بين خنجر وجيد ثمة أشياء مشتركة منها الجيم بنقطته
لا عجب حين أقرأ أو أسمع "جيد" اشعر خنجر ألم في ظهر قلبي
في الإبتدائي الأول رغم ذكائي وشطارتي وكثر اهتمامي، ضعف في يدي أبدا يذيل درجتي "بــ لا بأس ياشاطرة، حسني خطك.. تدربي أكثر لا تبالي، ستكونين أفضل لا جيد ولا جدا. كبرت وصار من فرط القوة في يدي خطي باذخ الوضوح لكن "جيد. ربما لان... وعلى كلّ
في يوم ما دفعتني رغبة عارمة للخروج؛ كأني تلقيت دعوة مهمة أو استقبل قادما من سفر، أخترت أجمل ما في الخزانة من ثياب، اعتنيت بمظهري أهم عناية لبست التنورة الطويلة والقميص البنفسجي لون الوردات المطبوعة على طرف التنورة، حقيبة يد سوداء وحذاء مفتوح الطرف يظهر لون طلاء أظفر الأبهام كان ورديا لون الطلاء، لون البروش الذي يحكم الشال، من ذات وشوشة، وأنا أدس الوردي دسا في الهندمة مثلا شذرة خاتم، خرزات قلادة ملونة، مشبك بلاستك، شريط، زرار، وردة مطبوعة، الهلالات الصغيرة التي تبرز من القماشة الملفوفة بين طيات الشال، فقط أحرص على أن لا يكون بارزا ويلفت الأنتباه ولا معدما فيوجع الــ شيء ما . تمنيت يومها للسماء الغائمة خيال روائي عربي، يهز الغيمات المتمسكة بقطراتها فخيال الروائي العربي رغم جفاف الواقع أبدا يجعل المشاهد المهمة في الرواية تحت الرذاذ أوعلى وقع الهطول الغزير. نسمات الربيع يومها تضخمها ريح السيارات وتثقلها بشيء من تراب، اخشى على فرط اناقتي، أنظر للذاهبين النظاف الخفاف، و للعائدين المحملين بالأشياء والأثقال والغبار، وقفت عند فهوة السوق الشعبي، بدا كبيت نمل مبلل بقطرات ماء، ممر مزدحم مظلم من مظلات الباعة وعباءات النسوة المتبضعات، وهنّ يخرجن دفعات يحملن الخضار والفاكهة والبقوليات والاسماك واللحوم، والدجاجات النيئات المعلقات في أيديهن، وا عجبا.. الدجاجة الداجنة حتى آخر لحظات من رحلتها القصيرة رأسها منكس، وتعد من أصناف الطيور! أتفقد الوردات على طرف التنورة كلما رأيت عباءة بحاشية مطينة. أسرع طفل يلح عليّ اشتري علكة رديئة، وآخر يرغب لأكياس نايلون، قبل أن أتعلق بطفل صغير في بيتنا، كنت أشيح عن مثلهم وازدري.
ــ " ربي يحقق أحلامك" دعوة افزعتني من ورائي! أ حقا يشترى تحقيق الأحلام بورقة زهيدة! وأي الاحلام المحالة مثل خيال الروائي للغيمات، أم التي على احتمال مثل المزهرية البطة، أم تلك المخبئة بأقصى البعيد البعيد . منتصف شتاء ما كانت أمنيتي، يهبني السقف قطرة مطر، سقف بيتنا باهض الرخام، وحين ربيع قصدت الشرفة لعلّ قطرات ندى، نجمات لامعة، عطر زهرة. بعينين صفراوين حادتين مخيفتين استقبلتني النخلة التي هي اليوم جذع يشد حبل الغسيل، بينما أخضرار السعف والرطب يرتفعان غنيمة لعصافير المزاريب وشقوق الحوائط ،
يقولون القط الذي كان يحك مخالبه بظهر الحائط ويخرش في الظلام، مات مخنوقا بعظم البوم، كيف وهو يبتلع الافاعي بسمومها، وحدي أعلم أن القط مات مرعوبا بنظرة البوم.
شارع ينعطف بي، وينتشلني من المتسولين والمتسولات من الأحلام والإنتظار، من رصيف السوق الشعبي وماء عربات الخضار، طرق كثيرة توصل إلى السوق الكبير لأواني الفخار والخزف. البطة المزهرية التي تحني رأسها وتثقب ظهرها لأزهار البلاستك كسرت اثناء التنظيف والتحضير لفرش السجاد أول الشتاء، وهذا الخروج فرصة للبحث وشراء مشابهة. أمنتُ في شارع الحي على ثيابي من الغبار؛ قليلا ما تمر سيارة ويستحيل باع يفترش الرصيف، ويندر متسول يلح بتكرار يحسبه ثمن أحلامنا المؤجلة. قصور جميلة، تداخلت الألوان على جدرانها بترتيب عالٍ ،وأخرى للتو خارجة من طلاء بلون واحد وتلميع الزجاج، وأخرى متوسطة العناية وأخرى آيلة للتقشر، وأخرى طليت بعبث ألوان وتعرج فرشاة، وأخرى ما زالت على لون الطابوق بيوت وقصور منها الواطئة ومنها العالية حد ترتفع أعمد الرخام المزخرف لثلاث طوابق واربع، الأسيجة كلها متقاربة العلو مختلفة بما يخرج مهنا، مثلا نخلة تنقسم بين داخل البيت والشارع، شجرة نارنج رغم بدء تفتح القداح بين وريقاتها، ما تزال عالقة بأطرافها العالية بضعة حبات برتقالية، شجيرات ورد بالكاد يظهر منها غصين وآخر عرفت أنواع البعض والأخرى أعرفها بالشكل استنشقت عطر البعض وسررت بألوان آخر، سمحت ليدي تقطف من متسلقة عابرة تتفتح للمارة كانت جورية بلون وردي، خطوات عديدة وأنا مغمضة من عطرها أم من لونها الوردي أنا ثملة وسعيدة أسائل نفسي.
الأسيجة القريبة من الحوائط أكثرها متسخة ومتصدعة هنا تقطر بالماء الخابط قطعة قماش ثقيل مسح بها البلاط وتركت لتجف، هنا قدر ملوث، وآخر ممتلئ بالفضلات، وأكياس بلاستك محشوة بلنفايات، قط كبير أعتاد على حفيف المارة ووقع الخطوات والأصوات، رغم طقطقة حذائي، ظل غارق بنومه وقطة صغيرة تركض على أحدى الأسيجة مسرعة ثم تقفز للداخل، لا أظنني أفزعتها، احتمال عثرت على فضلات ما داخل السياج، أخرى تتسلق وتقف تتأهب لتنقض على ما في عش عصفور الدوري، توقيت ووصول مناسبان، جفلتْ من رمية الحصا رشقتْ القطة على إسفلت الشارع، كثر ما سعدت بحياة جديدة كتبت لصغار الدوري، تألمت لأنني كنت سببا لسقوط هائل الألم.
الوقت ضحى ووقت الضحى تخفت حركة المارة في الأحياء، لم اصادف سوى القليل من البشر، طفل وامرأة تحمل حقيبة بلاستك فارغة واضح أنها تقصد سوق الخضار، امرأتان بشياكة مفرطة، شاب لطيف يدس السماعات في اذنيه، ويهمس همسا ندب الندى التي تتناثر على وجهه المحمر تشي بانه يحاكي حبيبة، أب يفتح ظلفتي باب السياج ليخرج سيارة بيضاء مليئة برؤوس واسنان مبتسة، صبية مستعجلة بيد تحمل عدة أوراق جامعية وبأخرى تكمل تلوين الشفاه بالأحمر لا أحبذ مبالغة الأحمر على الشفاه لا ادري لم أكثر البنات يفضلن شفاههن فالقة مثل قطعة رقي متروكة، أظنها كانت مستعجلة لتحاول اللحاق بمجموعة الصبايا الاتي سبقنها، كلهن قصيرات وناعمات أتألم كثيرا لظاهرة القصر في طول البنات الاتي ولدنّ يوم كنا في مرحلة الجامعة البعض يتهم حليب العلب، لا أظن تماما.. نقص الألفة والمحبة في حليب الأمهات المتعطشات لحياة غير وأفضل أيضا سبب له تأثير فالمحبة كما الرضا كلاهما يوازي الماء يهب الحياة ويعطي النضارة.
طفلان صغيران يلعبان بكرة ينتهي تدحرجها عند قدمي، هززت فروة رأس الطفل الذي انحنى يلتقطها، ــ ما اسمك ياصغير، اسرع مبتعدا يرد بنظرة تكسر البراءة في صغر سنه، الصغير الآخر قال ــ سيف اسمه ياخالة، تبسمت وقلت جارح حاد.. وأنا أمين، وانت أمين على ان يظهر بأجمل صورة، لم يفهما غير الحلوى والركض وراء الكرة. خطوات عديدة أتلفت وما من حاوية للنفايات ألقي بها المنديل القطني الذي مسحت به ما علق من تراب بحذائي أثر كرة الصغيرين، لا خلاص سوى دسه خلف عمود الأنارة. تمعنت كثيرا بجديلة محكمة على ظهر صبية خرجت من أحدى الأبواب يوم كنت في مثل عمرها أمي لم تهتمت بجديلتي، سرعان ماتنحل وينساب شعري الطويل.
طفل آخر هذة المرة غاف تحت ستار التول في عربة رضيع تدفعها شابة جميلة ممتلئة الجسم، بقميص أسود وتنورة خليط ألوان وزخارف ضيقة وبلكاد تغطي الركبة، تنتهي عند استيك الجوراب الشيفون، نظارتها الشمسية تخفي جزءا كبيرا من ملامحة وجهها، شعرها مرفوع بكاب أسود.
ذهابها عكس ذهابي، لا بد تمر على الزحامات والفوضى وعجلة الخطوات والشوارع المليئة بالحفر، في مدننا شارع مصقول وعشرة خرب، لا تليق عربات الأطفال، مؤكد سيجفل الطفل ويستقظ خائفا، من صرخة عالية، أزيز رصاصة، أهتزاز بحفرة،
أذكر ذات مرة نشب شجار في سوق صاغة الذهب تفاخم الشجار حد إطلاق الرصاص، أحدى المارات ألتقطت طفلها من العربة وركضت تاركة، مكان الطفل الدافئ، الأرنب المطبوع مبتسما على مقعد العربة، وكأنه فرح بعلبة الحليب التي ظلت والمنديل النظيف المشبع برائحة البودرة والديتول.
قد تتشابه العربات لكن الأقدار لا تتشابه
رجل كبير السن يفرعجلات كرسيه العربة ويخرج من ظل شبكة حديد كبيرة، ترتفع بالعنب المورق، ليتطرف فيّ نخلة عند باب السياج، ظننته يشغل مسامعه، ويقاوم بطئ ساعة النهار بالانصات لدفقات الأصوات المتسربة من هنا وهناك، مثل صياحِ اطفالٍ من بيت قريب، صوت تلفاز،امرأة غاضبة من شئ ما، فمن عادة النساء الصياح عند الشجار والغضب، عراك عصافير، هديل حمامة لها عش في النخلة التي ترتفع من فوقه، وقع أحذية المارة على الإسلفت، فقط رفع يده حين ألقيت التحية، سمات وجهه المثقلة بالاصفرار يعلومنها صوت النهاية تبدي أنه ينصت لأصوات تتدفق من غور حياة يوشك يخرج منها. بينما أكلمل خطواتي وأنا أفكر بما تبقى له من سفر الدنيا، امراة تفاجئني من أحدى الابواب تهم برشق سطل ماء، ــ لا أنتظري ارجوك، لم تعدل عن أدلاق ما في السطل الأزرق ذو العورة البيضاء قبل أن تميل فمها وتدسه إلى جانب خدها المليئ بالبثور والكلف، لو تدلق ما في السطل من خابط وصابون كان أخف وطئا على قلبي من رد السلام .
"كانت العربة فكرة قبل ان يجرها الحمار" عبارة كما يقولون لقائلها، ساقها للمقدمة حصان مر مسرعا يجر عربة؛ كم من أقدام نحتت منتعلة لحجر ظل مكانه، كم من أزهار أصطناعية رشت بالماء والنور والكلمات، وحدها التي تذوي بعيدا تصنع عطرا، كم من أغصان يانعة قطفت.. كم من أقواس صنعت لأجل سهم واحد يعود من وراء الأسراب بريشة.
ابتعد الحصان بالعربة عن المنتصف كما تراجعت الذكريات مع وقع العبارة عدت للتحديق في بنايات الحي بدت الحدائق أكثر تناسقا وعناية في قصور أكثر فخامة، تضخمت رئتاي من فيض رائحة الورود.. مثل فراشة أغرق في بحر الأزهار التحليق غرق الفراشات، وتارة يطفو بي شعور ويصرني مبهجة مشعة مثل زنبقة ماء.
هسيس وتمتمات وراء باب عريض محشور بين تسلق الجوري الوردي والمينا الملون، كأنهما عاصفة تشد إليها؛ تعيد الأوراق المتساقطة للاشجار توشوش العصافير ــ العشب اليابس مشروع عش، أرهف السمع ألتقط شيئا من أيام المريول.. أرهف.. الألتفات كالغبار للأناقة، أرهف.. طيور الأقفاص تسيق لي ترانيمَ وشققات لو تأخرها.. أرهف.. دفع المتراس يفزع عصافير تحاول أن تحط على سلك من أدنى القريب إلى أقصى البعيد، من خروج دون قصد ووجهة إلى وشوشة أيام الثانوي والشرائط الوردي"
إلى ــ منذ كم وكل شيء يماثلني المزاج الجيد، إلى صفحات القراءة الخلدونية وعلامات الدفتر."
لا عجب حين أقرأ أو أسمع "جيد" اشعر خنجر ألم في ظهر قلبي
في الإبتدائي الأول رغم ذكائي وشطارتي وكثر اهتمامي، ضعف في يدي أبدا يذيل درجتي "بــ لا بأس ياشاطرة، حسني خطك.. تدربي أكثر لا تبالي، ستكونين أفضل لا جيد ولا جدا. كبرت وصار من فرط القوة في يدي خطي باذخ الوضوح لكن "جيد. ربما لان... وعلى كلّ
في يوم ما دفعتني رغبة عارمة للخروج؛ كأني تلقيت دعوة مهمة أو استقبل قادما من سفر، أخترت أجمل ما في الخزانة من ثياب، اعتنيت بمظهري أهم عناية لبست التنورة الطويلة والقميص البنفسجي لون الوردات المطبوعة على طرف التنورة، حقيبة يد سوداء وحذاء مفتوح الطرف يظهر لون طلاء أظفر الأبهام كان ورديا لون الطلاء، لون البروش الذي يحكم الشال، من ذات وشوشة، وأنا أدس الوردي دسا في الهندمة مثلا شذرة خاتم، خرزات قلادة ملونة، مشبك بلاستك، شريط، زرار، وردة مطبوعة، الهلالات الصغيرة التي تبرز من القماشة الملفوفة بين طيات الشال، فقط أحرص على أن لا يكون بارزا ويلفت الأنتباه ولا معدما فيوجع الــ شيء ما . تمنيت يومها للسماء الغائمة خيال روائي عربي، يهز الغيمات المتمسكة بقطراتها فخيال الروائي العربي رغم جفاف الواقع أبدا يجعل المشاهد المهمة في الرواية تحت الرذاذ أوعلى وقع الهطول الغزير. نسمات الربيع يومها تضخمها ريح السيارات وتثقلها بشيء من تراب، اخشى على فرط اناقتي، أنظر للذاهبين النظاف الخفاف، و للعائدين المحملين بالأشياء والأثقال والغبار، وقفت عند فهوة السوق الشعبي، بدا كبيت نمل مبلل بقطرات ماء، ممر مزدحم مظلم من مظلات الباعة وعباءات النسوة المتبضعات، وهنّ يخرجن دفعات يحملن الخضار والفاكهة والبقوليات والاسماك واللحوم، والدجاجات النيئات المعلقات في أيديهن، وا عجبا.. الدجاجة الداجنة حتى آخر لحظات من رحلتها القصيرة رأسها منكس، وتعد من أصناف الطيور! أتفقد الوردات على طرف التنورة كلما رأيت عباءة بحاشية مطينة. أسرع طفل يلح عليّ اشتري علكة رديئة، وآخر يرغب لأكياس نايلون، قبل أن أتعلق بطفل صغير في بيتنا، كنت أشيح عن مثلهم وازدري.
ــ " ربي يحقق أحلامك" دعوة افزعتني من ورائي! أ حقا يشترى تحقيق الأحلام بورقة زهيدة! وأي الاحلام المحالة مثل خيال الروائي للغيمات، أم التي على احتمال مثل المزهرية البطة، أم تلك المخبئة بأقصى البعيد البعيد . منتصف شتاء ما كانت أمنيتي، يهبني السقف قطرة مطر، سقف بيتنا باهض الرخام، وحين ربيع قصدت الشرفة لعلّ قطرات ندى، نجمات لامعة، عطر زهرة. بعينين صفراوين حادتين مخيفتين استقبلتني النخلة التي هي اليوم جذع يشد حبل الغسيل، بينما أخضرار السعف والرطب يرتفعان غنيمة لعصافير المزاريب وشقوق الحوائط ،
يقولون القط الذي كان يحك مخالبه بظهر الحائط ويخرش في الظلام، مات مخنوقا بعظم البوم، كيف وهو يبتلع الافاعي بسمومها، وحدي أعلم أن القط مات مرعوبا بنظرة البوم.
شارع ينعطف بي، وينتشلني من المتسولين والمتسولات من الأحلام والإنتظار، من رصيف السوق الشعبي وماء عربات الخضار، طرق كثيرة توصل إلى السوق الكبير لأواني الفخار والخزف. البطة المزهرية التي تحني رأسها وتثقب ظهرها لأزهار البلاستك كسرت اثناء التنظيف والتحضير لفرش السجاد أول الشتاء، وهذا الخروج فرصة للبحث وشراء مشابهة. أمنتُ في شارع الحي على ثيابي من الغبار؛ قليلا ما تمر سيارة ويستحيل باع يفترش الرصيف، ويندر متسول يلح بتكرار يحسبه ثمن أحلامنا المؤجلة. قصور جميلة، تداخلت الألوان على جدرانها بترتيب عالٍ ،وأخرى للتو خارجة من طلاء بلون واحد وتلميع الزجاج، وأخرى متوسطة العناية وأخرى آيلة للتقشر، وأخرى طليت بعبث ألوان وتعرج فرشاة، وأخرى ما زالت على لون الطابوق بيوت وقصور منها الواطئة ومنها العالية حد ترتفع أعمد الرخام المزخرف لثلاث طوابق واربع، الأسيجة كلها متقاربة العلو مختلفة بما يخرج مهنا، مثلا نخلة تنقسم بين داخل البيت والشارع، شجرة نارنج رغم بدء تفتح القداح بين وريقاتها، ما تزال عالقة بأطرافها العالية بضعة حبات برتقالية، شجيرات ورد بالكاد يظهر منها غصين وآخر عرفت أنواع البعض والأخرى أعرفها بالشكل استنشقت عطر البعض وسررت بألوان آخر، سمحت ليدي تقطف من متسلقة عابرة تتفتح للمارة كانت جورية بلون وردي، خطوات عديدة وأنا مغمضة من عطرها أم من لونها الوردي أنا ثملة وسعيدة أسائل نفسي.
الأسيجة القريبة من الحوائط أكثرها متسخة ومتصدعة هنا تقطر بالماء الخابط قطعة قماش ثقيل مسح بها البلاط وتركت لتجف، هنا قدر ملوث، وآخر ممتلئ بالفضلات، وأكياس بلاستك محشوة بلنفايات، قط كبير أعتاد على حفيف المارة ووقع الخطوات والأصوات، رغم طقطقة حذائي، ظل غارق بنومه وقطة صغيرة تركض على أحدى الأسيجة مسرعة ثم تقفز للداخل، لا أظنني أفزعتها، احتمال عثرت على فضلات ما داخل السياج، أخرى تتسلق وتقف تتأهب لتنقض على ما في عش عصفور الدوري، توقيت ووصول مناسبان، جفلتْ من رمية الحصا رشقتْ القطة على إسفلت الشارع، كثر ما سعدت بحياة جديدة كتبت لصغار الدوري، تألمت لأنني كنت سببا لسقوط هائل الألم.
الوقت ضحى ووقت الضحى تخفت حركة المارة في الأحياء، لم اصادف سوى القليل من البشر، طفل وامرأة تحمل حقيبة بلاستك فارغة واضح أنها تقصد سوق الخضار، امرأتان بشياكة مفرطة، شاب لطيف يدس السماعات في اذنيه، ويهمس همسا ندب الندى التي تتناثر على وجهه المحمر تشي بانه يحاكي حبيبة، أب يفتح ظلفتي باب السياج ليخرج سيارة بيضاء مليئة برؤوس واسنان مبتسة، صبية مستعجلة بيد تحمل عدة أوراق جامعية وبأخرى تكمل تلوين الشفاه بالأحمر لا أحبذ مبالغة الأحمر على الشفاه لا ادري لم أكثر البنات يفضلن شفاههن فالقة مثل قطعة رقي متروكة، أظنها كانت مستعجلة لتحاول اللحاق بمجموعة الصبايا الاتي سبقنها، كلهن قصيرات وناعمات أتألم كثيرا لظاهرة القصر في طول البنات الاتي ولدنّ يوم كنا في مرحلة الجامعة البعض يتهم حليب العلب، لا أظن تماما.. نقص الألفة والمحبة في حليب الأمهات المتعطشات لحياة غير وأفضل أيضا سبب له تأثير فالمحبة كما الرضا كلاهما يوازي الماء يهب الحياة ويعطي النضارة.
طفلان صغيران يلعبان بكرة ينتهي تدحرجها عند قدمي، هززت فروة رأس الطفل الذي انحنى يلتقطها، ــ ما اسمك ياصغير، اسرع مبتعدا يرد بنظرة تكسر البراءة في صغر سنه، الصغير الآخر قال ــ سيف اسمه ياخالة، تبسمت وقلت جارح حاد.. وأنا أمين، وانت أمين على ان يظهر بأجمل صورة، لم يفهما غير الحلوى والركض وراء الكرة. خطوات عديدة أتلفت وما من حاوية للنفايات ألقي بها المنديل القطني الذي مسحت به ما علق من تراب بحذائي أثر كرة الصغيرين، لا خلاص سوى دسه خلف عمود الأنارة. تمعنت كثيرا بجديلة محكمة على ظهر صبية خرجت من أحدى الأبواب يوم كنت في مثل عمرها أمي لم تهتمت بجديلتي، سرعان ماتنحل وينساب شعري الطويل.
طفل آخر هذة المرة غاف تحت ستار التول في عربة رضيع تدفعها شابة جميلة ممتلئة الجسم، بقميص أسود وتنورة خليط ألوان وزخارف ضيقة وبلكاد تغطي الركبة، تنتهي عند استيك الجوراب الشيفون، نظارتها الشمسية تخفي جزءا كبيرا من ملامحة وجهها، شعرها مرفوع بكاب أسود.
ذهابها عكس ذهابي، لا بد تمر على الزحامات والفوضى وعجلة الخطوات والشوارع المليئة بالحفر، في مدننا شارع مصقول وعشرة خرب، لا تليق عربات الأطفال، مؤكد سيجفل الطفل ويستقظ خائفا، من صرخة عالية، أزيز رصاصة، أهتزاز بحفرة،
أذكر ذات مرة نشب شجار في سوق صاغة الذهب تفاخم الشجار حد إطلاق الرصاص، أحدى المارات ألتقطت طفلها من العربة وركضت تاركة، مكان الطفل الدافئ، الأرنب المطبوع مبتسما على مقعد العربة، وكأنه فرح بعلبة الحليب التي ظلت والمنديل النظيف المشبع برائحة البودرة والديتول.
قد تتشابه العربات لكن الأقدار لا تتشابه
رجل كبير السن يفرعجلات كرسيه العربة ويخرج من ظل شبكة حديد كبيرة، ترتفع بالعنب المورق، ليتطرف فيّ نخلة عند باب السياج، ظننته يشغل مسامعه، ويقاوم بطئ ساعة النهار بالانصات لدفقات الأصوات المتسربة من هنا وهناك، مثل صياحِ اطفالٍ من بيت قريب، صوت تلفاز،امرأة غاضبة من شئ ما، فمن عادة النساء الصياح عند الشجار والغضب، عراك عصافير، هديل حمامة لها عش في النخلة التي ترتفع من فوقه، وقع أحذية المارة على الإسلفت، فقط رفع يده حين ألقيت التحية، سمات وجهه المثقلة بالاصفرار يعلومنها صوت النهاية تبدي أنه ينصت لأصوات تتدفق من غور حياة يوشك يخرج منها. بينما أكلمل خطواتي وأنا أفكر بما تبقى له من سفر الدنيا، امراة تفاجئني من أحدى الابواب تهم برشق سطل ماء، ــ لا أنتظري ارجوك، لم تعدل عن أدلاق ما في السطل الأزرق ذو العورة البيضاء قبل أن تميل فمها وتدسه إلى جانب خدها المليئ بالبثور والكلف، لو تدلق ما في السطل من خابط وصابون كان أخف وطئا على قلبي من رد السلام .
"كانت العربة فكرة قبل ان يجرها الحمار" عبارة كما يقولون لقائلها، ساقها للمقدمة حصان مر مسرعا يجر عربة؛ كم من أقدام نحتت منتعلة لحجر ظل مكانه، كم من أزهار أصطناعية رشت بالماء والنور والكلمات، وحدها التي تذوي بعيدا تصنع عطرا، كم من أغصان يانعة قطفت.. كم من أقواس صنعت لأجل سهم واحد يعود من وراء الأسراب بريشة.
ابتعد الحصان بالعربة عن المنتصف كما تراجعت الذكريات مع وقع العبارة عدت للتحديق في بنايات الحي بدت الحدائق أكثر تناسقا وعناية في قصور أكثر فخامة، تضخمت رئتاي من فيض رائحة الورود.. مثل فراشة أغرق في بحر الأزهار التحليق غرق الفراشات، وتارة يطفو بي شعور ويصرني مبهجة مشعة مثل زنبقة ماء.
هسيس وتمتمات وراء باب عريض محشور بين تسلق الجوري الوردي والمينا الملون، كأنهما عاصفة تشد إليها؛ تعيد الأوراق المتساقطة للاشجار توشوش العصافير ــ العشب اليابس مشروع عش، أرهف السمع ألتقط شيئا من أيام المريول.. أرهف.. الألتفات كالغبار للأناقة، أرهف.. طيور الأقفاص تسيق لي ترانيمَ وشققات لو تأخرها.. أرهف.. دفع المتراس يفزع عصافير تحاول أن تحط على سلك من أدنى القريب إلى أقصى البعيد، من خروج دون قصد ووجهة إلى وشوشة أيام الثانوي والشرائط الوردي"
إلى ــ منذ كم وكل شيء يماثلني المزاج الجيد، إلى صفحات القراءة الخلدونية وعلامات الدفتر."
تعليق