الفليم \قصة قصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ناجي حسين
    شاعر وأديب
    • 03-08-2008
    • 102

    الفليم \قصة قصيرة

    الولوج إلى المدينة في وقت مقيت... وبالاعتياد تخلق الدفاعات اللازمة لمقاومة الاختناق وكل يوم تنتفض ملايين الخلايا.. يدبّ في الجسد الفتي نشاط محموم للذهاب إلى الجامعة واستخدام وسائط النقل العام وما يتبعها من منغّصات صباحية ورتابة وانتظام ضربات المحفظة الجلدية على الخاصرة حتى أنها صارت تبدو حيناً جميلة وتكسر طوق التكرار.‏

    * * *‏

    كم مرّة خطر لها أن تداعب أشياءها الصغيرة في الحقيبة الجلدية، أحياناً كثيرة كانت تكتشف أشياء عمرها سنوات، ترقد بحنو هناك، مضى وقت طويل قبل أن تدغدغ عينيها امتدادات جديدة لصور الطفولة القديمة، وبعض الأشعار ودفتر الملاحظات الوردي. ذات عصر داعبها الصديق، "محفظتك لا تحتوي تلك الأشياء الحميمة الخاصة بالمرأة"، مشط، مرآة، أحمر شفاه"، ابتسمت وعندما نظر إلى الوجه الطافح كجورية في ذروة التفتح، أدرك سذاجة تساؤله، فنكس رأسه خجلاً.‏

    * * *‏

    النهار الدبق الحار، يجعل الليل ربيعاً، فيغرق القلب شوقاً إلى ديار في الذاكرة ونهارات أخرى، القمر من وراء نافذة الشقة يطل من عليائه جميلاً مبتسماً، العناق يعود طيفاً محمولاً على ضفائره المتسربة إلى الشقة ليشتعل الجسد بالرغبة.‏

    انتفض في جلسته ونهض إلى النافذة يشرعها، الفراغ يستنزف الروح ويستلبها، خرج إلى الطريق، افترش الرصيف الرطب ليعانق شفافية المساء دون حواجز.‏

    الطيف الخليّ يطرق أبواب الدماغ، يشتد الطرق، يتمدد على الرصيف ويفرق في اللجة، لجة الطيف العملاق والضوء الهادي الحزين المحايد.‏

    * * *‏

    استيقظت ذات صباح، أغرقت فيه الشمس كل تفاصيل الشقة الهادئة، شملت فوضاها المنظمة الحبيبة، فصارت الأفكار أشرعة تتصارع مع موج أحلام الأمس ومواعيده والأغنيات الدامية. عقرب الساعة يستقر على السابعة، أزاحت الغطاء الرقيق عن الجسد العابق بالدفء تاركاً جثة الحلم الأسود بالقبو الرطب والأصوات الوجلة تهوي فوق أرض أُعدّت للاحتراق البطيء، عند الذكرى صار الشعاع منكسراً. أشاحت بيدها تلوح للخاطر الأسود أن يتبعد.‏

    اتجهت إلى المغسلة طالعها في المرآة وجه كساه بعض شحوب، تمتمت أكان عليه، أن يختار التاسعة مساء: موعداً لحضور فيلم في السينما، لكنها سامحته في سرّها.‏

    * * *‏

    قطعت الوقت حتى التاسعة بإدراك واعٍ لأن تتحسس تفاصيل عديدة أكثرها لاغية في المدينة المتجهمة، كان الموعد في التاسعة لمشاهدة فيلم تحدث عنه الأصدقاء، أحدهم قال: إن الفيلم يذكرنا بأننا ما زلنا أحياء، ما زلنا على قيد الحياة فقط".‏

    عقّب آخر: "أن نكون على قيد الحياة ليس بالضرورة أن نكون أحياء"، تناست النقاش المتوتر وهي تقضم "سندويتشها" وهنا ربما أحست بالجوع). أي هناك، هل ستكون أمام مشهد آخر داهم ذهنها طويلاً، في أوقات متفرقة مستلاً آمال الغد مبعثراً إياها، كأوراق الخريف، هل هو فيلم بلا صالة ولا ممثلين، أشاحت بيدها لتطرد الخاطر البشع، تذكرت جملة "كثيراً ما يكون شعورنا خاطئاً".‏

    * * *‏

    ولجت الشارع الأخير، حيث ينتظر، داهمها ضوء قوي لعربة مسرعة غطت بيدها عينيها فأحسّت بقبضة قوية تمسك باليد الأخرى وتدفعها باتجاه غير الذي تقصده، وقبل أن يتاح لها استجماع تفاصيل اللحظة كان القيد قد استقر في يدها وضغط على معصميها الغضين واستقرت بجسد غابت الروح منه على مقعد السيارة بنظرات تائهة. وتساؤلات لم تجد لها جواباً قط حتى الآن.‏

    * * *‏

    انكسر الموعد على دقات النصف بعد التاسعة. دلف إلى الشارع بخطواته الوئيدة وحيداً وقال في سره: "بدونها لن أرى الفيلم"، طرق كل الحسابات الممكنة ووظف طاقاته الخيالية في خلق تفاسير الغياب، لكن الحقيقة الوحيدة كانت تطرق جدار الدماغ بعنف "إنني وحيد"، واستسلم لقدره المحتوم. تعيساً تهرب منه الكلمات بلا جدوى...‏

    * * *‏

    الليل في الربيع ونسمات العشق جعلته يحلم بصمت أن يشاهد فيلماً مع حبيبته التي رحلت قسراً...‏

    عندما أراد أن يبتسم أتاه الشرطي ليأمره بضرورة مغادرة المكان... أراد أن يتابع الحلم، لكنه كان مجبراً على الرحيل... فرحل.‏




    ناجي حسين
    التعديل الأخير تم بواسطة ناجي حسين; الساعة 09-10-2008, 21:20.
  • ناجي حسين
    شاعر وأديب
    • 03-08-2008
    • 102

    #2
    سليمان عبدالرحيم - القصة في غاية الجمالية

    لله درة أيها الغالي الأستاذ القاص ناجي حسين0. هذا النص في غاية
    الجمالية وقراءات ,عميق في معانيه ومراميه انه الانسان يبحث عن
    حبيبته وعن الحرية .النص جرعة أدبية في غاية الروعة مضمونا وحبكة
    وسردا ومفردات 0 انه باقة زهور ولا أروع من ذلك0
    لك خالص حبي

    تعليق

    • عبدالوهاب موسى
      بيرم المصرى/شاعر وناقد
      • 08-06-2008
      • 400

      #3
      حكى ماتع فى سرد شفيف
      توأمة بين العشقين :
      عسق العاشقين المعاش
      وعشق المحبوبة الكبرى
      التى هتكت براءتها الكباش.
      دمت قاصارائعا بل وشاعرا مهموما.
      محبتى فى الله لك
      اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم،صلاة
      ًكماهى فى علمِِك المكنون،عددَ ما كان وعددَمايكون،وعددَ
      ما سيكون،وعددَالحركات والسكون،وجازنى عنهاأجرًاغيرَ
      ممنون.
      فاجعل إلهى فى ثراها روضتى////فهى التى فيهاالحبيب شفيعُ.
      لم يكفنى بدل لها فى بكتى//// أو فى ثرى كتبت عليه بقيعُ.

      تعليق

      يعمل...
      X