[CENTER][SIZE=6][B][COLOR=#0000cd]( نوران ) أميرة القلوب
قصة / لمحمد محمود شعبان
أستطيع أن أقول الآن إنني لم أجتز تلك الأزمة بعد، ففقدان ( نوران ) حدث قاس جدا على قلبي، وأنا منذ أن التقيتها من حوالي عام، أعيش سعادة وهناء واستقرارا لم أعهدهم من قبل، غيرت حياتي تلك البنت الذكية ثلاثمائة وستين درجة. لم أكن أظن مجرد الظن أنها ستجعلني أجرب ما يفعله المراهقون وأنا قد جاوزت الخمسين بثلاثة أعوام، عندما شاهدت نوران لأول مرة كانت تمشي وسط الشارع لفت نظري قوام جسدها البض المجسم من تحت ملابسها الضيقة وحذائها العالي الذي يفرض تقسيمات مثيرة وجذابة، ولحظها الفتان الذي خطف عيني بلمحة خاطفة وسلب قلبي وعقلي وقارهما، فوجدتني بلا شعور أغير اتجاهي وأتبعها خطوة بخطوة، لماذا؟ لا أدري!، كيف سأفتح معها حوارا؟ لا أدري!.
أسئلة كثيرة كانت حتمية حينها لكنها لم تجل في خاطري أبدا ـ ولا أدري لماذا ـ. ألا تخجل من نفسك ـ أيها الأبله ـ وإن لك ابنة في مثل سنها؟، ألا تتروى وتراجع نفسك؟ . لعل السبب ـ يا أيها الأحمق ـ خروجك ساعتها من بيتك إثر مشادة كلامية بينك وبين زوجتك المسنة صاحبة ضغط الدم والسكري والروماتيزم والتي صارت باردة لا رغبة لها فيما تطلبه منها باستمرار وتلح في طلبه، فألجأتك حالتها المرضية والنفسية إلى وسائل لم تكن تفعلها من قبل. أكنت تتخيل ـ يا عاقل ـ أنك في هذه السن ستفتح المواقع الإباحية وتبحث عن كيفية إشباع الرغبة ذاتيا؟!، وما الذي تتمناه من سعيك خلف تلك الفتاة؟ هل تتوقع أنها ستلتفت إليك الآن وتفتح لك ذراعيها وتقول لك هيا بنا؟، وماذا لو تطوت العلاقة بينكما؟ ، أعندك استعداد لفتح بيتين؟، أم ربما دلت هيئتها على أنها من هؤلاء الفتيات اللاتي يرتدين الحجاب على استيريتش ضيق وبادي ليكرا وكعب عال وهن في حقيقة الأمر لسن سوى فتيات ليل بأجر مستترات خلف الحجاب..
أحيانا يضطر الضغط النفسي والعصبي المرء إلى تصرفات غير محسوبة العواقب، لكنني فقط سرت خلفها ولم يدر في ذهني أي من هذه الأسئلة، بل أعتقد لو أن كل هذه الأسئلة لو شغلت حيزا ولو بسيطا من تفكيري وأنا أتبعها حتى قطعت ثلاث شوارع لا يقل طول الواحد منها عن مائتي متر ربما كنت تراجعت من أول خطوة، فأنا لم أجرب يوما أن أفتح حوارا مع امرأة غريبة. وَلَكَمْ اختار لي حظي الجلوس بجانب امرأة جميلة في وسيلة مواصلات، ولقلة خبرتي في هذا المجال أكتفي باستراق النظر بين الفينة والأخرى، وأتصنع النظر من الشباك تارة ليقع بصري على تنورة قصيرة أو بنطال ضيق أو نهدين مطلين من خلف بدي شفاف مكسم ، وقد أقلب بصري على جميع من بالحافلة لأحاول الوصول لمن أريد، ثم تخونني شجاعتي إذا ما بلغها نظري فلا يثبت عليها ولو شبه لحظة. حتى زميلات العمل اللاتي يبدو على بعضهن شيء من جمال، لا أتجرأ سوى على التطلع لإحداهن من وراء ألف حجاب وفي غفلة من الجميع فأستجمع قواي وأرسل نظرة خاطفة حتى لا يشعر أحد من زملاء المكتب.
هذا حالي مع النساء؛ لذا بقيت خلف نوران ( أتساءل ) تسلبني الخطوات من نفسي، وأنا أشعر بتلك المسافة القصيرة حتى موقف الحافلات وهي تطول وتطول وكأنها كيلوات الأمتار. شعرت بنبض قلبي يكاد يطير من تسارع دقاته وطفقت أتصبب عرقا وكأنني طالب يغش في الامتحان، أقترب منها بحذر حينا وأتأخر أو أسبقها بعدة خطوات عندما أحس بتجمعات شبابية أو تقع عيني على من يتطلع إليها وما أكثر من رأيت من المتطلعين!. كان الكل بلا استثناء يتطلع لهذا الغزال الشارد الذي لا يتعدى عمرها العشرين، وكأنها سقطت على ذلك الحي الشعبي من كوكب آخر، كان عطرها يملأ المكان ويشتم من مسافة بعيدة. انتهى الطريق وصار عليها أن تركب الحافلة، وكالعادة اختار لي حظي مكانا شاغرا إلى جوارها، وبمجرد جلوسي إلى جوارها فاجأتني، وبادرتني قائلة:ـ أتريد أن تقول شيئا أم تحب أن أقول أنا؟ . سؤالها ألجمني، ولم أعثر في قاموسي على كلمات تمكنني من الرد عليها. والتهينا والتهى كل من بالحافلة في صراخ عال لامرأة سقطت على الأرض مع ضغطة فرملة قوية من سائق الحافلة فقامت السيدة عن الأرض تسب وتلعن أسلافه وسلساله. أما أنا فبقيت ثابتا كالصنم إلى أن أعادت علي السؤال مرة أخرى :ـ هل ستقول شيئا أم ستبقى صامتا هكذا؟. للمرة الثانية لم أجب بشيء فقط حاول لساني عبثا أن يجد ريقا في فمي لأزدرده وأبلل به حنجرتي التي باتت جافة ويابسة وكأنني ابتلعت كيلو شبّه .قالت :ـ طيب. أفسح لي الطريق أنا نازلة هنا، إن أردت أن تظل تتبعني فاتبعني إلى هذه الكافيتريا هناك، هيا أفسح ..
جلست برهة أستجمع قواي، ماذا يمكن أن يحدث في مثل هكذا موقف؟.. وتمنيت أن يكون معي حينها الولد ( سمير ) صديق المرحلة الثانوية والذي كنا نلقبه بشمشون البنات؛ لقدرته العجيبة على التقرب إلى أي فتاة، كان يعرف العديد والعديد من البنات، وكلهن كن ( صديقات ) كما كان يحب أن يدعوهن. إذا سُئل عن أي واحدة منهن يقول:ـ هذه صديقة. ولم نكن نصدقه طبعا كنا نراه يخرج مع تلك، ويقف مع تلك، ويتحدث إليهن كما يتحدث لأي واحد من أصدقائه، وأذكر أننا حضرنا عيد ميلاده وفوجئت بكل هؤلاء البنات في حفل عيد الميلاد لم تتخلف واحدة منهن، كان حقا يستحق لقب شمشون البنات، أما أنا فلم أكن أعلم شيئا عن الصداقة بين الرجل والمرأة، لا أعرف غير أن الارتباط بين الرجل والمرأة يكون في حدود الخطبة، أوالزواج، أما أكثر من ذلك فلا يوجد إلا عند الأمريكان والأوربيين وهذا ما كنا نسميه بـ ( السداح المداح ).
لذلك وفي موقفي هذا قلت:ـ ليتني أعطيت نفسي فرصة كي أتعلم من شمشون أي وسيلة كي أعرف الرد فقط على هذه الفتاة التي كانت تنتظرني داخل الكافيتريا. عندما ترجلت عن الحافلة تسمرت في مكاني، وكأنني تائه في بلاد الواق الواق، لم أدر ماذا أفعل؟ حتى إنني فكرت في الانسحاب، والعودة من حيث أتيت، لكنها أشارت إلىَّ من خلف الزجاج، نعم أشارت إلى كي أدخل، فدخلت، وأنا ما زلت لا أدري ما الذي يحدث، فقط وجدت نفسي مثل الطفل الذي يسحبه والداه، أو مثل الدمية المتحركة بواسطة الحبال، جلست إلى المائدة التي كانت تجلس عليها، والنيل إلى يساري لم تبارح نظراتي وجهها، كانت عينها الزرقاء ساحرة للغاية غبت داخلهما في عالم آخر، فعلا غبت عن الوعي، وأنا مفتح العينين، لم أفق إلا على سؤالها :ـ هااااي، فيم أنت سرحان؟، تكلم. قل شيئا..
جلست مع نوران ليلتها أكثر من ساعة. أذكر أني تحدثت خلال هذه الساعة عن أغلب تفاصيل حياتي،عن أدق التفاصيل، لا أذكر كيف بدأت، لكنني فقط ظللت أتحدث وهي تستمع، تضحك إذا ذكرت موقفا يدعو للضحك، كانت ضحكتها جميلة وكأن الدنيا كلها تضحك لضحكها، وعندما أتيت على ذكر يوم وفاة والدي، تغيرت كل تقاسيم وجهها الجميلة إلى حزن وشفقة. نظرتها، مجرد النظرة بشفقة وحنو، كانت تخفف عني، وكأنها تحضنني بعينيها.. تذكرت الآن شعورا غريبا لم أشعر به إلا مع (نوران)، لقد كنت كلما وقعت عيني على فتاة جميلة، أتخيل نفسي أعاشرها معاشرة الأزواج، إلا نوران، روح غريبة كانت تتلبسني تجعلني أنظر لها نظرة مترفعة عن هذه الأفكار الدونية السطحية، إلا أنني لا أنكر أمنيتي حينها أن أولد من جديد في مثل سنها مباشرة، لأعيش شبابي بقرب نوران تلك الروح الطيبة التي شعرت أنها هدية من السماء، فقط أعيش بجوارها ولو خادما وحسب، لقد رأيت الدنيا ليلتها لأول مرة منذ فترة بعيدة بلون ورائحة وطعم جديد جميل جدا، قلت في نفسي :ـ لا شك أن هذه هي الدنيا التي يجب أن أحياها، وليست تلك الدنيا التي كنت أحاول الهروب منها منذ ساعة تقريبا.. نهضت نوران وهي تبتسم وترحب بشخص ما آتٍ من خلفي، رحبْتُ به أنا أيضا وصافحته، فبادرتني قائلة :ـ أحب أن أعرفك بصديقي المعيد شريف، نحن زميلان في كلية الآداب قسم علم النفس والفلسفة، وصديقان أيضا، هل تقبل أن تكون صديقا لنا من بعد إذنك؟! ..نظرت لهذين الوجهين الجميلين، اللذين وجدتهما متشابهين لحد كبير وقلت بسرعة وبدون تردد:ـ طبعا بالتأكيد أنا أشرف بهذه الصداقة الجميلة ..
وبدأت علاقة صداقة بنوران وشريف دامت سنة تقريبا حُلَّت فيها بفضل هذه الصداقة النقية العفيفة كل مشكلاتي الأسرية، وتجددت الدماء في علاقتي مع زوجتي الحبيبة والتي كادت تتدمر، لقد علمتني نوران ـ وأنا الذي في سن والدها الدكتور دهشان ـ كيف أن للحياة وجوها أخرى مضيئة يجب أن أبحث عنها!. علمتني نوران كيف أنظر إلى جمال الأرواح قبل جمال الأجساد. لقد علمتني نوران كيف أجد زوجتي الحبيبة من جديد!. نعم بالفعل لقد ساعدتني نوران في العثور على زوجتي حبيبتي شقشقة روحي، فتذكرت تلك الإنسانة التي وقفت إلى جوارى منذ العام الأول من زواجنا، وكم عانت وكم صبرت. كل ذلك بسؤال واحد سألته لي نوران :ـ ماذا كنت لتفعل إن كنت أنت مكان زوجتك؟، وبدأت بالفعل أفكر في الأمر، وتذكرت أيام حملها وولادتها وسهرها طوال الليل بجوار جيهان ابنتا وقرة عيننا؛ كي أبقى أنا نائما مرتاحا، وأقوم أجد الفطور جاهزا، آكل وأذهب لعملي دون كلمة شكر واحدة، علمتني نوران بذكاء كيف أكتشف مدى معاناة تلك المسكينة معي ومع ابنتي، وأن الوقت قد حان لأرد لها جزءا من جميلها علينا.
عام مر على صداقتي لنوران، عام كله نقاء هناء وصفاء ووفاء، حتى نهاية الأسبوع الماضي، في اليوم المشؤوم الذي استيقظت فيه على اتصال من شريف يخبرني بنبأ وفاة ( نوران ) أميرة القلوب.
قصة / لمحمد محمود شعبان
أستطيع أن أقول الآن إنني لم أجتز تلك الأزمة بعد، ففقدان ( نوران ) حدث قاس جدا على قلبي، وأنا منذ أن التقيتها من حوالي عام، أعيش سعادة وهناء واستقرارا لم أعهدهم من قبل، غيرت حياتي تلك البنت الذكية ثلاثمائة وستين درجة. لم أكن أظن مجرد الظن أنها ستجعلني أجرب ما يفعله المراهقون وأنا قد جاوزت الخمسين بثلاثة أعوام، عندما شاهدت نوران لأول مرة كانت تمشي وسط الشارع لفت نظري قوام جسدها البض المجسم من تحت ملابسها الضيقة وحذائها العالي الذي يفرض تقسيمات مثيرة وجذابة، ولحظها الفتان الذي خطف عيني بلمحة خاطفة وسلب قلبي وعقلي وقارهما، فوجدتني بلا شعور أغير اتجاهي وأتبعها خطوة بخطوة، لماذا؟ لا أدري!، كيف سأفتح معها حوارا؟ لا أدري!.
أسئلة كثيرة كانت حتمية حينها لكنها لم تجل في خاطري أبدا ـ ولا أدري لماذا ـ. ألا تخجل من نفسك ـ أيها الأبله ـ وإن لك ابنة في مثل سنها؟، ألا تتروى وتراجع نفسك؟ . لعل السبب ـ يا أيها الأحمق ـ خروجك ساعتها من بيتك إثر مشادة كلامية بينك وبين زوجتك المسنة صاحبة ضغط الدم والسكري والروماتيزم والتي صارت باردة لا رغبة لها فيما تطلبه منها باستمرار وتلح في طلبه، فألجأتك حالتها المرضية والنفسية إلى وسائل لم تكن تفعلها من قبل. أكنت تتخيل ـ يا عاقل ـ أنك في هذه السن ستفتح المواقع الإباحية وتبحث عن كيفية إشباع الرغبة ذاتيا؟!، وما الذي تتمناه من سعيك خلف تلك الفتاة؟ هل تتوقع أنها ستلتفت إليك الآن وتفتح لك ذراعيها وتقول لك هيا بنا؟، وماذا لو تطوت العلاقة بينكما؟ ، أعندك استعداد لفتح بيتين؟، أم ربما دلت هيئتها على أنها من هؤلاء الفتيات اللاتي يرتدين الحجاب على استيريتش ضيق وبادي ليكرا وكعب عال وهن في حقيقة الأمر لسن سوى فتيات ليل بأجر مستترات خلف الحجاب..
أحيانا يضطر الضغط النفسي والعصبي المرء إلى تصرفات غير محسوبة العواقب، لكنني فقط سرت خلفها ولم يدر في ذهني أي من هذه الأسئلة، بل أعتقد لو أن كل هذه الأسئلة لو شغلت حيزا ولو بسيطا من تفكيري وأنا أتبعها حتى قطعت ثلاث شوارع لا يقل طول الواحد منها عن مائتي متر ربما كنت تراجعت من أول خطوة، فأنا لم أجرب يوما أن أفتح حوارا مع امرأة غريبة. وَلَكَمْ اختار لي حظي الجلوس بجانب امرأة جميلة في وسيلة مواصلات، ولقلة خبرتي في هذا المجال أكتفي باستراق النظر بين الفينة والأخرى، وأتصنع النظر من الشباك تارة ليقع بصري على تنورة قصيرة أو بنطال ضيق أو نهدين مطلين من خلف بدي شفاف مكسم ، وقد أقلب بصري على جميع من بالحافلة لأحاول الوصول لمن أريد، ثم تخونني شجاعتي إذا ما بلغها نظري فلا يثبت عليها ولو شبه لحظة. حتى زميلات العمل اللاتي يبدو على بعضهن شيء من جمال، لا أتجرأ سوى على التطلع لإحداهن من وراء ألف حجاب وفي غفلة من الجميع فأستجمع قواي وأرسل نظرة خاطفة حتى لا يشعر أحد من زملاء المكتب.
هذا حالي مع النساء؛ لذا بقيت خلف نوران ( أتساءل ) تسلبني الخطوات من نفسي، وأنا أشعر بتلك المسافة القصيرة حتى موقف الحافلات وهي تطول وتطول وكأنها كيلوات الأمتار. شعرت بنبض قلبي يكاد يطير من تسارع دقاته وطفقت أتصبب عرقا وكأنني طالب يغش في الامتحان، أقترب منها بحذر حينا وأتأخر أو أسبقها بعدة خطوات عندما أحس بتجمعات شبابية أو تقع عيني على من يتطلع إليها وما أكثر من رأيت من المتطلعين!. كان الكل بلا استثناء يتطلع لهذا الغزال الشارد الذي لا يتعدى عمرها العشرين، وكأنها سقطت على ذلك الحي الشعبي من كوكب آخر، كان عطرها يملأ المكان ويشتم من مسافة بعيدة. انتهى الطريق وصار عليها أن تركب الحافلة، وكالعادة اختار لي حظي مكانا شاغرا إلى جوارها، وبمجرد جلوسي إلى جوارها فاجأتني، وبادرتني قائلة:ـ أتريد أن تقول شيئا أم تحب أن أقول أنا؟ . سؤالها ألجمني، ولم أعثر في قاموسي على كلمات تمكنني من الرد عليها. والتهينا والتهى كل من بالحافلة في صراخ عال لامرأة سقطت على الأرض مع ضغطة فرملة قوية من سائق الحافلة فقامت السيدة عن الأرض تسب وتلعن أسلافه وسلساله. أما أنا فبقيت ثابتا كالصنم إلى أن أعادت علي السؤال مرة أخرى :ـ هل ستقول شيئا أم ستبقى صامتا هكذا؟. للمرة الثانية لم أجب بشيء فقط حاول لساني عبثا أن يجد ريقا في فمي لأزدرده وأبلل به حنجرتي التي باتت جافة ويابسة وكأنني ابتلعت كيلو شبّه .قالت :ـ طيب. أفسح لي الطريق أنا نازلة هنا، إن أردت أن تظل تتبعني فاتبعني إلى هذه الكافيتريا هناك، هيا أفسح ..
جلست برهة أستجمع قواي، ماذا يمكن أن يحدث في مثل هكذا موقف؟.. وتمنيت أن يكون معي حينها الولد ( سمير ) صديق المرحلة الثانوية والذي كنا نلقبه بشمشون البنات؛ لقدرته العجيبة على التقرب إلى أي فتاة، كان يعرف العديد والعديد من البنات، وكلهن كن ( صديقات ) كما كان يحب أن يدعوهن. إذا سُئل عن أي واحدة منهن يقول:ـ هذه صديقة. ولم نكن نصدقه طبعا كنا نراه يخرج مع تلك، ويقف مع تلك، ويتحدث إليهن كما يتحدث لأي واحد من أصدقائه، وأذكر أننا حضرنا عيد ميلاده وفوجئت بكل هؤلاء البنات في حفل عيد الميلاد لم تتخلف واحدة منهن، كان حقا يستحق لقب شمشون البنات، أما أنا فلم أكن أعلم شيئا عن الصداقة بين الرجل والمرأة، لا أعرف غير أن الارتباط بين الرجل والمرأة يكون في حدود الخطبة، أوالزواج، أما أكثر من ذلك فلا يوجد إلا عند الأمريكان والأوربيين وهذا ما كنا نسميه بـ ( السداح المداح ).
لذلك وفي موقفي هذا قلت:ـ ليتني أعطيت نفسي فرصة كي أتعلم من شمشون أي وسيلة كي أعرف الرد فقط على هذه الفتاة التي كانت تنتظرني داخل الكافيتريا. عندما ترجلت عن الحافلة تسمرت في مكاني، وكأنني تائه في بلاد الواق الواق، لم أدر ماذا أفعل؟ حتى إنني فكرت في الانسحاب، والعودة من حيث أتيت، لكنها أشارت إلىَّ من خلف الزجاج، نعم أشارت إلى كي أدخل، فدخلت، وأنا ما زلت لا أدري ما الذي يحدث، فقط وجدت نفسي مثل الطفل الذي يسحبه والداه، أو مثل الدمية المتحركة بواسطة الحبال، جلست إلى المائدة التي كانت تجلس عليها، والنيل إلى يساري لم تبارح نظراتي وجهها، كانت عينها الزرقاء ساحرة للغاية غبت داخلهما في عالم آخر، فعلا غبت عن الوعي، وأنا مفتح العينين، لم أفق إلا على سؤالها :ـ هااااي، فيم أنت سرحان؟، تكلم. قل شيئا..
جلست مع نوران ليلتها أكثر من ساعة. أذكر أني تحدثت خلال هذه الساعة عن أغلب تفاصيل حياتي،عن أدق التفاصيل، لا أذكر كيف بدأت، لكنني فقط ظللت أتحدث وهي تستمع، تضحك إذا ذكرت موقفا يدعو للضحك، كانت ضحكتها جميلة وكأن الدنيا كلها تضحك لضحكها، وعندما أتيت على ذكر يوم وفاة والدي، تغيرت كل تقاسيم وجهها الجميلة إلى حزن وشفقة. نظرتها، مجرد النظرة بشفقة وحنو، كانت تخفف عني، وكأنها تحضنني بعينيها.. تذكرت الآن شعورا غريبا لم أشعر به إلا مع (نوران)، لقد كنت كلما وقعت عيني على فتاة جميلة، أتخيل نفسي أعاشرها معاشرة الأزواج، إلا نوران، روح غريبة كانت تتلبسني تجعلني أنظر لها نظرة مترفعة عن هذه الأفكار الدونية السطحية، إلا أنني لا أنكر أمنيتي حينها أن أولد من جديد في مثل سنها مباشرة، لأعيش شبابي بقرب نوران تلك الروح الطيبة التي شعرت أنها هدية من السماء، فقط أعيش بجوارها ولو خادما وحسب، لقد رأيت الدنيا ليلتها لأول مرة منذ فترة بعيدة بلون ورائحة وطعم جديد جميل جدا، قلت في نفسي :ـ لا شك أن هذه هي الدنيا التي يجب أن أحياها، وليست تلك الدنيا التي كنت أحاول الهروب منها منذ ساعة تقريبا.. نهضت نوران وهي تبتسم وترحب بشخص ما آتٍ من خلفي، رحبْتُ به أنا أيضا وصافحته، فبادرتني قائلة :ـ أحب أن أعرفك بصديقي المعيد شريف، نحن زميلان في كلية الآداب قسم علم النفس والفلسفة، وصديقان أيضا، هل تقبل أن تكون صديقا لنا من بعد إذنك؟! ..نظرت لهذين الوجهين الجميلين، اللذين وجدتهما متشابهين لحد كبير وقلت بسرعة وبدون تردد:ـ طبعا بالتأكيد أنا أشرف بهذه الصداقة الجميلة ..
وبدأت علاقة صداقة بنوران وشريف دامت سنة تقريبا حُلَّت فيها بفضل هذه الصداقة النقية العفيفة كل مشكلاتي الأسرية، وتجددت الدماء في علاقتي مع زوجتي الحبيبة والتي كادت تتدمر، لقد علمتني نوران ـ وأنا الذي في سن والدها الدكتور دهشان ـ كيف أن للحياة وجوها أخرى مضيئة يجب أن أبحث عنها!. علمتني نوران كيف أنظر إلى جمال الأرواح قبل جمال الأجساد. لقد علمتني نوران كيف أجد زوجتي الحبيبة من جديد!. نعم بالفعل لقد ساعدتني نوران في العثور على زوجتي حبيبتي شقشقة روحي، فتذكرت تلك الإنسانة التي وقفت إلى جوارى منذ العام الأول من زواجنا، وكم عانت وكم صبرت. كل ذلك بسؤال واحد سألته لي نوران :ـ ماذا كنت لتفعل إن كنت أنت مكان زوجتك؟، وبدأت بالفعل أفكر في الأمر، وتذكرت أيام حملها وولادتها وسهرها طوال الليل بجوار جيهان ابنتا وقرة عيننا؛ كي أبقى أنا نائما مرتاحا، وأقوم أجد الفطور جاهزا، آكل وأذهب لعملي دون كلمة شكر واحدة، علمتني نوران بذكاء كيف أكتشف مدى معاناة تلك المسكينة معي ومع ابنتي، وأن الوقت قد حان لأرد لها جزءا من جميلها علينا.
عام مر على صداقتي لنوران، عام كله نقاء هناء وصفاء ووفاء، حتى نهاية الأسبوع الماضي، في اليوم المشؤوم الذي استيقظت فيه على اتصال من شريف يخبرني بنبأ وفاة ( نوران ) أميرة القلوب.
تعليق