ظل لرجل كان معي وأنا أعبر الشارع لمحته، بابتسامته الواسعة، ووجهه الأسمر، مرتديا بنطاله الجينز الأسود، وبروفله الأحمر، واقفا، منتظرا الباص القادم.هرعت إليه أناديه، إلا أن الباص كان أسرع مني، وأخذه ومضى به بعيدا.مرة أخرى رأيته يهمُ في الشارع المزدحم بالناس، وما إن وصلت إليه كان قد اختفى.مرات عديدة يحدث ذلك وفي كل مرة يتلاشى من أمامي كظل لنور ينطفئ. كان ذلك بالغ الحيرة، فتساءلت في قلق: لم يفعل ذلك معي؟ استرجعت ما بيننا، وهدير الذكريات كصور حية تتوالى أمام عيني.. تعود أولى الذكريات حين تم اقتيادنا ذات صباح من أعمالنا بصحبة آخرين، بعد نشوب الحرب الباردة، والمفاجئة بين الدولتين المتجاورتين، وتم حبسنا في معسكر مفتوح بتهمة أننا صرنا لهم من الأعداء. بقينا لأيام، شهور، سنوات نلهث وراء أمل المصالحة، ومن ثمَّ عودتنا إلى وطننا. كانت أيام صعبة تقاسمنا فيها الهم والملابس القديمة، ولقم العيش الناشف المغموس بالجبن القديم بطعم الدود.لم نكن نملك سوى الانتظار، يدفعني الأمل الذي كان يزرعه في صدري بابتسامته كل صباح. كان فياضا بالأمل وهو يقول: لا تقلق، حتما سيتصالحون، وسنرجع يوما إلى وطننا.حتى في مرضي المعدي، وحين خاف الجميع كان وحده إلى جواري يهدهدني كطفله الذي لم يره، يلقمني الطعام والشراب.قالت الممرضة: هنيئا لك به.. أحسست أنه جزء منك يتألم لألمك.تهاوى السؤال ثانية فوق رأسي: " ما الذي جرى حتى يبتعد عني؟"آخر مرة كان يجلس جواري في المقعد، شعرت بأنفاسه الحارة في وجهي، وشممت رائحة جلده وملابسه، مددت إليه يدي أصافحه، إلا أن نظرته الجامدة كأنه تمثال جعلتني أتراجع. عاتبته قائلا: لم يا صديقي؟لم يتكلم، ظل صامتا، قبل أن يبعد وجهه عني، وصوته الهامس فقط يأتيني: ربنا يلطف بالناس. أفزعني ذلك، وغصت في مقعدي كمدا، حتى توقف الباص، ونزلت منه مهموما، أحدق في عشرات الوجوه، أتذكر أنني فقدت صاحبا ذات يوم، وهو يلوح لي مهللا بحدوث المصالحة، ومبشرا بعودتنا إلى الوطن.***
ظل لرجل كان معي
تقليص
X
-
أهلا بك أستاذي
تخلق النفس مؤنسا عند المصائب وحين لا تجد معزّيا، قد يكون هو الأمل عينه، الأمل في الغد الأفضل، كثيرة هي الآمال التي تلاشت وتتلاشى حين يكون الأرق والصّداع مزمنا، كنت أقرأ النصّ وطارت بي الفكرة كما العنوان لقصة مبارك الحمود "رجل الظّل"، كان نصّا عجائبيا حدّ الغرابة، وكان نصا واضحا كما الشمس الساطعة.
عودتك ميمونة صديقي.
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركةاهلا وسهلا الاديب الحارس، اعجبني ما قد قرات هنا،
والمواطنون اول ضحايا البلاد المتجاورة المتعادية.
كن بخير وعافية.
ريما
كل التحايا لك
ولروحك الطيبة
تعليق
-
-
دائما المواطن هو الضحية
وهذا الأمل الذي بقى يراوده ويلاصقه تبخر مع انفجار الاوضاع
وهل بقى وميض أمل
لا أتصور وأن رؤاك كانت على حق لأن الطريق لم يعد حتى ضبابيا بل ملبدا ولاتظهر له شاردة ولا واردة ولا بصيص
نص أخذني لظله وكنت أنت كما عرفتك وأيقنت من موهبتك
محبتي والوردالشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركةأهلا بك أستاذي
تخلق النفس مؤنسا عند المصائب وحين لا تجد معزّيا، قد يكون هو الأمل عينه، الأمل في الغد الأفضل، كثيرة هي الآمال التي تلاشت وتتلاشى حين يكون الأرق والصّداع مزمنا، كنت أقرأ النصّ وطارت بي الفكرة كما العنوان لقصة مبارك الحمود "رجل الظّل"، كان نصّا عجائبيا حدّ الغرابة، وكان نصا واضحا كما الشمس الساطعة.
عودتك ميمونة صديقي.
لم تتح لي الفرصة لقراءة قصة رجل الظل
سعدتك بوجودك، كما هي سعادتك بوجودي معكم
أدعو الله أن أكون هكذا دائما
محبتي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركةدائما المواطن هو الضحية
وهذا الأمل الذي بقى يراوده ويلاصقه تبخر مع انفجار الاوضاع
وهل بقى وميض أمل
لا أتصور وأن رؤاك كانت على حق لأن الطريق لم يعد حتى ضبابيا بل ملبدا ولاتظهر له شاردة ولا واردة ولا بصيص
نص أخذني لظله وكنت أنت كما عرفتك وأيقنت من موهبتك
محبتي والورد
دائما ما تصنعين أنت أيضا لي جدائل الأمل بمحبتك وتشجعيك.
أرجو دائما أن أكون عند حسن ظنك
تحيتي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركةالعتمة كانت لكلينا ، والقضبان والخبز الناشف والعصفورة التي كانت تأتينا بالأخبار !
كان ظلي ، وكنت ظلا له . كلانا كنا واحد ... إلى أن زارنا الغريب . قسمنا إلى نصفين .
الوطن صار حلما للمهجرين ، خارجه وداخله .
تحياتي أخي حارس
فوزي بيترو
الأيام صارت صعبة والأوطان مشتتة
أشكرك
لك وحشة كبيرة أستاذنا فوزي
تحيتي
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركةفاتني أن أقرأ هذا النصّ الجميل حارس
القراءة لك متعة متجدّدة صديقي
نصوصك دائما تترك أثرا
كن بخير
شهادة أعتز بها من كاتب مبدع كبير له قلم مميز
أشكرك
تحيتي
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 224542. الأعضاء 6 والزوار 224536.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق