أهزوجة الحب و الحرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    أهزوجة الحب و الحرية

    أين هي ؟ لم لا تأتي ؟ هل حصل لها مكروه ؟ أم أنها رحلت للبحث عن الجزيرة ؟
    و كيف ترحل دون أن تودّعني ؟
    أنتظرها منذ ساعة . قلبي يعصره الخوف و قلق أسود يزحف بظلمته فوق روحي . المكان يكفهر.
    عيناي على الطريق ..يسارا ..جهة شجرة الصفصاف التي في آخر الشارع ..
    تعوّدت أن أراها تأتي من هناك ..لعلّها غيّرت الدرب اليوم ؟
    أشتاقك يا أميرتي المدللة.. يا رسولة الشوق و اللهفة ، يا أنيسة وحشتي ، يا هدية حظي السعيد .. أشتاق غناءك ، رفّة جناحك ، منقارك الشهي حين تتحدثين ..
    ليس من عادتها التأخر . لم تخلف موعدا منذ التقينا لأول مرة.. كان صباحا مشرقا مبشرا بكل ألوان الفرح عندما حطّت برقة عند باب القفص ..لكنها ما لبثت أن جفلت و قفزت قفزة إلى الخلف .." معذرة .." قالت " إني جائعة ..رأيت الحَبّ و لم أر القفص و إنّي آسفة لحالك ." ..شعرت بفرحة عارمة لرؤيتها ..صوتها أشبه بخرير جدول و ألوان ريشها تشبه ألواني .لعلنا من نفس القبيلة .. كل العصافير التي أراها تحوم بالمكان لم تكن لتقترب مني ..كأنها تخشى لعنة الأقفاص . لذلك حين رأيتها بالقرب استأنس بها قلبي ..طمأنتها و طلبت منها أن تقترب .." ..الجوع أعمى يا جميلتي " رحت أبوح لها كأنّي حكيم زمانه ، و كأني أعرفها منذ البدء .." كنت أسمع أمي تقول هذا ، الجوع كافر يعمي البصر.. مثلما حصل معي منذ سنة حين علقت في هذا القفص ..عصفورا طائشا مراهقا مغرورا كنت .. لم أنتبه ..رأيت الحب و لم أر عين قناصي ..فوقعت في الأسر .ليس أقسى على الروح يا صغيرة من أن تدخل المصيدة بقدميك و تضع بنفسك الأغلال في عنقك ... لكني قطعت على نفسي وعدا.. أن أخرج من هنا و سأفعل . "
    كانت تستمع باهتمام كبير وبدا لي كأنّ حديثي أذهب فزعها و جوعها .
    شعرت بالشفقة نحوها ..اقترحت عليها أن أطعمها بنفسي ..سجّاني غائب و كل أفراد هذه العائلة الارستقراطية التي تستمتع بحبسي و غنائي الحزين خرجوا مع الفجر ..كعادتهم كل نهاية أسبوع .و بقيت وحيدا في القفص ، و القفص وحيدا في الشرفة ، و الشرفة وحيدة .. باردة مثل كل الشرفات المرتفعة عن الأرض أكثر مما يجب ..
    أحيانا كنت أضحك من سذاجة سجّاني لأنه لا يدرك بأنه لا يختلف عني كثيرا ..
    هو أيضا سجين في قفص كبير..
    رحت أحمل الحَبّ في منقاري ثم أقترب من حافة القفص و تقترب هي من الحافة الخارجية حتى يلامس منقاري منقارها فأضع الحب في فمها و أطعمها إلى أن اكتفت .شكرتني و أمالت برأسها الجميل قليلا و بدا عليها السرور و الارتياح .
    و منذئذ و هي تزورني كل صباح ..في الصحو و في المطر.. نتقاسم الحَبّ و الماء ثم نظلّ معا نتجاذب الحب و الحَبّ إلى أن يحين موعد رحيلها . كنا نتحدث في أمور شتى .. الحياة و الحب و الحَبّ و الجوع و الحرية ..و نناقش فكرة أيّهما أفضل الحرية مع الجوع أو الشبع داخل الأسر ؟ و حين يعيينا التفلسف ننشد أهزوجتنا التي نظمناها معا :
    لولا أنّ لكلٍّ أسلوبه في الحب
    لرضيتُ معك بالقليل
    لكني لا أرى في الحب حياة
    إلا في فضاء الحرية الرحب
    ثقي بي
    سنطير من هنا
    و سنكون دائما معا
    تحت الشمس
    و تحت المطر
    نغنّي أهزوجة الحُب و الحرية..
    بحت لها بأفكاري المجنونة.. قلت لها بأني أدين لسجاني بفضل عظيم رغم كل شيء فقد علّمني معنى الحرية .. " من السخف أن نسأل حرا عن معنى الحرية ..كنت أقول لها.. وحده الأسير يستطيع أن يعرّف الحرية و يفسّر معناها ..و الحرية يا صغيرتي لا تستمد معناها منها بل من الغاية التي تكون مقرونة بها ،من الهدف الملازم لها ..و الحرية لا تعرّف إلا من وراء القضبان ..و الآن و قد فهمت معناها الحقيقي فإنني حين أحصل عليها / و أنا مؤمن بذلك كل الإيمان / لن أفلتها أبدا .. سأّستمسك بها بقلبي و روحي .
    كم كانت عصفورتي تحب حديثي و كم كنت برفقتها أحس بأنّي أحلّق عاليا في السماء ..
    أحببت حديثها أيضا و من أجمل ما حدّثتني عنه هو جزيرة الكناري .. حدّثتها عنها جدّتها ..ليست محض أسطورة قالت لي . إنها حقيقة موجودة في مكان ما.. جزيرة خضراء ..جبالها عالية ، أشجارها باسقة ، عشبها ندي طري ، جوّها دافئ على الدوام.. لا ينقطع فيها الحَب و لا ينضب الماء ..ليس على ترابها جنس بشر.. لا بيوت و لا أسوار و لا أقفاص و لا مصائد و لا بنادق .. يعيش فيها كل الطيور.. بسلام و محبة و تكافل ..أشجار الغار و بساتين الدرّاق و قصب السكر.. " و لماذا نحن هنا إذا ؟" سألتها . لأنّ مجموعة من العصافير الشقية الغبية ، قالت لي ، غامرت يوما بالابتعاد عن الجزيرة فأضاعت طريق الرجوع و هكذا علقت أنت و أنا هنا ..
    و لم أدر لحظتها هل ألعن تلك العصافير الغبية أم أشكرها لأنها عرّفتني بعصفورتي .. و بمعنى الحرية ..
    أين أنت؟ هل حصل لك مكروه؟
    المكان يزداد وحشة و اكفهرارا ..و القلق الأسود يتكاثر حولي .. هذه الدقائق في انتظارها بدت لي كعصر جليدي أو سنة ظلام كاملة ... و لكن يا الهي .. ماذا أرى ؟ ..انتظر ! ..أنت ! ، يا صبي !.. هذه التي في القفص بيدك هي حبيبتي ، لا يحق لك .. أنت ..انتظر ! ..
    كانت تنظر لي بعيونها الجميلة و أنا أضرب القفص بمنقاري و جناحي و أصرخ ..
    لا تفزعي يا عصفورتي الجميلة و لا تحزني ..سأتحرر و أحررك ..
    ردّدي أهزوجة حبنا و انتظريني .
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
  • سعد الأوراسي
    عضو الملتقى
    • 17-08-2014
    • 1753

    #2
    أهلا بالأخت آسيا ..
    وإن كان موضوع العصافير والأقفاص ، غردت به الأقلام على كل الأغصان
    يبقى تغريدك هنا سحرا من أنظمة الصّوت يشنف الآذان ..
    لكن لا أعرف لماذا ذكرتني القصة بذاك العصفور الذي فرّ من القفص ثم عاد إليه
    ربما لأني قرأت بين سطورك حروفا خضراء بقامة الوطن والشمس والسماء انعتقت من القفص والصياد وحتى الشجر ، لإعلاء قيمة الحرية ، وإعمال العقل الذي وحده قد يضمن عدم انتهاك حرمة أي مكسب لا يُعطى ..
    هذا ويبقى بين " الحب " و " الحرية " صناعة تتفرد بجمال البقاء .
    تحيتي الخاصة لك ولأحرار سوق الحياة ..
    التعديل الأخير تم بواسطة سعد الأوراسي; الساعة 28-02-2018, 14:32.

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      ما أجملها هذه القصة .
      العصافير حالة من الحب لا يمكن تجسيدها
      هكذا روت الكاتبة قصة العصفور دون تحيّز أو إسقاط .
      أعجبتني هذه الفقرة . ذكرتني بنيلسون مانديلا قالها في سجنه . :
      أدين لسجاني بفضل عظيم رغم كل شيء فقد علّمني معنى الحرية
      تحياتي أستاذة آسيا رحاحلية
      فوزي بيترو

      تعليق

      • محمد محمود محمد شعبان
        أديب وكاتب
        • 09-02-2012
        • 504

        #4
        وستبقى أهزوجة الحب بفح الحاء وكسرها والحريةمنشوظة على مر العصور ..
        دام قلمك أديبتنا الفاضلة
        وكــــــان لـــــــي صـــــــــديق

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة سعد الأوراسي مشاهدة المشاركة
          أهلا بالأخت آسيا ..
          وإن كان موضوع العصافير والأقفاص ، غردت به الأقلام على كل الأغصان
          يبقى تغريدك هنا سحرا من أنظمة الصّوت يشنف الآذان ..
          لكن لا أعرف لماذا ذكرتني القصة بذاك العصفور الذي فرّ من القفص ثم عاد إليه
          ربما لأني قرأت بين سطورك حروفا خضراء بقامة الوطن والشمس والسماء انعتقت من القفص والصياد وحتى الشجر ، لإعلاء قيمة الحرية ، وإعمال العقل الذي وحده قد يضمن عدم انتهاك حرمة أي مكسب لا يُعطى ..
          هذا ويبقى بين " الحب " و " الحرية " صناعة تتفرد بجمال البقاء .
          تحيتي الخاصة لك ولأحرار سوق الحياة ..
          أخي سعد الأوراسي ..
          شكرا على كرم القراءة و التعقيب ..
          سرني جدا حضورك .
          مودتي و تقديري.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • آسيا رحاحليه
            أديب وكاتب
            • 08-09-2009
            • 7182

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
            ما أجملها هذه القصة .
            العصافير حالة من الحب لا يمكن تجسيدها
            هكذا روت الكاتبة قصة العصفور دون تحيّز أو إسقاط .
            أعجبتني هذه الفقرة . ذكرتني بنيلسون مانديلا قالها في سجنه . :
            أدين لسجاني بفضل عظيم رغم كل شيء فقد علّمني معنى الحرية
            تحياتي أستاذة آسيا رحاحلية
            فوزي بيترو
            أشعر بالغبطة و الارتياح حين ينال نص لي إعجابك دكتور فوزي..
            لم أكن أعلم أن المقولة لمانديلا ..
            تحياتي و تقديري و مودتي لك .
            يظن الناس بي خيرا و إنّي
            لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

            تعليق

            • سائد ريان
              رئيس ملتقى فرعي
              • 01-09-2010
              • 1883

              #7
              الأستاذة آسيا رحاحلية
              أسعد الله أوقاتكم

              تذكرت هذا القصيدة للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي
              و قال فيها

              طعم الحرية

              تلاقى بروض بلبلان فواحد له قفص قد نيط بالفنن الاعلى
              له حوله ما يشتهي من فواكه وحب وعيش يجمع الري والاكلا
              وثان طليق باحث عن غذائه اذا لم يجده يغتذي الشمس والظلا
              فناداه ذو العيش الرغيد الا ابتدر الى قفص اشركك في عيشتي المثلى
              ألام طواف مزمن وتشرد ولما تذق أمنا نهارا ولا ليلا؟
              وأرقد ملء العين لم اخش صائدا ولا اختشي نسرا ولا أتقي نصلا
              اقضي نهاري بين الرقص والغنا كأن الغنا والرقص لي اصبحا شغلا
              هلم لحلو العيش , قال رفيقه صدقت , لكن طعم حريتي احلى

              ——————-
              تحاياي و الثناء

              تعليق

              • فوزي سليم بيترو
                مستشار أدبي
                • 03-06-2009
                • 10949

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
                أشعر بالغبطة و الارتياح حين ينال نص لي إعجابك دكتور فوزي..
                لم أكن أعلم أن المقولة لمانديلا ..
                تحياتي و تقديري و مودتي لك .
                الحقيقة أنني تخيَّلت وتوقعت أن تكون هذه الجملة لمانديلا
                لكن الصح هو أنها بصمة الأستاذة آسيا رحاحلية
                فلا تؤاخذيني
                تحياتي

                تعليق

                • ناريمان الشريف
                  مشرف قسم أدب الفنون
                  • 11-12-2008
                  • 3454

                  #9
                  لغة جميلة وإسقاط رائع
                  ومع ذلك ..
                  الحاجة إلى الطعام أهم من الحاجة إلى الحرية
                  يقول الحق تبارك وتعالى ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف )

                  أحسنت عزيزي آسية
                  تحية
                  التعديل الأخير تم بواسطة ناريمان الشريف; الساعة 03-03-2018, 06:32.
                  sigpic

                  الشـــهد في عنــب الخليــــل


                  الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                  تعليق

                  • آسيا رحاحليه
                    أديب وكاتب
                    • 08-09-2009
                    • 7182

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة محمد محمود محمد شعبان مشاهدة المشاركة
                    وستبقى أهزوجة الحب بفح الحاء وكسرها والحريةمنشوظة على مر العصور ..
                    دام قلمك أديبتنا الفاضلة
                    سرني جدا مرورك ..
                    ألف شكر لك و عميق الود و التقدير .
                    يظن الناس بي خيرا و إنّي
                    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                    تعليق

                    • آسيا رحاحليه
                      أديب وكاتب
                      • 08-09-2009
                      • 7182

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة سائد ريان مشاهدة المشاركة
                      الأستاذة آسيا رحاحلية
                      أسعد الله أوقاتكم

                      تذكرت هذا القصيدة للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي
                      و قال فيها

                      طعم الحرية

                      تلاقى بروض بلبلان فواحد له قفص قد نيط بالفنن الاعلى
                      له حوله ما يشتهي من فواكه وحب وعيش يجمع الري والاكلا
                      وثان طليق باحث عن غذائه اذا لم يجده يغتذي الشمس والظلا
                      فناداه ذو العيش الرغيد الا ابتدر الى قفص اشركك في عيشتي المثلى
                      ألام طواف مزمن وتشرد ولما تذق أمنا نهارا ولا ليلا؟
                      وأرقد ملء العين لم اخش صائدا ولا اختشي نسرا ولا أتقي نصلا
                      اقضي نهاري بين الرقص والغنا كأن الغنا والرقص لي اصبحا شغلا
                      هلم لحلو العيش , قال رفيقه صدقت , لكن طعم حريتي احلى

                      ——————-
                      تحاياي و الثناء
                      فعلا طعم الحرية أحلى ..
                      رائعة قصيدة الشاعر احمد الصافي ..
                      تحياتي و تقديري أخي سائد ريان.
                      شكرا لك.
                      يظن الناس بي خيرا و إنّي
                      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                      تعليق

                      • آسيا رحاحليه
                        أديب وكاتب
                        • 08-09-2009
                        • 7182

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ناريمان الشريف مشاهدة المشاركة
                        لغة جميلة وإسقاط رائع
                        ومع ذلك ..
                        الحاجة إلى الطعام أهم من الحاجة إلى الحرية
                        يقول الحق تبارك وتعالى ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف )

                        أحسنت عزيزي آسية
                        تحية
                        عزيزتي ناريمان ..
                        نعم صدقت فالجوع كافر ..
                        محبتي لك و ألف شكر .
                        يظن الناس بي خيرا و إنّي
                        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                        تعليق

                        يعمل...
                        X