أين هي ؟ لم لا تأتي ؟ هل حصل لها مكروه ؟ أم أنها رحلت للبحث عن الجزيرة ؟
و كيف ترحل دون أن تودّعني ؟
أنتظرها منذ ساعة . قلبي يعصره الخوف و قلق أسود يزحف بظلمته فوق روحي . المكان يكفهر.
عيناي على الطريق ..يسارا ..جهة شجرة الصفصاف التي في آخر الشارع ..
تعوّدت أن أراها تأتي من هناك ..لعلّها غيّرت الدرب اليوم ؟
أشتاقك يا أميرتي المدللة.. يا رسولة الشوق و اللهفة ، يا أنيسة وحشتي ، يا هدية حظي السعيد .. أشتاق غناءك ، رفّة جناحك ، منقارك الشهي حين تتحدثين ..
ليس من عادتها التأخر . لم تخلف موعدا منذ التقينا لأول مرة.. كان صباحا مشرقا مبشرا بكل ألوان الفرح عندما حطّت برقة عند باب القفص ..لكنها ما لبثت أن جفلت و قفزت قفزة إلى الخلف .." معذرة .." قالت " إني جائعة ..رأيت الحَبّ و لم أر القفص و إنّي آسفة لحالك ." ..شعرت بفرحة عارمة لرؤيتها ..صوتها أشبه بخرير جدول و ألوان ريشها تشبه ألواني .لعلنا من نفس القبيلة .. كل العصافير التي أراها تحوم بالمكان لم تكن لتقترب مني ..كأنها تخشى لعنة الأقفاص . لذلك حين رأيتها بالقرب استأنس بها قلبي ..طمأنتها و طلبت منها أن تقترب .." ..الجوع أعمى يا جميلتي " رحت أبوح لها كأنّي حكيم زمانه ، و كأني أعرفها منذ البدء .." كنت أسمع أمي تقول هذا ، الجوع كافر يعمي البصر.. مثلما حصل معي منذ سنة حين علقت في هذا القفص ..عصفورا طائشا مراهقا مغرورا كنت .. لم أنتبه ..رأيت الحب و لم أر عين قناصي ..فوقعت في الأسر .ليس أقسى على الروح يا صغيرة من أن تدخل المصيدة بقدميك و تضع بنفسك الأغلال في عنقك ... لكني قطعت على نفسي وعدا.. أن أخرج من هنا و سأفعل . "
كانت تستمع باهتمام كبير وبدا لي كأنّ حديثي أذهب فزعها و جوعها .
شعرت بالشفقة نحوها ..اقترحت عليها أن أطعمها بنفسي ..سجّاني غائب و كل أفراد هذه العائلة الارستقراطية التي تستمتع بحبسي و غنائي الحزين خرجوا مع الفجر ..كعادتهم كل نهاية أسبوع .و بقيت وحيدا في القفص ، و القفص وحيدا في الشرفة ، و الشرفة وحيدة .. باردة مثل كل الشرفات المرتفعة عن الأرض أكثر مما يجب ..
أحيانا كنت أضحك من سذاجة سجّاني لأنه لا يدرك بأنه لا يختلف عني كثيرا ..
هو أيضا سجين في قفص كبير..
رحت أحمل الحَبّ في منقاري ثم أقترب من حافة القفص و تقترب هي من الحافة الخارجية حتى يلامس منقاري منقارها فأضع الحب في فمها و أطعمها إلى أن اكتفت .شكرتني و أمالت برأسها الجميل قليلا و بدا عليها السرور و الارتياح .
و منذئذ و هي تزورني كل صباح ..في الصحو و في المطر.. نتقاسم الحَبّ و الماء ثم نظلّ معا نتجاذب الحب و الحَبّ إلى أن يحين موعد رحيلها . كنا نتحدث في أمور شتى .. الحياة و الحب و الحَبّ و الجوع و الحرية ..و نناقش فكرة أيّهما أفضل الحرية مع الجوع أو الشبع داخل الأسر ؟ و حين يعيينا التفلسف ننشد أهزوجتنا التي نظمناها معا :
لولا أنّ لكلٍّ أسلوبه في الحب
لرضيتُ معك بالقليل
لكني لا أرى في الحب حياة
إلا في فضاء الحرية الرحب
ثقي بي
سنطير من هنا
و سنكون دائما معا
تحت الشمس
و تحت المطر
نغنّي أهزوجة الحُب و الحرية..
بحت لها بأفكاري المجنونة.. قلت لها بأني أدين لسجاني بفضل عظيم رغم كل شيء فقد علّمني معنى الحرية .. " من السخف أن نسأل حرا عن معنى الحرية ..كنت أقول لها.. وحده الأسير يستطيع أن يعرّف الحرية و يفسّر معناها ..و الحرية يا صغيرتي لا تستمد معناها منها بل من الغاية التي تكون مقرونة بها ،من الهدف الملازم لها ..و الحرية لا تعرّف إلا من وراء القضبان ..و الآن و قد فهمت معناها الحقيقي فإنني حين أحصل عليها / و أنا مؤمن بذلك كل الإيمان / لن أفلتها أبدا .. سأّستمسك بها بقلبي و روحي .
كم كانت عصفورتي تحب حديثي و كم كنت برفقتها أحس بأنّي أحلّق عاليا في السماء ..
أحببت حديثها أيضا و من أجمل ما حدّثتني عنه هو جزيرة الكناري .. حدّثتها عنها جدّتها ..ليست محض أسطورة قالت لي . إنها حقيقة موجودة في مكان ما.. جزيرة خضراء ..جبالها عالية ، أشجارها باسقة ، عشبها ندي طري ، جوّها دافئ على الدوام.. لا ينقطع فيها الحَب و لا ينضب الماء ..ليس على ترابها جنس بشر.. لا بيوت و لا أسوار و لا أقفاص و لا مصائد و لا بنادق .. يعيش فيها كل الطيور.. بسلام و محبة و تكافل ..أشجار الغار و بساتين الدرّاق و قصب السكر.. " و لماذا نحن هنا إذا ؟" سألتها . لأنّ مجموعة من العصافير الشقية الغبية ، قالت لي ، غامرت يوما بالابتعاد عن الجزيرة فأضاعت طريق الرجوع و هكذا علقت أنت و أنا هنا ..
و لم أدر لحظتها هل ألعن تلك العصافير الغبية أم أشكرها لأنها عرّفتني بعصفورتي .. و بمعنى الحرية ..
أين أنت؟ هل حصل لك مكروه؟
المكان يزداد وحشة و اكفهرارا ..و القلق الأسود يتكاثر حولي .. هذه الدقائق في انتظارها بدت لي كعصر جليدي أو سنة ظلام كاملة ... و لكن يا الهي .. ماذا أرى ؟ ..انتظر ! ..أنت ! ، يا صبي !.. هذه التي في القفص بيدك هي حبيبتي ، لا يحق لك .. أنت ..انتظر ! ..
كانت تنظر لي بعيونها الجميلة و أنا أضرب القفص بمنقاري و جناحي و أصرخ ..
لا تفزعي يا عصفورتي الجميلة و لا تحزني ..سأتحرر و أحررك ..
ردّدي أهزوجة حبنا و انتظريني .
و كيف ترحل دون أن تودّعني ؟
أنتظرها منذ ساعة . قلبي يعصره الخوف و قلق أسود يزحف بظلمته فوق روحي . المكان يكفهر.
عيناي على الطريق ..يسارا ..جهة شجرة الصفصاف التي في آخر الشارع ..
تعوّدت أن أراها تأتي من هناك ..لعلّها غيّرت الدرب اليوم ؟
أشتاقك يا أميرتي المدللة.. يا رسولة الشوق و اللهفة ، يا أنيسة وحشتي ، يا هدية حظي السعيد .. أشتاق غناءك ، رفّة جناحك ، منقارك الشهي حين تتحدثين ..
ليس من عادتها التأخر . لم تخلف موعدا منذ التقينا لأول مرة.. كان صباحا مشرقا مبشرا بكل ألوان الفرح عندما حطّت برقة عند باب القفص ..لكنها ما لبثت أن جفلت و قفزت قفزة إلى الخلف .." معذرة .." قالت " إني جائعة ..رأيت الحَبّ و لم أر القفص و إنّي آسفة لحالك ." ..شعرت بفرحة عارمة لرؤيتها ..صوتها أشبه بخرير جدول و ألوان ريشها تشبه ألواني .لعلنا من نفس القبيلة .. كل العصافير التي أراها تحوم بالمكان لم تكن لتقترب مني ..كأنها تخشى لعنة الأقفاص . لذلك حين رأيتها بالقرب استأنس بها قلبي ..طمأنتها و طلبت منها أن تقترب .." ..الجوع أعمى يا جميلتي " رحت أبوح لها كأنّي حكيم زمانه ، و كأني أعرفها منذ البدء .." كنت أسمع أمي تقول هذا ، الجوع كافر يعمي البصر.. مثلما حصل معي منذ سنة حين علقت في هذا القفص ..عصفورا طائشا مراهقا مغرورا كنت .. لم أنتبه ..رأيت الحب و لم أر عين قناصي ..فوقعت في الأسر .ليس أقسى على الروح يا صغيرة من أن تدخل المصيدة بقدميك و تضع بنفسك الأغلال في عنقك ... لكني قطعت على نفسي وعدا.. أن أخرج من هنا و سأفعل . "
كانت تستمع باهتمام كبير وبدا لي كأنّ حديثي أذهب فزعها و جوعها .
شعرت بالشفقة نحوها ..اقترحت عليها أن أطعمها بنفسي ..سجّاني غائب و كل أفراد هذه العائلة الارستقراطية التي تستمتع بحبسي و غنائي الحزين خرجوا مع الفجر ..كعادتهم كل نهاية أسبوع .و بقيت وحيدا في القفص ، و القفص وحيدا في الشرفة ، و الشرفة وحيدة .. باردة مثل كل الشرفات المرتفعة عن الأرض أكثر مما يجب ..
أحيانا كنت أضحك من سذاجة سجّاني لأنه لا يدرك بأنه لا يختلف عني كثيرا ..
هو أيضا سجين في قفص كبير..
رحت أحمل الحَبّ في منقاري ثم أقترب من حافة القفص و تقترب هي من الحافة الخارجية حتى يلامس منقاري منقارها فأضع الحب في فمها و أطعمها إلى أن اكتفت .شكرتني و أمالت برأسها الجميل قليلا و بدا عليها السرور و الارتياح .
و منذئذ و هي تزورني كل صباح ..في الصحو و في المطر.. نتقاسم الحَبّ و الماء ثم نظلّ معا نتجاذب الحب و الحَبّ إلى أن يحين موعد رحيلها . كنا نتحدث في أمور شتى .. الحياة و الحب و الحَبّ و الجوع و الحرية ..و نناقش فكرة أيّهما أفضل الحرية مع الجوع أو الشبع داخل الأسر ؟ و حين يعيينا التفلسف ننشد أهزوجتنا التي نظمناها معا :
لولا أنّ لكلٍّ أسلوبه في الحب
لرضيتُ معك بالقليل
لكني لا أرى في الحب حياة
إلا في فضاء الحرية الرحب
ثقي بي
سنطير من هنا
و سنكون دائما معا
تحت الشمس
و تحت المطر
نغنّي أهزوجة الحُب و الحرية..
بحت لها بأفكاري المجنونة.. قلت لها بأني أدين لسجاني بفضل عظيم رغم كل شيء فقد علّمني معنى الحرية .. " من السخف أن نسأل حرا عن معنى الحرية ..كنت أقول لها.. وحده الأسير يستطيع أن يعرّف الحرية و يفسّر معناها ..و الحرية يا صغيرتي لا تستمد معناها منها بل من الغاية التي تكون مقرونة بها ،من الهدف الملازم لها ..و الحرية لا تعرّف إلا من وراء القضبان ..و الآن و قد فهمت معناها الحقيقي فإنني حين أحصل عليها / و أنا مؤمن بذلك كل الإيمان / لن أفلتها أبدا .. سأّستمسك بها بقلبي و روحي .
كم كانت عصفورتي تحب حديثي و كم كنت برفقتها أحس بأنّي أحلّق عاليا في السماء ..
أحببت حديثها أيضا و من أجمل ما حدّثتني عنه هو جزيرة الكناري .. حدّثتها عنها جدّتها ..ليست محض أسطورة قالت لي . إنها حقيقة موجودة في مكان ما.. جزيرة خضراء ..جبالها عالية ، أشجارها باسقة ، عشبها ندي طري ، جوّها دافئ على الدوام.. لا ينقطع فيها الحَب و لا ينضب الماء ..ليس على ترابها جنس بشر.. لا بيوت و لا أسوار و لا أقفاص و لا مصائد و لا بنادق .. يعيش فيها كل الطيور.. بسلام و محبة و تكافل ..أشجار الغار و بساتين الدرّاق و قصب السكر.. " و لماذا نحن هنا إذا ؟" سألتها . لأنّ مجموعة من العصافير الشقية الغبية ، قالت لي ، غامرت يوما بالابتعاد عن الجزيرة فأضاعت طريق الرجوع و هكذا علقت أنت و أنا هنا ..
و لم أدر لحظتها هل ألعن تلك العصافير الغبية أم أشكرها لأنها عرّفتني بعصفورتي .. و بمعنى الحرية ..
أين أنت؟ هل حصل لك مكروه؟
المكان يزداد وحشة و اكفهرارا ..و القلق الأسود يتكاثر حولي .. هذه الدقائق في انتظارها بدت لي كعصر جليدي أو سنة ظلام كاملة ... و لكن يا الهي .. ماذا أرى ؟ ..انتظر ! ..أنت ! ، يا صبي !.. هذه التي في القفص بيدك هي حبيبتي ، لا يحق لك .. أنت ..انتظر ! ..
كانت تنظر لي بعيونها الجميلة و أنا أضرب القفص بمنقاري و جناحي و أصرخ ..
لا تفزعي يا عصفورتي الجميلة و لا تحزني ..سأتحرر و أحررك ..
ردّدي أهزوجة حبنا و انتظريني .
تعليق