((رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي )).
لحن رجل في حضرة النبي محمد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لأصحابه: ((أرشدوا أخاكم فقد ضَلّ)). فاعتبر النبي اللحن – وهو الخطأ في الإعراب – ضلالاً.
ويروى عن سيدنا أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أنه كان يقول: ((لأن أقرأ فأسقط أحبّ إليّ من أن أقرأ فألحن)).
وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى أبي موسى الأشعري عندما ورده منه كتاب أخطأ فيه كاتبه: ((قنّع كاتبَك سوطاً)).
وقال الأوائل: ((ليس لِلاحنٍ حُرمة))!
اللحن في الأصل الخطأ في الإعراب، ولكنه صار يطلق فيما بعد على الخطأ في اللغة بأنواعه. واللحن مذموم، وهو يبهرج أصحابه أمام الناس إذا لم يسارعوا ويصوبوا أخطاءهم. من ثمة ضرورةُ مراجعةِ الكاتبِ مادّتَه قبل نشرها وإذاعتها بين الناس.
وبما أن الخطأ فعل انساني وأن النقص مُستولٍ على جملة البشر كما يُقال، فإن الوقوع فيه – بحد ذاته – ليس معرّةً، إنما المعرّة تلحق الذي لا يُسلّم بالخطأ وهو واضح، ويجادل فيه وهو بيِّن، ويرفضُ تصويب الآخرين له، فتأخذه العزة بالإثم، ويضلّ ضلالاً مبينًا، ويصبح عرضة للاستهزاء في المحافل.
فالخطأ ليس عيبًا، إنما الخطأ في إنكاره رغم وجوده، وإمعان الكاتب في البقاء جاهلاً باللغة بسبب تضخم أناه، أو اعتياده على سماع الإطراء والمديح وسائر أصناف (الزعبرة).
لقد أفنيتُ سنين كثيرة من عمري في درس اللغات، وتعلمت زهاء ثلاثين لغة ميتة وحية، ولي حوالي مئتي عمل منشور مطبوع ورقيًا بين كتاب ومقالة وتحقيق بأكثر من خمس لغات، ومع ذلك كنت ألحن في كتابة كلمة (مطّرد) وأكتبها هكذا (مضطرد) بإضافة ضادٍ إليها وذلك لأكثر من عشر سنوات، حتى نبهني إلى ذلك زميل يمني لا أعرفه، كان راسلني ليشكرني على مقالة علمية لي صدرت في مجلة علمية محكمة، كان هو الذي حكّمها، فأثنى عليها ثناء كثيرًا، ونبهني إلى اللحن في رسم كلمة (مطّرد). ولا يعلم إلا الله مدى الحزن الذي انتابني عند معرفتي ذلك، ومدى السعادة التي شعرت بها عندما راجعت جميع نصوصي وأصلحت منها ما ورد هذا اللحن فيها، ومدى الشكر والامتنان والدعاء لذلك الزميل الذي أهدي إليَّ عيبِي هذا بالرحمة والسداد. ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي كان يقول: ((رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي )).
لقد كانت النصيحة عند العرب بجمل كما يقول المثل الشعبي - (النصيحة بِجَمَل)؛ واليوم صارت النصيحة فضيحة! ومع ذلك فلا يصح إلا الصحيح، ولا ينبغي لكاتب - مهما كانت موهبته كبيرة - أن يجادل في خطأ واضح.
تعليق