ما أن أجتاز (حيّ الشعلان) الدمشقي العريق..أصل الدرب إلى ( شارع الحمراء) وواجهات محاله الساحرة المضيئة كحبات ماس يخطف الأبصار..تجدني أسارع الخطوات نحو ( جادة الشهدا ) الملاصقة لــ (طريق الصالحية) وأسواقه الشهيرة هنا ..حيث تغفو ملامح طفولتي، تنتظر مني إيقاظها، وهي تتثاءب برشاقة، تصحو هانئة مطمئنة بسلام، تشاغبني فأتبعها: تارة على أبواب بيوتها المستحدث منها، والقديم، و تارة على رصيفيها المتوازيين المتلاقيين أبداً، أسمع قهقهات رفاق حارتي، وأصوات بهجة انتصاراتهم وهم يصيحون ( غوووول)..ورفيقاتي: (براءة، صباح، أمل، هناء، منى، ملك)..وغيرهن وغيرهن.. حين نتبادل أخبارنا البريئة..خلف الستارة القماشية التي تحجب البيوت الدمشقية المترفة بجمالها عن عيون المارة، ونحن نتبادل مساكبة الأطعمة الساخنة، كطقوس يومية لم تنقطع يوما..وعتاب الأمهات عن التأخير ووعودنا التي لانفي بها بعدم التكرار..
أقف طويلا تحت شباك (أم ماري) جارتنا العجوز القادمة من أصول أرمنية..باعتبار أن العديد من البيوت التي تعايشنا مع أهلها بتآلف غريب هي من الأسر الأرمنية إضافة للعائلات الشامية التي يجمعها ذاك الخيط الأنيق، الحميمي، كعائلة واحدة كنا..حتى أصحاب الدكاكين.. لهم بصماتهم ضمن لوحة فسيفسائية تتداخل مع ذكرياتنا : ( أبو راتب البقال) وبذّته الأنيقة ، ودكانه المتخم بأصنافٍ لاحصر لها، (أبو أحمد اللبان) ومنتجاته الريفية التي لا تضاهى، ( أبو ممدوح الفران) الذي يذكرني بأغنية حنا السكران فكثيرا ما كان يذهب الخمر بتوازنه فيقسو على أهل بيته ولما يستفيق منها يبكي بدموع ساخنة، وهو يستسمحهم يطرق الباب نادما..( الخياطة أم نزار) وهي تخيط لي فساتيني الجميلة تنفشها بـ( جبّونة) كنا نحن البنات عادة نرتديها تحت الثياب، فأدور بها مثل سندريلا الحكايا.
( أم لطفي) قابلة الحي التي تتهلّل حين قدوم الصبي وتأخذ الحلوان وهي تقول بصوت عال ترافقها زغاريد النسوة : اللهم صلي عاالنبي…( أم مروان :.سمراء من قوم عيسى وزوجها محمدي الصلوات)..
و(محل السيروان) صانع الحقائب النسائية..و(النجار عاشور) صاحب البشرة الداكنة..وغيرهم..وغيرهم..
( أم ماري) كانت تمكث في الدار وحيدة، إلا من زيارات متقطعة من صويحباتها، وأبناء جلدتها، ..لها شباك يطلّ على شباك غرفة المعيشة في منزلنا بالغرف العلوية منه..والتي كنا في الوقت ذاته ــ نحن الأبناء الصغار ـ نفترش أرضها ليلا ..ننام بدعة وأمان..حيث كانت الغرف الأرضية في باحة الدار التي يزين شجر الكباد وعريشة العنب فناءها.. نستقبل بها الضيوف، نفرد بها الموائد، ونستضيف الأقارب، و الزوار القادمين من أماكن، ومحافظات بعيدة..بمناسبات متعددة الأسباب ترفيهية أو صحية، أو اجتماعية.
( أم ماري) كانت تقف خلف شباكها تحادث أمي على الجانب الآخر..تجول معها بأحاديث متنوعة، عن أخبار ابنتها المقيمة في ألمانيا..وأحفادها..تريها صورهم ، يتهدج صوتها..يزورها أحفاد كثر من نسل صويحباتها…تكرمهم..تدللهم..تحل مشاكلهم..ولكنها حين تتحدث عن ابنتها وأولادها تلتمع عيناها ببريق الشوق والحنين حد البكاء المكتوم..وأمي تتنقل معها من حديث إلى آخر..عن عوالمها البسيطة كبساطة الأيام..عن آخر أخبار الجوار بصوت هامس، عمّن تطلقت، وخطبت، و غضبتْ، وضبّت بقجتها مغادرة دار زوجها، عن المؤونة وطريقة صنع معقود الكباد، والباذنجان،..عن متاعبها الصحية حين تشعر بوخزات مؤلمة في خاصرتها، وطعم مرار في فمها، وغثيان، فنصحتها بحدّةٍ حينها بإجراء تحاليل طبية لمعرفة السبب.وألا تتباطأ في ذلك
ولم تنسَ أن تقدم لها قبل أن تقفل الحديث وصفة ينام على إثرها أخي الأصغر مني الذي لم يدعها تغفو للحظة نتيجة لبكائه المتواصل، وهي تحكي بعربية مكسرة: تدير سبابتها بامتعاضٍ حول أذنها: ((شو هاد لسه بكا عياط : نحنو الأرمن بنحطو ولد أزعر بالنص ونكنس هواليه(حواليه) ونقول: فالك على هالك ( على حالك)..
تضحك أمي خلسة وأضحك متخفية من ورائها، وأنا أختبئ خلف الستارة، بعد أن أصحو على أحاديثهما، وقد تسلل الهواء عبر النافذة المفتوحة متغلغلا بثيابي الرقيقة.أداعب أخي وهو يبسم لي ابتسامة ساحرة وكأن شيئا لم يكن..
شباك أم ماري كان يعني لي حياة متنقلة بكل صورها،وكم أعود إلى النوم أغفو على صوت حوارهما، فتضيع عني الكثير من التفاصيل الجميلة التي كنت أحرص على سماعها..
عدت يوما من المدرسة الابتدائية ( ميسون) لم أجد أمي..كانت درفة الباب العريضة مشرّعة، وجيران كثر يدخلون ويخرجون ومدامعهم تنطق بأن أمرا مؤسفاً قد حصل، وقد لمحت على مشارف الحي الهادئ سيارة إسعاف يلعلع صوتها، تشقّ الدرب بنزق..
عرفت بأن أمي أهملت المرارة حتى باتت على شفا الانفجار..فذهب بها جارنا أبو أحمد إلى المشفى الطلياني بحالة إسعافية مستعجلة..احترت وإخوتي ماالعمل !! ..بكينا. تلاصقنا كزغب القطا .ارتعشتْ أوصالنا.فقد تبعها أبي إلى المشفى مرتعداً،.تبارت الجارات في اصطحابنا. وقد شدتنا الحاجة ( أم عدنان) نحو باب بيتها المقابل لبيتنا في ذات المدخل .غير أن أم ماري كانت أشدهن حزما إذ أغلقت باب البيت علينا، وغيرت ملابسنا، وغسلت وجوهنا و أيدينا، وطبخت لنا طعاما مما تجود به الدار..وأعادت ترتيب المنزل، إلى أن حضرت جدتي لأمي، فسلّمتْها الأمانة، تدعو لأمي بعتب لأنها أخرت العلاج.وكم نصحتها!
يوم عيد الميلاد، وقفت أتلصص بانبهار على شجرة العيد.خلف شباك أم ماري.بأضوائها التي تخبو وتضيء بتناوب يخلب اللب وهو يعكس الظلال الملونة على الجدران..لمحتني نادتني:..(إيماااااااان تعاااااا لهوووون هبيبي ) قفز قلبي بين ضلوعي أستأذن أمي..أطوي الدرجات إليها…وجدت علبا متفاوتة الحجم أسفل الشجرة..لمست بأصابعي زينتها..أهدتني مجسم شجرة سرو خضراء رقيقة صغيرة مجوفة..قالت لي ( حطها تحت مخدتك ونام رح تشوف أحلام سعيدة..) حلمت بلعبة شقراء تغني وتبكي كالتي رأيتها في واجهة متجر فخم،..لها ألبسة متعددة..بيد أني لم أنس لعبتي القماشية التي صنعتها أمي، ورسمتْ كحلها، وحمرة شفاهها بل وحتى شامة خدها..فنامت قربي تظهر ودها..وحبها الأبدي لي. وعانقتها كما كل ليلة، لتحلم معي
رأتني أم ماري يوما أبكي من بعض أبناء الحي الصغار خاصتها وهم يمازحونني يخطفون لعبتي تيك من يدي، يتقاذفونها بدعابات ثقيلة لم أستسغها..سألتني عن أسمائهم، أجبتها: هاغوب، فيلي، كوكو ، حتى مارغريت صديقتي..غضبت متوعدة بأنها ستلقنهم درسا قاسياً..وعلمتني شتائم أرمنية ــ حتى اليوم أحفظهاــ ما أن سببتهم بها حتى ذهلوا وخجلوا..وتناثروا على الرصيف يخافون غضب أم ماري العصبية النزقة..وحدّة وجهها المتغضّن، وقد رسمت على أديمه تفاصيل الزمن..فقد كان شعرها الأبيض المعقوف خلف رأسها مثل كعكة الثلج وحده يدب الخوف إن نظرت بغضب
صحوت يوما على صوت بكاء ناحب، تتخلّله كلمات أرمنية بين عويل وصراخ، تجمّعت جاراتها ومن ضمنهم أمي وأنا أمسك بطرف ثوبها خائفة..لم أفقه ما معنى الموت حينها تلك الكلمة المجهولة الغامضة التي رسمتها في مخيلتي .بكيت معهن..وأنا أرنو باضطرابٍ إليها مسبلة العينين متصالبة اليدين فوق صدرها، وحين خرج جثمانها بتابوت خشبي نظرت بحسرةٍ إلى بيتها الخالي منها..
وأُغلقَ شباك أم ماري..وأغلِقتْ معه شبابيك الحكايا..كلما وقفت قبالته أشعر بغصّة تخترق صدري الصغير..وقد انتاب أمي صمت مرير، وحزن دفين.وذهول كبير.
أحسست يوماً بجلبة في بيتها، ورجال يحشدون متاعها البسيط في سيارة مركونة قبالته، لقد بيع البيت لمالك جديد..وآل الإرث إلى مستحقيه..فرغ البيت عن آخره، إلا من شجرة ميلاد يابسة خالية من الأضواء قبعت في زاوية منسية لم يكترث بها أحد…
في نهاية المرحلة الابتدائية انتقلنا إلى بيتنا الكبير في (قدسيا)..أخذتنا الحياة إلى دروبٍ أخرى..ولكنني مازلت عقب كل خيبة، أهرع في خيالي إلى هديتها القابعة تحت الوسادة، أفتش عن حلمي الضائع، دامعة العينين، وأنا أرنو إلى شباك أم ماري، ألوّح لطيفها وأمضي.
أقف طويلا تحت شباك (أم ماري) جارتنا العجوز القادمة من أصول أرمنية..باعتبار أن العديد من البيوت التي تعايشنا مع أهلها بتآلف غريب هي من الأسر الأرمنية إضافة للعائلات الشامية التي يجمعها ذاك الخيط الأنيق، الحميمي، كعائلة واحدة كنا..حتى أصحاب الدكاكين.. لهم بصماتهم ضمن لوحة فسيفسائية تتداخل مع ذكرياتنا : ( أبو راتب البقال) وبذّته الأنيقة ، ودكانه المتخم بأصنافٍ لاحصر لها، (أبو أحمد اللبان) ومنتجاته الريفية التي لا تضاهى، ( أبو ممدوح الفران) الذي يذكرني بأغنية حنا السكران فكثيرا ما كان يذهب الخمر بتوازنه فيقسو على أهل بيته ولما يستفيق منها يبكي بدموع ساخنة، وهو يستسمحهم يطرق الباب نادما..( الخياطة أم نزار) وهي تخيط لي فساتيني الجميلة تنفشها بـ( جبّونة) كنا نحن البنات عادة نرتديها تحت الثياب، فأدور بها مثل سندريلا الحكايا.
( أم لطفي) قابلة الحي التي تتهلّل حين قدوم الصبي وتأخذ الحلوان وهي تقول بصوت عال ترافقها زغاريد النسوة : اللهم صلي عاالنبي…( أم مروان :.سمراء من قوم عيسى وزوجها محمدي الصلوات)..
و(محل السيروان) صانع الحقائب النسائية..و(النجار عاشور) صاحب البشرة الداكنة..وغيرهم..وغيرهم..
( أم ماري) كانت تمكث في الدار وحيدة، إلا من زيارات متقطعة من صويحباتها، وأبناء جلدتها، ..لها شباك يطلّ على شباك غرفة المعيشة في منزلنا بالغرف العلوية منه..والتي كنا في الوقت ذاته ــ نحن الأبناء الصغار ـ نفترش أرضها ليلا ..ننام بدعة وأمان..حيث كانت الغرف الأرضية في باحة الدار التي يزين شجر الكباد وعريشة العنب فناءها.. نستقبل بها الضيوف، نفرد بها الموائد، ونستضيف الأقارب، و الزوار القادمين من أماكن، ومحافظات بعيدة..بمناسبات متعددة الأسباب ترفيهية أو صحية، أو اجتماعية.
( أم ماري) كانت تقف خلف شباكها تحادث أمي على الجانب الآخر..تجول معها بأحاديث متنوعة، عن أخبار ابنتها المقيمة في ألمانيا..وأحفادها..تريها صورهم ، يتهدج صوتها..يزورها أحفاد كثر من نسل صويحباتها…تكرمهم..تدللهم..تحل مشاكلهم..ولكنها حين تتحدث عن ابنتها وأولادها تلتمع عيناها ببريق الشوق والحنين حد البكاء المكتوم..وأمي تتنقل معها من حديث إلى آخر..عن عوالمها البسيطة كبساطة الأيام..عن آخر أخبار الجوار بصوت هامس، عمّن تطلقت، وخطبت، و غضبتْ، وضبّت بقجتها مغادرة دار زوجها، عن المؤونة وطريقة صنع معقود الكباد، والباذنجان،..عن متاعبها الصحية حين تشعر بوخزات مؤلمة في خاصرتها، وطعم مرار في فمها، وغثيان، فنصحتها بحدّةٍ حينها بإجراء تحاليل طبية لمعرفة السبب.وألا تتباطأ في ذلك
ولم تنسَ أن تقدم لها قبل أن تقفل الحديث وصفة ينام على إثرها أخي الأصغر مني الذي لم يدعها تغفو للحظة نتيجة لبكائه المتواصل، وهي تحكي بعربية مكسرة: تدير سبابتها بامتعاضٍ حول أذنها: ((شو هاد لسه بكا عياط : نحنو الأرمن بنحطو ولد أزعر بالنص ونكنس هواليه(حواليه) ونقول: فالك على هالك ( على حالك)..
تضحك أمي خلسة وأضحك متخفية من ورائها، وأنا أختبئ خلف الستارة، بعد أن أصحو على أحاديثهما، وقد تسلل الهواء عبر النافذة المفتوحة متغلغلا بثيابي الرقيقة.أداعب أخي وهو يبسم لي ابتسامة ساحرة وكأن شيئا لم يكن..
شباك أم ماري كان يعني لي حياة متنقلة بكل صورها،وكم أعود إلى النوم أغفو على صوت حوارهما، فتضيع عني الكثير من التفاصيل الجميلة التي كنت أحرص على سماعها..
عدت يوما من المدرسة الابتدائية ( ميسون) لم أجد أمي..كانت درفة الباب العريضة مشرّعة، وجيران كثر يدخلون ويخرجون ومدامعهم تنطق بأن أمرا مؤسفاً قد حصل، وقد لمحت على مشارف الحي الهادئ سيارة إسعاف يلعلع صوتها، تشقّ الدرب بنزق..
عرفت بأن أمي أهملت المرارة حتى باتت على شفا الانفجار..فذهب بها جارنا أبو أحمد إلى المشفى الطلياني بحالة إسعافية مستعجلة..احترت وإخوتي ماالعمل !! ..بكينا. تلاصقنا كزغب القطا .ارتعشتْ أوصالنا.فقد تبعها أبي إلى المشفى مرتعداً،.تبارت الجارات في اصطحابنا. وقد شدتنا الحاجة ( أم عدنان) نحو باب بيتها المقابل لبيتنا في ذات المدخل .غير أن أم ماري كانت أشدهن حزما إذ أغلقت باب البيت علينا، وغيرت ملابسنا، وغسلت وجوهنا و أيدينا، وطبخت لنا طعاما مما تجود به الدار..وأعادت ترتيب المنزل، إلى أن حضرت جدتي لأمي، فسلّمتْها الأمانة، تدعو لأمي بعتب لأنها أخرت العلاج.وكم نصحتها!
يوم عيد الميلاد، وقفت أتلصص بانبهار على شجرة العيد.خلف شباك أم ماري.بأضوائها التي تخبو وتضيء بتناوب يخلب اللب وهو يعكس الظلال الملونة على الجدران..لمحتني نادتني:..(إيماااااااان تعاااااا لهوووون هبيبي ) قفز قلبي بين ضلوعي أستأذن أمي..أطوي الدرجات إليها…وجدت علبا متفاوتة الحجم أسفل الشجرة..لمست بأصابعي زينتها..أهدتني مجسم شجرة سرو خضراء رقيقة صغيرة مجوفة..قالت لي ( حطها تحت مخدتك ونام رح تشوف أحلام سعيدة..) حلمت بلعبة شقراء تغني وتبكي كالتي رأيتها في واجهة متجر فخم،..لها ألبسة متعددة..بيد أني لم أنس لعبتي القماشية التي صنعتها أمي، ورسمتْ كحلها، وحمرة شفاهها بل وحتى شامة خدها..فنامت قربي تظهر ودها..وحبها الأبدي لي. وعانقتها كما كل ليلة، لتحلم معي
رأتني أم ماري يوما أبكي من بعض أبناء الحي الصغار خاصتها وهم يمازحونني يخطفون لعبتي تيك من يدي، يتقاذفونها بدعابات ثقيلة لم أستسغها..سألتني عن أسمائهم، أجبتها: هاغوب، فيلي، كوكو ، حتى مارغريت صديقتي..غضبت متوعدة بأنها ستلقنهم درسا قاسياً..وعلمتني شتائم أرمنية ــ حتى اليوم أحفظهاــ ما أن سببتهم بها حتى ذهلوا وخجلوا..وتناثروا على الرصيف يخافون غضب أم ماري العصبية النزقة..وحدّة وجهها المتغضّن، وقد رسمت على أديمه تفاصيل الزمن..فقد كان شعرها الأبيض المعقوف خلف رأسها مثل كعكة الثلج وحده يدب الخوف إن نظرت بغضب
صحوت يوما على صوت بكاء ناحب، تتخلّله كلمات أرمنية بين عويل وصراخ، تجمّعت جاراتها ومن ضمنهم أمي وأنا أمسك بطرف ثوبها خائفة..لم أفقه ما معنى الموت حينها تلك الكلمة المجهولة الغامضة التي رسمتها في مخيلتي .بكيت معهن..وأنا أرنو باضطرابٍ إليها مسبلة العينين متصالبة اليدين فوق صدرها، وحين خرج جثمانها بتابوت خشبي نظرت بحسرةٍ إلى بيتها الخالي منها..
وأُغلقَ شباك أم ماري..وأغلِقتْ معه شبابيك الحكايا..كلما وقفت قبالته أشعر بغصّة تخترق صدري الصغير..وقد انتاب أمي صمت مرير، وحزن دفين.وذهول كبير.
أحسست يوماً بجلبة في بيتها، ورجال يحشدون متاعها البسيط في سيارة مركونة قبالته، لقد بيع البيت لمالك جديد..وآل الإرث إلى مستحقيه..فرغ البيت عن آخره، إلا من شجرة ميلاد يابسة خالية من الأضواء قبعت في زاوية منسية لم يكترث بها أحد…
في نهاية المرحلة الابتدائية انتقلنا إلى بيتنا الكبير في (قدسيا)..أخذتنا الحياة إلى دروبٍ أخرى..ولكنني مازلت عقب كل خيبة، أهرع في خيالي إلى هديتها القابعة تحت الوسادة، أفتش عن حلمي الضائع، دامعة العينين، وأنا أرنو إلى شباك أم ماري، ألوّح لطيفها وأمضي.
تعليق