري. كان إيل (ومن ثم بعل) خالق السماء والأرض، يمثل الطبيعة، وكان أب جميع الآلهة وخالق البشر والحيوانات. أما من ناحية الألوهية الأنثى، فتواجدت الآلهة التي عرفت ببعلة جُبَلْ أو جُبْلا "سيدة جبيل" التي كانت عبادة قديمة في هذه المدينة، تجسد الخصوبة والنمو ورمزها كان قريبا من الرموز المصرية، وذات صلة مع إيزيس-حتحور، ويليها الإله الشاب أدون الذي كان يمثل الربيع وانبعاث الطبيعة.تشير العديد من الأثار والوثائق التاريخية المتعلقة بالإلهة "سيدة جبيل" إلى أنها كانت حامية للمدينة ولملكها والضامنة للسلطة. من المعالم الأثرية الأكثر جلاء هي مسلة يحاوميلك ملك بيبلوس-جبيل، التي تظهر الإلهة على عرش، مرتدية اللباس الضيقة على طريقة الآلهة المصرية إيزيس، وتحمل الصولجان في يدها اليسرى، وترفع اليمنى للبركة، وعلى رأسها تاج يمثل القرص الشمسي محاط بقرنين. أما أدون (أدونيس عند اليونانيين) الإله الأكثر أهمية في جبيل، فكان اصل اسمه يعود إلى اللغة السامية ويعني "السيد". هو "الإله الذي يموت ويعود إلى الحياة" في كل ربيع. وكان يقام مهرجانا تكريميا له في كل سنة، ويتكون من مظاهرات عامة عديدة ومتنوعة، ومنها المصارعة، وحلاقة الشعر عند النساء، وطقوس البغاء، والطقوس الدينية المتعلقة "بقيامة" أدون وعودته بين الأحياء. عبادة هذا الإله، التي تواجدت في وقت لاحق في الأساطير اليونانية، هو ذات الصلة إلى الاعتقاد في الحياة بعد الموت.
      تكون الثالوث المقدس في مدينة صيدون (صيدا الحالية) من بعل، عشتروت وأشمون. وإن كانت عبادة بعل مشتركة وعامة عند اغلب المدن الكنعانية-الفينيقية فعبادة الإلهة عشتروت مستمدة من التقاليد السريانية السامية الفلسطينية القديمة، وكانت منتشرة في جميع أنحاء فينيقيا. كانت عشتروت تمثل الحب والجمال والخصوبة وأتى ذكرها في الكتاب المقدس: "وعبدوا البعل وعشتروت وآلهة آرام وصيدون" (قض-١٠-٦)، "تركناك يا رب وعبدنا بعل وعشتاروت" (١صم-١٢-١٠)، ومعروفة أيضا (في شريعة حمورابي) باسم "سيدة المعارك والحروب ... تجندل المحاربين وتسقي الأرض بدمائهم"، وأصبحت أفروديت، في وقت لاحق عند اليونانيين، وفينوس عند الرومان. أما الإله الثالث أشمون إله الشفاء والطبابة، فكان يعتبر كالإله الرئيسي في المدينة. يرتبط اسمه مع جذور سامية وهذا يعني "الزيت" مع جميع فضائله الوقائية والعلاجية التي كانت لها أهمية كبيرة في الحضارات القديمة. كان لديه معبدين في صيدون: واحد في داخل المدينة الذي كان بمثابة "بعل صيدون"، والآخر خارج المدينة وفي منطقة بستان الشيخ. عدة آثار ومنحوتات قديمة تمثل هذا الاله كشاب يحمل عصا يحيط بها أفعيان ذات أجنحة. من بين هذه الوثائق، ورقة من الذهب عُثِرَ عليها في القرب من معبد أشمون، وقطع نقدية في بيروت... أصبح أشمون، وفي وقت لاحق، الإله أسكليبيوس عند اليونانيين ومن ثم اسقولابيوس عند الرومان. يستعمل رمزه حاليا وفي جميع أنحاء العالم الحديث، كرمز لمعظم المؤسسات والمهن الطبية.
      معبد أشمون - بستان الشيخ


      المنصة
      الحوض المقدس
      منظر عام




      معبد أشمون - نذر
      متحف بيروت
      عبادة أشمون كانت مرتبطة بعبادة عشتروت، فاندمجت المواقع والقصص الدينية المتعلقة بالإلهين. تحكي الأسطورة، التي نقلها المؤرخ القديم فيلون من جبيل، عن شاب وسيم من بيروت، يحب الصيد، والذي غالبا ما توجه نحو غابات صيدون لممارسة هوايته. صادفته عشتروت في احد رحلاته، ووقعت في حبه وحاولت أن تتقرب منه وتجذبه إليها، وأصرت في مساعيها لإغرائه. تجاهل أشمون همائم الإلهة وبذل جهده للتهرب منها، إلى أن قام بتشويه جسده بواسطة فأس، لكنه ما لبث أن مات من نتيجة ذلك. رفضت عشتروت هذا القدر، ولم تستسلم إلى الحزن، وذهبت تبحث عن أشمون بين الأموات وأعادته إلى الحياة وذلك بفضل صفتها كإلاهة الخصب، وجعلت منه إله الشفاء. وأصبح أشمون لصيدون، على ما كان عليه أدون لجبيل، الإله "الذي يموت ويولد من جديد" كل ربيع. تم العثور على العديد من الهبات في معبد أشمون - بستان الشيخ، ومنها الكثير من تماثيل الصغار. فمن المعتقد أن أشمون كان متخصصا في شفاء الأطفال. نقش على قاعدة احدى هذه التماثيل، التي قدمها أحد أبناء ملك من صيدون، كتابة فينيقية يطلب فيها الحماية من قبل "سيده أشمون". على هذا الموقع، تم بناء عدة أحواض مقدسة، التي كان لها وظيفة طقوسية دينية وطبية علاجية. اطلق على احدها اسم "حوض عشتروت"، بسب وجود عرش من الغرانيت منحوت من كتلة واحدة، ويدعا أيضا "عرش عشتروت". تم تزويد هذه الأحواض بالمياه بواسطة اقنيه متعددة ومتصلة بنبعة، متواجدة إلى شرق المعبد، "عين يدل" المذكورة في نقوش الملك أشمون عازر.

      معبد أشمون - نذر
      متحف بيروت



      نواويس مجسدة
      متحف بيروت
      تشتهر صيدا أيضا بالنواويس وخصوصا المُجَسًدَةْ (ذات الأغطية المنقوشة على شكل جسد الأشخاص). عُثِرَ على العديد منها في مقبرة قياعة وبينها أربعة من الرخام، وفي مغارة طبلون ومنها ناووس الملك أشمون عازر، وفي باحة المدرسة الإنجيلية الحالية، حيث عُثِرَ على ٢٥ ناووس... غنى وجمال هذه النواويس، تؤكد دور صيدون كمركز مهم للإنتاج وخاصة باستعمال شبه حصري للرخام. ويعود الفضل إلى هذه المدينة لاستخدام وانتشار النواويس المجسدة، في تلك العصور، وذلك في جميع أنحاء عالم البحر الأبيض المتوسط. وتتواجد حاليا النماذج المختلفة في العديد من المتاحف وفي جميع أنحاء العالم.
      تألفت عبادة مدينة صور من الثلاثي المقدس بعل شميم (رب السماء)، عشتروت وملكارت. كان هذا الأخير شفيع المدينة، اسمه يعني في اللغة الفينيقية "ملك المدينة". تواريخ عبادته تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، عندما قام حيرام، ملك صور، ببناء مزارا تكريما لملكارت وعمل على نشر عبادته ضمن شعبه. يعتبر ملكارت كمؤسس المدينة وحامي أنشطتها الاقتصادية. وانتشرت عبادة هذا الاله إلى جميع مناطق محيط البحر الأبيض المتوسط، وذلك مع امتداد الحركة التجارية والرحلات البحرية التي أقامها أهالي هذه المدينة، ومع توسعهم في أنحاء العالم المعروف، من قبرص إلى أعمدة هرقل (جبل طارق)، وشمال أفريقيا، والجزر الإيطالية وايجه، وكان ملكارت يشكل العمود الفقري للعلاقة المميزة التي حافظت عليها مدينة صور مع مستعمرتها العظيمة قرطاج. جرت العادة أيضا بأجراء حفلات سنوية لتذكار قيامة الاله ملكارت، تعبير آخر للإله الذي "يموت ويولد من جديد" على ما سبق عليه لأدون وأشمون. أما عشتروت فكان لها في صور نفس الاعتبارات والمراكز التي تمارست في صيدون وكانت إلهة الحب والخصوبة. تواجد أيضا، إلى جانب هذا الثالوث المقدس، عبارة عن سلسلة من مختلف الكيانات الإلهية، مثل: بعل صافون (سيد الرياح والتيارات البحرية) ، بعل ملاج (رب البحر)...
      آمن الفينيقيون بمجموعة من الآلهة الثانويين جنبا إلى جنب مع الثلاثيات الرئيسية، فلكل مدينة عدد من الآلهة التي غالبا ما كانت تمثل القوى والعوامل الطبيعية. خوذر كان إله البحر في حين كان يرصد أيضا فصول السنة. رشيف إله الرًعد والبرق. اليان إله الينابيع والمياه الجوفية. كان داجون يمثل إله القمح للبعض وإله المطر والمجاري المائية للبعض الأخر. شدرابا حامي الأطباء وهيجون للحرفيين. سيديق وميزور يجسدا العدالة والصلاح. تانيت: آلهة الخصوبة و الإنتاج. يم إله البحر. موت إله الموت. وياريه إله القمر ...

      غالبا ما كانت ممارسة العبادة عند الفينيقيين مخصصة عند الملوك والحكام (على الأقل في المدن الكبرى، جبيل وصور وصيدا)، ويساعدهم عدد من الكهنة تحت رعاية ومسؤولية "رئاس الكهنة" الذين كانوا يتمتعون بامتيازات وصلاحيات واسعة. فعلى سبيل المثال، في مدينة صور، كان رئيس كهنة معبد ملكارت، وفقا للمؤرخ الروماني جوستين، يمثل الشخصية الثانية من بعد الملك، وغالبا ما كان له ثروة هائلة. كان عاشربص، المعروف تحت اسم بـزيكار بعل، من ابرز واشهر هؤلاء الكهنة. ماتان ملك صور، قبل وفاته، أوصى لابنته اليسار (ديدون) واخيها بغماليون بالحكم. عُرِفَ عن اليسار بانها كانت جميلة وطموحة وذات ذكاء كبير. بعد وفاة والدها الملك، تزوجت اليسار من زيكار بعل الكاهن الأكبر لمعبد ملكارت الذي كان يملك ثروة ضخمة بكونه المسؤول عن جميع الهدايا والقرابين التي كانت تقدم للمعبد. طمع بغماليون بالحكم وحاول إزاحة اليسار من اجل الاستئثار بالنفوذ وعرش المدينة. فعلم النبلاء والمسؤولين في المدينة بهذا الأمر، وقاموا، وعلى رأسهم زيكاربعل، بفرض ضغوط على بغماليون للحفاظ على الحكم المشترك. لكن هذا الأخير لم يخضع لهذا الوضع وامر باغتيال زيكاربعل وحاول الاستيلاء على ثروته. لكن اليسار، وحفاظا على حياتها، قررت الفرار من صور. على ما تقول الأسطورة، جمعت اليسار ثروات وكنوز زوجها الرحيل وشحنتها على بعض السفن وأقلعت مع العديد من أنصارها صوب قبرص. طلبت من رجالها العزاب الزواج من عذارى الجزيرة وأبحرت مع الجميع صوب الغرب لتصل إلى الشاطئ الشمالي من أفريقيا حيث أسست مدينة قرطاجة.كانت الديانة الفينيقية مرتبطة بالمدن حيث كانت تمارس العديد من الطقوس والتضحيات المختلفة حسب المحيط السياسي والعوامل الطبيعية، وتتعلق أيضا وخاصة بالإله أو الإلهة الأكثر عبادة في المدينة. من بين الطقوس الأكثر اعتمادا، كانت البغاء المقدس، تلك التي كانت تمارس تكريما لعشتروت، إلهة الحب والخصوبة. نقلت بعض المصادر القديمة أن هذه العادات سواء كانت طقوس استثنائية، تؤديها كاهنات معابد عشتروت ومحفوظة للزوار الأجانب، أو كانت تُمارَسْ، في بعض المدن، ليس فقط من قبل الكاهنات، ولكن أيضا جميع النساء، وعلى الأقل لمرة واحدة في حياتهم. بعض الدراسات الحديثة أدت إلى تفسيرات مختلفة وبعيدة عن المخزي الديني أو لتكريم عشتروت عبر هذه الطقوس المرتبطة بالخصوبة الطبيعية، فقدمت شروحات أكثر واقعية: الدعارة المقدسة يمكن أن تكون وسيلة لملء خزائن المعابد وإثرائها.وجدت طقوس أخرى أيضا، وحيث كان على المؤمنين تقدمة القرابين للمعبد أو التضحية من الحيوانات وذلك في مقابل خدمة مثل الصحة، وتضميد الجراح، والخصوبة، ووفرة الحصاد، والانتصار على العدو، الخ. الأكثر شهرة من هذه الطقوس كان التضحية البشرية، وخاصة الأطفال. يذكر الكتاب المقدس المذابح توفة "tophets" حيث أحرق أبناء وبنات فينيقيا: "ونجس الملك معبد توفة الذي في وادي بني هنوم لئلا يحرق أحد ابنه أو ابنته في النار ذبيحة للإله مولك." (سفر الملوك الثاني ـ الفصل ٢٣-١٠). ٢٣-١٠). جرت هذه العادات خاصة في مدينة قرطاج، وهي أكبر مستعمرة لصور، حيث تم العثور على "توفة" المعروفة تحت اسم "توفة قرطاج" أو "توفة صلامبو". هذه "التوفة" تمثل عدة مذابح في منطقة مكشوفة، وتقع خارج أسوار المدينة. كانت تحتوي على مسلات حجرية وجرار، حيث تم العثور على عظام الأطفال. أما الشرق الفينيقي فلم يقدم أي أدلة من شأنها أن تثبت هذه التضحيات. فمن الممكن، حسب الكتابات المقدسة، إن نفس هذه العادات، قد تشير إلى طقوس تكريسية وحيدة من اجل تطهير الذبيحة. و"توفة" يمكن أن تكون مجرد مقبرة للأطفال.

      من أقوال الامام علي عليه السلام

      (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
      حملت طيباً)

      محمد نجيب بلحاج حسين
      أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
      نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

      تعليق

      • حاتم سعيد
        رئيس ملتقى فرعي
        • 02-10-2013
        • 1180

        #4
        جديد الحفريات في المواقع الأثرية القرطاجيّة:
        استطاع فريق من علماء الآثار التونسيين اكتشاف معالم مختلفة من مدينة قرطاج الفينيقية كانت مدفونة تحت المدينة التي شيدها الرومان بعد استيلائهم عليها، وشملت الاكتشافات مصنعاً لصهر المعادن ومقبرة يرجح ان ابناء المهاجرين الذين أتوا من صور مدفونون فيها، اضافة الى ضاحية سكنية راقية.
        في كل مرة تنهض قرطاج من رمادها وتعود كما عودة طائر الفينيق. فبعدما هزمها الرومان سنة 146 قبل الميلاد ودمروا معالمها، اضطروا لاحقاً لبناء مدينة جديدة على انقاضها ما زال كثير من بقاياها ماثلاً الى اليوم وأشهرها المسرح الروماني الذي تقام فيه حفلات مهرجان قرطاج في كل صيف.
        لكن علماء الآثار الأوروبيين والأميركيين والعرب الذين فتشوا في مواقعها منذ بواكير القرن الماضي وجدوا صعوبة كبيرة في العثور على معالم من "قرت حداش" اي المدينة الجديدة التي اقامها المهاجرون الآتون من صور. ومنذ تعيين الدكتور فتحي شلبي مديراً لمتحف قرطاج في العام 2001 باشر مع فريق من الباحثين الشباب اعمال التنقيب في المناطق التي لم تشيد فوقها احياء سكنية.
        سور ولقية تاريخية
        وتوصل الفريق في ايلول سبتمبر الماضي الى اكتشاف قسم من سور قديم اقيم في خط مواز للسور الذي شيده الرومان في ما بعد، لكن لم نعرف الفترة التي انشئ فيها، لذلك لم يكن احد يصدق ان تلك اللقية ستقود الى اكتشاف معالم مهمة ألقت كثيراً من الضوء على المدينة التي ووريت التراب منذ اكثر من واحد وعشرين قرناً.
        وقال شلبي لـ"الحياة" انه لم يكن يملك قرائن على وجود آثار فينيقية على مقربة من السور، إلا انه رجح ان يكون من بقايا قرطاج القديمة، ومع استمرار الحفريات التي نزلت الى عمق ستة امتار عثر الفريق على اكتشافين مهمين تمثل الأول بفيلا فينيقية دمرها الرومان ولم يتبق منها سوى ارضيتها المبلطة بالموزاييك وبعض الأقسام من جدرانها، بينما تمثل الثاني ببقايا مصنع لصهر المعادن تعذر تحديد الفترة التاريخية التي انشئ فيها. لكن الآثاريين خمّنوا ان تلك المنطقة تقع خارج الأسوار القديمة اعتماداً على ان الورشات التي تشكل مصدراً لتلويـث البيـئة كانت تنقل الى خارج الأحياء السكنية.
        ومع ذلك لم يعثروا على دليل قاطع، فمضوا بالحفريات الى ان وجدوا مؤشرات واضحة الى ان المصنع يعود الى اواخر القرن الثامن او بواكير القرن السابع قبل الميلاد اي الى فترة غيـر بعيدة عن بدايات قرطاج الفينيقية التي يرجح المؤرخون ان تكون انشئت في حدود سنة 814 قبل الميلاد. واستنتجوا ان السور القريب من الموقع هو سور قرطاج الفينيقية وبذلك توصلوا الى اكتشاف مهم في تاريخ الحفريات التي رمت الى جلاء مناطق العتمة والغموض في تاريخ العاصمة الفينيقية. لكنهم سرعان ما عثروا على لقية ذات قيمة تاريخية اهم تمثلت بمقبرة فينيقية مؤلفة من مدافن تقليدية محفورة في الصخور وضمت أثاثاً جنائزياً ثميناً على الطريقة الشائعة لدى الفينيقيين الأوائل.
        كما تأكد لديهم ان المنطقة تقع خارج الأسوار لأن المقابر والصناعات الملوثة تنقل عادة بعيداً من المناطق السكنية. إلا ان الترجيح لم يستمر طويلاً إذ بات يقيناً بعدما عثر الباحثون على لوحة في المقبرة تدل الى انها تعود الى اواسط القرن الثامن ق.ب.، وهكذا رجحوا ان تكون المدافن لأبناء المهاجرين الفينيقيين من صور لأن تأسيس قرطاج لم يكن قد مضى عليه قرن في تلك الفترة.
        نافذة على تاريخ قرطاج
        وهكذا فتح فريق الآثاريين نافذة في تاريخ قرطاج أدت الى انقشاع بعض الغيوم من مناطق العتمة، فالحفريات ادت الى كشف النقاب عن طبقتين متراكبتين من البناءات ترمز العليا منهما الى قرطاج الحديثة التي شيدها الرومان وتمثل السفلى العاصمة الفينيقية الشامخة التي عرفت مرحلة تمدد عمراني كبير في القرن الخامس ق.م.
        ويعتزم شلبي الذي أسهم بإزاحة الغبار عن كثير من المواقع الفينيقية في سواحل تونس، خصوصاً في جزيرة جربة جنوب وأرخبيل قرقنة وسط وجزيرة جالطة شمال، اضافة الى إسهامه في كشف حطام السفينة اليونانية العتيقة الغارقة في سواحل المهدية، كتابة فصول اخرى من التاريخ الفينيقي والروماني والبيزنطي في تونس، لكنه ربما ما زال شغوفاً بالحب الأول الذي قاده الى التفتيش الدؤوب في موقع "اوتيك" 40 كلم شمال العاصمة تونس، ذلك المرفأ الذي كان مركزاً تجارياً أقامه الفينيقيون على سواحل تونس قبل تأسيس قرطاج على ايدي أليسار.

        من أقوال الامام علي عليه السلام

        (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
        حملت طيباً)

        محمد نجيب بلحاج حسين
        أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
        نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

        تعليق

        • حاتم سعيد
          رئيس ملتقى فرعي
          • 02-10-2013
          • 1180

          #5
          بعد حفريات دامت 7 سنوات: اكتشاف مدينة رومانية غارقة في خليج الحمامات (صور)


          تحدّث المكلف بالبحوث بالمعهد الوطني للتراث منير فنطر في برنامج 'أحلى صباح' اليوم الثلاثاء 1 أوت 2017 عن اكتشاف مدينة رومانية غارقة في خليج الحمامات في شهر جويلية الماضي بعد حفريات دامت 7 سنوات.
          وأوضح أنّ الحفريات كانت مبرمجة في إطار اتفاقية شراكة بين المعهد الوطني للتراث وجامعة 'ساساري' بجزيرة سردينيا الإيطالية، لينطلق فريق من علماء آثار في عمليات التنقيب، مشيرا إلى أنه بتقدم الحفر في موقع نيابوليس بخليج الحمامات تم العثور على جزء كبير من المدينة الغارقة على مساحة 20 هكتارا.

          وأشار فنطر إلى أنّه ثبت أنّ مدينة نيابوليس (نابل) تعرّضت إلى زلزال قويّ "على شكل تسونامي" في منتصف القرن الرابع ميلادي، ممّا تسبّب في غرق جزء كبير.

          وأكّد منير فنطر أن علماء الزلازل والتنقيب تحت الماء سيواصلون بحوثهم المتعلقة بهذا الاكتشاف خاصّة بعد اكتشاف وجود 200 حوض تحت الماء مخصّص لتمليح الأسماك (أحواض انتشرت في الفترة الرومانية).


          يطلق الرومانيون على ذلك السمك المملح (الغروم).









          من أقوال الامام علي عليه السلام

          (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
          حملت طيباً)

          محمد نجيب بلحاج حسين
          أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
          نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

          تعليق

          • حاتم سعيد
            رئيس ملتقى فرعي
            • 02-10-2013
            • 1180

            #6
            نبذة تاريخيّة عن قرطاج:
            تأسيسها
            تقول الأسطورة إنّ الأميرة علّيسة (ديدون) جاءت من صور بفينيقيا وأسّست سنة 814 ق.م "مدينة جديدة" (قرط هدشت بالفينيقية)، أصبحت على مرّ الزمان عاصمة ثريّة لإمبراطورية بحريّة انتشر أسطولها التجاري في كامل حوض البحر الأبيض المتوسط الغربيّ، قبل أن تزاحمها منافستها ثمّ عدوّتها روما وتحلّ محلّها وتتمكّن أخيرا من إخضاعها والاستيلاء عليها وتهديمها سنة 146 ق.م.
            ولمّا ألحقت قرطاج بالإمبراطورية الرومانية، أعيد بناؤها في عهد أكتافيوس أوغسطس في أواخر القرن الأوّل ق.م، فزوّدت بما تمتاز به مدينة رومانيّة كبيرة من بنى تحتيّة حضريّة وبنايات عموميّة دينيّة ومدنيّة ومساكن فخمة.
            انطلاقتها ونهايتها
            وفي ظلّ " السلم الرومانيّة"، غدت قرطاج عاصمة إداريّة وثقافيّة وفنّية لمقاطعة أفريكا، فعاشت فترة من الازدهار الكبير وبلغت درجة عالية من الترف وشهدت حركة إبداعيّة ثقافيّة وفنيّة قويّة، قبل أن يصيبها التقهقر الذي أصاب الإمبراطوريّة الرومانيّة عند أفول نجمها وتعرّضها للاضطرابات والغارات والغارات المضادّة على مدى قرنين (الخامس والسادس)، فتعاقب عليها عهد الوندال ثمّ عهد البيزنطيّين.
            وفي القرن الثامن استولى الفاتحون العرب على أفريكا، فكان ذلك إيذانا باندثار قرطاج، فظلّت مهجورة طيلة قرون وأضحت مستودعا لمواد البناء الجاهزة للاستعمال، سواء في مدن البلاد الأخرى أو فيما وراء البحر الأبيض المتوسط.


            نهضتها
            وفي نهاية القرن التاسع عشر، انتصبت الحماية الفرنسية على تونس، فعادت الحياة إلى آثار الحاضرة القديمة، واستقرت بها بالخصوص بعض المجموعات الدينيّة. وشيّدت مبان لسكنى الشخصيات الرسميّة والمغتربين المترفين، وسرعان ما التحقت بهم برجوازية تونس العاصمة، بل وحاشية الأسرة المالكة إذاك،حيث ابتنت قصورا للاصطياف.
            وبعد الاستقلال وإعلان الجمهورية سنة 1957، عادت قرطاج مركز الثقل في البلاد، إذ احتضنت القصر الرئاسيّ.
            من هذا الماضي الطويل والمجيد، لم تبق لنا إلاّ بعض البقايا الجميلة، وقرون من السلب والنهب، والتمدين الذي ظلّ، لمدّة طويلة، خارجا عن أيّ تقنين، فأتت على الجانب الأوفر من هذا الموقع الذي يمسح 306 هكتارا.

            زيارتها
            العهد البوني
            من العهد البوني ورثنا، على جنبات ربوة بيرصا، حيّا سكنيّا (القرن الثاني ق.م.) هو حيّ حنّبعل. وعلى طول الشاطىء، أخرجت إلى النور آثار حيّ أقدم منه يسمّى حيّ ماجن، وراء أسوار المدينة.
            كما ورثنا حوض الميناء العسكريّ مع جزيرة صغيرة، في وسطها مركز القيادة البحريّة، حيث يمكن تبيّن تراصف السفن الحربيّة، وكذلك جزء من الحوض التجاريّ.
            وعلى مقربة منه " الطوفت" وكان مكرّسا للإلهين الحاميين لقرطاج : بعل حمّون وتانيت. ومازال هذا المقام يستقبل مجموعة من الأنصاب التذكاريّة والمرمدات الجنائزيّة، كما احتفظ بالمذبح الذي كانت تقدّم فيه القربان، وبعضها بشرية،كما تقول الرواية القديمة.
            وأخيرا، فانّ المقابر الكبرى التي اكتشفت في مواضع مختلفة من الموقع زوّدت المتاحف، وخاصّة متحف قرطاج، بلقى ثمينة تعدّ شهادة على مظاهر عديدة من حياة القرطاجيّين في العهد البوني.
            العهود الرومانيّة واللاحقة
            ومن العهد الرومانيّ بقي عدد أكبر من المعالم.ففي قمّة ربوة بيرصا (التي تسمّى أيضا الأكروبول) توجد بعض الأسس العميقة وبعض الأجزاء من أعمدة ومن جدران، تعطينا فكرة عن روعة الفوروم وعظمته.
            أمّا الآثار الأخرى المنتشرةكتلا كتلا على مسافة شاسعة شمال غربيّ الأكروبول فهي:
            - مواجل المعلّقة، وهي أكبر المواجل في العصور الرومانية القديمة ، وكانت تزوّد قرطاج بالماء المجلوب من عيون زغوان، على بعد 70 كلم، بواسطة قنوات الحنايا،
            - المدرّج الذي عذّبت فيه القدّيستان بربتو وفيلستي في القرن الرابع،
            - الملعب الذي لا يبين إلاّ تخطيطه.
            وفي شماليّ الأكروبول، غير بعيد عن جامع العابدين، الذي شيّد مؤخّرا على موقع عمارات تعود إلى العهد الاستعماريّ، توجد :
            - بازيليكا داموس كاريطا (القرن الرابع)،
            - المسرح الذي أعيد ترميمه وتأهيله لاستقبال مهرجان قرطاج الدوليّ،
            - حيّ الأوديون الذي يحتوي على بقايا منازل وإعادة تشكيل لمسكن يسمى منزل المطيرة.
            وفي اتجاه الشرق على شاطىء البحر، توجد :
            - حمّامات أنطونينوس ومنتزه أثريّ يحتوي، بالإضافة إلى المنشآت الاستحماميّة التي تعدّ من أوسع ما بني منها في القرن الثاني، على آثار لعدد كبير من البنايات : مساكن ومعابد تنتمي إلى عصور مختلفة وقبور يعود بعضها إلى العهد البونيّ.
            وتنتشر في الموقع، هنا وهناك، معالم منعزلة (بازيليكا القدّيس قبريانوس، ومنهل الألف جرّة، ومعبد جونون، والمنازل المسيحيّة القديمة) وبداية الحنايا والمواجل الضخمة، الخ

            المتحفان
            يحتضن متحفان جانبا كبيرا من اللّقى التي عثر عليها على عين المكان، طيلة حملات الحفريّات التي امتدّت أكثر من قرن وشملت جميع عهود تاريخ قرطاج : المتحف الأوّل والأهمّ هو متحف قرطاج الوطنيّ، والثاني هو متحف الآثار المسيحيّة المبكّرة.

            من أقوال الامام علي عليه السلام

            (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
            حملت طيباً)

            محمد نجيب بلحاج حسين
            أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
            نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

            تعليق

            • حاتم سعيد
              رئيس ملتقى فرعي
              • 02-10-2013
              • 1180

              #7
              المواقع الأثرية بقرطاج:
              تصنيف:
              الحي البونيقي (الفوروم)
              يقع هذا الحي بجوار متحف قرطاج الوطني وداخل نطاقه إذ يشكل جناحا تابعا لهذا المتحف يقع في الهواء الطلق . و قد تمت تهيئة هذا الحي في عهد حنبعل ( في أوائل القرن الثاني ق.م.) . وهو حي سكني تخترقه شوارع تتقاطع حسب زاوية قائمة ’ و تقوم داخله مجموعة من المباني ذات الطوابق نجدها مجزاة إلى شقق سكنية على غرار عماراتنا العصرية . كما نجد به دكاكين مفتوحة على الشارع بالطابق الأرضي من المباني .
              واحتوى الحي على جل المرافق والرفاهة الموجودة في تلك الفتـــرة: خزانات الماء, تصريف المياه المستعملة, جدران جبسية و أرضية فسيفسائية.
              دمر حي بيرسا وأحرق مع كامل المدينة في سنة 146 ق.م , و لكنه ظل الحي محميا من الاندثار تحت طبقة ضخمة من التراب و الأنقاض جنبته الزوال و التسوية بالأرض خلال قرون عدة.




              كنيسة داموس الكريطة

              يضم هذا المركب الديني الشاسع كنيستان و بعض المباني الملحقة بهما .

              أما الكنيسة الأساسية وهي اكبر كنائس قرطاج و أعظم ما عثر عليه في افريقية الرومانية ( 65 م/ 45 م ) فإنها تبدو مقسمة إلى أجنحة عديدة بأعمدة لم يبق لها أثر زيادة على جناحين كبيرين يتلاقيان وسط المعلم و ينتهي كل منها بصدرفي الجنوب الشرقي و الجنوب الغربي .
              وقد قام الأب Delattre سنة 1878 بحفريات في مخلفاتها وقد توصل إلى الكشف عن أسسها وعثر بها على عدد كبير من النقائش الجنائزية المبتورة في معظمها .
              و بمحاذاة الكنيسة توجد مباني أخرى يعود تاريخها إلى فترات لاحقة . أما تأريخ هذا المعلم فيبقى صعبا.

              المعلم الدائري:

              هو معلم كبير ربما لعب دورا استشهاديا في شكل نصب تذكاري يرجع إلى القرن الرابع , هدم عند الاجتياح الوندالي ثم رمـــــم في عهد الحضارة البيزنطية وتتمثل هندسته في تاجين مستديرين مرتكزين على اثني عشرة عمودا وتعلوه قبـة تبلغ قطرها 8,4 مترا في مستطيل يبلغ 38,60 متر × 31,20 متر. و يشهد هذا المعلم منذ أكثر من عشرين سنة حفريات من طرف بعثة أثرية كندية .

              حي ماقون :

              أكتشف حي ماقون بعد حفريات عدة أجريت على ضفاف البحر. ويمثل هذا الموقع تجمعا سكنيا يعود إلى القرن الخامس ق.م ويتميز بتواجد حي حسب تصميم متناسق محمي بسور مزود بكل شيء بمــا في ذلك مرسى بحري .
              وفي الفترة الأخيرة وقع تحوير في الحي حيث وسعت المنازل و أصبحت تضم فناء و أعمدة و طابقا علويا ويوجد بالحي خزانات وآبار تزوده بالماء , كما تدل بقايا الحي المدهون والأرضية المزوقة على قيمة المعمار في تلك الحقبة من التاريخ .
              لقد دمر الحي في قرطاج البونية لكن الرومان أسسوا عاصمة جديـدة على الموقع ذاته وحافظوا على نفس النسق العمراني الذي امتد على كامـــل أرض المدينة .

              المواني البونيقية :

              لقد تمكن الفينيقيون سريعا من الاستفادة من موقع قرطاج المتميز حيث أصبحت خلال بضع سنوات محطة التجارة المتوسطية و اكتظت مخازنها المرفئية التي تعد قلب المدينة النابض ببضائع من مختلف دول العالم .

              وقد استخلص الباحثون أنه تمت إقامة هذه الموانئ ما بين القرن الثاني و الثالث قبل الميلاد أي 600 سنة تقريبا بعد تأسيس قرطاج . و تتمثل هذه الموانئ في مرفأ حربي و مرفأ تجاري يشتملان على تجهيزات متطورة منها أحواض لترميم السفن و إصلاحها و حضائر لبناء سفن جديدة و مخازن للبضائع و المواد الخام .

              و كان المرفأ الحربي و الجزيرة محفوفين بأرصفة كبرى على طولها مخابئ معدة لقبول 220 سفينة و محاطين بسورين مرتفعين و كانت الجزيرة ترتفع قبالة المدخل بكيفية تمكن أمير البحر من رؤية ما يقع في عرض البحر في حين أن القادمين منه لا يرون ما بداخل الميناء بوضوح فحتى التجار لا يمكنهم مشاهدة ماذا يجري داخل الميناء العسكري .

              و كانت السفن تنفذ إلى الميناء الحربي عبر الميناء التجاري الذي كان له مدخل واحد من البحر عرضه 70 قدما و يغلق بسلاسل حديدية و بعد تدمير قرطاج سنة 146 قبل الميلاد رممت الموانئ البونية من طرف الرومان الذين أعادوا تشييد الجزيرة حوالي سنة 200 ميلادي .












              من أقوال الامام علي عليه السلام

              (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
              حملت طيباً)

              محمد نجيب بلحاج حسين
              أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
              نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

              تعليق

              • زحل بن شمسين
                محظور
                • 07-05-2009
                • 2139

                #8
                وجهة نظر واجتهاد عمي ابو هادي...
                تتكون كلمة قرطاج كما يشير إلى ذلك الباحثون من جزءين (قرت حدشت) أو (قرط حدشت) و تعني حسب رأيهم (القرية الحديثة) وتنسب للكلمة اليونانية (كارشيدون - karchedon) و تكتب (كارتاج) وهذه الاشارة تبدو مبهمة وتحتاج لكثير من التفسير فآخر الكلمة هو معنى واضح لا جدال فيه (طاج/تاج) والتَّاجُ ما يوضع على رؤوس الملوكِ من الذّهب والجواهر، وهذه المدينة بموقعها مثلت تاجا على تلك الربوة فكانت بحصونها و أسوارها شبيهة به .
                "فلماذا لجأ المفسرون إلى اعتباره يعني (الحداثة)؟
                عليسة
                تسمية قرطاج متأتية من قرية طازج ....قر...طاج ؟!
                كلمة طازج يستعملها الشوام كثيرا بمعنى جديد حديث جدا ....
                كلمة ارامية قديمة جدا..؟!
                وهي اقرب للحقيقة لمصدر الكلمة قرطاج...


                وعليسة :: السين بالارامية والسريانية وحتى العبرية يلفظ شين .............؟؟؟؟؟؟؟؟
                وخاصة عندما يقولوا سالوم اي شالوم اي سلام والاقرب للاصل التسمية عليشة وليس عليسة ,,,
                بالعربي عليسة اما بالارامي عليشة والله اعلم

                البابلي يقرؤكم السلام

                تعليق

                يعمل...
                X