
أفشوا السَّلام بينكم
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
(سورة الأنعام:#54)
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-
الحمد لله على نعمة الإسلام، دين السّلام، وكفى بها نعمة، والصلاة والسّلام على محمد، الرحمة المهداة إلى البشرية جمعاء من رب البشرية، نبي السّلام والوئام لخير الأنام والأنعام ولكل من دب على البر أو سبح في البحر أو حلق في السماء على الدَّوام.
[align=justify]ثم أما بعد، لا يخلو قلب الإنسان من هَمٍّ، و لا تصفو نفس من قلق، ولا ينجو عقل من وَهْمٍ؛ هذه هي طبيعة هذا الإنسان الصغير بجرمه، الكبير بفكره الذي فاق به سائر الكائنات التي تشاركه السُّكنى في هذا الكوكب الضئيل الهش، الكوكب الأزرق كما يُسمَّى.
وهذا الإنسان مكلف من الله تعالى خالِقه ورازقِه بإعمار هذه الأرض بما أمره أن يعمرها به {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}(هود:61) لكن هذا الإنسان الصغير بجرمه الكبير بفكره أصاب حينا وأخطأ أحيانا كثيرة فذاق وبال أمره عاجلا في الدنيا قبل الآخرة وها هو يجني الويلات في الحياة قبل الممات بِغَيِّه وبَغْيِه وطغيانه وجبروته واستكباره في نفسه واستعظامه لفكره وهو الصغير الضئيل الضعيف، وما ينتظره من عقاب شديد مؤجل أعظم وأألم وأدوم إن لم يتب عن غيه وإن لم يثب إلى رشده، لكن أنَّى له أن يثوب، وأنَّى له أن يتوب وهو - المسكين - يظن أنه سيد الكون بلا منازع ولا محاسب وقد تمرد على سيده الحقيقي؟
لقد أفشى الإنسان، على صغره وضآلته وضعفه، الظُّلمَ ونشر الفساد وأشاع الضر وأذاع الشر وأفشى البغي والعدوان بين بني جنسه من البشر بل وطال شره الأرضَ كُلَّها ليس في البر وحده بل فيه وفي البحر وحتى في الجو كذلك كما قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم:41)، فكيف السبيل إلى إصلاح هذه الأوضاع الشائنة للإنسان نفسه ولكل من يساكنه في الأرض بل وحتى لكل كائن يشاركه الوجود في هذا الكوكب الضئيل الهش المهدد بالدمار؟
إن الحل الجذري يكمن في إحلال السلام على الأرض بجميع سكانها من البشر وسائر المخلوقات حتى الشّجر والحجر وفي البَر والبحر والجو، سلام ثلاثي الأبعاد، ثلاثي المقاصد، ثلاثي الوسائل، ثلاثي الميادين، وهذا ما سنحاول، إن شاء الله تعالى، عرضَه في هذه المقالة التي تدخل مباشرة في نطاق موضوعي الكبير الخطير:"جراحة الأفكار بين المُدارسة و المُمارسة (مقدمة في التَّغيير السلمي).[البحث منشور في الصحافة الجزائرية مرتين (2001/1997) وفي الشبكة العَنْكبية الدولية (2009)]، وسنتطرق، بإذن الله تعالى، إلى الحديث عن هذا السلام الإسلامي، بمفهومه الإسلامي فقط، في أربعة محاور كبرى تندرج تحتها محاور صغرى كالتالي:
1- السّلام ثلاثي الأبعاد: أ- البعد العقدي؛ ب- البعد التعبدي؛ ج- البعد الأخلاقي؛
2- السّلام ثلاثي المقاصد: د- تجاه الله تعالى؛ ه- تجاه النفس؛ و- تجاه الآخرين؛
3- السّلام ثلاثي الوسائل: ز- التوعية العامة (النّصح)؛ ح- البِشارة؛ ط- النِّذارة؛
4- السّلام ثلاثي الميادين: ي- البيت؛ كـ- الخارج؛ ل- العالم.
هذا ما عنَّ لي الحديث فيه معكم، قرائي الأعزاء، عسانا نصل إلى نتائج مُرْضية تساعدنا على إحلال السلام في أنفسنا ومع غيرنا ومع الله أولا وأخيرا، وإنه لمن المعلوم من الثقافة الإسلامية بالضرورة أنني أستند في موضوعي هذا إلى الحديث النبوي الشريف: "دبَّ إليكم داءُ الأُمَمِ: الحسَدُ والبَغضاءُ، هي الحالِقةُ حالِقةُ الدِّينِ لا حالِقةُ الشَّعرِ، والذي نفسي بيَدِه، لا تدخُلوا الجنَّةَ حتى تُؤمِنوا، ولا تؤمِنوا حتى تحابُّوا، أفلا أنبِّئُكم بشيءٍ إذا فعَلْتُموه تحابَبْتُم؟ أفشُوا السَّلامَ بينكم"،(رواه الإمام السيوطي، رحمه الله تعالى، عن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه، بإسناد صحيح، في "الجامع الصغير")، ومن الله نستمد العون والتوفيق فهو، سبحانه، المستعان والموفق إلى الخير وحده.[/align]
قراءة ممتعة ومفيدة إن شاء الله وإلى اللقاء.
البُليْدة، صبيحة يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 1439 الموافق 06 فبراير 2018.
(تمت المراجعة والتصحيح والتنقيح يوم الجمعة، 22 شوال 1439 الموافق 6 جويلية/يوليو 2018)
(تمت المراجعة والتصحيح والتنقيح يوم الجمعة، 22 شوال 1439 الموافق 6 جويلية/يوليو 2018)
تعليق